← Фикх общий

Фикх общий · id 1568

الأوسط من السنن والإجماع والاختلاف - ط الفلاح

ابن المنذر

Полный текст (7 126 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

١٧١ - حدثنا إسماعيل، نا أبو بكر (١)، نا أبو معاوية، عن الحجاج، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي: أنَّه كان لا يرى بأسًا بالوضوء بالنبيذ. وفيه قول رابع: قاله النعمان (٢)، لا يجزئ أن يتوضأ بشيء من الأشربة إلا بنبيذ التمر، وحكي عنه أنه قال: ليس له أن يتوضأ بنبيذ الزبيب، والعسل، ولا بأس بسائر الأنبذة، ووافقه زفر على مقالته. وقال محمد بن الحسن (٢): يتوضأ به ثم يتيمم، وقول محمد هذا، قول خامس. وقد احتج بعض من يجيز الوضوء بالنبيذ بحديث رواه ابن مسعود، في إسناده مقال، فيه أنه قال: كنت مع النبي ﷺ ليلة الجن، فحضرت صلاة الفجر، فسألني فقال: "معك وضوء؟ " فقلت: يا رسول الله معي إداوة فيها شيء من نبيذ. فقال: "تمرة طيبة، وماء طهور، فتوضأ وصلى الفجر". ١٧٢ - حدثنا علي بن الحسن، نا عبد الله، عن سفيان، عن أبي فزارة العبسي، عن أبي زيد مولى عمرو بن حريث، عن عبد الله بن مسعود (٣).

стр. 352

ودفع هذا الحديث غير واحد من أصحابنا، وقالوا: حديث ابن مسعود لا يثبت؛ لأن الذي رواه، أبو زيد (١)، وهو مجهول لا يعرف بصحبة عبد الله، ولا بالسماع منه، ولا يجوز ترك ظاهر الكتاب، وأخبار النبي ﷺ لرواية رجل مجهول، مع أن علقمة قد أنكر أن يكون عبد الله كان مع النبي ﷺ ليلة الجن (٢). ١٧٣ - حدثنا علي بن عبد العزيز، نا عمرو بن عون، نا خالد بن عبد الله، عن خالد، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: لم أكن ليلة الجن مع رسول الله ﷺ ، ووددت أني كنت معه (٣).

стр. 353

وقد احتج من لا يجيز الوضوء بالنبيذ بظاهر قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (١) افترض الله الطهارة بالماء، وفرض على من لا يجد الماء من المرضى والمسافرين التيمم بالصعيد؟ فليس يجوز طهارة إلا بالماء، أو الصعيد إذا لم يجد الماء، وجاء الحديث [عن النبي] (٢) ﷺ بالدلالة على ذلك. ١٧٤ - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق (٣)، عن الثوري، عن خالد، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بُجْدان، عن أبي ذر، عن النبي ﷺ أنه قال: "الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليُمسِسْه بشرته، فإن ذلك خير" (٤).

стр. 354

١٧٥ - حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ، ثنا هوذة بن خليفة، نا عوف، نا أبو رجاء العطاردي، نا عمران بن حصين قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فدعا بوضوء، ثم نودي بالصلاة فصلى بالناس، فانفتل من صلاته، فإذا رجل معتزل لم يصل في القوم، فقال النبي ﷺ : "ما منعك يا فلان أن تصلي في القوم؟ " فقال: يا رسول الله، أصابتني جنابة، ولا ماء. قال: "عليك بالصعيد فإنه يكفيك" (١). قال أبو بكر: ولو كانت الطهارة تجزئ بغير الماء لأشبه أن يقول له عند قوله: أصابتني جنابة، ولا ماء: اطلب نبيذ كذا، أو شراب كذا، فدل ظاهر الكتاب والسنة على أن الوضوء لا يجزئ إلا بالماء، فإن لم يجد الماء فالتيمم.

стр. 355

ذكر الماء يخالطه الحلال من الطعام والشراب وغير ذلك اختلف أهل العلم في الوضوء بالماء الذي يخالطه الطعام والشراب، فقالت طائفة: إذا كان الماء مستهلكًا فيه؛ لم يتوضأ به، كذلك قال الشافعي (١)، وهو قول أحمد (٢)، وإسحاق. وقال الشافعي: إذا لم يكن الماء مستهلكًا فيه فلا بأس به أن يتوضأ منه، وذلك مثل أن يقع في الماء البان، أو القطران (١). وكذلك قال إسحاق. وقال الشافعي في موضع آخر: إن ظهر ريح القطران في الماء لم يتوضأ به (١). وقال مالك: لا يتوضأ بالماء الممزوج بالعسل (٣)، ولا بالماء الذي يبل فيه الخبز (٤). وفيه قول ثان: قاله الزهري في كسر بلت في ماء، غيرت لونه أو لم تغيره قال: يتوضأ به (٥).

стр. 356

وذكر عن يعقوب أنه قال في ماء غلي بأُشنان (١) أو أس (٢)، أو بشيء مما يتعالج به الناس، فيغتسلون ويتوضئون من البابونج (٣) وشبهه، فإن الوضوء يجزئ بذلك ما لم يغلب ذلك فيكون ثخينًا، فإذا ثخن فإنه لا يجزئ، وليس يجزئ الوضوء والغسل بشيء من المياه تطبخ حتى تتحول عن حالها إلى حال غيرها، ويسمى بغير اسم الماء. قال أبو بكر: أمر الله بالطهارة بالماء، فما اختلط بالماء مما ذكرناه فلم يغير الماء لونًا، ولا طعمًا، ولا ريحًا، فالطهارة به جائزة، ولا اختلاف فيه، وما غير الماء مما ذكرناه حتى لا يقال له: ماءً مطلقًا، فالوضوء به غير جائز، وذلك إذا ظهر في الماء ما اختلط به من غيره حتى لا يسمى ماءً مطلقًا. * * * ذكر الوضوء بالماء الآجن أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الوضوء بالماء الآجن الذي قد طال مكثه في الموضع من غير نجاسة حلت فيه جائز، إلا شيئًا روي عن ابن سيرين (٤).

