← Фикх общий

Фикх общий · id 1568

الأوسط من السنن والإجماع والاختلاف - ط الفلاح

ابن المنذر

Полный текст (7 126 стр.). Показаны 5636–5675 · переход к 5641.

стр. 5636

كتاب الوديعة قال الله جل ذكره: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ (١). فأمر الله جل ثناؤه برد الأمانات إلى أهلها أمرا عاما. وأجمع أهل العلم على أن الأمانات مؤداة إلى أربابها: الأبرار منهم والفجار (٢). ذكر تلف الوديعة ٨٦٠٢ - روينا عن ابن عباس أنه قال في قوله ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ قال: هي مسجلة للبر والفاجر. حدثنا زكريا بن أبي داود، قال: حدثنا إسحاق بن راهويه، قال: أخبرنا عمرو بن محمد، عن سفيان، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن ابن عباس أنه قال في قوله … (٣). أجمع أهل العلم على أن على المودع إحراز الوديعة وحفظها. وأجمع أكثر أهل العلم على أن المودع إذا أحرز الوديعة حيث يجب أن تحرز الودائع، ثم تلف من غير جناية منه عليها ولا استهلاك لها، أن

стр. 5637

لا ضمان عليه (١). روينا عن أبي بكر الصديق، أنه أتى في وديعة ضاعت فلم يضمنها (٢). وممن مذهبه ألا يضمن المودع: شريح، والنخعي، ومالك (٣)، وابن أبي ليلى، والثوري، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وأبو الزناد والأوزاعي، والشافعي (٤)، وأصحاب الرأي (٥). وروينا عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود أنهما كانا يقولان: ليس على مؤتمن ضمان (٦). وقد روينا عن عمر بن الخطاب أنه كان لا يضمن الوديعة (٧). ٨٦٠٣ - حدثنا محمد بن علي، قال: حدثنا سعيد بن منصور (٨)، قال: حدثنا أبو شهاب، عن الحجاج بن أرطأة، عن أبي الزبير، عن جابر، أن أبا بكر قضى في وديعة كانت في جراب فضاعت من خرق الجراب: أن لا ضمان فيها (٩). ٨٦٠٤ - حدثنا يحيى بن محمد، قال: حدثنا مسدد (١٠)، قال: حدثنا

стр. 5638

حفص، عن الحجاج بن أرطأة، عن هلال بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عكيم، أن عمر بن الخطاب كان لا يضمن الوديعة (١). ٨٦٠٥ - حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا عبد الملك بن إبراهيم الحربي، قال: حدثنا شعبة، عن جابر الجعفي، عن القاسم بن عبد الرحمن، أن عليا وعبد الله كانا يقولان: ليس على مؤتمن ضمان (٢). قال أبو بكر: وقد روينا عن النبي ﷺ حديثا موقوفا في هذا المعنى، وفي إسناده مقال. ٨٦٠٦ - حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا أبو الوليد همام، عن المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: "ليس على المستودع ضمان" (٣). قال أبو بكر: مثنى ضعيف (٤)، وقد تكلم فيما يرويه الثقات عن

стр. 5639

عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وفي القول به (١). قال أبو بكر: قبول قول المودع إذا قال: قد تلفت الوديعة كالإجماع من أهل العلم إلا ما روي عن عمر بن الخطاب. ٨٦٠٧ - حدثنا إبراهيم بن عبد الله، قال: أخبرنا وهب بن جرير، قال: حدثنا هشام، عن قتادة، عن أنس، أنه ضاعت عنده وديعة فذهبت من بين ماله، فأغرمه عمر بن الخطاب (٢). وكان أحمد (٣) وإسحاق يقولان: لا يضمن صاحب الوديعة إلا أن يتهم بريبة كما ضمن عمر بن الخطاب أنسا. ذكر الوديعة يحرزها المودع بنفسه أو يدفعها إلى غيره أجمع أهل العلم على أن المودع إذا أحرز الوديعة بنفسه في صندوقه أو حانوته أو بيته فتلفت أن لا ضمان عليه (٤). واختلفوا في الرجل يودع الرجل الوديعة فيودعها غيره. فقالت طائفة: هو لها ضامن. هذا قول شريح، وبه قال مالك (٥) والشافعي (٦)، والنعمان

