← Фикх общий

Фикх общий · id 1568

الأوسط من السنن والإجماع والاختلاف - ط الفلاح

ابن المنذر

Полный текст (7 126 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

جماع أبواب الرد ومواريث ذوي الأرحام اختلف أهل العلم فيمن مات وترك من له سهم معلوم غير الزوج والمرأة، ولم يدع عصبة إلا ذوي أرحام لا فرض لهم منصوص في كتاب الله: فقالت طائفة: المال كله لمن له سهم معلوم مسمى، وليس لمن لا سهم له شيء. روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: ذو السهم أحق ممن لا سهم له. وبه قال سفيان الثوري، وأهل العراق. وقال أحمد بن حنبل (١) كما قال ابن مسعود. وقد روي عن علي بن أبي طالب أنه كان يرد على كل ذي سهم إلا الزوج والمرأة. وروي عن عبد الله أنه كان لا يرد على المرأة، ولا على الزوج، ولا على أخ لأم مع أم، ولا على أخت لأب من أخت لأب وأم، ولا على بنت ابن مع بنت الصلب، ولا على جدة إلا أن لا يكون غيرها. ٦٩٨٢ - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق (٢)، عن الثوري، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: كان يقال: ذو السهم أحق ممن لا سهم له. ٦٩٨٣ - ورواه عبد الأعلى النرسي، عن سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن ابن مسعود قال: ذو السهم أحق ممن لا سهم له (٣).

стр. 3572

٦٩٨٤ - ورواه محمد بن يحيى، عن حفص بن غياث، عن أبيه، عن الحجاج، عن إسماعيل، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: ذو السهم أحق ممن لا سهم له (١). ٦٩٨٥ - حدثنا يحيى بن محمد قال: حدثنا الحجبي قال: حدثنا أبو عوانة، عن منصور، عن حيان بياع الأنماط، عن سويد بن [غفلة] (٢) قال: كان علي يعطي الابنة النصف، والمرأة الثمن، ويرد ما بقي على الابنة (٣). ٦٩٨٦ - حدثنا علي بن الحسن قال: حدثنا عبد الله، عن سفيان، عن محمد بن سالم أبي سهل، عن الشعبي، عن علي بن أبي طالب أنه كان يرد على كل ذي سهم إلا الزوج والمرأة (٤).

стр. 3573

٦٩٨٧ - حدثنا علي بن الحسن قال: حدثنا عبد الله، عن سفيان عن محمد بن سالم أبي سهل، عن الشعبي قال: كان عبد الله لا يرد على المرأة ولا على الزوج، ولا على أخ لأم مع أم، ولا على أخت لأب مع أخت لأب وأم، ولا على ابنة ابن مع ابنة الصلب، ولا على جدة إلا أن لا يكون غيرها (١). ٦٩٨٨ - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق (٢)، عن هشيم، عن أبي إسحاق الشيباني، عن الشعبي قال: قيل له: إن أبا عبيدة ورث أختا المال كله. فقال الشعبي: من هو خير من أبي عبيدة قد فعل ذلك، كان عبد الله بن مسعود يفعل ذلك (٣). وقالت طائفة: يعطي أصحاب الفرائض فرائضهم ويجعل ما فضل من المال في بيت مال المسلمين. وروي هذا القول عن زيد بن ثابت. ٦٩٨٩ - حدثنا علي بن الحسن قال: حدثنا عبد الله بن الوليد، عن سفيان، عن أبي سهل، عن الشعبي أن زيد بن ثابت كان يعطيهم

стр. 3574

فرائضهم، ويرد ما بقي إلى بيت المال (١). وبه قال مالك بن أنس، وأهل المدينة (٢)، والأوزاعي، وأهل الشام، وهو قول الشافعي (٣)، وأبي ثور يرون أن ما فضل عن أصحاب الفرائض في بيت المال، لأن الذي يعقل عنه جناياته إذا لم يكن له عصبة بيت المال، فإذا قام المسلمون في العقل عنه مكان عصبة لو كانت له فكذلك يرثونه كما يعقلون عنه. مسائل في باب الولاء إذا مات الرجل وترك ابنته لا وارث له غيرها، فالمال لها في قول علي وعبد الله (٤) النصف بالفرض عليها، والباقي رد عليها بالرحم، وفي قول زيد (٥): للابنة النصف وما بقي فلبيت المال، وكذلك إن ترك ابنة ابن أو أما وجدة أو أختا لأب أو أختا لأم فالمال كله لأي هؤلاء انفرد بالميراث في قول علي وعبد الله، وفي قول زيد: لها فرضها وما بقي لبيت المال، فإن ترك أما وابنتين للأم السدس وللابنتين الثلثان وما بقي رد عليهم على قدر سهامهم في قول علي وعبد الله، وفي قول زيد: للأم السدس وللابنتين الثلثان وما بقي لبيت المال إن لم تكن عصبة، فإن ترك أما وابنة وابنة ابن في قول علي:

стр. 3575

للأم السدس وللابنة النصف ولابنة الابن السدس وما بقي رد عليهم على قدر سهامهم، وفي [قول] (١) عبد الله للأم السدس وللابنة النصف ولابنة الابن السدس وما بقي رد على الابنة والأم على قدر سهامهما، لأنه كان يرى أن يرد على ابنة الابن مع الابنة، وفي قول زيد: للأم السدس وللابنة النصف ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي لبيت المال فإن كان ترك امرأة وابنة وابنة ابن ولا عصبة، فللمرأة الثمن لا يزاد عليه في قولهم كلهم وما بقي فبين الابنة وابنة الابن على أربعة في قول علي، وفي قول عبد الله: للمرأة الثمن ولابنة الابن السدس وما بقي فللابنة، وفي قول زيد بن ثابت: للمرأة الثمن وللابنة النصف ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين وما بقي فلبيت المال، فإن ترك ثلاث أخوات متفرقات، ففي قول علي بن أبي طالب: المال مقسوم بينهن على خمسة: للأخت للأب ثلاثة (٢)، وللأخت للأب واحد، وللأخت من الأم واحد، وفي قول عبد الله: للأخت من الأب السدس لا يزاد عليه، وقسم الباقي بين الأخت من الأب والأم والأخت من الأم: للأخت من الأم ربع ما يبقى، وثلاثة أرباع ما يبقى بعد السدس للأخت من الأب والأم، وفي قول زيد بن ثابت: للأخت من الأب والأم النصف وللأخت من الأب السدس وللأخت من الأم السدس وما بقي فلبيت المال. قال أبو بكر: باقي مسائل هذا الباب في كتاب الفرائض.

стр. 3576

ذكر مواريث ذوي الأرحام اختلف أهل العلم في مواريث ذوي الأرحام، فروي عن عمر بن الخطاب أنه قسم المال بين عمة وخالة. وروي عن ابن مسعود أنه قال: العمة بمنزلة الأب والخالة بمنزلة الأم، وابنة الأخ بمنزلة الأخ، وكل ذي رحم ينزل بمنزلة رحمه التي يرث (بها) (١) إذا لم يكن وارث ذو قرابة. ٦٩٩٠ - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق، عن الثوري، عن محمد بن سالم، عن الشعبي، عن ابن مسعود قال: العمة بمنزلة الأب، والخالة بمنزلة الأم، وابنة الأخ بمنزلة الأخ، وكل ذي رحم ينزل منزلة رحمه الذي يرث بها إذا لم يكن وارث ذو قرابة (٢). ٦٩٩١ - ومن حديث إسحاق بن راهويه قال: أخبرنا يحيى بن آدم قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النجود، عن [زر] (٣) بن حبيش قال: قسم عمر بن الخطاب المال بين عمة وخالة (٤).

стр. 3577

٦٩٩٢ - حدثنا محمد بن علي قال: حدثنا سعيد قال: حدثنا هشيم قال: أخبرنا داود بن أبي هند، عن الشعبي قال: انتهى إلى زياد عمة وخالة، فقال زياد: أنا أعلم الناس بقضاء عمر بن الخطاب فيها فجعل لها الثلثين، وجعل الخالة بمنزلة الأم فجعل لها الثلث (١). ٦٩٩٣ - حدثنا علي بن عبد العزيز قال: حدثنا حجاج قال: حدثنا هشيم قال: أخبرنا محمد بن سالم، عن الشعبي، عن مسروق قال: قال عبد الله: العمة بمنزلة الأب والخالة بمنزلة الأم، وابنة الأخ بمنزلة الأخ، وكل ذي رحم بمنزلة رحمه التي تجره إذا لم يكن وارث ذو فريضة (٢). ٦٩٩٤ - ومن حديث إسحاق قال: أخبرنا يحيى بن آدم قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن مطرف، عن الشعبي، عن علي، أنه قال في عم أخي أب لأم وخال، فقال علي: للعم أخي الأب لأمه نصيب أخيه وللخال نصيب أخته (٣). قال أبو عبيد: أهل العراق يرون إذا مات الرجل وترك أهل فرائض ممن لا يستوعب المال كالأم والإخوة من الأم والبنات والأخوات وليس هناك عصبة، فإنهم يجعلون الميراث على السهام لأهل الفرائض ثم يردون عليهم على قدر مواريثهم، وإذا لم يكن للميت أحد من أهل

стр. 3578

الفرائض المسماة في التنزيل وله ذووا أرحام جعلوا ذوي الأرحام مع الورثة فقسموا ماله بينهم على قدر أرحامهم وقرابتهم، ويحتجون في ذلك بقول الله : ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتب الله﴾. وقالت طائفة: لا يرث ابن الأخ للأم برحمه تلك شيئا. ولا الجد أبي الأم لا يرث برحمه تلك شيئا. ولا العم أخو الأب للأم لا يرث برحمه تلك شيئا. ولا الخال لا يرث برحمه تلك شيئا. ولا ترث الجدة أم أبي الأم، ولا ابنة الأخ للأب والأم، ولا العمة أخت الأب للأب والأم، ولا الخالة، ولا من هو أبعد نسبا من المتوفى ممن سمي في هذا الكتاب لا يرث أحد منهم برحمه تلك شيئا. هذا قول زيد بن ثابت (١)، وبه قال مالك (٢)، والشافعي. وقال الشافعي (٣): معنى ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتب الله﴾. أن الناس توارثوا بالحلف والنصرة ثم توارثوا بالإسلام والهجرة ثم نسخ ذلك فنزل قول الله - جل ذكره -: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ على معنى ما فرض الله لهم وسن رسوله لا مطلقا هكذا، ألا ترى أن الزوج يرث أكثر مما يرث ذووا الأرحام ولا رحم له، أو لا ترى أن ابن العم البعيد يرث المال كله ولا يرث الخال، والخال أقرب رحما منه، فإنما معناها على معنى ما وصفت لك من أنها على ما فرض الله لهم وسن

стр. 3579

رسول الله ﷺ ، وأنتم تقولون: إن الناس إنما يتوارثون بالرحم وتقولون خلافه في مواضع يزعمون أن الرجل إذا مات وترك أخواله ومواليه فماله لمواليه دون أخواله، فقد منعت ذوي الأرحام الذين قد يعطيهم في حال، وأعطيت الذين لا رحم المال. وقال غير الشافعي في رجل ترك ابنة واحدة لا عصبة معها ولا صاحب فريضة، للابنة النصف فريضة لها، وبقي النصف وهو مال لا وارث له، فحكمه حكم كل مال لا مالك له أن يوضع في بيت مال المسلمين.

