← Фикх общий

Фикх общий · id 1568

الأوسط من السنن والإجماع والاختلاف - ط الفلاح

ابن المنذر

Полный текст (7 126 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

عبد الله بن مسعود يقول: عدلت شهادة الزور بالشرك بالله، ثم قرأ ابن مسعود هذه الآية ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور * حنفاء لله غير مشركين به﴾ (١) (٢). وكان مجاهد يقول في قوله: ﴿واجتنبوا قول الزور﴾ قال: الكذب (٣). وكذلك قال أبو عبيدة. ٦٦٩٠ - وقد روينا عن كتاب عمر بن عبد العزيز أنه قال: قول البهتان وما لا يرضي الله من القول. ومن التغليظ في شهادة الزور وأنها من الكبائر ٦٦٩١ - حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا الجدي (٤)، قال: حدثنا شعبة، عن [عبيد الله] (٥) بن أبي بكر بن أنس، عن أنس أن النبي ﷺ سئل أو ذكر عنده الكبائر فقال: "الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور - أو قول الزور " (٦).

стр. 3257

٦٦٩٢ - حدثنا إبراهيم بن إسحاق، قال: حدثنا معلى بن أسد، قال: حدثنا وهيب بن خالد، عن الجريري، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ [قال] (١): "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "الشرك بالله، وعقوق الوالدين "، وكان متكئا فجلس قال: "ألا وقول الزور، ألا وقول الزور " (٢). ذكر [ما أعد] (٣) الله - جل ذكره - لشاهد الزور إن ثبت الحديث ٦٦٩٣ - حدثنا يوسف بن موسى المروروذي (٤)، قال: حدثنا محمد بن عبيد النحاس، قال: حدثنا محمد بن فرات، قال: حدثنا محارب بن دثار، قال: سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ : "شاهد الزور لا تزول قدماه حتى توجب له النار " (٥). قال أبو بكر: محمد بن فرات (٦) يتكلمون فيه. قال محمد بن إسماعيل: منكر الحديث.

стр. 3258

ومما أنكر عليه رفع هذا الحديث (١). ذكر اختلاف أهل العلم فيما يفعل بمن شهد بالزور اختلف أهل العلم فيما يفعل بشاهد الزور، فروينا عن عمر بن الخطاب أنه أمر أن ينكت به ويخلى سبيله. ٦٦٩٤ - حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ، قال: حدثنا شبابة، قال: حدثنا شعبة، عن عاصم بن عبد الله، عن عبد الله بن عامر قال: رأيت عمر بن الخطاب ذات عشية (أقام) (٢) شاهد الزور في إزار ينكت به، ثم خلى سبيله (٣). وكان شريح إذا أخذ شاهد الزور، فإن كان سوقيا بعث به إلى سوقه، فقال: إن هذا شاهد زور، وإن لم يكن سوقيا بعث به إلى قومه وقال: إن

стр. 3259

هذا شاهد زور. وروي عنه أنه كان يقول إذا بعث به: إنا قد زيفنا شهادة هذا (١)، وكان سوار يأمر به يلبب بثوبه (٢) ويقول لبعض أعوانه: اذهبوا به إلى مسجد الجامع فدوروا به على حلق المسجد ينادي: من رآني فلا يشهد بزور (٣). وكان النعمان (٤) يرى أن يبعث به إلى سوقه إن كان سوقيا، أو إلى مسجد قومه إن كان من العرب فيقول: القاضي يقرئكم السلام ويقول: إنا وجدنا هذا شاهد زور فاحذروه وحذروه الناس، ولا يرى عليه تعزيرا، ورأت طائفة أن يجلد أسواطا ويوقف للناس، كذلك قال شريح - القول الثاني - وبه قال الحسن البصري. وقال مالك بن أنس (٥) في شاهد الزور: أرى أن يفضح ويشهر ويعلن به ويوقف، ولا أريد الحد، وأرى أن يضرب ويشار به. وكان أحمد بن حنبل (٦) [يقول] (٧): يقام للناس ويعرف ويؤدب، وبه قال إسحاق. وقال أبو ثور: يعاقب، ولم يجعل للعقوبة حدا. وقال الشافعي (٨): إذا علم القاضي يقينا أن قد شهد بزور، عزره ولا يبلغ بالتعزير أربعين، ويشهر بأمره، فإن كان من أهل المسجد وقفه

стр. 3260

في المسجد، وإن كان من أهل قبيلة وقفه في قبيلته، وإن كان سوقيا وقفه في سوقه وقال: إنا وجدنا هذا شاهد زور فاعرفوه واحذروه، وإذا أمكن بحال أن لا يكون شاهد زور أو شبه عليه بما يغلط به مثله. قيل له: لا تقدمن على شهادة إلا بعد إثبات، ولم يعزر. وقد روينا عن عمر بن الخطاب أنه أمر بضربه أربعين سوطا وليس ذلك بثابت عنه. ٦٦٩٥ - حدثنا الربيع بن سليمان، قال: حدثنا حجاج - يعني ابن إبراهيم الأزرق - قال: حدثنا عيسى، قال: حدثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم، عن مكحول وعطية بن قيس، أن عمر بن الخطاب ضرب شاهد الزور أربعين سوطا، وسخم وجهه، وطاف به في أسواق المدينة (١). وقد روينا عن عمر بن الخطاب أنه حبسه يوما وخلى سبيله. ٦٦٩٦ - حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا يحيى بن عبد الحميد، قال: حدثنا شريك، عن عاصم، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، أن عمر أخذ شاهد زور، فطاف به ووقفه للناس، وحبسه يوما وخلى سبيله (٢).

стр. 3261

وفيه قول خامس: وهو أن يضرب شاهد الزور خمسة وسبعين سوطا، ولا يبعث به، هذا قول ابن أبي ليلى. وقال يعقوب آخر قوليه: أبلغ به خمسة وسبعين سوطا. وفيه قول سادس: وهو أن يضربا إذا كانا اثنين، وقد شهدا على طلاق ففرق بينهما، ثم أكذبا أنفسهما، مائة مائة، ويغرمان للآخر الصداق. هذا قول الأوزاعي. وقد روينا عن القاسم وسالم غير ذلك، قالا في رجل وجد شاهد زور، وقد أمر الوليد بن عبد الملك بقطع لسانه فقالا: سبحان الله! بحسبه أن يخفق سبع خفقات، ويقام بعد العصر فيقال: هذا أبو قبيس وجدناه شاهد زور. قال: ففعل ذلك به، وقد روينا عن عبد الملك بن يعلى قاضي البصرة أنه أمر بحلق أنصاف رءوسهم وتسخيم وجوههم وطاف بهم في الأسواق والذي شهدوا له معهم. قال أبو بكر: من شهد شهادة زور، فاحتمل أن يكون فيها مخطئا، أو مغفلا، أو له مخرج مما شهد به بوجه من الوجوه، فلا شيء عليه، وإذا لم يكن له من ذلك مخرج، وثبت عند الحاكم، شهر به عند الناس لئلا يغتر به، ولو أدبه الحاكم أدبا خفيفا كان حسنا، والله أعلم. مسألة واختلفوا فيمن شهد بزور، ثم تاب وأناب وظهرت توبته، فعلى مذهب الشافعي (١) والكوفي يجب قبول شهادته إذا أتت على ذلك مدة تظهر فيها توبته (٢) وبه قال أبو ثور.