стр. 5640

وأصحابه (١) وإسحاق، وحكي ذلك عن الأوزاعي، وهذا إذا لم يكن له عذر فإن حضر المودع سفر أو كان له عذر من خراب منزل، فإذا كان كذلك فأودعها غيره فلا ضمان عليه في قول مالك (٢). وهو قول الليث بن سعد، والشافعي (٣). وكان ابن أبي ليلى (٤) يقول: لا ضمان عليه. وقد روينا عن شريح (٥) أنه قال: ليس على المستعير غير المغل ضمان، ولا على المستودع غير المغل ضمان. ووافق بعض الناس ابن أبي ليلى على مذهبه، قال: وذلك أن على المودع إحرازها وحفظها، فإذا كان إحرازها عنده أن يدفعها إلى غيره ممن يثق به كان ذلك له، ولا ضمان عليه، لأنه لا خلاف بينهم أن عليه أن يحفظها ويحوطها ويحصنها من التلف. وقد أجاز غير واحد منهم للمودع أن يدفع الوديعة إلى من يرضى من خدمه وأهله على سبيل ما قد جرت به عادات الناس في منازلهم ومجالسهم. كان الليث بن سعد يقول: إذا أودعه من رضي من أهله فلا ضمان عليه، وقال مالك (٦): إذا دفعه إلى امرأته لم تضمن. وحكي

стр. 5641

ذلك عن عبيد الله بن الحسن. وقال الثوري (١): لا يضمن إلا أن يكون دفعها إلى زوجته أو ابن أو خادم أو إنسان من عياله. وكذلك قال إسحاق. وقال النعمان: له أن يدفعها إلى من شاء من عياله الذي يعول، فإن نهاه المودع أن يدفع إلى أحد من عياله فدفعه إليه، فإن كان ممن لا بد له منه فلا ضمان عليه، وإن كان ممن له بد فهو ضامن. وقال ابن الحسن (٢): لا ضمان عليه إذا دفعها إلى امرأته أو إلى ابنه وهو كبير في عياله أو إلى عبده أو إلى أمه أو إلى أخيه وهو في عياله. ذكر الوديعة يخلطها المودع بغيرها أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الوديعة إذا كانت دراهم فاختلطت بغيرها أو خلطها غير المودع ثم تلفت أن لا ضمان على المودع. واختلفوا فيما يجب على المودع إن خلطها بغيرها فضاعت. ففي قول الشافعي (٣): يضمن إذا خلطها بدراهم له مثلها لا تتميز. وكذلك قال أصحاب الرأي. وقال أصحاب الرأي (٤): إن كانت بيضاء فخلطها بدراهم سوداء لم

стр. 5642

يضمن، لأن هذا ليس [خلطا] (١)، ولا [استهلاكا] (٢). وكذلك الدنانير يخلطها بدراهم لا يضمن. وإن كانت الوديعة سمنا فخلطها بزيت أو ضربا من الأدهان فخلطها بدهن آخر يضمن. وحكى ابن القاسم قياس قول مالك (٣): أن الوديعة إذا كانت حنطة فخلطها بحنطة مثلها فضاعت الحنطة كلها أنه إن أراد خلطها على وجه الحرز فلا أرى عليه ضمانا في قول مالك، وإن كانت الحنطة لا تشبه مثلها، قال: أراه ضامنا في قول مالك، وكذلك قال في الدراهم يخلطها بدراهم مثلها قال: لا يضمن في قياس قول مالك (٤). الوديعة يختلف فيها المستودع والمستودع أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن المودع إذا أحرز الوديعة ثم ذكر أنها ضاعت أن القول قوله. وقال أكثر من نحفظ عنه من أهل العلم: القول قوله مع يمينه. واختلفوا في المودع يقول للمودع: قد رددتها إليك. فقالت طائفة: القول قول المودع مع يمينه (٥). هذا قول سفيان الثوري، والشافعي (٦)، وأحمد (٧)، وإسحاق،

стр. 5643

وأصحاب الرأي (١)، وحكي ذلك عن يحيى الأنصاري. وفيه قول ثان: قاله مالك (٢)، قال مالك في الرجل يستودع الرجل وديعة أو يقارضه: فإن كان إنما دفع إليه المال ببينة فإنه لا يبرأ من المال إذا قال: قد دفعته إلا أن تكون له بينة. وإن كان رب المال دفع المال بغير بينة فالقول قول المستودع والمضارب إذا قال رددته عليك. ابن القاسم عنه. وحكى ابن وهب أنه قال: إذا قال: لفلان عندي ألف درهم مستودعة، وقد أعطيته إياها، فذلك لا يكون عليه فيه إلا قوله. وحكي عن الأوزاعي أنه قال: إذا قال المودع للمودع: قد رددت إليك مالك، لم يقبل إلا ببينة، وإن كان أمينا. قال أبو بكر: بالقول الأول أقول، لأنهم لما قالوا: إذا قال المودع: ضاعت الوديعة أن القول قوله، لأنه أمين، وجب كذلك إذا قال: رددتها إليك أن يكون القول قوله إذ هو أمين، وهذا سبيل الوكلاء والأمناء، يكون للأيتام والأوصياء إذا ذكروا أنهم أنفقوا على من تحت أيديهم ما يجب أن ينفق من طعام وإدام وكسوة وغير ذلك، وقبول قولهم فيما ذكروا أنهم أنفقوا عليهم من نفقة أمثالهم تجب، وغير جائز أن يكلف أحد منهم على شيء من ذلك ببينة. واختلفوا في المودع يقول: دفعت الوديعة إلى فلان بأمرك، وينكر المودع أن يكون أمره بذلك. فقالت طائفة: لا يلزم ذلك المودع، وكان المودع ضامنا في قول