стр. 357

وممن كان لا يرى بالوضوء بالماء الآجن بأسًا، الحسن (١)، وابن المبارك، ومالك (٢)، والشافعي (٣)، وأبو عبيد (٤). قال أبو عبيد: ومعنى الآجن الذي يطول مكثه، وركوده بالمكان حتى يتغير طعمه أو ريحه من غير نجاسة تخالطه (٤). واحتج إسحاق في ذلك بحديث روي عن الزبير بن العوام. ١٧٦ - قال إسحاق: أنَّا وهب بن جرير، نا أبي قال: سمعت محمد بن إسحاق، حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن عبد الله بن الزبير، عن أبيه قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ مصعدين في أحد قال: ثم أمر رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب فأتى المهراس (٥)، فأتى بماء في درقته (٦)، فأراد رسول الله ﷺ أن يشرب منه، فوجد له ريحًا، فعافه، فغسل به الدماء التي في وجهه، وهو [يقول] (٧): "اشتد غضب الله على من دمى وجه رسول الله ﷺ "، وكان الذي دمى وجهه يومئذ عتبة بن أبي وقاص (٨).

стр. 358

قال إسحاق: ففي ذلك بيان على أنه طاهر، لولا ذلك لم يغسل النبي ﷺ الدم به. قال أبو بكر: وكان ابن سيرين يكره الوضوء بالماء الآجن (١). * * * ذكر الماء القليل تخالطه النجاسة أجمع أهل العلم على أن الماء القليل أو الكثير إذا وقعت فيه نجاسة، فغيرت النجاسة للماء طعمًا، أو لونًا، أو ريحًا؛ أنه نجس ما دام كذلك، ولا يجزئ الوضوء والاغتسال به (٢). وأجمعوا على أن الماء الكثير مثل الرِّجْل من البحر (٣) ونحو ذلك إذا وقعت فيه نجاسة، فلم تغير له لونًا، ولا طعمًا، ولا ريحًا؛ أنه بحاله في الطهارة، قبل أن تقع فيه النجاسة (٤).

стр. 359

واختلفوا في الماء القليل تحل فيه نجاسة، لم تغير للماء لونًا، ولا طعمًا، ولا ريحًا، فقالت طائفة: إذا كان الماء قلتين [لم] (١) يحمل خبثًا، روي ذلك عن ابن عمر، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وبه قال الشافعي (٢)، وأحمد، وإسحاق (٣)، وأبو عبيد، وأبو ثور. ١٧٧ - حدثنا علي بن عبد العزيز، نا أبو نعيم، عن عبد السلام، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: إذا كان الماء قدر قلتين لم ينجسه شيء (٤). واختلفوا في قدر القلتين، ففي الحديث الذي ذكره ابن جريج، قال: رأيت قلال هجر، فإذا القلة تسع قربتين، أو قربتين وشيئًا (٥). وفيه قول ثان: قاله الشافعي: قال: والاحتياط أن تكون القلة قربتين [ونصفًا] (٦)، فإذا كان الماء خمس قرب لم يحمل نجسًا في (جر كان) (٧) أو غيره، وقرب الحجاز كبار، ولا يكون الماء الذي لا يحمل النجاسة إلا بِقِرَب كبار (٨).

стр. 360

وفيه قول ثالث: حكي عن أحمد قولان: أحدهما: أن القلة قربتان (١)، والآخر: أن القلتين خمس قرب (٢)، ولم يقل بأي قرب. وفيه قول رابع: قاله إسحاق قال: أما الذي نعتمد عليه إذا كان الماء قلتين، وهما نحو ست قرب؛ لأن القلة نحو الخابية (٣). وفيه قول خامس: وهو أن القلتين خمس قرب، ليس بأكبر القرب ولا بأصغرها، هذا قول أبي ثور. وفيه قول سادس: وهو أنَّها الحباب (٤)، وهي قلال هجر، معروفة مستفيضة، سمعنا ذلك في أشعارهم، ولم يجعل لذلك حدًّا، [هذا] (٥) قول أبي عبيد (٦). وفيه قول سابع: وهو أن القلة الجرة، وكذلك قال عبد الرحمن بن مهدي، ووكيع، ويحيى بن آدم (٧)، ولم يجعلوا لذلك حدًّا يوقف عليه. وفيه قول ثامن: وهو أن القلة قد يقال: للكوز، حكى قبيصة أن الثوري صلى خلفه في شهر رمضان، ثم أخذ نعله وقلة معه ثم خرج. وفيه قول تاسع: قاله بعض أهل اللغة، قال: والقلة التي جعلت

стр. 361

مقدارًا بين ما ينجس [من] (١) الماء، وما لا ينجس، هي مأخوذة من استقل فلان بحمله، وأقله إذا أطاقه وحمله، وإنما سميت الكيزان قلالًا؛ لأنَّها تقل بالأيدي، وتحمل فيشرب فيها. قال (٢): والقلة تقع على الكوز الصغير، والجرة اللطيفة والعظيمة، والحُبُّ اللطيف إذا كان القوي من الرجال يستطيع أن يقله، قال جميل بن معمر: فَظَلِلنا بنعمةٍ واتكأنا … وشربنا الحلالَ مِن قُلَلِه قال أبو بكر: وقد روينا عن الأوائل ممن قال بالتحديد في الماء أربعة أقوال سوى ما ذكرناه. أحدها: عن عبد اللّه بن عمرو أنه قال: إذا بلغ الماء أربعين قلة فلا ينجسه شيء. ١٧٨ - حدثنا علي بن الحسن، ثنا عبد الله، عن سفيان، عن محمد بن المنكدر، عن عبد الله بن عمرو قال: إذا كان الماء أربعين قلة، فلا ينجسه شيء (٣)، وكذلك قال محمد بن المنكدر (٤). والقول الثاني: إذا كان الماء [كُرًّا] (٥) لم ينجسه شيء، روينا ذلك عن

стр. 362

مسروق (١)، وقال محمد بن سيرين: إذا كان الماء [كرًّا] (٢) فإنه لا يحمل الخبث (٣). وذكر أبو عبيد حديث ابن سيرين هذا، قال: وبه يأخذ بعض أهل الحديث (٤). وروينا عن ابن عباس أنه قال: إذا كان الماء ذنوبين لم يحمل الخبث. ١٧٩ - حدثنا محمد بن نصر، حدثني أحمد بن عمرو، نا أبو داود، عن زمعة، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: إذا كان الماء قدر ذنوبين لم يحمل خبثًا (٥). وقال عكرمة: ذنوبًا أو ذنوبين (٦). وقد روي عن أبي هريرة قول رابع: وهو أن الماء إذا كان [أربعين] (٧) دلوًا، لم ينجسه شيء.