стр. 3580

كتاب الوصايا قال الله : ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين﴾ (١). ذكر الخبر الدال على أن المأمور بالوصية من له مال يريد أن يوصي فيه، دون من لا مال له ودون من له مال لا يريد أن يوصي فيه ٦٩٩٥ - حدثنا يحيى بن محمد قال: ثنا أبو الربيع الزهراني قال: حدثنا حماد بن زيد قال: حدثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "ما حق امرئ له مال يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة [عنده] (٢) " (٣).

стр. 3581

ذكر الأمر بكتب الوصية إذا أراد المرء الوصية وكان له مال يوصي فيه ٦٩٩٦ - أخبرنا محمد بن عبيد الله بن عبد الحكم قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني رجال من أهل العلم - منهم: عبد الله بن عمر، ومالك بن أنس، ويونس بن يزيد، وأسامة بن زيد - أن نافعا حدثهم، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين ووصيته مكتوبة عنده " (١). ذكر إباحة ترك الوصية إذا لم يكن للمرء مال يوصي فيه ولم يكن عليه أو عنده من حقوق العباد ما يجب عليه إذا وفد إليهم ٦٩٩٧ - حدثنا علي بن عبد العزيز قال: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا مسعر، عن عاصم، عن زر بن حبيش، أن عائشة قالت لإنسان: عن ميراث رسول الله ﷺ فسلني (٢). توفي رسول الله ﷺ ولم يدع دينارا

стр. 3582

ولا درهما ولا عبدا ولا أمة ولا شاة ولا بعيرا (١). ٦٩٩٨ - حدثنا خشنام بن إسماعيل قال: حدثنا إسحاق بم إبراهيم قال: حدثنا عيسى قال: حدثنا الأعمش، عن سفيان، عن مسروق، عن عائشة قالت: ما نرك رسول الله ﷺ دينارًا ولا درهمًا، ولا شاة ولا بعيرًا، ولا أوصى بشيء (٢). ٦٩٩٩ - حدثنا علان بن المغيرة قال: حدثنا آدم بن أبي إياس قال: حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة قال: أخبرتني عائشة أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله ﷺ مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر. قال أبو بكر: إن رسول الله ﷺ قال: لا نورث، ما تركنا صدقة إنما يأكل آل محمد في هذا المال (٣). ذكر الأخبار الدالة على أن معنى قول من قال: إن النبي ﷺ لم يوص بشيء يريد أنه لم يوص في ماله لأنه أعلم أن ما ترك صدقة وقد أوصى بغير ذلك ٧٠٠٠ - حدثنا محمد بن إسماعيل قال: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا

стр. 3583

مالك بن مغول، عن طلحة بن مصرف قال: سألت عبد الله بن أبي أوفى: أوصى رسول الله ﷺ ؟ قال: لا. قلت: كيف كتب على الناس الوصية ولم يوص؟ قال: أوصى بكتاب الله (١). ٧٠٠١ - حدثنا محمد بن إسماعيل قال: حدثنا زهير قال: حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن سليمان، عن قتادة، عن أنس، قال: كانت عامة وصية رسول الله ﷺ الصلاة وما ملكت أيمانكم حتى جعل يغرغر بها في صدره وما يفيض بها لسانه (٢). قال أبو بكر: فوصيته ﷺ بكتاب الله وبالصلاة غير معنى قول عائشة ولا أوصى بشيء.

стр. 3584

ذكر اختلاف أهل العلم في الوصية هل تجب فرضا أم لا؟ قال الله : ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا﴾ (١) الآية. فمعنى قوله: خيرا، يعني: مالا. وروينا ذلك عن ابن عباس. ٧٠٠٢ - حدثنا علان بن المغيرة قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي [طلحة] (٢) عن ابن عباس في قوله: ﴿إن ترك خيرا﴾ (٣) يعني: مالا (٤). وبه قال مجاهد، وعكرمة والضحاك. قال عكرمة: قوله: ﴿حب الخير﴾: حب المال. وقال الضحاك في قوله: ﴿إني أراكم بخير﴾ قال: الغني. وقد أجمع أهل العلم (٥) على أن الوصية غير واجبة على من لم يدع مالا ولا شيئا مما يملك. واختلفوا في وجوب الوصية على من خلف مالا: فقالت طائفة: الوصية واجبة على ظاهر هذه الآية. كان الزهري يقول: جعل الله الوصية حقا مما قل منه أو كثر (٦). وقالت طائفة: الوصية ليست بواجبة كان المريض موسرا أو فقيرا. كان النخعي يقول: إن أوصى فحسن، وإن لم يوص فلا بأس، مات رسول الله ﷺ ولم يوص، ومات أبو بكر وما وصى (٧).

стр. 3585

وروينا عن الشعبي أنه قال: ليست الوصية بواجبة (١). وقال الثوري: إن شاء أوصى، وإن شاء لم يوص، وإن كان موسرا ليست الوصية بواجبة. وقال الشافعي ﵀ قوله: "ما حق امرئ " يحتمل ما الحزم (٢)، وما يحتمل (٣) المعروف في الأخلاق إلا هذا، لا من وجه الفرض (٤). وقالت طائفة: ليست الوصية بواجبة إلا على رجل عليه دين أو عنده مال لقوم، فيجب عليه أن يكتب وصيته، ويخبر بما عليه، فأما من لم يكن عليه دين ولا عنده وديعة، فليس بواجب عليه أن يوصي إلا أن يشاء (٥)، والله أعلم. هذا قول أبي ثور، وقد احتج لأبي ثور بعض أصحابه فقال: قال الله - جل ذكره -: ﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا﴾ (٦) الآية، وغير موقى لنفسه من وجب لله عليه أو لآدمي قبله تبعة في مال لا يعلم به غيره، فترك الخروج مما يجب عليه والإخبار به والتقدم فيه، وهو على ذلك قادر، فقد عصى إذ ترك أن يقي نفسه.