стр. 5644

مالك (١) والشافعي (٢) والثوري وعبيد الله بن الحسن وإسحاق وأصحاب الرأي (٣). وكان ابن أبي ليلى (٤) يقول: القول قول المستودع، ولا ضمان عليه، وعليه اليمين، وقال أحمد بن حنبل (٥): هو مصدق في كلا الأمرين، يريد قوله: رددتها إليك، وقوله: أمرتني أن أدفعها إلى فلان. قال أبو بكر: بالقول الأول أقول. ذكر الوديعة يخرجها المودع من مكانها أو ينفقها ثم يرد بدلها في موضعها اختلف أهل العلم في المودع يخرج الوديعة من موضعها ثم يردها حيث كانت. فقالت طائفة: لا ضمان عليه. كذلك قال مالك (٦)، وحكى ابن القاسم عنه أنه قال: إذا كانت الوديعة دراهم فأنفق بعضها ثم رد مثل الدراهم التي أنفق في الوديعة قال: يسقط عنه الضمان.

стр. 5645

ووافق أصحاب الرأي (١) مالكا في الوديعة يخرجها المودع من موضعها ثم يرد مكانها، قالوا: لا ضمان عليه إن تلفت بعد أن ردها إلى موضعها، وخالفوه إذا أنفقها ثم رد مكانها مثلها وخلطها بالوديعة قالوا: يضمن مثلها إذا تلفت بعد ذلك. وخالف الشافعي (٢) مالكا وأصحاب الرأي وقال: يضمن إذا أخرجها من مكانها ثم ردها أو أنفقها ثم رد مكانها في الوجهين جميعا، وقال (٣) في الرجل يودع عشرة دراهم فيخرج منها درهما فيستعمله، ثم يرد الدرهم فيخلطه بالتسعة الدراهم، قال: يضمن الدرهم، ولا يضمن التسعة. وذكر الربيع أن قوله ذلك إذا كان الدرهم يتميز من الدراهم، فإن كان لا يتميز ضمن العشرة كلها. قال أبو بكر: قول الشافعي صحيح. ذكر الرجل يموت وعنده وديعة تعرف بعينها أو لا تعرف أجمع أهل العلم (٤) على أن الرجل إذا مات وعنده وديعة تعرف بعينها لرجل أن صاحبها أحق بها، وأن تسليمها إليه يجب. واختلفوا في الرجل يموت وعنده وديعة معلومة الصفة، غير أنها لا توجد بعينها، وعليه دين.

стр. 5646

فقالت طائفة: هي والدين سواء. هذا قول النخعي، والشعبي، وداود بن أبي هند، وروي ذلك عن طاوس، والزهري، وأبي حفص، وعطاء، وشريح، ومسروق (١)، وبه قال مالك، والشافعي (٢)، وإسحاق، والنعمان (٣) وأصحابه. وقد روينا عن النخعي أنه قال: (الوديعة قبل) (٤) الدين (٥). وروينا عنه أنه قال في الرجل يموت وعنده الوديعة والأمانة والمضاربة والدين، قال: الأمانة قبل الدين. وقال الحارث العكلي: إذا أقر الرجل عند موته بألف درهم دين وألف درهم مضاربة قال: يبدأ بالدين، فإن فضل شيء كان لصاحب المضاربة. وكان ابن أبي ليلى (٦) يقول في الوديعة إذا مات ولم توجد بعينها فليس بشيء. وحكى الشافعي عنه (٧) أنه قال في الرجل يموت وعليه دين معروف، وقبله وديعة بغير عينها، قال: هي للغرماء، وليس لصاحب الوديعة شيء،

стр. 5647

لأن الوديعة مجهولة ليس بشيء بعينه. ذكر التعدي في الوديعة والعمل بها أجمع أهل العلم على أن المودع ممنوع من استعمال الوديعة ومن (تلفها) (١)، وأجمعوا على إباحة استعمالها بإذن مالكها (٢). واختلفوا في المستودع أو المبضع معه، يخالفان فيستعملان الوديعة والبضاعة بغير إذن أصحابها. فقالت طائفة: كل واحد منهما ضامن لما تعدى فيه، والربح لرب المال. كذلك قال ابن عمر، وأبو قلابة، ونافع مولى ابن عمر. ٨٦٠٨ - حدثنا عن إسحاق بن راهويه، حدثنا بشر بن محمد، حدثنا الليث بن سعد، قال: حدثني نافع، عن ابن عمر، قال: من اتجر بمال يتيم فالربح لليتيم، والضمان عليه (٣). وبه قال أحمد بن حنبل (٤) وإسحاق، واحتج أحمد بحديث عروة البارقي. ٨٦٠٩ - حدثنا يحيى بن محمد، قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا سفيان، عن شبيب، قال: حدثني الحي، عن عروة قال: أعطاني) (٥)