стр. 3262

وسئل مالك (١) فقيل له: أترى أن تبطل شهادته آخر الدهر أم ترى إذا تاب أجزت شهادته؟ فقال: كيف يؤمن هذا! لا والله. وفرق عبد الملك صاحبه في ذلك بين من يكون بائنا في الفضل مثل مالك وعبد الله بن عبد العزيز العمري، فإن من كان هكذا، ثم أخذ في زور لم تقبل شهادته أبدا، لأنه لا يزيد على الذي كان عليه، ولا تعرف توبته، وبين من يكون يوم يؤخذ في زور غير عدل أو عدلا ليس بالبائن المشهور في الفضل والعبادة، ثم صلحت حالته وبان فضله وعبادته، وبه رأيت أن نجوز شهادته إذا بلغ هذا الحد من الفضل. قال أبو بكر: بالقول الأول أقول.

стр. 3263

جماع أبواب من يجب قبول شهادته ومن لا يجب قبول شهادته قال الله - جل ذكره -: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما﴾ (١)، وقال - جل ثناؤه -: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله﴾ (٢). أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن شهادة الرجل المسلم البالغ العاقل الحر الناطق، المعروف النسب، البصير، الذي ليس بوالد المشهود له، ولا ولد، ولا أخ، ولا زوج، ولا أجير، ولا صديق، ولا خصم، ولا عدو، ولا وكيل، ولا شريك، ولا جار بشهادته إلى نفسه، وبعد أن لا يكون صاحب بدعة، ولا شاعر يعرف بأذى الناس، ولا شارب الخمر، ولا لاعب الشطرنج يشتغل به عن الصلاة حتى يخرج وقتها، ولا قاذف للمسلمين، ولم يظهر منه ذنب هو مقيم عليه صغير ولا كبير، وهو ممن يؤدي الفرائض، ويجتنب المحارم: جائزة يجب على الحاكم قبولها، إذا كانا رجلين، أو رجلا وامرأتين (٣)، إذا كان ما شهدا عليه مالا معلوما يجب أداؤه وادعاه المدعي. ذكر اختلافهم في شهادة الوالد لولده والولد لوالده واختلفوا في الشاهد إذا كان بالصفة التي ذكرناها غير أنه والد للمشهود له أو ولد، فأبطلت طائفة شهادة بعضهم لبعض، وممن أبطل

стр. 3264

ذلك وقال لا يجوز: إبراهيم النخعي، والحسن البصري، وعامر الشعبي، وشريح، ومالك بن أنس (١)، وسفيان الثوري، والشافعي (٢)، وأحمد بن حنبل (٣)، وأبو عبيد، والنعمان (٤). وقالت طائفة بظاهر قوله: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ (٥) قالت: فقبول شهادة كل مسلم جائزة على ظاهر الآية إذا كان رضا، وغير جائز أن يكون الشاهد في حالة واحدة ثقة وغير ثقة، مقبول الشهادة مردودها. قالت: والقائل بخلاف هذا القول قائل بخلاف ظاهر الآية إلى غير حجة يفزع إليها يستثني برأيه من ظاهر الكتاب بعد إعطائه من نفسه، أن الخروج عن ظاهر الكتاب وعمومه غير جائز إلا بحجة من سنة أو إجماع، هذا قول جماعة من أهل النظر ممن يوجب القول بالظاهر، ويرى أن الخروج عن ظاهر الكتاب غير جائز إلى آراء الرجال بغير حجة يفزع إليها قائلها. ٦٦٩٧ - حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا أبو عبيد، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، عن أبي الزناد، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن عمر بن الخطاب أنه قال: تجوز شهادة الوالد لولده، والولد لوالده (٦).

стр. 3265

وقد روينا عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: تجوز شهادة الوالد لولده، والولد لوالده (١) وبه قال إسحاق بن راهويه، وأبو ثور، والمزني (٢). وقد روينا عن شريح أنه أجاز شهادة زوج وأب في الحي. فقال له رجل: إن هذا زوج وأب. فقال: أتجرح شهادتهما بشيء؟ شهادة كل مسلم جائزة. وأجاز إياس بن معاوية شهادة رجل لابنه. وسئل الزهري عن شهادة الوالد لولده فقال: قد كان فيما مضى من السنة وسلف المسلمين يتأولون في ذلك قول الله - جل ذكره: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين﴾ (٣) فلم يكن (في) (٤) سلف المسلمين والد لولده، ولا ولد لوالده، ولا أخ لأخيه، ولا المرأة لزوجها، ولا الزوج لامرأته، إذا رضي هديهم قال: ثم دخل الناس بعد ذلك (٥) فرضيت شهادتهم (٦). قال أبو بكر: وبهذا نقول اتباعا لظاهر الكتاب، ولإيجاب الله

стр. 3266

القيام بحقه في عباده فيما فرض لبعضهم على بعض، ولقوله: ﴿وأقيموا الشهادة لله﴾ فكل مسلم قبله شهادته فعليه القيام بها، وعلى الإمام قبولها على ظاهر كتاب الله إلا أن تدل حجة على الوقف عن قبول شهادة من الشهادات فيوقف عن قبول ما تقوم الحجة عليه من ذلك. وثبت أن رسول الله ﷺ قال: "البينة على المدعي " (١)، فالبينة العادلة يجب قبولها والحكم بها، ولا يجوز لمسلم أن يظن بأخيه المسلم ظنا لا دلالة معه، لأن ذلك منهي عنه، ولا يخالف أحد ما أمر به الرسول، ثم يجعل ما ارتكب مما نهى عنه الرسول ﷺ أصلا تبنى عليه المسائل. ثبت أن نبي الله ﷺ قال: "إياكم والظن فإنه أكذب الحديث ". ٦٦٩٨ - حدثنا علي بن الحسن قال: حدثنا عبد الله بن الوليد، عن سفيان، عن ابن ذكوان، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث " (٢). وقالت طائفة: لا تجوز شهادة الابن لأبيه، وتجوز شهادة الأب لابنه، هكذا قال الشعبي الرواية الثابتة عنه. وفيه قول رابع: وهو إبطال شهادة الوالد لولده، وقبول شهادة الولد لوالده، هذا قول الحسن البصري الرواية الثابتة عنه. قال أبو بكر: ولا تجوز شهادة الجد لولد ولده، ولا شهادة