стр. 3586

قال أبو بكر: قول أبي ثور أحسن ما قيل في هذا الباب، وذلك لأن الله - جل ذكره - فرض أداء الأمانات إلى أهلها، فقال - جل ذكره -: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانت إلى أهلها﴾ (١) فأداء الأمانات إلى جميع الناس البر منهم والفاجر فرض، فأما من لا أمانة قبله، ولا حق عليه لأحد، فليس بواجب عليه أن يوصي، ويدل على صحة ما قلناه قوله: "ما حق امرئ له مال يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده " (٢) إذ لو كانت الوصية واجبة لم يجعل ذلك إلى إرادة الذي يريد الوصية، ولكان ذلك لازما على كل حال، ويدل على أن الوصية ليست بواجبة ترك ابن عمر أن يوصي. قال نافع: ذكر الوصية لابن عمر في مرضه فقال: أما مالي فالله أعلم ما كنت أفعل فيه، وأما رباعي وأرضي فلأني لا أحب أن يشارك ولدي فيها أحد. ٧٠٠٣ - حدثنا موسى بن هارون قال: حدثنا أبو الربيع قال: حدثنا حماد قال: حدثنا أيوب، عن نافع قال: ذكرت الوصية لابن عمر في مرضه فقال: … (٣) وذكر الحديث.

стр. 3587

وقد ذكرنا فيما مضى أن النبي ﷺ لم يترك مالا فيوصي فيه، وقد أوصى بكتاب الله وبالصلاة، وقال في خطبته بعرفة يودع بذلك أمته: "وقد تركت فيكم ما لن تضلوا إن اعتصمتم به: كتاب الله " (١). ومعنى قول عائشة وابن أبي أوفى أنه لم يوص يعنيان في ثلثه بشيء، ولا يتوهم مسلم أن أحدا كان له قبل رسول الله ﷺ شيء فلم يخرج منه بل لا يعتقد ذلك إلا كافر، وقد روينا عن الأوائل أخبارا تدل على أن الاختيار لمن يترك مالا قليلا ترك الوصية وإبقاء المال على الورثة. روينا عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه دخل على رجل من بني هاشم يعوده وله ثمانمائة درهم، وهو يريد أن يوصي. فقال له علي: لا، إنما قال الله: ﴿إن ترك خيرا﴾ (٢) وإنك لم تدع خيرا توصي فيه. وروينا عن ابن عباس أنه قال: إذا ترك الميت سبعمائة درهم فلا يوصي. وقالت عائشة - رحمها الله - لرجل أراد أن يوصي: كم مالك؟ قال: ثلاثة آلاف. قالت: فكم عيالك؟ قال: أربعة. قالت: إن الله يقول ﴿إن ترك خيرا﴾ وإن هذا شيء يسير فدعه لعيالك فإنه أفضل. وقال ابن عباس: من لم يترك ستين دينارا لم يترك خيرا. ٧٠٠٤ - حدثنا موسى بن هارون قال: حدثنا عبد الأعلى قال: حدثنا وهيب بن خالد قال: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، أن علي بن أبي طالب - رحمة الله عليه - دخل على رجل من بني هاشم يعوده وله ثمانمائة درهم، وهو يريد أن يوصي. فقال له علي: لا، إنما قال الله

стр. 3588

: ﴿إن ترك خيرا﴾ وأنت لم تدع خيرا توصي فيه (١). ٧٠٠٥ - حدثنا محمد بن علي قال: حدثنا سعيد بن منصور قال: حدثنا عبد الله بن المبارك قال: أخبرنا ابن جريج، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عباس قال: إذا ترك الميت سبعمائة درهم فلا يوصي (٢). ٧٠٠٦ - حدثنا موسى قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا أبو معاوية، عن محمد بن شريك، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة ﵂ قالت: قال لها رجل: إني أريد أن أوصي [قالت] (٣): كم مالك؟ قال: ثلاثة آلاف. قالت: فكم عيالك؟ قال: أربعة. قالت: إن الله يقول: ﴿إن ترك خيرا﴾ (٤) وإن هذا شيء يسير فدعه لعيالك فإنه أفضل (٥).

стр. 3589

٧٠٠٧ - حدثنا محمد بن أحمد قال: حدثنا نصر بن سيار قال: حدثنا عبد بن حميد قال: حدثنا إبراهيم - يعني ابن الحكم بن أبان - عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿إن ترك خيرا﴾ (١) قال: فمن لم يترك ستين دينارا لم يترك خيرا (٢). وقال قتادة في قوله: ﴿إن ترك خيرا﴾ قال: ألفا يعني: ألف درهم فما فوقه (٣). وكان إسحاق يقول: إذا لم يملك قليلا أو كثيرا وعظ أهله وأوصاهم بتقوى الله وطاعته، وأن لا يأتوا محرما بعد موته من النياحة والبكاء وما أشبه ذلك، وذكر حديث ابن أبي أوفى أوصى بكتاب الله (٤). وكان الشعبي يقول: الوصية تمام لما ترك من الصدقة (٥). ذكر قول الله جل ذكره ﴿إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين﴾ اختلف أهل العلم في معنى قوله: ﴿إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين﴾: فقالت طائفة: الآية منسوخة، نسخها قوله - جل ذكره -:

стр. 3590

﴿للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون﴾ (١). روينا هذا القول عن ابن عباس. وروينا عن ابن عمر أنه قال: نسختها آية الميراث. ٧٠٠٨ - حدثنا علي عن أبي عبيد قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج وعثمان بن عطاء، عن [عطاء] (٢) الخراساني، عن ابن عباس: ﴿إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين﴾ قال: نسختها هذه الآية ﴿للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا﴾ (٣). ٧٠٠٩ - حدثنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا هشيم قال: حدثنا يونس، عن ابن سيرين، عن ابن عباس، أنه قرأ هذه الآية: ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين﴾ فقال: قد نسخ هذا (٤). ٧٠١٠ - حدثنا موسى بن هارون قال: حدثنا أبو بكر قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن جهضم، عن عبد الله بن بدر، عن ابن عمر: ﴿إن ترك خيرا الوصية﴾ قال: نسختها آية الميراث (٥).