стр. 5648

النبي ﷺ دينارا أشتري به أضحية أو شاة فاشترى له اثنين فباع إحداهما بدينار وأتاه بشاة ودينار فدعا له بالبركة في بيعة، فكان لو اشترى ترابا لربح فيه (١). ٨٦١٠ - وحدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا سعيد بن زيد، عن الزبير بن الخريت، عن أبي لبيد، عن عروة بن أبي الجعد البارقي قال: عرض لرسول الله ﷺ جلب فدفع إلي دينارا، فقال: "أي عروة، ائت الجلب فاشتر لنا به شاة". فذهبت فاشتريت له به شاتين ثم جئت أقودهما - أو أسوقهما - فعرض لي رجل فاشترى أحد الشاتين بدينار، فجئت إلى رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، هذه شاة وهذا ديناركم. قال: "وصنعت ماذا يا عروة؟ ". قال: فأخبرته، قال: "بارك الله لك في صفقة يمينك". قال: فإن كنت لأقوم في سوق الكناسة فلا أرجع إلى أهلي حتى أربح أربعين ألفا (٢).

стр. 5649

فاحتج بعضهم بهذا الحديث وقال: قد خالف عروة ما أمر به النبي ﷺ وتعدى إلى غير ما أمر به، وذلك أنه اشترى ما لم يؤمر به ثم باع ما لم يأذن له في بيعه، فقبض النبي ﷺ ذلك كله إليه، فكذلك كل من تعدى في مال فربح فيه فالربح لرب المال، واحتج إسحاق بحديث الغار. ٨٦١١ - حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، حدثنا هشام، عن ابن جريج، قال: أخبرني موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "بينما ثلاثة نفر يمشون أخذهم المطر فأووا إلى غار في جبل، فانحطت على غارهم صخرة من الجبل فأطبقت عليهم، فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالا عملتموها صالحة فادعوا الله بها لعله يفرجها، فقال أحدهم: اللهم إنه كان لي والدان شيخان كبيران وامرأتان، ولي صبية صغار كنت أرعى غنمهم، فإذا رحت عليهم حلبت فبدأت بوالدي أسقيهما، [فأقبلت] (١) بقعبي يوما بالسحر، ثم إني هبطت فوجدتهما قد ناما فحلبت كما كنت أحلب فجئت بالحلاب، فقعدت عند رءوسهما أكره أن أوقظهما من نومهما وأكره أن أبدأ بالصبية، والصبية يضغون (٢) عند قدمي، فلم يزل ذلك دأبي ودأبهما حتى طلع الفجر، فإن كنت تعلم أني [قد] (٣) فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا فرجة نرى منها السماء، ففرج الله بها فرجة فرأوا منها السماء، ثم قال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أني كانت لي بنت عم أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء، فطلبت إليها نفسها فأبت حتى

стр. 5650

أتيها بمائة دينار، فسعيت حتى جمعت مائة دينار فجئتها بها، فلما (وقفت) (١) بين رجليها قالت: يا عبد الله، اتق الله ولا تفضض (٢) الخاتم إلا بحقه، فقمت عنها، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا منها فرجة، ففرج الله لهم، وقال الآخر: اللهم إني كنت استأجرت أجيرا بفرق ذرة فلما قضى عمله قال: أعطني حقي، فعرضت عليه حقه فرغب عنه وتركه، فلم أزل أزرعه حتى جمعت بقرا ورعاءها فجاءني فقال: اتق الله ولا تظلمني أعطني حقي، فقلت: اذهب إلى تلك البقر وراعيها فخذها، فقال: اتق الله ولا تهزأ بي، فقلت: إني لا أهزأ بك فخذ تلك البقر وراعيها، فأخذها فذهب بها، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا، ففرج الله عنهم" (٣). قال أبو بكر: وقد كان الشافعي يقول إذ هو بالعراق يقول بهذا المعنى، وذكر حديث عبد الله وعبيد الله ابني عمر بن الخطاب في المال الذي دفعه عامل عمر إليهما وأمرهما أن يؤديا رأس المال إلى أمير المؤمنين، فأخذ عمر المال ونصف الربح (٤). قال الشافعي (٥): وقد كانا ضامنين للمال، وعلى الضمان أخذاه، ولو هلك ضمنا، ولم يقل عمر ولا أحد من أصحاب النبي ﷺ : لكما الربح بالضمان، بل جمع عليهما الضمان وأخذ منهما بعض الربح.