стр. 3267

الرجل لجده في قول الشافعي (١) والكوفي (٢) وابن القاسم صاحب مالك (٣) وشهادتهم في قول الآخرين جائزة. ذكر شهادة الإخوة والأخوات والقرابات بعضهم أجمع عوام أهل العلم على أن شهادة الرجل لأخيه جائزة إذا [كان] (٤) عدلا (٥). ٦٦٩٩ - حدثنا موسى بن هارون قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا روح بن عبادة، عن ابن جريج، عن مزاحم بن أبي مزاحم، عن ابن أبي يزيد، عن ابن الزبير: أنه أجاز شهادة الأخ لأخيه (٦). قال أبو بكر: وهذا قول شريح، والشعبي، وعمر بن عبد العزيز، وإبراهيم النخعي، ومالك بن أنس (٧). ٦٧٠٠ - حكى أبو عبيد، عن ابن أبي مريم، عن مالك بن أنس أنه قال: شهادة الأخ لأخيه جائزة في الحقوق، ولا تجوز في النسب. قال أبو عبيد: وكذلك قال سفيان وأهل العراق في الحقوق، وعليه الحكام اليوم.

стр. 3268

قال أبو بكر: وقال سفيان الثوري: تجوز شهادة الأخ لأخيه إذا لم يجر إلى نفسه. وشهادة العم جائزة، وكذلك قال الشافعي (١)، وأحمد بن حنبل (٢)، وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأصحاب الرأي (٣)، وفي قول الشافعي (٤)، وأبي ثور، وأصحاب الرأي (٥): شهادة العم والخال جائزة، وكذلك تجوز شهادة الرجل لابنه وأبيه من الرضاعة. ذكر شهادة الرجل لزوجته والمرأة لزوجها واختلفوا في شهادة الرجل لزوجته والمرأة لزوجها. فأجازت طائفة ذلك. أجاز ذلك الحسن البصري والشافعي وأبو ثور، وأجاز شريح شهادة زوج وأب. وقالت طائفة: لا تجوز شهادة الزوج لامرأته، ولا شهادة المرأة لزوجها كذلك قال النخعي، والشعبي، وبه قال مالك بن أنس (٦)، وأحمد بن حنبل (٧)، وإسحاق.

стр. 3269

وفيه قول ثالث: وهو إجازة شهادة الرجل لامرأته ورد شهادة المرأة لزوجها. هكذا قال سفيان الثوري، وروي ذلك عن الشعبي. قال أبو بكر: بالقول الأول أقول، وذلك لقوله - جل ذكره -: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ (١) فإذا كان المرء رضا كان مقبول الشهادة على أبيه وابنه وزوجته، وكذلك شهادة المرأة جائزة لزوجها على ظاهر الآية، ولا نعلم مع من منع من ذلك حجة يرجع إليها. ذكر شهادة الأعمى واختلفوا في شهادة الأعمى. فقالت طائفة: شهادته جائزة. كذلك قال محمد بن سيرين، والشعبي والزهري، وعطاء بن أبي رباح. وسئل القاسم بن محمد عن شهادة الأعمى: هل تجوز شهادته ويؤم؟ قال: وما يمنعه من ذلك. وقال مالك بن أنس (٢) وابن أبي ليلى: شهادته جائزة. واحتج مالك بأن الناس إنما حفظوا عن أزواج النبي ﷺ ما حفظوا عنهن من وراء حجاب قال: وقد كان ابن أم مكتوم أعمى إماما مؤذنا على عهد رسول الله ﷺ فإذا أثبت الأعمى وعرف جازت شهادته. قال مالك (٣): وكذلك الرجل إذا شهد على المرأة من وراء سترة، وقد عرفها وعرف صوتها وأثبتها قبل ذلك، فشهادته جائزة عليها،

стр. 3270

واحتج له بعض أصحابه فقال: الشهادة موكلة إلى معرفة لمن شهد عليه، وأمانته على ذلك، والبصير يعرف الناس بالرؤية ويستيقن ذلك، والضرير يعرف الصوت ويستيقن على ذلك، وهما مؤتمنان على تيقنهما، وقد يشهد على البصير على الشخص فتقبل شهادته، والشخص قد يشبه الصوت، فإن زعم من يخالفنا أن الضرير لا يستيقن على معرفة صوت الإنسان، فإنه لا ينبغي له أن يجيز له أن يروي عن محدث، ولا ينبغي له أن يغشى زوجته ولا أمته إذا كان لا يستيقن أنهما هما بأعيانهما، فإن زعم أنه يجوز له ذلك، لأنه قد يستيقن على زوجته وأمته قيل له: فما تقول إن شهد على زوجته بشهادة، فإن زعم أنها جائزة عليها فقد زعم أنه يستيقن على من يعرف، وإن زعم أنه لا يجوز ذلك، لأنه لا يستبينها فكيف يجوز أن يغشى امرأة لا يدري أهي امرأته أم لا؟ وإنما تجوز شهادة الأعمى على الإقرار دون أفعال الأبدان من الزنا والسرقة وغير ذلك. ٦٧٠١ - حدثنا علي بن عبد العزيز، عن أبي عبيد قال: حدثنا أبو الأسود عن ابن لهيعة، عن عبد الرحمن بن حسان، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: قدموا العبد إذا كان صالحا، وأشهدوا الأعمى. وأبطلت طائفة شهادة الأعمى، وممن قال: لا تجوز شهادة الأعمى: إبراهيم النخعي، وأبو هاشم، والشافعي (١)، والنعمان (٢). واختلف فيه عن الحسن البصري، فحكى الأشعث عنه أنه قال: شهادة الأعمى جائزة، وحكى يونس وعمرو عنه أنه قال: لا تجوز