стр. 363

١٨٠ - حدثنا محمد بن نصر، نا أبو الوليد، نا الوليد، حدثني ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمرو، عن أبي هريرة أنه قال: إذا كان الماء أربعين دلوًا لم ينجسه شيء (١). وقالت فرقة خلاف [أكل] (٢) ما ذكرناه، فقالت في الماء الراكد إذا كان في الموضع: إذا حرك منه جانب اضطرب الماء، وخلص اضطرابه إلى الجانب الآخر، فما وقع فيه من نجاسة، نَجَّس لوقوعها فيه، وإن لم تتبين النجاسة فيه، وإن كان الماء في غدير واسع، أو مصنعة (٣) واسعة عظيمة، إذا حرك طرفه لم يتحرك الطرف الآخر، ولم يخلص بعض الماء إلى بعض، لم ينجسه ما وقع فيه من النجاسات إلا أن يتغير طعمه أو لونه أو ريحه، حكي هذا القول عن أصحاب الرأي (٤). وقالت طائفة: قليل الماء وكثيره لا ينجسه شيء إلا أن يغلب عليه النجاسة بطعم أو لون أو ريح، هذا قول يحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهدي. وقد روينا [أخبارًا] (٥) عن الأوائل تدل على أن الماء لا ينجسه شيء،

стр. 364

روينا عن ابن عباس أنه قال: الماء لا ينجس، وروينا ذلك عن ابن المسيب، والحسن، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وعطاء، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وجابر بن زيد (١). وروينا عن حذيفة أنه قال: الماء لا يجنب، وعن أبي هريرة أنه سئل عن السؤرة في الحوض يصدر عنها الإبل، ويردها السباع، ويلغ فيها الكلاب، ويشرب منها الحمار، هل نطهر منه؟ قال: لا يحرم الماء شيء. ١٨١ - حدثنا علي بن عبد العزيز، نا حجاج، نا حماد، عن الحجاج، عن يحيى بن عبيد البهراني قال: قلت لابن عباس: أتطهر من ماء الحمام فإنه يغتسل منه الجنب وغير الطاهر؟ فقال: إن الماء لا ينجس (٢). ١٨٢ - وحدثنا علي، نا أبو غسان، نا إسرائيل، عن الزبرقان بن عبد الله، عن كعب بن عبد الله قال: خرجنا - أو كنا - مع حذيفة فانتهينا إلى غدير تطرح فيه الميتة، وتغتسل فيه الحائض، فقال حذيفة: توضئوا منه فإن الماء لا يخبث (٣). ١٨٣ - حدثنا علي، نا أبو عبيد (٤)، نا ابن أبي عدي، عن حبيب بن

стр. 365

شهاب العبدي، عن أبيه قال: قلت لأبي هريرة: السؤرة في الحوض، تصدر عنها الإبل، تردها السباع، وتلغ فيها الكلاب، ويشرب منها الحمار؟ قال: لا يحرم الماء شيء. قال أبو بكر: وقد احتج بعض من يقول بهذا القول بحجج ست: أحدها: قوله جل ذكره: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (١) قال: فالطهارة على ظاهر الكتاب بكل ماء [تجب] (٢) إلا ماء منع منه كتاب أو سنة أو إجماع، والماء الذي منع الإجماع من الطهارة به الماء الذي يغلب عليه النجاسة بلون أو طعم أو ريح. ومنها الحديث الذي فيه أمر النبي ﷺ بصب ذنوب من ماء على بول الأعرابي. ١٨٤ - حدثنا محمد بن عبد الوهاب، أنا جعفر بن عون، نا يحيى. وحدثنا إبراهيم بن عبد الله، نا يزيد بن هارون، نا يحيى الأنصاري أن أنسًا أخبره أن أعرابيًا أتى النبي ﷺ فقضى حاجته ثم قام إلى جانب المسجد فبال فيه، فصاح به الناس، فكفهم النبي ﷺ حتى فرغ الأعرابي، ثم أمر بذنوب من ماء فصب على بول الأعرابي (٣). ومنها حديث ابن عباس. ١٨٥ - حدثنا علي بن الحسن، نا عبد الله بن الوليد، عن سفيان، عن

стр. 366

سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أن امرأة من نساء النبي ﷺ استحمت من جنابة، فجاء النبي ﷺ يستحم من فضلها. فقالت: إني اغتسلت منه، فقال النبي ﷺ : "إن الماء لا ينجسه شيء" (١). ومنها حديث أبي سعيد. ١٨٦ - حدثنا محمد بن نصر، نا هارون بن عبد الله، نا أبو أسامة، نا الوليد بن كثير المخزومي، ثنا محمد بن كعب القرظي، عن عبيد اللّه بن عبد الله بن رافع بن خديج، عن أبي سعيد الخدري قال: قيل: يا رسول اللّه، أنتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر تطرح فيها لحوم الكلاب، والحيَضُ؟ فقال: "الماء طهور، لا ينجسه شيء" (٢).