стр. 5651

واحتج (بعضهم) (١) بأن الجميع قد أجمعوا على أن الرجل إذا اغتصب من آخر جارية فرباها و [غذاها] (٢) وعلمها حتى كبرت وتأدبت حتى صار ثمنها عنده أضعاف ما كان يوم اغتصبها، أن المغصوب منه يأخذ الجارية ولا شيء للغاصب في الزيادة التي زادت ولا نماها. هذا قول أبي ثور، وكذلك لو ولدت الجارية المغصوبة أولادا عند الغاصب أخذها المغصوب منه، وجميع أولادها، لا اختلاف في ذلك بين أهل العلم، وكذلك الماشية وثمن النخل يغصبه المرء، فكذلك نماء المال وربحه، لأنه من المال لا فرق بينهما، والله أعلم. وقالت طائفة: الربح كله للعامل. روينا هذا القول عن: ابن عمر، وشريح، وعطاء، و [الشعبي] (٣)، والحسن البصري، ويحيى الأنصاري، وربيعة (٤)، وبه قال مالك (٥) والثوري، الربح له في القضاء بضمانه، وأن يتنزه عنه أحب إلي. وقال الأوزاعي: من ضمن شيئا فله ربحه، وأسلم له أن يصدق به. وقال عبيد الله بن الحسن: من ضمن مالا فله ربحه. وقالت طائفة: إذا ربح في المال الذي هذا سبيله تصدق بالربح. هذا قول الشعبي، قال في المضارب إذا خالف كان يرى أنه ضامن، وليس

стр. 5652

لواحد منهما الربح، يتصدقان به. وروينا عن مجاهد أنه قال في الوديعة: إذا حركها صاحبها فالربح ليس لواحد منهما يتصدق به (١). وكذلك قال النخعي في المضارب يخالف، وكذلك قال حماد. وروي معنى ذلك عن أبي العالية، ومكحول، والحكم. وقال [أصحاب] (٢) الرأي (٣) في الرجل تكون عنده الوديعة فيعمل بها ويربح ولم يأذن له صاحبها، قالوا: هو ضامن للوديعة، والربح له يتصدق به، ولا ينبغي له أن يأكله. واحتج بعض من قال: يتصدق به، بحديث: ٨٦١٢ - حدثناه محمد بن إسماعيل الصائغ، قال: حدثنا الحسن بن علي، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا سفيان، عن أبي حصين، عن شيخ من أهل المدينة، عن حكيم بن حزام، قال: بعثه رسول الله ﷺ يشتري له أضحية بدينار، فاشترى له أضحية بدينار فباعها بدينارين، فابتاع أضحية وجاءه بدينار، قال: فدعا له النبي ﷺ يبارك له في تجارته وتصدق به (٤).

стр. 5653

وقال بعضهم: الربح [للمتعدي] (١) ولا يطيب لرب المال، لأن النبي ﷺ نهى عن ربح ما لم يضمن، قال: فلا يحل الربح لرب المال، لأن ضمان المال على غيره. وقال آخر: الربح للمتعدي بحديث النبي ﷺ الخراج بالضمان. قال أبو بكر: وأصح من ذلك كله أن الرجل إذا تعدى في الوديعة كانت عنده أو اغتصب مالا فاشترى من عين المال جارية بمائة دينار، فقال للبائع: قد اشتريت مثل هذه الجارية بهذه المائة الدينار بعينها، أن البيع باطل، لأنه اشترى جارية بمال لا يملكه، وإذا كان هكذا، حرم عليه وطء الجارية، ولم يكن له أن يعتقها ولا يبعها ولا يهبها، لأنه غير مالك لها، فإن باعها بمائتي دينار وربح فيها مائة دينار فإن بيعه باطل، لأنه باع ما لا يملك إذا صارت الجارية في يد من اشتراها فهي على ملك البائع الأول، والبائع غير مالك لمائتي الدينار التي قبض بل ملكها لمشتري الجارية، فإذا جاء المودع أو المغصوب منه المائة دينار ببينة تشهد له بالمائة قضي له بها، فأخذها ورجع بائع الجارية على المشتري المتعدي في الوديعة، فأخذ الجارية منه إن وجدها عنده، وإن لم يجدها عنده وقد باعها أخذها ممن هي في يده إذا ثبت ذلك ببينة تشهد له، فإن كانت الجارية مستهلكة لا يقدر عليها، وكان المتعدي في المال قد باعها بمائتي دينار فوجد المائة الدينار في يديه، فإن كان المائتي دينار قيمة جاريته فله أخذها، وإن كانت أكثر من مائتي دينار أخذ المائتي دينار وغرمه تمام قيمة الجارية. وإن كانت