стр. 3271

شهادته. واختلف فيه عن إياس بن معاوية، فذكر أيوب أبو العلاء أن قتادة شهد عند إياس بن معاوية فأجاز شهادته وقال: لا تشهد بعدها، ولولا معرفتي بك لم أجز شهادتك. وذكر وكيع، عن سفيان أن قتادة شهد عند إياس بن معاوية وهو أعمى فرد شهادته. واختلف فيه عن ابن أبي ليلى فحكى أبو عبيد عنه أنه قال: إذا شهد عليها بصيرا، ثم أقامها أعمى جازت شهادته، إذا كانت الشهادة مما لا يحتاج أن يقف عليها. وحكى الشافعي عنه أنه قال: شهادته جائزة، وحكى وكيع عنه كحكاية الشافعي، وقال الشافعي (١): إذا رأى فأثبت وهو بصير، ثم شهد وهو أعمى [قبلت شهادته، لأن الشهادة إنما وقعت وهو بصير، إلا أنه بين وهو أعمى عن شيء وهو بصير، ولا علة في رد شهادته، فإذا أشهد وهو أعمى] (٢) على شيء. قال: أثبته كما أثبت كل شيء بالصوت أو الحسن فلا تجوز شهادته، لأن الصوت يشبه الصوت، والحس يشبه الحس. قال: فأما إصابة الأعمى أهله وجاريته، فذلك أمر لا يشبه الشهادات، لأن الأعمى وإن لم يكن يعرف امرأته معرفة البصير، فقد يعرفها معرفة يكتفى بها، وتعرفه هي معرفة البصير، وقد يصيب البصير امرأته في الظلمة على معنى معرفة مضجعها ومجستها، ولا يجوز أن يشهد على أحد في الظلمة على معرفة لمجسه والمضجع، وقد يوجد من شهادة الأعمى بد، لأن أكثر الناس غير

стр. 3272

عمى. فأما عائشة ومن روى عنها الحديث، فالحديث إنما قبل على صدق المخبر، وعلى الأغلب على القلب، وليس من الشهادات بسبيل، ألا ترى أنا نقبل في الحديث حدثني فلان عن فلان ولا نقبل في الشهادة حدثني فلان عن فلان حتى يقول: أشهد لسمعت فلانا. ونقبل حديث المرأة حتى نحل [بها] ونحرم وحدها، ولا نقبل شهادتها وحدها على شيء، ونقبل حديث العبد الصادق ولا نقبل شهادته على شيء، فالحديث غير الشهادة (١). قال أبو بكر: وفي هذه المسألة أقاويل غير ذلك. روينا عن شريح أنه كان يجيز شهادة الأعمى مع الرجل العدل إذا عرف الصوت. وقال قتادة: كذلك إذا كان معه رجل بصير وكانا عدلين. وسئل الحكم عن شهادة الأعمى. فقال: رب شيء يجوز فيه. وقال أحمد بن حنبل (٢): تجوز في المواضع في النسب، وكل شيء يضبطه، وعرفه (٣) معرفة لا تخفى عليه. وبه قال إسحاق. وقال النعمان (٤): تجوز شهادته في التسامع. وقال الحسن: لا يجوز إلا أن يكون شيئا قد رآه قبل أن يذهب بصره.

стр. 3273

ذكر شهادة العبد واختلفوا في شهادة العبد، فرأت طائفة أن شهادة العبد كشهادة الحر إذا كان رضي لدخوله في جملة قوله: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ (١). روينا هذا القول عن علي بن أبي طالب وبه قال أنس بن مالك. ٦٧٠٢ - حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا يحيى الحماني، قال: حدثنا حفص، عن أشعث بن سوار، عن الشعبي، عن شريح: أنه كان [لا] (٢) يجيز شهادة العبد. فشهد عبد لعبد الله بن جعفر، فقال شريح: لا نجيز شهادة العبد. فقال علي: لكنا نجيزها. فكان بعد يجيز شهادة العبد إلا لسيده (٣). ٦٧٠٣ - حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا حفص، عن المختار بن فلفل قال: سألت أنسا عن شهادة العبد؟ فقال: تجوز. فقلت: إن [أناسًا] (٤) يقولون: لا تجوز، فقال: ما علمت أن أحدا رد شهادة العبد (٥).

стр. 3274

وممن كان يجيز شهادة العبد إذا كان عدلا محمد بن سيرين وشريح. وقال الزهري: أول من أجاز شهادة المملوك في المفاجأة (١) مروان بن الحكم. وقال الحراني: شهدت عند سليمان بن حبيب وأنا عبد، فأجاز شهادتي. وقال أحمد بن حنبل (٢)، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور: شهادة العبد جائزة. واحتج أبو ثور بظاهر القرآن ﴿شهيدين من رجالكم﴾ (٣)، وقال: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾، وقال: ﴿ذوي عدل منكم﴾ (٤) فالعبد داخل في ذلك كله. وقال الشعبي: تجوز شهادته في الشيء اليسير. وقال النخعي: تجوز شهادته في الشيء التافه. وفيه قول ثان: وهو أن شهادة العبد لا تجوز. كان مجاهد يقول: أهل مكة وأهل المدينة لا يجيزون شهادة العبد، وبه قال عطاء، والزهري، والحسن البصري، ومكحول، ومالك (٥)، وسفيان الثوري، والأوزاعي، والشافعي (٦)، والنعمان وأصحابه (٧)، وأبو عبيد، وكان شريح لا يجيز

стр. 3275

شهادته لسيده، وكذلك قال النخعي. قال أبو بكر: وحكم المكاتب حكم العبد. ٦٧٠٤ - حدثنا علي، عن أبي عبيد، قال: حدثنا حسان بن إبراهيم الكرماني، عن إبراهيم الصائغ، عن نافع، عن ابن عمر قال: لا تجوز شهادة المكاتب ما بقي عليه نجم واحد (١). وبه قال عطاء، والنخعي، والشعبي، وفي القول الأول شهادته جائزة إذا كان عدلا. ذكر شهادة الطفل غير البالغ واختلفوا في شهادة الصبي غير البالغ. فقالت طائفة: لا تجوز شهادته، لأنه ليس ممن نرضى، وإنما قال الله - جل وعز -: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ (٢). ٦٧٠٥ - أخبرنا محمد بن عبد الوهاب قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس في شهادة الصبيان قال: قال الله: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ وليسوا ممن نرضى (٣). وقال القاسم بن محمد وسالم في غلام شهد: إن كان أنبت فأجز شهادته.