стр. 367

فهذا جواب النبي ﷺ في الماء جوابًا عامًا (١) يقع على كل ماء، وإن قلَّ. ومنها: أنَّهم مجمعون على أن الماء القليل طاهر قبل أن يحل فيه النجاسة، ولم يجمعوا على أن النجاسة إذا حلت فيه، ولم تغير للماء لونًا، ولا طعمًا، [ولا ريحًا] (٢) أنه نجس، فالماء المحكوم له بالطهارة طاهر حتى يثبت له حكم النجاسة بخبر، أو إجماع. ومنها: أن أهل العلم مجمعون على أن الثوب النجس إذا غسل بالماء ثلاث مرات فهو طاهر، ولو كان الماء القليل إذا اختلط (بالنجاسة) (٣) وهو غالب عليها [نجسًا] (٤)؛ ما طهر على هذا القول ثوب أبدًا إلا إن يغسل في مصنعة عظيمة أو [ماء جار، وذلك] (٥) أن الثوب إذا طرح في الإناء وصب عليه الماء اختلطت النجاسة التي في الثوب بالماء المصبوب في الإناء، فإذا عصر بقي الثوب نجسًا على حاله، ثم أن طرح الثوب النجس الذي هذا سبيله في الإناء ثانيًا، اختلط الماء المصبوب في الإناء بالنجاسة، وكذلك لو فعل ذلك به ثالثًا، أو رابعًا، ولا يطهر ثوب في قول من نجس الماء القليل بوقوع النجاسة فيه على ما ذكرناه أبدًا، ولما أجمعوا على أن الثوب يطهر بالغسلة الثالثة، إذا لم يبق فيه أثر لم يذهبه الماء، دل ذلك على أن الماء إذا غلب على النجاسة كان طاهرًا بكل حال.

стр. 368

وقد احتج بعض أصحابنا القائلين بالقلتين بحديث ابن عمر. ١٨٧ - حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ، ثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، أنا عاصم بن المنذر قال: كنا في بستان له أو لعبيد الله بن عبد الله بن عمر فحضرت الصلاة، فقام إلى [مَقْرى] (١) البستان فتوضأ منه، وفيه جلد بعير، فقلت: أتوضأ منه وفيه جلد هذا البعير؟ فقال: حدثنى أبي أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كان الماء قلتين لم ينجس" (٢). قال أبو بكر: فحديث ابن عمر حجة من قال بالقلتين (٣)، وقد دفع

стр. 369

بعض أصحابنا أن يكون هذا الحديث دافعًا لقول النبي ﷺ : "الماء لا ينجسه شيء"؛ لأن قوله: "الماء لا ينجسه شيء" يأتي على ما دون القلتين، وعلى ما فوقهما، وخصوصية النبي ﷺ القلتين ينفي النجاسة عنهما، وإثبات الطهارة لهما زيادة زادها القلتين (١)، وما دون القلتين، وما فوق القلتين داخل في قوله: "الماء لا ينجسه شيء"، قال: ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ (٢) فأمر بالمحافظة على الصلوات، والصلوات داخلة في جملة قوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ ثم خص الوسطى بالأمر بالمحافظة عليها فقال: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (٢) فلم تكن خصوصية الوسطى بالأمر بالمحافظة عليها، مخرجًا سائر الصلوات من الأمر العام الذي أمر فيه بالمحافظة على الصلوات، وكذلك قول النبي ﷺ "الماء لا ينجسه شيء" وقع على جميع المياه، كما كان قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ واقعًا على جميع الصلوات، ثم قال: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل نجسًا"، فكانت هذِه المقالة زيادة زادها القلتين من غير أن يكون ذلك مخرجًا لما دونهما، مع أن حديث القلتين يدفعه ابن المبارك ويقول: ليس بالقوي، ولو ثبت حديث القلتين، لوجب أن يكون على قول من يقول بعموم الأخبار على كل قلة صغرت أو كبرت (٣).

стр. 370

فأما تحديد من حدد القلتين بخمس قرب، أو بأربع قرب وشيء، أو بكبار القرب، أو بأوساطها، أو بست قرب، أو قول من قال إنها الحباب، أو إنها الجرة، أو ما يقله المرء من الأرض، فتلك تحديدات واستحسانات من قائلها، لا يرجع القائل منهم في ذلك إلى حجة من كتاب، أو سنة، ولا إجماع، وحديث ابن جريجٍ مرسل، لا يثبت. ١٨٨ - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق (١)، عن ابن جريجٍ قال: حُدِّثْتُ أن النبي ﷺ قال: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل نجسًا ولا بأسًا"، قال ابن جريجٍ: زعموا أنَّها قلال هجر (٢).

стр. 371

فالحديث في نفسه مرسل، لا تقوم به حجة، وقد فصل ابن جريجٍ بين الحديثين، وبين من قال برأيه، حيث قال: زعموا، وقوله: زعموا، حكاية عمن لم يسمه، ولو سماه بعد أن يكون من أهل عصره، لم يكن حجة، ولو كان الذي أخبره ثقة، وذكر عبد الرزاق عن ابن جريجٍ أنه قال: زعموا، أنَّها قلال هجر، قال الذي أخبرني عن القلال: فرأيت قلال هجر بعد، فأظن كل قلة تأخذ قربتين، فذكر ابن جريجٍ أن الذي أخبره ظن أن كل قلة تأخذ قربتين، فالظن غير واجب قبوله، وقوله: قربتين، ليس بلازم الأخذ به، ونقل ذلك إلى أن يجعل [قربتين ونصف كل قلة، غير جائز، وحكى ذلك إلى أن يجعل] (١) بكبار القرب أو بصغارها أو بأوساطها، أبعد من ذلك كله، فإثبات أن يجعل القلة قربتين غير واجب، والشيء الذي شك فيه ابن جريجٍ، ليس بثابت، ولو ثبت لاحتمل أن يكون جزءًا من مائة جزء، وأقل وأكثر، وإذا كان ذلك كذلك، فغير جائز أن يحتاط فيجعل نصفًا، ثم يفرض على الناس ما سمي احتياطًا، والقلل محيطة بهذا التحديد، ولزوم ظاهر كتاب الله تعالى، والأخبار الثابتة عن رسول الله ﷺ يجب، وترك الانتقال إلى القول بالمراسيل، ودفع القوم بعموم الأخبار، وقد ذكرت في هذا الباب كلامًا كثيرًا، ومعارضات وحججًا، وهو مثبت في الكتاب الذي اختصرت منه هذا الكتاب. قال أبو بكر: قد ذكرنا بعض ما حضرنا من اختلاف قول من قال في الماء بالتحديد، وقد أنكر ذلك بعض أهل العلم، حكى عبد الملك مذهب