стр. 5654

قيمتها مائة دينار لم يسعه عندي أن يأخذ أكثر من قيمة جاريته وهي مائة دينار، ويطلب المتعدي في الوديعة فيرد المائة على من أخذها منه لا يسعه عندي غير ذلك، وإن كان من أخذها منه قد مات ردها على ورثته، فإن لم يصل إليه ولا إلى ورثته صبر حتى ييأس من وصوله إليه، فإذا أيس من ذلك يتصدق بها على ما رويناه عن ابن مسعود وغيره. ثبت أن ابن مسعود اشترى جارية بسبعمائة درهم، فإما مات الرجل وإما (ترك) (١) له [فنشد] (٢) عبد الله حولا فلم يقدر عليه، فخرج بالدراهم إلى مساكين عند سدة بابه فجعل يعطيهم ويقول: اللهم عن صاحبها فإن كره فلي وعلي الغرم. وروينا عن رفيع والد عبد العزيز بن رفيع، أنه اشترى ثوبا من رجل بمكة قال: فقبضت الثوب فانطلقت به لأنقده ثمنه، قال: فضل مني (من) (٣) زحام الناس وطلبته فلم أجده، فأتيت ابن عباس فذكرت له ذلك فقال: إذا كان من العام المقبل فانشد الرجل في المكان الذي اشتريته منه، فإن قدرت عليه وإلا تصدقت بها، فإن جاء بعد فخيره، فإن شاء كانت له الصدقة، وإن شاء أعطيته الدراهم وكانت لك الصدقة. وروينا عن معاوية بن أبي سفيان أنه استحسن فتيا أفتى بها عبد الله بن الشاعر السكسي في مائة دينار غلها رجل فقال: ادفع إلى معاوية خمسها

стр. 5655

وتصدق بالباقي عن ذلك الجيش. وممن مذهبه أن يتصدق بالمال الذي لا يعرف مكان صاحبه وأويس منه: شريح، والنخعي. ٨٦١٣ - حدثنا محمد بن علي، قال: حدثنا سعيد، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا عامر بن شقيق، أنه سمع أبا وائل شقيق بن سلمة يقول: اشترى عبد الله جارية بسبعمائة درهم، فإما مات الرجل وإما ترك له، فنشده عبد الله حولا فلم يقدر عليه، فخرج بالدراهم إلى مساكين عند سدة بابه فجعل يعطيهم ويقول: اللهم عن صاحبها، فإن كره فلي وعلي الغرم، ثم قال: هكذا يصنع [باللقطة] (١) (٢). ٨٦١٤ - حدثنا إسحاق، [عن] (٣) عبد الرزاق (٤)، عن الثوري وإسرائيل، عن عامر بن شقيق، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، قال: اشترى عبد الله بن مسعود من رجل جارية بستمائة درهم أو سبعمائة درهم، فنشده سنة لا يجد ثم خرج بها إلى السدة فتصدق بها درهم ودرهمين عن ربها، فإن جاء خيره، فإن اختار الأجر كان له الأجر، وإن اختار ماله، كان له ماله. ثم قال ابن مسعود: هكذا فافعلوا باللقطة (٥). ٨٦١٥ - حدثنا محمد بن علي، قال: حدثنا سعيد، قال: حدثنا

стр. 5656

أبو الأحوص، قال: حدثنا عبد العزيز بن رفيع، قال: أخبرني أبي أنه ابتاع من رجل ثوبا بمكة، فقبضت منه الثوب فانطلقت به لأنقده ثمنه فضل مني في زحام الناس، فطلبته فلم أجده، فأتيت ابن عباس فذكرت ذلك له فقال: إذا كان من العام القابل فانشد الرجل في المكان الذي (اشتريت منه) (١)، فإن قدرت عليه وإلا تصدق بها، فإن جاء بعد فخيره، (فإن شاء كانت له الصدقة) (٢) (وإن شاء كانت له الدراهم) (٣) وكانت لك الصدقة (٤). ٨٦١٦ - حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا العباس بن الحسين القنطري، قال: حدثنا مبشر، عن صفوان بن عمرو، عن حوشب (٥) قال: غزا الناس [زمن] (٦) معاوية وعليهم عبد الرحمن بن خالد بن

стр. 5657

الوليد فغل رجل من المسلمين مائة دينار رومية، فلما انصرف الناس قافلين فندم الرجل فأتى عبد الرحمن بن خالد، فقال: إني غللت مائة دينار فاقبضها مني، قال: قد افترق الناس فلن أقبضها منك حتى تأتي الله بها يوم القيامة، فدخل على معاوية، فذكر له أمرها، فقال معاوية مثل ذلك، فمر بعبد الله بن الشاعر السكسكي وهو يبكي، فقال: ما يبكيك؟ قال: كان من أمري كذا وكذا فإنا الله وإنا إليه راجعون، قال: مطيعي أنت؟ قال: نعم. قال: ارجع إلى معاوية فقل له: اقبض مني خمسك، فادفع إليه عشرين دينارا، وانظر إلى الثمانين الباقية فتصدق بها عن ذلك الجيش، فإن الله يقبل التوبة، والله أعلم بأسمائهم ومكانهم، ففعل ذلك الرجل، فبلغت معاوية، فقال: أحسن، لأن أكوت أفتيته بها أحب إلي من كل شيء أملكه (١). وقال الحسن البصري والزهري فيمن غل: يتصدق به (٢). وقال مالك (٣) في الوديعة يغيب صاحبها ولا يعرف له [موضع] (٤) ولا يعرف له ورثة إذا طال زمانه وأيس منه: تصدق بها عنه. قال أبو بكر: ولأهل العلم في هذه المسألة قولان آخران، أحدهما: أن من استودع مالا فذهب صاحبه لا يدرى من هو، رفع إلى بيت المال. روينا هذا القول عن: عطاء بن أبي رباح.