стр. 3276

وقال مكحول: إذا بلغ الغلام خمس عشرة جازت شهادته. وكان عطاء بن أبي رباح، والشعبي، وشريح، والحسن البصري لا يجيزون شهادته، وهذا قول ابن أبي ليلى، وسفيان الثوري، والشافعي (١)، وأحمد بن حنبل (٢)، وإسحاق، وأبي ثور، وأبي عبيد والمزني (٣)، والنعمان وأصحابه (٤). وقالت طائفة: تجوز شهادتهم في الجراح وفي الدم. ٦٧٠٥ - م حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا يحيى بن أبي بكير، عن نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة قال: كتبت إلى ابن عباس وإلى ابن الزبير في شهادة الصبيان، فقال ابن عباس: ليسوا ممن أمرنا أن نقبل شهادتهم. وقال ابن الزبير: إن أخذوا عند مصاب صاحبهم فبالحري أن يعقلوا ويحفظوا ما رأوا، وإن تفرقوا فليسوا ممن أمرنا أن نقبل شهادته. قال: فأخذ الناس بقول ابن الزبير (٥). وكان شريح يجيز شهادتهم في السن والموضحة (وينأى بهم) (٦) فيما سوى ذلك، وكان النخعي يجيز شهادتهم في الجراحات والدم. وقال

стр. 3277

أبو الزناد: السنة في شهادة الصبيان أن يؤخذ بقولهم في الجراح، ولا يلتفت إلى ما أحدثوا. قال: وبذلك كان يقضي عمر بن عبد العزيز. وقال النخعي: تجوز شهادة الصبيان بعضهم على بعض فيما يخلون به بينهم. وقال الحسن البصري: تجوز شهادة الصغار بعضهم على بعض إذا فرق بينهم. وقال الزهري وربيعة بن أبي عبد الرحمن: تجوز شهادة الصبيان بعضهم على بعض. وقال عروة بن الزبير: تجوز شهادتهم إذا لم يكن معهم غيرهم ويؤخذ بأول قولهم. ٦٧٠٦ - حدثونا عن أبي موسى محمد بن المثنى، قال: حدثنا معاذ بن هشام قال: حدثنا أبي، عن قتادة، عن خلاس بن عمرو أن علي بن أبي طالب كان يجيز شهادة الصغير على الصغير (١). وقال مالك (٢): الأمر المجتمع عليه عندنا أن شهادة الصبيان تجوز فيما بينهم في الجراح، ولا تجوز في غير ذلك، وإنما تجوز شهادتهم (٣) قبل أن يتفرقوا ويخببوا ويعلموا، فإذا تفرقوا فلا شهادة لهم إلا أن يكونوا قد أشهدوا العدول على شهادتهم قبل أن يتفرقوا، وقال مالك (٤) في صبيان ستة في بحر، فغرق وليد منهم، فشهد ثلاثة من الصبيان على اثنين أنهما غرقاه، وشهد اثنان على ثلاثة أنهم غرقوه. قال: عليهم القتل كلهم، ولا تقبل شهادة بعضهم على بعض، لأن كل واحد منهم يدرأ عن نفسه.

стр. 3278

وقال الزهري في شهادة الغلمان قال: جائزة، ويستحلف أولياء المشجوج. وقال الأوزاعي: فإن أبوا أن يحلفوا، استحلف الآخرون. فإن أبوا فنصف العقل. قال الزهري: أجاز مروان شهادة الغلمان، وجعل على أولياء المجروح اليمين. وقد روينا عن الزهري أنه قال: أرى شهادتهم في النكاح جائزة والوصية. وكان يقول: مضت السنة أن لا تجوز شهادتهم في حدود. وقد روينا عن ابن سيرين أنه قال: تكتب شهادتهم ويستثبتون. قال أبو بكر: وقد احتج الشافعي لقوله: بأن الرضا إنما يقع على العدول منا، ولا يقع إلا على البالغين، لأنه إنما خوطب بالفرائض البالغون دون من لم يبلغ، وإذا لم يلزمه أكثر الفرائض في نفسه لم يلزم غيره فرضا بشهادته (١). ذكر شهادة البدوي على القروي وإبطال ذلك إن ثبت الحديث ٦٧٠٧ - حدثنا علان بن المغيرة، قال: حدثنا ابن أبي مرة، قال: أخبرنا نافع - يعني ابن يزيد - قال: حدثني ابن الهاد، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية " (٢). ٦٧٠٨ - وحدثنا علي بن عبد العزيز، عن أبي عبيد، قال: حدثنا

стр. 3279

أبو الأسود، عن نافع بن يزيد، عن [يزيد] (١) بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، عن محمد بن عمرو بن حلحلة، عن عمرو بن علقمة (٢)، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية ". وقد اختلفوا أهل العلم في جواز شهادة البدوي على القروي. فقالت طائفة: شهادته جائزة إذا كان عدلا على ظاهر قوله: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ (٣) لا فرق بين القروي والبدوي في ذلك، إذ هما جميعا في سائر الأحكام واحد. هذا قول ابن سيرين والشافعي (٤) وأبي ثور، وبه قال النعمان

стр. 3280

وأصحابه (١)، وبه نقول إذا كان عدلا لظاهر قوله: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ فإذا كان الشاهد عدلا وجب قبول شهادته، قرويا كان أبو بدويا، وقد روينا عن النبي ﷺ أنه قبل شهادة أعرابي على هلال شهر رمضان، وفي ذلك أبين البيان على أن شهادة البدوي مقبولة إذا كان عدلا فيما تقبل فيه شهادة القروي. ٦٧٠٩ - حدثنا نصر (بن) (٢) زكريا، قال: حدثنا داود بن مخراق، قال: حدثنا الفضل بن موسى، عن سفيان الثوري، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: إني رأيت الهلال. قال: "تشهد (٣) أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله (٤) .... فنادى أن صوموا " (٥).

стр. 3281

قال أبو بكر: وقد تكلم غير واحد من أهل العلم في معنى حديث أبي هريرة فدفع ناس من أهل الحديث أن يكون الحديث ثابتا. وقال بعضهم: هو غلط. وقال أبو عبيد: لا أرى شهادات الأعراب على أهل القرى ردت للتهمة بشهادة الزور، ولا كانوا يعرفونها، ولكني أرى ذلك لما فيهم من الجفاء في الدين، والجهالة بحدود الله وشرائعه، ولهذا جاءت الآثار أن أعرابيا لو حج عشر سنين ثم هاجر كانت عليه حجة الإسلام (١). ومن ذلك نهي عمر بن عبد العزيز عن تزويج الأعراب المهاجرة يخرجها إلى داره. ومنه الحديث الذي فيه التغليظ (في) (٢) التعرب بعد الهجرة (٣)، وذلك لبقايا اختلاف أهل الجاهلية فيهم، من ذلك استقادتهم في القتل من