стр. 372

مالك في الماء، فقال: رأيته من مالك فإنما هو أمر يتبين ويفتي به الناس بعد ما يقع فيجده معروفًا بعينه، فأما أن يوضع فيه أصل ويفتي به الناس مما لم يكن بعد، ليكتفي به فيما يحدث ويكون، فلم أر مالكًا يريده، ولا يرخص منه في شيء. وحكى غيره عن مالك (١) أنه قال في الذي يغتسل بالماء قد وقعت فيه الميتة، قال: أرى أن يغتسل، وإن ذهب الوقت ولا يعيد صلاة صلاها به إلا في الوقت. وكان الأوزاعي يقول (٢): في رجل توضأ من قلة فيها فأرة ميتة لا يعلم بها ثم علم، ولم يجد رائحة ولا طعمًا قال: مضت صلاته. وكان الثوري يقول في الجيفة تقع في الماء قال (٣): ما لم يغير ريحًا، ولا طعمًا يتوضأ به. وحكى أحمد بن يونس، عن الثوري أنه قال: لم نجد في الماء أو لم نر في الماء إلا الرخصة. * * * ذكر البئر تقع فيها النجاسة اختلف أهل العلم في البئر تحل فيها النجاسة، فروينا عن علي أنه أمر بنزحها حتى يغلبهم، وروي ذلك عن ابن الزبير. ١٨٩ - حدثنا علي بن عبد العزيز، نا حجاج، نا حماد، عن عطاء بن

стр. 373

السائب، عن ميسرة: أن عليًّا قال في بئر وقعت فيها فأرة، فماتت: ينزح ماؤها (١). ١٩٠ - حدثنا محمد بن نصر، نا يحيى بن يحيى، أنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن ميسرة وأصحاب علي قالوا: قال علي: إذا وقعت الفأرة في البئر فماتت فانتزحوها حتى تغلبكم (٢). ١٩١ - حدثنا علي، ثنا أبو عبيد (٣)، نا هشيم، أنا منصور بن زاذان، عن عطاء أن زنجيًّا (٤) مات في زمزم، فأمر ابن الزبير أن ينزح منها حتى يغلبهم الماء. وقال الحسن في الإنسان يموت في البئر: تنزح كلها (٥). وذكر أبو عبيد أن هذا قول سفيان، وعليه أهل الرأي (٦) من الكوفيين يرون نزحها وإن أُخْرج من ساعته (٧). وفيه قول ثان: روينا عن عطاء في (الجرذ) (٨) قال: ينزحون منها

стр. 374

[عشرين] (١) دلوًا، وإِن تفسخت، نزحوا منها أربعين دلوًا (٢). وفيه قول ثالث: وهو أن يُسْتقا منها أربعون دلوًا أو نحوه، هكذا قال النخعي في الفأرة تقع في البئر (٣). وروينا عن الشعبي أنه قال في الدجاجة تموت في البئر: يُسْتقا منها سبعون دلوًا (٤). وقد روينا عمن بعدهم في هذِه المسألة أقوالًا مختلفة، سئل الأوزاعي عن ماء معين وجد فيه ميتة، لم يغير الماء قال: ينزح منها دلاء (٥)، ولا يوقت ما ينزح منه، وإن غير ريح الماء أو طعمه، فلا بد من نزحه حتى يصفو (٦) ولا يوقت أبو عمرو ما ينزح منه، وكذلك قال الليث بن سعد فيها إذا غير ريح الماء أو طعمه. وقال الثوري في بغل راث في بئر قال: ينزح منها [دلاء] (٧) حتى تطيب، قيل له: فما صلوا؟ قال: أرجو أن يجزئهم.

стр. 375

وقال النعمان في العصفور والفارة تقع في البئر، فتخرج حين ماتت قال: يُسْتقا منها عشرون دلوًا، أو ثلاثون دلوًا، فإن كانت دجاجة أو سنورًا، فاستخرجت حين ماتت، فأربعون دلوًا، أو خمسون دلوًا، وإن كانت شاة فانْزِحها حتى يغلبك الماء، وإن كان شيء من ذلك قد انتفخ أو تفسخ، فانزحها (١). وقال سفيان الثوري في الوزغ يقع في البئر قال: يستقا منها [دلاء] (٢). قال أبو بكر: فأما في قول الشافعي ومن قال بالقلتين فالماء الساقط فيه الفأرة الميتة، وغير ذلك من النجاسات في بئر كان ذلك أو غيره، إذا كان قلتين، فليس ينجس ذلك الماء إلا بأن تغير النجاسة طعم الماء أو لونه أو ريحه. إلا أن أحمد كان يستثني البول والعذرة الرطبة، قيل لأحمد في الدابة تقع في البئر؟ قال: كل شيء لا يغير ريحه ولا طعمه فلا بأس به إلا البول والعذرة الرطبة (٣). قال إسحاق كما قال، والبول والعذرة لا ينجسان إلا ما كان من الماء أقلّ من قلتين (٣). فأما مذهب من يرى أن قليل الماء وكثيرة لا ينجس بحلول النجاسة فيه إلا أن يتغير طعمه، أو لونه، أو ريحه، فالبئر وغيرها في ذلك سواء.

стр. 376

والذي نقول به في هذا الباب وفي غيره من أبواب الماء، أن قليل الماء وكثيره لا ينجسه شيء، في نهر كان أو غيره، بأن سقطت فيه نجاسة، إلا أن يغير للماء طعمًا، أو لونًا، أو ريحًا، وقد ذكرت الحجة فيه في باب ذكر الماء القليل يخالطه النجاسة. * * * * ذكر الوضوء بالماء النجس لا يعلم به المصلي إلا بعد الصلاة اختلف أهل العلم في الرجل يتطهر بماء نجس لا يعلم به ويصلي ثم يعلم به بعد الصلاة. فقالت طائفة: يعيد ما دام في الوقت، وليس عليه أن يعيد إذا مضى الوقت، هذا قول مالك (١)، ابن القاسم عنه. وحكى عنه أبو عبيد أنه كان يقول: إذا تغيرت في البئر وتفسخت - يعني الدابة التي تنجس البئر - فإنهم يعيدون كل صلاة صلوها بذلك الماء، ويغسلون الثياب التي أصابها (٢). وفيه قول ثان: وهو أن يعيد الصلاة في الوقت، وبعد خروج الوقت لا يجزئه غير ذلك، هذا قول الشافعي (٣). وفيه قول ثالث: وهو أن الرجل إذا توضأ بماء وقع فيه بول أو نجاسة، ما كانت النجاسة، وصلى ولم يعلم بذلك، ثم علم؛ أن