стр. 5658

والقول الثاني [قول] (١) قاله أصحاب الرأي (٢)، قالوا في الوديعة يغيب ربها ولا يدرى أحي هو أو ميت، ولا يدرى من وارثه: ينبغي للمستودع أن يمسكها أبدا حتى يعلم أحي هو أو ميت، أو يعلم له وارث، وهذا يشبه مذاهب الشافعي: إيقاف المال في مثل هذا حتى يتبين أمر صاحبه. قال أبو بكر: وإن كان المشترى ليس بعين المال، ولكنه كان يشتري السلعة ثم يزن من المال الوديعة، فالشراء ثابت والمال في الذمة، وهو مالك للسلع بعقد الشراء وما كان من أرباح فيها فهي له، وعليه مثل الدنانير التي أتلف لصاحبه. وهذا قول الشافعي، آخر قوليه، وعليه عوام أصحابه. وقد تكلم في حديث عروة البارقى بعض الناس فزعم أنه غير ثابت، أو في إسناده من هو مجهول رواه شبيب بن غرقدة، عن الحي ولم يسم من حدثه منهم (٣)، ورواه سعيد بن زيد، عن الزبير بن الخريت، عن أبي لبيد،

стр. 5659

وزعم أن أبا لبيد مجهول، لم يرو عنه كبير أحد (١)، وأن سعيد بن زيد ضعيف الحديث عند أهل المعرفة بالحديث، لا يجوز الاحتجاج بحديثه (٢). وذكر هذا القائل حرفا طعن به [على] (٣) أبي لبيد، روي عن سليمان بن حرب أنه قال: أبو لبيد لمازة بن زبار، كان لا يستتر من سب علي (٤)، قال: وليس حديث عروة من هذا الباب بسبيل، عروة لم

стр. 5660

يأخذ وديعة فتعدى فيها، ولا غصب مالا، إنما اشترى للنبي ﷺ شيئا رآه (صالحا) (١) ونظرا له فرضي النبي ﷺ بذلك ودعا له بالبركة، ولو كان ما فعل تعديا لم يرض به ونهاه أن يعود لمثله. وحديث حكيم بن حزام لا يثبت، لأنه عن شيخ مجهول من أهل المدينة (٢). وحديث الغار ليس من هذا الباب بسبيل، لأن الرجل لم يأخذ ما ليس له ولكن الأجير تركه فلم يخلطه الرجل بماله، ولكنه عمل فيه للأجير حتى كثر الشيء ونما، ثم دفعه إليه بكماله وذلك كله تطوع منه وتفضل، ألا ترى أنهم دعوا الله بأفضل ما تطوعوا به من الأعمال. إذا أودع الرجل الرجل المال فأشكل على المودع رب الوديعة واختلفوا في الرجل يودع الرجل الوديعة، ثم يجيء هو وآخر يدعيانها. فقال المستودع: لا أدري أيكما أودعني الوديعة. فقالت طائفة: يقال لهما: هل يدعيان غير هذا بعينه. فإن قالا: لا (احتلف) (٣) بالله ما يدري أيهما هو، ووقف ذلك لهما حتى يصطلحا فيه، أو تقوم البينة لمن هي. هذا قول الشافعي (٤). وفيه قول ثان: وهو إذا قال الذي بيده الوديعة: ما أدري أيكما

стр. 5661

استودعني هذه الوديعة، وأبى أن يحلف لهما وليس لهما بينة: أن يعطيا تلك الوديعة نصفي ويضمن لهما أخرى مثلها بينهما، لأنه أتلف ما استودع لجهله. هذا قول النعمان (١) ويعقوب ومحمد. وكان ابن أبي ليلى يقول: في الوديعة بينهما نصفان. ذكر الوديعة تكون عند الرجلين اختلف أهل العلم في الرجل يستودع الرجلين المال فيدعو كل واحد منهما إلى أن ينفرد بحفظه. فقالت طائفة: يقتسمان فيكون عند كل واحد منهما نصفه (يجعله) (٢) في بيته فإن هلك فلا ضمان عليهما. هذا قول أصحاب الرأي (٣)، وكذلك يفعل الأوصياء عندهم وقالوا: إذا كان عبدا واحدا أو ثوبا أو دابة واحدة أو بعيرا إن وضعه أحدهما عند الآخر وأمسكه كل واحد منهما شهرا فلا ضمان عليهما إن هلك، لأن هذا مما لا ينقسم، و [كان مالك (٤)] (٥) يقول في الوصيين يكون المال عند أعدلهما فإن لم يكن فيهما عدل [وضعه السلطان] (٦) عند غيرهما وتبطل وصيتهما إذا لم يكونا عدلين. ابن القاسم عنه.