стр. 3591

وكذلك قال عكرمة (١)، ومجاهد (٢)، وكان مالك (٣) والشافعي (٤) - رحمهما الله - يقولان: هذه الآية منسوخة. وقالت طائفة: نسخ الوالدان بالفرض لهما في سورة النساء، وبقي الأقربون ممن لا يرث الوصية لهم جائزة حرض الله على ذلك. هكذا قال إسحاق بن راهويه (٥). روينا معنى هذا القول عن ابن عباس، وطاوس (٦) وقتادة وبه قال الحسن البصري (٧). ٧٠١١ - حدثنا علان بن المغيرة قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿إن ترك خيرا﴾ يعني مالا، ﴿الوصية للوالدين والأقربين﴾ فكان لا يرث مع الوالدين غيرهم إلا وصية إن كانت للأقربين، فأنزل الله بعد ذلك: ﴿ولأبويه لكل واحد منهما السدس [مما ترك] (٨) إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث﴾ فبين الله سبحانه ميراث الوالدين وأقر وصية الأقربين في ثلث مال الميت (٩).

стр. 3592

ذكر الوصية للقرابة وترك الوصية لهم أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الوصية للوالدين اللذين لا يرثان المرء، والأقرباء الذين لا يرثونه جائزة لا أعلمهم يختلفون فيه (١). واختلفوا في الرجل يوصي للأجنبيين ويدع أن يوصي لقرابته الذين لا يرثونه. فقالت طائفة: وصيته حيث جعلها. هذا قول سالم بن عبد الله بن عمر (٢)، وسليمان بن يسار، وعطاء، ومحمد بن سيرين. وقال عبيد الله بن عبد الله بن معمر في الوصية: من سمى جعلناها حيث سمى، ومن قال: حيث أمر الله جعلناها في قرابته (٣). وقال سعيد بن المسيب: من أوصى فسمى أعطينا من سمى (٤). وبه قال الزهري (٥). وممن رأى أن الوصية تمضي وإن أوصى لغير قرابته: مالك بن أنس (٦)، وسفيان الثوري (٧)، والأوزاعي، والشافعي (٨) وأحمد (٩)

стр. 3593

وإسحاق وأبو ثور، والنعمان (١) وأصحابه، وهذا قول عوام أهل الفتيا من علماء الأمصار. وفيه قول ثان: وهو أن من أوصى وترك ذوي قرابته، انتزعت منهم وردت على قرابته. هذا قول طاوس (٢) وقال: فإن لم يكن في أهله فقير فلأهل الفقر من كانوا. وقال الحسن وعبد الملك بن يعلى: ترد على قرابته (٣). وفيه قول ثالث: وهو أن يحاز للذي أوصى له من ذلك ثلث الثلث، ويرد ثلثا الثلث إلى قرابة الموصي. هذا قول سعيد بن المسيب (٤)، وجابر بن زيد (٥)، وبه قال إسحاق (٦)، وقد روي ذلك عن الحسن البصري (٧) فصار للحسن في هذه المسألة قولان، وقد احتج الشافعي وأحمد (٨) في إجازة الوصية لغير الأقربين بحديث عمران بن الحصين. ٧٠١٢ - حدثنا يحيى بن محمد قال: حدثنا مسدد قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن الحصين

стр. 3594

أن رجلا من الأنصار أعتق ستة أعبد في مرضه لم يكن له مال غيره، فبلغ ذلك النبي ﷺ فدعاهم فجزأهم، ثم أقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة، وقال له قولا شديدا (١). وفي الحديث الذي فيه ذكر قوله: "لا وصية لوارث " (٢) دليل على إباحة الوصية لغير الوارث من كان قريبا أو بعيدا. قال أبو بكر: ويدل على صحة هذا القول حديث أبي قتادة. ٧٠١٣ - حدثنا علي بن عبد العزيز قال: حدثنا إبراهيم بن حمزة قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة، عن أمه (٣)، عن أبيه (قال: لما قدم) (٤) النبي ﷺ المدينة سأل عن البراء بن معرور فقيل له: إنه قد هلك وقد أوصى لك بثلث ماله، فقبل رسول الله ﷺ وصيته، ثم ردها على ورثته (٥).

стр. 3595

ذكر إبطال الوصية للوارث أجمع كل من نحفظ [عنه] (١) من علماء الأمصار، من أهل المدينة، وأهل مكة، وأهل الكوفة، والبصرة، وأهل الشام، ومصر، وسائر العلماء من أهل الحديث وأهل الرأي على أن لا وصية لوارث إلا أن يجيز ذلك الورثة (٢). وأنا ذاكر باب الإجازة فيما بعد - إن شاء الله - وجاءت الأخبار عن رسول الله ﷺ بمثل ما اتفق عليه من ذكر ذلك عنه من أهل العلم. ٧٠١٤ - حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى قال: حدثنا الحجبي عبد الله بن عبد الوهاب قال: حدثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن عمرو بن خارجة قال: خطبنا رسول الله ﷺ على ناجد، وأنا آخذ بجرانها، وهي تقصع بجرتها، ولعابها يسيل بين كتفي فقال: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، ولا وصية لوارث، والولد للفراش، وللعاهر الحجر، ومن ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه رغبة عنهم، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل " (٣).