стр. 377

عليه أن يعيد الوضوء والصلوات كلها، إذا كان على يقين من أنه توضأ بذلك الماء من بعد أن حلَّت فيه النجاسة، فإن هو توضأ من ماء بئر وصلى، ثم وجد فيها فأرة أو دجاجة ميتة قد انتفخت أو تفسخت، ولا يعلم متى وقعت فيها، فإن النعمان قال: على من توضأ من تلك البئر وصلى، أن يعيد الوضوء ويعيد صلاة [ثلاثة] (١) أيام ولياليهن، وإذا كان قد غسل بذلك الماء ثوبًا، أعيد فغسل بماء نظيف، وإن كان قد أصاب الثوب منه أكثر من قدر الدرهم الكبير، وصلى فيه يومًا أو أقلّ، فعليه أن يعيد ما صلى، فإن وجد الدجاجة أو الفأرة لم تتفسخ أو لم تنتفخ، ولم يعلم متى وقعت فيها، فإنه يعيد الوضوء، ويعيد صلاة يوم وليلة، وهذا قول النعمان (٢) وزفر. وقال يعقوب ومحمد (٢): وضوءه وصلاته جازئات عنه، وليس عليه أن يعيد شيئًا من الصلوات، ولا بأس بالعجين الذي خبز بذلك الماء أن تأكله، ولا يغسل ثوبه حتى يعلم أن ذلك كله كان بعد وقوع الفأرة الميتة في البئر؛ لأنه عسى أن يكون صبيًا أو غيره ألقاها في البئر من بعد أن توضأ منها هذا الرجل، وهي متغيرة. وحكى ابن المبارك عن النعمان (٢) أنه قال: إذا أصابه دم فلم يدر متى أصابه، فإنه يعيد صلاة يوم وليلة. قال عبد الله: وعلى قياس قول سفيان يتحرى، والتحري أن يشك في يوم أو يومين فيأخذ بيومين.

стр. 378

وكان أبو عبيد يقول: الحد عندنا إذا كان الماء كثيرًا يزيد على القلتين والثلاثة، فلا إعادة عليهم، فإن غلبت نجاسة بطعم أو ريح فعليهم إعادة كل صلاة [صلوها] (١) منذ يومئذ، وكذلك يغسلون كل ثوب أصابه منه شيء (٢). قال أبو بكر: والذي نقول به أنا ننظر إلى الماء الذي توضأ به المتوضئ وصلى؛ فإن كانت النجاسة غيرت طعمه أو لونه أو ريحه، فعليه الإعادة في الوقت، وبعد خروج الوقت، وغسل كل ثوب وبدن أصابه من ذلك الماء شيء، قل أو كثر، وإن لم تكن النجاسة غيرت للماء طعمًا ولا لونًا ولا ريحًا، فلا إعادة عليه، وإن شك فلم يدر أَهَلْ غيَّرت [الماء] (٣) أم لا؟ فالماء على أصل طهارته. * * * ذكر العجين الذي عجن بالماء النجس واختلفوا في الماء النجس يعجن به. فقالت طائفة: يطعمه الدجاج، روي هذا القول عن مجاهد وعطاء (٤) وبه قال الثوري، وأبو عبيد (٢). وفيه قول ثان: وهو أن يطعم ما لا يؤكل لحمه. هكذا قال الحسن بن صالح وقال أحمد (٥): لا يطعمه شيئًا يؤكل

стр. 379

لحمه، ويشرب لبنه، وحكي عن الشافعي (١) أنه قال: يطعمه البهائم، وحكي ذلك عن مالك (٢). قال أبو بكر: إذا أيقن أنه عجن بماء متغير بنجاسة حلت فيه، لم يحل أكله، ولا يطعم ما يؤكل لحمه، ولا ما لا يؤكل لحمه، وذلك أن النبي ﷺ سئل عن شحوم الميتة، أيدهن بها السفن، ويدهن بها الجلود وينتفع بها الناس؟ قال: لا، هي حرام. ١٩٢ - حدثنا موسى بن هارون، نا قتيبة، نا [الليث] (٣) بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله، أنه سمع رسول الله ﷺ عام الفتح وهو بمكة يقول: "إن الله ورسوله حرم [بيع] (٤) الخمر والميتة والخنزير والأصنام"، فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة يطلى بها السفن، ويدهن [بها] (٥) الجلود، ويستصبح بها الناس؟ قال: "لا، هو حرام"، ثم قال النبي ﷺ عند ذلك: "قاتل الله اليهود، لما حرمت عليهم شحومها جملوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه" (٦).

стр. 380

قال أبو بكر: فإذا حرم النبي ﵇ الانتفاع بالشيء النجس، حرم الانتفاع بكل نجس، وذلك معنى السنة الثابتة التي لا يجوز تركها ولا العدول عنها. * * * ذكر الإنانين يسقط في أحدهما نجاسة ثم يشكل ذلك اختلف أهل العلم في الإنائين يسقط في أحدهما نجاسة ثم يشكل ذلك، فقالت طائفة: يتوضأ بالأغلب منهما أنه طاهر عنده، هذا قول الشافعي (١). وقالت طائفة في البول يقع في إحدى جرتين: لا يتوضأ بواحدة، هذا قول أحمد (٢)، وكذلك قال أبو ثور (٣)، وقال: يتيمم، وكان المزني (٣) يقول: لا يتوضأ بأحد الإنائين، قال: ولو جاز أن يتوضأ بأحدهما؛ لجاز أن يشرب منه، ولجاز أن يأكل بالتحري أحد بضعتين (٤) [طبخت] (٥) إحداهما بنجس، والأخرى بماء طاهر، ويطأ [إحدى] (٦) امرأتين، مطلقة وغير مطلقة، ويبيع أحد غلامين معتق وعبد.