стр. 3282

غير القاتل. ومنه منعهم الولد ميراث أبيه إذا كانت أمه غير مهيرة (١) وكان له إخوة أبناء مهائر، ومنه إجابتهم دعوى القبائل إذا قيل مال فلان ومال فلان، فليس يخرج من ذلك ذوو الأسنان (وأنزعه) (٢) منهم، ولا يرونه مأثما ولا حرجا فضلا عن سفهائهم، وروي عن عمر بن عبد العزيز في شهادات البربر نحو هذا، وقال آخر نحوا مما قال أبو عبيد. وقال: لما كان الأغلب والأظهر أن أهل البدو يجهلون الأحكام، ولا يحسنون احتمال الشهادات ولا تأديتها، فإنما أسقطت شهادتهم على الأغلب، والأظهر من أمرهم، وكان مالك بن أنس يقول غير ذلك، قال مالك (٣): لا أرى شهادة البدوي على القروي جائزة، لأن معه في الحضارة من يغنيه عن البدوي إلا أن يكون معه في بادية، أو في قرية، وذلك لأن الناس لم يبرحوا يتوثقوا لأنفسهم في حقوقهم، ويشهدون العدول. والذي يشهد بدويا ويدع جيرته من أهل الحضر عندي مريب (٤). قال مالك (٥): فأما شهادة البدوي في الجراح، فإني أرى إذا كان البدوي عدلا أن تجوز شهادته، وذلك أن الجراح يلتمس لها الخلوة، وموضع غير أهل العدالة من الشهداء، أو لا يستطيع من أصابه ذلك أن

стр. 3283

يحضر الشهداء لذلك، وقال مالك (١): لا تجوز شهادة بدوي على قروي في الحضر، إلا أن يكون القروي في سفر فباع أو أوصى فأشهدهم، فإني أرى شهادتهم جائزة إذا كانوا عدولا. ذكر شهادة ولد الزنا واختلفوا في شهادة ولد الزنا. فقالت طائفة: يجب قبولها إذا كان عدلا لدخوله في ظاهر قوله: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ (٢) هذا قول عطاء بن أبي رباح، والشعبي، والحسن البصري وقال: لا يفضله ولد الرشدة إلا بالتقوى. وقال الزهري: تجوز شهادته إذا كان مرضيا ويؤم. وبه قال الشافعي (٣)، وأحمد بن حنبل (٤)، وإسحاق، وأبو عبيد، والنعمان وأصحابه (٥). وقالت طائفة: لا تجوز شهادته. كذلك قال نافع مولى ابن عمر، وبه قال الليث بن سعد في الشهادة على الزنا إذا شهد عليه أربعة أحدهم ولد زنا. قال: ترد شهادتهم، ولا جلد عليهم. وفيه قول ثالث: قاله مالك (٦)، قال مالك في ولد الزنا: أنه في

стр. 3284

شهادته وحرمته وحدوده بمنزلة المسلمين إلا أنه لا يجلد فيه من قذفه بأمه، ولا تجوز شهادته في الزنا وما أشبهه. قال: وسمعت الليث بن سعد يقول ذلك. ابن وهب عنهما، وقال بعض من نحفظ قوله: إنما أسقط - يعني مالكا - شهادته في الزنا خاصة، لأن الجملة فيمن فعل شيئا قبيحا أنه يحب أن يكون له نظراء. وقد حكي عن عثمان أنه قال: ودت الزانية لو أن النساء كلهن زنين (١). قال أبو بكر: وفي هذا الكلام غلط من وجوه: أحدها: أن ولد الزنا لم يفعل فعلا قبيحا يستوجب به شيئا، فيحب أن يكون له نظير. والثاني: أني لا أعلم ما قاله عن عثمان ثابتا، وأشبه ذلك أن لا يكون ثابتا، إذ غير جائز على مثل عثمان في جلالته أن يطلق كلامه، ويحكي عن ضمير امرأة ما لا يعلم ذلك منها إلا حكاية عنها لو تكلمت فيه، فيقال: قالت كذا. فأما أن يرسل كلاما هكذا بالظن، فغير جائز ظن ذلك بعثمان، ولو كان مكان ولد الزنا الذي يفعل شيئا يستوجب به حد الزانية نفسها ثم تابت لوجب قبول توبتها، كما يجوز قبول شهادة سائر أهل الذنوب إذا تابوا، ولو شهد الزاني أو الزانية شهادة بعد أن يتوب، وبعد أن يزول عنه ذلك الاسم، لوجب قبول توبته والحكم بشهادته مع أن الكتاب يدل على قبول شهادته قال الله: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ (٢) فإذا كان ولد الزنا بارا عدلا، وجب قبول شهادته، ولا يجوز أن يلزم ولد الزنا من فعله شيئا، لأن الله جل ثناؤه قال: ﴿وإبراهيم الذي وفى * ألا تزر وازرة وزر أخرى﴾ (٣) وقال: ﴿كل امرئ بما كسب رهين﴾ (٤) وولد الزنا لم يفعل

стр. 3285

فعلا يستوجب به حكما (١). فإن اعتل معتل بالحديث الذي فيه ذكر "ولد الزنا شر الثلاثة " (٢) فقيل: ذلك خاص في زانيين زنيا فولد بينهما ولد فأسلما، وبقي الولد على دين أبويه، فقيل: ولد الزنا شر الثلاثة، لأن الزانيين أسلما ولم يسلم، فكان شر الثلاثة لتخلفه عن الإسلام، ولما لم نعلم مخالفا أن الزانيين إذا تابا وأصلحا أن شهادتهما مقبولة لم يجز أن نجعل من لم يزل على طريقة حسنة واستقامة من أمره وحد كأشر من الذي زنى ثم تاب وأناب، وشهادة ولد الزنا يجب قبولها على ظاهر الكتاب، ويكون في أحكامه كأحكام المسلمين (٣). ذكر شهادة الشريك لشريكه اختلف أهل العلم في شهادة الشريك لشريكه، فقالت طائفة: لا تجوز شهادة الشريك لشريكه. قال شريح: قال (٤): لا أجيز عليك شهادة خصم ولا شريك ولا مريب ولا دافع مغرم (٥). وقال الثوري: كان إبراهيم يقول: لا تجوز شهادة الشريك لشريكه. قال سفيان: ومن شهد بشهادة يجر إلى نفسه

стр. 3286

فيها شيئا فلا شهادة له. وقال الشافعي (١)، وأحمد بن حنبل (٢): لا تجوز شهادة الشريك لشريكه. قال الشافعي (٣): ولا تجوز شهادة جار إلى نفسه. وقال أصحاب الرأي (٤): لا تجوز شهادة الشريك المفاوض لشريكه في قليل ولا كثير ما خلا الحدود، والقصاص، والنكاح، فإن هذا ليس من التجارة ولا مما لشريكه فيه، وقالوا: لا تجوز شهادة الشريك لشريكه وإن كان غير مفاوض في تجارتهما، لا تجوز للتهمة. قال أبو بكر: لا تجوز شهادة الشريك لشريكه فيما قد اشتركا فيه، وفيما هما فيه شريكان، وتجوز شهادة كل واحد لصاحبه فيما لا شركة فيه للشاهد، وهذا يشبه معاني الشافعي (٥) والذي حكاه عنه البويطي على الاختصار، وعلى أنه إنما رد شهادته فيما هو فيه شريك للشاهد مما هو جار إلى نفسه بشهادته شيئا. ذكر شهادة الخصم على من هو مخاصم له، وشهادة العدو على عدوه قال شريح: لا أجيز شهادة خصم، ولا شريك، ولا مريب، ولا دافع مغرم. وقال الزهري: مضت السنة في الإسلام بأن لا تجوز شهادة خصم