стр. 3596

حدثنا علي عن أبي عبيد قوله: تقصع بجرتها وإنما قصع الجر شدة المضغ، وضم بعض الأسنان على بعض، والجرة ما تجتره الإبل فتخرجه من أجوافها لتمضغه، ثم ترده في أكراشها بعد الجرة، أي بعد أن تجتر (١). ٧٠١٥ - حدثنا محمد بن علي قال: حدثنا سعيد بن منصور قال: حدثنا إسماعيل بن عياش قال: حدثني شرحبيل بن مسلم الخولاني قال: سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول في خطبته عام حجة الوداع يقول: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، ولا وصية لوارث … " وذكر [الحديث] (٢) (٣). وقد حكي عن مكحول أنه قال: العدل: الفدية، والصرف: التوبة (٤)، وذكر عبد الرزاق، عن الثوري أنه قال: الصرف: الفريضة، والعدل (٥): النافلة.

стр. 3597

ذكر الحيف في الوصية [الضرار] (١) فيها ٧٠١٦ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أشعث بن عبد الله، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الرجل يعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى حاف في الوصية، فيختم له شر عمله فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة، فيعدل في وصيته، فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة ". قال ثم يقول أبو هريرة: واقرءوا إن شئتم: ﴿تلك حدود الله﴾ إلى: ﴿وله عذاب مهين﴾ (٢) (٣). وكان ابن عباس يقول: الضرار في الوصية من الكبائر، ثم قرأ: ﴿وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله﴾ (٤). وقال: الحيف في الوصية والإضرار فيها من الكبائر. وقد روينا عن ابن عباس أنه قال في قوله: ﴿فمن خاف من موص جنفا﴾ (٥) يعني: إثما يقول: إذا أخطأ الميت في وصيته وحاف فيها فليس على الأولياء حرج أن يردوا خطأه إلى الصواب. ٧٠١٧ - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق، عن الثوري، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: الضرار في الوصية من الكبائر، ثم قرأ:

стр. 3598

﴿تلك حدود الله﴾ (١). ٧٠١٨ - أخبرنا النجار قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن ابن طاوس، عن أبيه في قوله: ﴿فمن خاف من موص جنفا أو إثما﴾ قال: هو الرجل يوصي لولد ابنته يريد ابنته (٢). ٧٠١٩ - حدثنا علان قال: حدثنا أبو صالح قال: حدثنا معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿فمن خاف من موص جنفا﴾ يعني: إثما، يقول: إذا أخطأ الميت في وصيته أو حاف فيها فليس على الأولياء حرج أن يردوا خطأه إلى الصواب (٣). وقال قتادة في هذه الآية قال: من أوصى بجور أو بحيف فردها ولي المتوفى إلى كتاب الله وإلى العدل قال: ذلك له أو إمام من أئمة المسلمين (٤). وقال إسحاق بن منصور: قلت - يعني لأحمد -: إذا اعتدى في وصيته يرد ذلك إلى الحق؟ قال: إي لعمري قال إسحاق كما قال (٥). وقال مجاهد في قوله: ﴿فمن خاف من موص جنفا أو إثما﴾ (٦) قال: هذا يحضر الرجل وهو يموت فإن أسرف أمروه بالعدل، وإذا قصر قالوا:

стр. 3599

افعل كذا وأعط كذا (١). وقال أبو عبيد: فإن [المعنى] (٢) في قوله: ﴿فأصلح بينهم فلا إثم عليه﴾ (٣) قال: يعني - والله أعلم - بين الورثة والموصى له إذا كان الميت قد جنف في وصيته. قال: ولم يذكر الورثة ولا الموصى لهم، ولكن اكتفى بالموصى لما قال: ﴿فمن خاف من موص﴾ ثم قال: ﴿فأصلح بينهم﴾ علم أن هاهنا وصية وورثة وموصى لهم فاكتفى بهذا. وروينا عن الضحاك أنه قال (٤): الجنف: الخطأ، والأثم: العمد. وكذلك قال الثوري (٥). وقال عطاء (٦) في قوله: ﴿جنفا﴾: ميلا. وكذلك قال الكسائي. وقال أبو عبيد (٧): ﴿جنفا﴾ أي جورا عن الحق وعدولا، قال: وقال عامر الخصفي (٨): هم المولى وقد جنفوا علينا ...... وإنا من لقائهم لزور جنفوا: جاروا.

стр. 3600

وكان طاوس يقول (١) في قوله: ﴿فمن خاف من موص جنفا أو إثما﴾ قال: هو الرجل يوصي لولد ابنته يريد ابنته (٢). قال أبو بكر: قول طاوس هذا ينصرف على وجهين: إن كان أراد إذا قال الموصي الذي يوصي لولد ابنته: إنما أردت ابنتي بما أوصيت لولدها فذلك مردود، لاتفاق أهل العلم عليه، ولقول النبي ﷺ : "من أحدث من أمرنا هذا ما ليس فيه فأمره مردود ". ٧٠٢٠ - حدثنا إبراهيم بن عبد الله قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: "من أحدث في أمرنا هذا شيئا ليس منه فأمره مردود " (٣). والوجه الثاني: أن يوصي الرجل لولد ابنته، ولا يذكر في وصيته شيئا على خلاف ظاهر قوله، فالذي يجب عندي: إنفاذ ما أمر من الثلث، ولا يجوز رد ذلك، بأن يظن أنه أراد بذلك ابنته لنهي النبي ﷺ عن الظن. ٧٠٢١ - حدثنا محمد بن إسماعيل قال: حدثنا روح قال: حدثنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث " (٤). بل يستحب عندي أن يوصي الرجل لقرابته:

стр. 3601

٧٠٢٢ - للذي روينا عن النبي ﷺ أنه قال: "الصدقة على المساكين صدقة، وهي على ذي الرحم ثنتان: صلة وصدقة " (١). قال أبو بكر: والذي يجب أن يرد من الميل والجور وصية الرجل بأكثر من ثلث وصيته لبعض ورثته، أو أن يوصي في أبواب المعاصي كلها، وقد قيل: أن مما يجوز الصلح بين الورثة والموصى له: أن يوصي الميت بشيء بعينه لرجل، وتختلف الورثة والموصى له في قيمته، وليس في الموضع من يقوم بتقويم ذلك فيصلح الوصي بينهم إذا أشكل قيمة ذلك، أو يوصي الرجل بثلث جميع ما يخلف فيضيق على الموصي وعلى الموصى له، وعلى الورثة تحصيل الثلث من ذلك على الحقيقة من كل شيء، فيصلح بينهم الوصي، ويأمرهم بما فيه الصلاح للفريقين. [ذكر] (٢) وصية الرجل بأكثر من ثلثه أو وصيته لبعض الورثة فيجيز الورثة ذلك بعد وفاة الميت أو في حياته اختلف أهل العلم في الرجل يستأذن ورثته في أن يوصي بأكثر من ثلث ماله، أو أن يوصي لبعض الورثة، فيطيبون به نفسا في حياته، ويأذنون له في ذلك، ثم يبدوا لهم بعد وفاته (٣).

стр. 3602

فقالت طائفة: لهم أن يرجعوا، لأنهم أجازوا شيئا لم يملكوه في ذلك الوقت، وإنما ملكوا المال بعد وفاته. روينا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: ذلك التكره لا يجوز. وقال شريح (١): هم بالخيار إذا نفضوا أيديهم من قبره. ٧٠٢٣ - حدثنا موسى قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا غندر، عن شعبة، عن يزيد بن أبي خالد الدالاني قال: سمعت الأعور محمد بن عبيد الله الثقفي يحدث عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله أنه قال في الرجل يوصي بأكثر من الثلث فيجيزه الوارث، ثم لا يجيزه بعد موته: فإن ذلك التكره (٢) لا يجوز (٣). وبه قال طاوس (٤). وقال الحكم: إن شاءوا رجعوا.

стр. 3603

وهذا قول سفيان الثوري (١)، والحسن بن صالح (٢)، والشافعي (٣)، وأحمد (٤)، وأبو ثور (٥) والنعمان (٦)، وأصحابه. وفيه قول ثان: وهو أن ذلك جائز عليهم. هذا قول الحسن البصري (٧)، وعطاء بن أبي رباح (٨)، وحماد بن أبي سليمان (٩)، وبه قال عبد الملك بن يعلى (١٠). وقال الزهري: ليس للوارث بعد أن يأذن أن يرجع. وكذلك قال ربيعة. وقال مالك: إن كانوا أذنوا له في صحته، فلهم أن يرجعوا فيه، وإن كان ذلك في مرضه، وحين يحجب عن ماله، فذلك جائز عليهم (١١).

стр. 3604

وكان الأوزاعي يقول: إذا استأذن الورثة فأوصى لوارثه، ثم رجعوا بعد موته، ليس ذلك لهم (١). وقال ابن أبي ليلى (٢): إجازتهم جائزة، وليس لهم أن يرجعوا. واختلف فيه عن إسحاق بن راهويه (٣): فحكى إسحاق بن منصور عنه أنه قال كما قال أحمد، وحكى أبو داود الخفاف عنه أنه حكى قول مالك، ثم قال: وهذا الذي يعتمد عليه، لأنه شبيه بالسنن من غيره. قال أبو بكر: وبالقول الأول أقول، لأن إذنهم فيما لا يملكوا ولا معنى لذلك. وكان مالك بن أنس، وسفيان الثوري (٤)، والشافعي، وأبو ثور. وأصحاب الرأي يقولون: إذا [أجازوا] (٥) ذلك بعد وفاته لزمهم. وقال الحسن البصري في الرجل يوصي بأكثر من الثلث فيرضى الوارث بذلك قال: جائز (٦). مسألة واختلفوا في الرجل يوصي لبعض ورثته بمال ويقول في وصيته: إن أجازه الورثة فهو له، وإلا فهو في سبيل الله.

стр. 3605

فقالت طائفة: لا يجعل في سبيل الله إن لم تجز الورثة ذلك، بل يرجع إلى الورثة. هذا قول مالك (١). وفي قول الشافعي (٢) ﵀ يمضي في سبيل الله. وهو قول النعمان (٣)، ومعمر صاحب عبد الرزاق. باب ذكر خبر دال على معنى قوله: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾ ٧٠٢٤ - حدثنا محمد بن مهل قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله! إن لي مالا كثيرا، وليس لي إلا ابنة، أفأوصي بثلثي مالي؟ قال: "لا ". قال: فبنصف مالي؟ قال: "لا ". قال: فبثلث مالي؟ قال: فقال النبي ﷺ : "الثلث والثلث كثير، إنك يا سعد أن تدع ورثتك أغنياء بخير خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس، إنك يا سعد لم تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى اللقمة ترفعها إلى فم امرأتك ". قال: قلت: يا رسول الله أخلف بعد أصحابي؟ قال: "إنك لن تخلف فتعمل عملا صالحا إلا ازددت به درجة ورفعة، ولعل الله يخلفك حتى ينتفع بك أقوام، ويضر بك آخرين، اللهم أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم، لكن البائس سعد بن خولة يرثي