стр. 381

وفيه قول ثالث: قاله عبد الملك الماجشون (١) قال: يتوضأ بأحدهما ثم يصلي، ثم يتوضأ بالآخر ثم يصلي، وهكذا مذهب محمد بن مسلمة (٢)، غير أنه قال: يغسل بالذي يلي الأول ما أصابه من الأول. وقالت طائفة: إذا لم يتعين واحد من الإنائين، تطهَّر بهما، وبكل واحد منهما؛ لأن الماء لا ينجسه شيء، هذا مذهب عبد الرحمن بن مهدي، ويحيى القطان. قال أبو بكر: هذا قول يصح في النظر والله أعلم. * * * * * ذكر ما لا ينجس الماء من الهوام ومما [أشبهها] (٣) مما لا نفس له سائلة ثابت عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه. ١٩٣ - حدثنا علان بن المغيرة، نا سعيد بن أبي مريم، أنا محمد [و] (٤) سليمان، نا عتبة، عن عبيد بن [حنين] (٥)، عن أبي هريرة، عن

стр. 382

رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه كله ثم يطرحه، فإن في أحد جناحيه سمًا، والآخر شفاء" (١). قال أبو بكر: وجاءت الأخبار عن الأوائل موافقة لهذِه السنة، وقال عوام أهل العلم بأن الماء لا يفسد بموت الذباب، والخنفساء، وما أشبه ذلك فيه، هذا قول مالك (٢)، وأحمد (٣)، وإسحاق (٣)، وأبي عبيد (٤)، [وأبي ثور] (٥). وروي معنى هذا القول عن النخعي (٦)، والحسن، وعكرمة (٧)، وعطاء (٨). قال أبو عبيد: ولا أعلم العلماء توسعت في هذِه دون غيرها من ذوات الأرواح، إلا وأن هذِه لا تروح في موتها ولا تنتن كغيرها، لأنَّها لا دم لها، فاستوت حياتها وموتها، وكذلك ما كان من نحوها

стр. 383

كالجنادب (١)، والصراصر، والعناكب، والعقارب، وجميع هوام الأرض عندي مثل ذلك (٢). قال أبو بكر: ولا أعلم أحدًا قال غير ما ذكرت إلا الشافعي (٣)، فإن الربيع أخبرني أنه قال: فيها قولان، هذا الذي حكيته عن جمل الناس أحدهما، والثاني: أنَّه ينجس الماء بموته فيه. قال أبو بكر: والقول الثاني يوافق السنة، وسائر أهل العلم أولى به. * * * ذكر موت الدواب التي مساكنها الماء فيه مثل السمك والسرطان وغير ذلك اختلف أهل العلم في السمك والضفاع والسرطان وما أشبه ذلك يموت في الماء، فكان مالك (٤) لا يرى ذلك يفسده، وهو قول أبي عبيد (٢)، وكذلك قال الشافعي (٥) في الحوت، والجراد يموت في الماء أن ذلك لا ينجسه، وهذا قول محمد بن الحسن (٦) في الضفدع والسرطان يموت في الماء، وكذلك قال النعمان (٦) فيهما وفي السمكة تموت في الماء.

стр. 384

وحكي [عن] (١) ابن المبارك أنه قال في الضفدع يموت في ماء البئر ينزح ماء البئر كله، وقال يعقوب (٢) في الضفدع كما قال ابن المبارك إذا مات في البئر نجسها. قال أبو بكر: وقد احتج بعضهم في ذلك بقول النبي ﷺ الطهور ماؤه، الحل ميتته" (٣) فزعم أن ذلك يأتي على كل ما مات في البحر من دوابه التي تكون فيه، واحتج بحديث جابر في الدابة التي وجدت على ساحل البحر ميتة فأكلها أصحاب النبي ﷺ ، فذكر ذلك للنبي فقال: "هل معكم من لحمها شيء؟ " (٤) قال: فهذا يدل على أن دواب البحر كلها حل من السمك [وغيره] (٥). * * * ذكر البئر يكون إلى جنبها بالوعة ثابت عن رسول الله ﷺ أنه قال: "الماء لا ينجسه شيء" (٦)، فإذا كان البئر بجنبها البالوعة، قريبة كانت منها أو بعيدة، لم يضر ذلك البئر إلا أن يتغير الماء بطعم أو لون أو ريح من نجاسة حلت فيها، فإن تغير ماء البئر ببعض ما ذكرناه؛ فَسَد، وإلا فالماء على طهارته، وهذا

стр. 385

مذهب الثوري، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق (١)، وروي ذلك عن الحسن. قال أبو بكر: ولا معنى لقول النعمان (٢) إذا كان بينهما سبعة أذرع فلا بأس بمائها، إذ لا حجة معه تدل على ما قال، وقد بلغني أنه رجع عنه، قيل للنعمان: فإن كان بينهما سبعة أذرع وهي تؤذي؟ فترك الذرع، وقال: إذا كانت تؤذي فإني أكرهه. وسئل مالك عن هذِه المسألة فقال: الأرضون تختلف، تكون الأرض غلاظًا، والأخرى رقاق، فإن [تخوف] (٣) أن يصل إليها منها شيء، فلا يتوضأ منها، فقيل: فإن كانت لها رائحة، والماء تغير؟ قال: لا يتوضأ منها. * * * ذكر اختلاف أهل العلم في الطهارة بالماء المستعمل في الوضوء والاغتسال اختلف أهل العلم في الوضوء والاغتسال بالماء المستعمل، فقالت طائفة: لا يجوز الوضوء به، كان مالك (٤)، والأوزاعي، والشافعي (٥)، وأصحاب الرأي (٦) لا يرون الوضوء بالماء الذي تُوضئ به.