стр. 3287

يخاصم من قريب أو بعيد. وكان ربيعة يرد شهادة الخصم الذي يجر إلى نفسه. وسئل مالك ﵀ عن قول عمر: لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين (١)، من الظنين؟ فقال: الظنين المتهم الذي لا يؤتمن بتلك الشهادة. وسئل الثوري عن رجل خاصم في الخصومة مرة، ثم نزع بعد، ثم شهد بعد ترى له شهادة؟ قال: لا، وعرض هذا من قول الثوري على أحمد فقال (٢): لا يقبل قوله. وبه قال إسحاق. قال أبو بكر: إذا كانت الخصومة قائمة بين الشاهد والخصم لم تقبل شهادته، لا أعلم في ذلك اختلافا، ولكنهما لو اصطلحا ومكثا بعد ذلك طويلا ثم شهد عليه بشهادة وجب قبول شهادته. سئل مالك عن الرجلين يختصمان في الخصومة، ثم يمكثان بعد ذلك سنين، ثم يشهد أحدهما على صاحبه شهادة، قال: إن كان أمرهما قد صار إلى سلامة وصلاح فذلك جائز عليه. قال أبو بكر: وإذا شهد الرجل على رجل بشهادة فقال المشهود عليه: هو لي خصم أو عدو ولا يعرف ذلك لم يقبل قوله، لأنا لو أجزنا ذلك لم يشأ أحد يشهد عليه بشهادة إلا أبطلها بدعواه، ولكنه لو أتى ببينة تشهد على ما قال أنه عدو له أو خصم، لم تقبل شهادته عليه، وقال مالك (٣): لا تجوز شهادة جار إلى نفسه، ولا دافع عنها، ولا ذي عداوة.

стр. 3288

٦٧١٠ - حدثنا علي بن عبد العزيز، عن أبي عبيد، قال: حدثنا يزيد، عن الحجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: "لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا محدود في الإسلام ولا ذي غمر على أخيه " (١). ذكر شهادة الخائن والخائنة ٦٧١١ - حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ، قال: حدثنا زهير، قال: حدثنا هاشم بن القاسم، قال: حدثنا محمد بن راشد الخزاعي، عن سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله ﷺ رد شهادة الخائن والخائنة، وذي الغمر على أخيه، ورد شهادة القانع لأهل البيت - يعني التابع - وأجازها على غيرهم (٢). قال أبو عبيد: فقوله الخائن والخائنة لا نراه خص به الخيانة في أمانات الناس دون ما افترض الله على عباده وائتمنهم عليه، فإنه قد سمى ذلك كله في كتابه أمانة قال الله - جل ذكره -: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أمانتكم وأنتم تعلمون﴾ (٣)، وقال: ﴿إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها﴾ (٤) الآية. قال سعيد بن

стр. 3289

جبير في هذه الآية: هي الفرائض (١). قال أبو عبيد: فالأمانة على هذا التأويل ينبغي أن تكون جميع ما افترض الله على العباد القيام به، وجميع ما افترض [عليهم] (٢) اجتنابه من صغير ذلك وكبيره فمن ضيع شيئا مما أمر الله به، أو ركب شيئا مما نهاه الله عنه، فليس ينبغي أن يكون عدلا على تأويل الخائن والخائنة، لأنه قد لزمه اسم الخيانة. قال أبو عبيد: وقوله القانع عندنا السائل، والمستطعم كذلك يروى في تفسيره في قوله: ﴿فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر﴾ (٣) فيرون أن القانع: السائل، والمعتر: الذي يتعرض ولا يسأل، وقد حكي حديث فيه تصديق هذا. ٦٧١٢ - حدثنا علي، عن أبي عبيد، قال: حدثني نعيم، عن بقية، عن محمد بن راشد، عن سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده رفعه قال: "لا شهادة للمسكين السائل " (٤). قال أبو عبيد: وقد يقال في القانع: أنه المنقطع إلى القوم يخدمهم،

стр. 3290

ويكون [في] (١) حوائجهم، فذلك مثل الأجير، والدخيل، والوكيل، ونحوه. قال أبو بكر: فأما ما في تفسير قوله: ﴿فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر﴾ فإن ابن عباس كان يقول: القانع: القانع بما أرسلته إليه في بيته. وروينا عن ابن عمر أنه قال: القانع: الذي يقنع بما آتيته. وقال مجاهد: القانع: الطامع بما قبلك ولا يسألك. وقد روينا عن ابن عباس رواية ثانية أنه قال: القانع: الذي يسأل. والمعتر: الذي يتعرض ولا يسأل. وكذلك قال الحسن البصري. وقال سعيد بن جبير: القانع: السائل. وأسانيد هذه الأخبار مذكورة في كتاب التفسير (٢). ذكر شهادة الأجير والصديق والوكيل كان شريح يقول: لا تجوز شهادة الأجير لمن استأجره، ولا العبد لسيده وحكي عن الأوزاعي أنه قال: لا تجوز شهادة الأجير لمن استأجره. وقال أصحاب الرأي (٣): لا تجوز شهادة الأجير لمن استأجره إذا كان في تجارته، وإن كان عدلا نأخذ في ذلك بالثقة، ونستحسن لما بلغنا عن شريح. وكذلك شهادة الأجير لمعلمه (٤) لا تجوز. قال أبو بكر: شهادة الأجير جائزة لمن استأجره إذا كان عدلا، إذا لم

стр. 3291

يكن فيما يشهد به شيئا يقبضه هو، مما يتولاه لمن استأجره، لأنه حينئذ مدع، فإما أن يشهد لمن استأجره فيما لا يتولاه الأجير فهو جائز، ولعل الذي روي عن شريح إنما معناه على ما قلناه، ولو كان معناه على غير ما قلناه. لم يكن مع من منع من قبول شهادته فيما لا يتولاه حجة، وهذا على مذهب الشافعي (١) وأبي ثور، وبه نقول. قال أبو بكر: وشهادة الوكيل للذي وكله بمنزلة شهادة الأجير، فأما شهادة الصديق لصديقه فذلك جائز في قول الشافعي (٢) وأبي ثور، وبه نقول. وقال مالك (٣) في شهادة [الرجل ذا] (٤) الود للرجل (المصاحب) (٥) له يصله ويعطف عليه: لا أرى شهادته له جائزة، وإذا كان لا يناله معروفه ولا صلته فأرى شهادته جائزة له. قال أبو بكر: إذا كان الرجل مهاجرا للرجل لغير معنى يجب أن يهجره لذلك المعنى، فشهد عليه بشهادة فذلك غير مقبول، لأنه عاص للثابت عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام " (٦). وقال مالك: إذا كانت هجرته معروفة فلا شهادة له.