стр. 3606

له رسول الله أن مات بمكة " (١). قال أبو بكر: ذكر الله الوصية في كتابه ذكرا مجملا، وكان الرسول ﷺ المبين عن الله معنى ما أراد، فعرف ﷺ أن الوصايا مقصور بها على ثلث مال الميت. وأجمع أهل العلم على القول بهذا الحديث (٢)، ويدل الحديث على استحباب أن ينقص الموصي شيئا من الثلث، لاستكثار النبي ﷺ الثلث، ودل الحديث على استحباب أن يدع المرء ورثته أغنياء بخير، وأن ذلك خير من أن يدعهم عالة. وقوله: ليس لي إلا ابنة واحدة، يريد ليس لي من الولد إلا ابنة واحدة، وذلك أن العربي لا يكاد يخلو أن يكون له عصبة، وفي حديث آخر بيان ذلك. ٧٠٢٥ - حدثنا علي بن عبد العزيز قال: حدثنا حجاج قال: حدثنا همام، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن محمد بن سعد بن مالك، عن أبيه سعد بن مالك أن النبي ﷺ دخل عليه وهو مريض فقال: إنه ليس لي ولد إلا ابنة واحدة، أفأوصي بمالي كله؟ قال: فقال النبي ﵇: "لا ". قال: فأوصي بنصفه؟ قال النبي ﷺ : "لا ". قال: فأوصي بثلثه؟ قال النبي ﷺ : "الثلث والثلث كثير " (٣).

стр. 3607

ذكر الخبر الدال على أن الأمر بالوصية أمر ندب لا أمر وجوب قال أبو بكر: قد ذكرنا فيما مضى في قوله: "ما حق امرئ له مال يريد [أن] (١) يوصي فيه " (٢) دليل على أن الوصية غير واجبة على من لا دين عليه، ولا حق قبله. وأن لو كان ذلك فرضا لم يجعله إلى إرادة الموصي، ويدل على مثل هذا المعنى حديث أبي هريرة. ٧٠٢٦ - حدثنا علان بن المغيرة، قال: حدثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا محمد بن جعفر، قال: أخبرني العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رجل للنبي ﷺ : إن أبي مات وترك مالا ولم يوص، [فهل] (٣) يكفر عنه إذا تصدقت عنه؟ قال: "نعم " (٤). ٧٠٢٧ - وحدثنا علان قال: حدثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرني محمد بن جعفر، قال: أخبرني هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂ أن رجلا قال للنبي ﷺ : إن أمي أفتلتت نفسها، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها من أجر إن تصدقت عنها؟ قال: "نعم " (٥). قال أبو بكر: ففي ترك النبي ﷺ إنكار ذلك لما بلغه دليل على أن تارك الوصية غير عاص لله في تخلفه عن الوصية، إذ لو كان ذلك فرضا لخبر النبي ﷺ بأن الميت ترك فرضا.

стр. 3608

باب ذكر القدر الذي يستحب أن يوصي به المرء ويقتصر عليه واختلفوا في القدر الذي يستحب أن يوصي به المرء، فروينا عن جماعة أنهم أحبوا أن يوصى بالخمس: روينا عن أبي بكر الصديق - رحمة الله عليه - أنه أوصى بالخمس، وقال: آخذ من مالي ما أخذ الله من فيء المسلمين. وروينا عن علي أنه قال: لأن أوصي بالخمس أحب إلي من أن أوصي بالربع، ولأن أوصي بالربع أحب إلي من أن أوصي بالثلث، ومن أوصى بالثلث فلم يترك. وروينا عن ابن عباس أنه قال: الربع جنف والثلث جنف. ٧٠٢٨ - حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى، قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا عبد الله بن داود، عن جعفر بن برقان، عن خالد بن أبي [عزة] (١) أن أبا بكر ﵁ أوصى بالخمس، وقال: آخذ من مالي ما أخذ الله من فيء المسلمين (٢).

стр. 3609

٧٠٢٩ - حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا أبو غسان، قال: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: لأن أوصي بالخمس أحب إلي من أن أوصي بالربع، ولأن أوصي بالربع أحب إلي من أن أوصي بالثلث، ومن أوصى بالثلث فلم يترك (١). ٧٠٣٠ - حدثنا موسى، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا مندل، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن ابن عباس قال: الثلث جنف، والربع جنف (٢). وروينا عن الحسن البصري أنه قال (٣): يوصى بالسدس أو الخمس أو الربع. وكان ابن عباس يقول: الثلث والثلث كثير فلو غضوا إلى الربع (٤). وكان سفيان الثوري يقول: لا بأس بأن يوصي بالخمس على الربع، والربع على الثلث، ومن أوصى بالثلث فلم يترك (٥).

стр. 3610

وقال إسحاق بن راهويه: السنة في الربع، لما قال النبي ﷺ : الثلث كثير إلا أن يكون رجل يعرف في ماله (مرية) (١) شبهات وغيرها فله استغراق الثلث وذلك أحب إلينا (٢). وكان النخعي يقول: كان يقال: السدس خير من الثلث (٣). وقد روينا عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه أمر أن يوصى بالعشر (٤). قال أبو بكر: ورأت طائفة أن يوصى بالثلث، ثبت أن عمر بن الخطاب ﵁ سئل عن الوصية فقال عمر: الثلث وسط من المال، لا بخس ولا شطط. وروينا عن الزبير بن العوام أنه أوصى بثلثه. وقال شريح: الثلث جهد، وهو جائز (٥). وقال أحمد بن حنبل: يوصى بالثلث (٦).
следующие страницы →