стр. 386

واختلف فيه عن سفيان، فحكى عنه [الفريابي] (١) أنه قال كقول هؤلاء. وحكى عن الأشجعي أنه قال: إذا نسيت أن تمسح برأسك وقد توضأت وفي لحيتك بلل، [أجزأك] (٢) أن تمسح مما في لحيتك أو يدك، وأن تأخذ ماءًا لرأسك أحب إلي (٣). وقال أحمد (٤) في جنب اغتسل في بئر فيها من الماء أقلّ من قلتين، قال: لا يجزئه، قد أنجس ذلك الماء. وقالت طائفة: لا بأس بالوضوء بالماء المستعمل؛ لأنه ماء طاهر، وليس مع من أبطل الطهارة بهذا الماء حجة، وليس لأحد أن يتيمم وهو يجد الماء. واحتج بعض من يقول بهذا القول بأخبار رويت عن علي، وابن عمر، وأبي أمامة فيمن نسي مسح رأسه إن وجد بللًا في لحيته، أجزأه أن يمسح رأسه بذلك البلل. ١٩٤ - حدثنا موسى بن هارون، نا طالوت بن عباد، نا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن خلاس، عن علي - فيما يحسب حماد -

стр. 387

وقيس، عن عطاء أنهما قالا في الذي ينسى أن يمسح برأسه حتى صلى قال: إن وجد في لحيته بللًا فليأخذ فليمسح برأسه، ويستقبل الصلاة (١). ١٩٥ - وحدثونا عن أبي زرعة، نا إبراهيم بن موسى، نا الوليد، نا أبو شيبة، ويحيى بن عبد الرحمن، عن ابن أنعم (٢)، عن ابن عمر قال: من نسي مسح رأسه، فليمسح بفضل لحيته. ١٩٦ - وحدثت عن أبي زرعة، نا عبد السلام بن مطهر، ثنا جعفر بن سليمان، عن أبي غالب - أظنه عن أبي أمامة - قال: إن نسي الرجل أن يمسح برأسه، حتى يدخل الصلاة، فوجد في لحيته بللًا، فليأخذ من لحيته، فليمسح رأسه. وكذلك قال عطاء (٣)، والحسن (٤)، والنخعي (٣)، ومكحول، والزهري، وهذا من قولهم يدل على طهارة الماء المستعمل وعلى استعمال الماء المستعمل. وكان أبو ثور يقول: إذا توضأ بالماء المستعمل الذي توضأ به؛ أجزأه، إذا كان نظيفًا.

стр. 388

قال أبو بكر: ومن حجة من يرى الوضوء بالماء المستعمل، قوله جل ذكره: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (١)، قال: فلا يجوز لأحد أن يتيمم وماء طاهر موجود، وهذا يلزم من أوجب القول بظاهر الكتاب وترك الخروج عن ظاهره، واحتج في إثبات الطهارة للماء المستعمل بحديث جابر. ١٩٧ - حدثنا محمد بن إسماعيل، نا عفان، نا شعبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: أتاني رسول الله ﷺ يعودني وأنا مريض لا أعقل، فتوضأ وصب عليَّ [من] (٢) وضوئه (٣). قال: فهذا الحديث يدل على طهارة [الماء] (٤) المتوضى به. ١٩٨ - حدثنا يحيى بن محمد، نا مُسَدِّد، نا عبد الله بن داود، عن الثوري، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الرُّبَيِّع أن النبي ﷺ مسح رأسه من فضل ماء كان في يده، فبدأ بموخر رأسه إلى مقدمه، ثم جره إلى مؤخره (٥).

стр. 389

قال أبو بكر: فدل هذا الحديث على مثل ما دل عليه الحديث الأول، فأجمع أهل العلم على أن الرجل المحدث الذي لا نجاسة على أعضائه، لو صب ماءًا على وجهه أو ذراعيه، فسأل ذلك عليه وعلى ثيابه، أنه طاهر (١)، وذلك أن ماء طاهرًا لاقى بدنًا طاهرًا، وكذلك في باب الوضوء ماء طاهر لاقى بدنًا طاهرًا، وإذا ثبت أن الماء المتوضأ به طاهر، وجب أن يتطهر به من لا يجد السبيل إلى ماء غيره، ولا يتيمم وماء طاهر موجود؛ لأن في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "الصعيد الطِّيب وَضوء المسلم ما لم يجد الماء، فإذا وجدت الماء فأمسسه بشرتك" (٢). فأوجب الله تعالى في كتابه، وعلى لسان نبيه ﷺ الوضوء بالماء والاغتسال به على كل من كان واجدًا له ليس بمريض. وفي إجماع أهل العلم أن الندى الباقي على أعضاء المتوضئ والمغتسل، وما قطر منه على ثيابهما طاهر، دليل على طهارة الماء المستعمل، وإذا كان طاهرًا فلا معنى لمنع الوضوء به بغير حجة يرجع إليها من خالف هذا القول. فأما قول من قال: إذا اغتسل بالماء الذي غسل به وجهه ويديه، كأنه لم يسو بينهما، فإن جواب ذلك أن يقال له: بل قد سوى بينهما؛ لأنه

стр. 390

غسل وجهه بماء طاهر، وغسل يديه أيضًا بماء طاهر، وإذا أجاز من يخالفنا أن يستعمل الماء المستعمل في ظاهر الذراع في باطن الذراع؛ جاز كذلك أن يستعمل في سائر الأعضاء. وقد روينا عن ابن عمر أنه كان ينتضح من إنائه في وضوئه (١). وكان النخعي وغير واحد من التابعين لا يرون بذلك بأسًا. وهو قول الزهري (٢)، والأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، ومالك (٣)، وأحمد (٤)، وإسحاق (٤)، وأصحاب الرأي (٥)، وكل هذا يدخل على من أفسد الماء المستعمل إذا كان أقلّ من خمس قرب باختلاط الماء المستعمل به، [و] (٦) في اغتسال النبي ﷺ وعائشة من إناء واحد دليل على إغفال قائل هذا القول. فأما اعتلال من اعتل بأن هذا قد أدى به الفرض مرّة، فكأنه قد أعاب بعض قوله ودعواه الذي لو كان جعل مكانه حجة يدلي بها، كان أحسن، مع أن قائل هذا القول يجيز أن يصلي في ثوب قد أدى به الفرض مرّة، ويجيز أن يرمي بحصًا قد رمى به مرّة، ويقطع سارق في ثوب واحد قد سرقه مرّة فقطعت يده، ثم سرقه ثانيًا، فوجب قطع رجله، منكرًا على الكوفي حيث زعم أنه لا يقطع فيه إلا مرّة واحدة.
следующие страницы →