стр. 3292

ذكر شهادة الأخرس واختلفوا في قبول شهادة الأخرس، فرأت طائفة شهادته مقبولة إذا كانت إشارته تفهم، كان مالك يقول (١): شهادته تجوز إذا كان يعرف بطلاقه، وتجوز إذا كتبه بيده، وذكر المزني أن هذا قول الشافعي (٢) إذا عقل عنه نكاحه، وطلاقه، وبيعه وشراؤه، ودعواه، وإقراره جازت شهادته، ومتى كان ذلك بحدث أن قطع لسانه أو علة أذهبت كلامه لم يقبل منه حتى تعقل مخارج إشارته. وفيه قول ثان: وهو أن شهادته لا تجوز، وكذلك قال أصحاب الرأي (٣). وقال سفيان الثوري: وإذا سئل المريض عن الشيء فأومأ برأسه أو بيده فليس بشيء حتى يتكلم. قال أبو بكر: إذا كانت إشارته تفهم عنه، فشهادته مقبولة استدلالا بأن النبي ﷺ "صلى بأصحابه وهو جالس وهم قيام، فأشار إليهم أن اجلسوا " (٤) فلما أشار إليهم بما فهموا عنه استعملوا ذلك، لأن ذلك كان عندهم حقا، فكذلك يجب قبول إشارة من أشار بشيء يفهم عنه مما لو نطق به المتكلم وجب قبول ذلك منه.

стр. 3293

ذكر شهادة أهل الأهواء واختلفوا في قبول شهادة أهل الأهواء فرأت طائفة رد شهادتهم، وممن رأى ذلك شريك وأحمد (١) وإسحاق وأبو ثور. [رد] (٢) شريك شهادة يعقوب فقيل له: أترد شهادته؟ فقال: ألا أرد شهادة قوم يزعمون أن الصلاة ليست من الإيمان (٣)!!! ٦٧١٣ - حدثنيه موسى، عن إسحاق، عن يحيى بن آدم عنه، وقال شريك: أربعة لا تجوز شهادتهم: رافضي يزعم أن له في الأرض إمام تفترض طاعته، وخارجي يزعم أن الدنيا دار حرب، وقدري يزعم أن المشيئة إليك، ومرجئ (٤). وقال أحمد (٥): ما تعجبني شهادة الجهمية، والرافضة، والقدرية المعلنة. وبه قال إسحاق، وكذلك كل صاحب بدعة معلن بها داع إليها. وقال أبو ثور: كل هوى يخرجه إلى كفر وضلال عند أهل العلم، ويكون بذلك القول مذموما عندهم، فلا تجوز شهادته. وقد حكي عن مالك أنه قال في شهادة القدرية: لا تجوز. وقال أبو عبيد: البدع والأهواء كلها نوع واحد في الضلال كما قال ابن مسعود: كل بدعة

стр. 3294

ضلالة فلا أدري (١) لأحد منهم شهادة إذا ظهر فيها غلوه، وميله عن السنة. قلنا ذلك للآثار المتواترة ألا ترى أن رسول الله ﷺ قال في الخوارج: "يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية " (٢). وقال فيهم سعد: أولئك قوم زاغوا فأزاغ الله قلوبهم (٣). ومنه قول حذيفة في المرجئة: إني لأعرف أهل دينين لا حظ لهم في الإسلام الذين يقولون: الإيمان قول ولا عمل. وكذلك قول أبي هريرة وابن عمر في القدرية: هم نصارى هذه الأمة ومجوسها. وذكر أخبارا ثم قال: ولو لم يكن في هذه الأهواء شيء من الآثار الذي ذكرنا لكان في اجتهاد الرأي والنظر تكون شهادة أهلها مردودة، وذلك أنا لا نعلم منهم صنفا إلا وهم يرون السيف، ويستحلون من كل من خالفهم دماءهم وأموالهم، فكيف يكون هؤلاء مأمونين على من لو قدروا عليه سفكوا دمه، وغنموا ماله، وانتهكوا حرمته يدينون بذلك تدينا، فهم إذا كانوا يفعلون هذا بأيديهم فهم لهم بالألسنة في الشهادة أفعل وإليه أسرع. وأجازت طائفة شهادة أهل الأهواء إذا لم يستحل الشاهد منهم شهادة الزور. هذا قول ابن أبي ليلى، وسفيان الثوري، والشافعي (٤). وكان سوار يقبل [شهادة] (٥) ناس من بني العنبر ممن يرى الاعتزال إذا كانوا عدولا،

стр. 3295

وقال الشافعي: فلا ترد شهادة أحد بشيء من التأويل كان له وجه يحتمله، وإن بلغ فيه استحلال الدم والمال، أو الفرط من القول، فكل مستحل بشيء من تأويل من قول أو غيره فشهادتهم ماضية، لا ترد من خطأ في تأويله وذلك أنه قد يحل من خالفه الخطأ إلا أن يكون منهم من يعرف باستحلال شهادة الزور على الرجل، لأنه يراه حلال الدم أو حلال المال، فترد شهادته بالزور، أو يكون منهم من يستحل أو يرى الشهادة للرجل إذا وثق به فيحلف له على حقه، ويشهد له بالبت، ولم يحضره ولم يسمعه، فترد شهادته من قبل استحلال الشهادة بالزور، أو يكون منهم من يباين الرجل المخالف له مباينة العداوة فترد شهادته من جهة العداوة. وقال النعمان (١): شهادة أهل الأهواء جائزة، ألا ترى أن أصحاب رسول الله ﷺ قد اختلفوا، وقتلوا، وقتل بعضهم بعضا، وشهادة بعضهم على بعض كانت جائزة، فليس بين أصحاب الأهواء من اختلاف أشد مما كان بين أصحاب رسول الله ﷺ من القتال، وكل من نسب إلى هوى فعرفت فيه المجانة والفسق، فإنه لا تجوز شهادته وإنما أرده للمجانة التي ظهرت. ذكر شهادة الشعراء ثبت أن رسول الله ﷺ قال: "إن من الشعر حكمة " فدل قوله هذا على أن من تكلم بالحكمة وقالها مقبول الشهادة.
следующие страницы →