стр. 5662

قال ابن القاسم: والوديعة مثله. وقال غير ابن القاسم: يختاران موضعا يصيرانه فيه فإذا فعلا ذلك كانت اليد لهما جميعا ولم يبر واحد منهما بشيء دون صاحبه. مسألة: وإذا استودع رجلان رجلاً مالا دنانير أو دراهم أو ثياب فجاء أحدهما، وشريكه في المال غائب، فقال المستودع: ادفع إلى حصتي. فقالت طائفة: لا يدفع إلي أحدهما شيئا حتى يجتمع هو وصاحبه. هكذا قال النعمان (١). وقال يعقوب، وابن الحسن: يقسم ذلك ويدفع إليه حصته، لا تكون قسمته جائزة على الغائب. وقال قائل: الواجب على المستودع ألا يمنع الحاضر من حقه، وذاك أن الشريك لو كان حاضرا فامتنع من مقاسمته كان على المودع أن يمنعه من ظلمه، ويدفع إلى ذي الحق حقه، لأن في هذا نصر المظلوم ومنع الظالم من الظلم. ذكر من قبض المال ورب المال، يختلفان في المال واختلفوا في الرجل يقول للرجل قد استودعتني ألف درهم فضاعت. وقال صاحب المال: كذبت، بل غصبتنيها أو أخذتها بغير أمري. فقالت طائفة: القول قول المستودع ولا ضمان عليه، لأنه لم يحدث شيئا إنما ذكر أن رب المال وضع ماله في موضع فضاع فلا ضمان عليه.

стр. 5663

هذا قول أصحاب الرأي (١). قالوا: فإن قال المستودع (٢): أخذتها منك وديعة، وقال رب المال: غصبتنيها فالمستودع ضامن، لأنه قال: أخذتها. وقيل لابن القاسم: إن قال: استودعتني ألف درهم فضاعت مني، قال رب المال: بل قرض، قال: فالقول قول رب المال قياسا على قول مالك (٣)، قد حكى ابن نافع عنه أنه قال: من أقر بمال وديعة فادعى أنه ذهب منه أو ادعى أنه رده على صاحبه فهو مأمون ولا ضمان عليه فجواب مالك هذا خلاف ما ذكره ابن القاسم من قياس قوله. قال أبو بكر: وليس بين ما فرق أصحاب الرأي في هذا الباب فرق، لأنه في كلا الحالتين لم يقر بغصب ولا بما يوجب عليه حقا، والله أعلم. وقال الحسن البصري في رجل له عند رجل ألف درهم قال: استودعتنيها. وقال الآخر: بل أقرضتنيها. قال: القول قول الذي في يده المال (٤). وقال ابن وهب: بلغني عن ربيعة أنه قال فيمن ادعى قبل رجل وديعة، فقال صاحبه: إنما هي مقارضة وقد هلك أكثرها. قال: يكون أمرها على مال المعير، فإذا لم تكن بينة. قال ابن وهب: وسألت مالكا وغيره من أهل العلم - يعني في ذلك فقالا: يحلف الذي يدعي أنها قبله قراض ثم

стр. 5664

لا يكون إلا ذلك. قال أبو بكر: وحكاية ابن وهب هذه موافقة لحكاية ابن نافع عنه. وقال الأوزاعي: إذا قال: استودعنيه، وقال الآخر: بل دفعته مضاربة. قال: هو وديعة إلا أن يأتي الآخر ببينة أنه دفع إليه مضاربة. ذكر جحود المستودع الوديعة واختلفوا في الرجل يودع الرجل مالا فيطلب منه المودع المال. فقال: ما أودعتني شيئا، وأقام المودع البينة أنه أودعه مالا معلوما. ففي قول مالك (١) والأوزاعي والشافعي (٢) وإسحاق: هو ضامن لها. وقال أصحاب الرأي (٣) في رجل استودع رجلا مالا، ثم جاء يطلبه منه فجحده المستودع، فاختصما إلى القاضي، فأقام رب الوديعة البينة أنه استودعه ألف درهم، وأقام المستودع البينة أنها ضاعت. قال: المستودع ضامن. قلت (٤): فإن قال: لم يودعني شيئا، ثم قال بعد ذلك: قد أودعني ولكنها هلكت. قال: لا يصدق على الهلاك، وهو ضامن. قال قائل: ليس ذلك بإكذاب منه للبينة، إذ جائز أن يكون أنسي الوديعة، وذكر في وقت ثان، فأقام البينة، وهو صادق في الوقتين، والمكذب لبينته من تشهد له البينة وتبقى شهادتهما ويدعي غير ما شهدت

стр. 5665

به، والبينة في هذا الموضع إنما شهدت للمدعي بما ادعى في الوقت الثاني، فالبينة في الوقت الثاني جائزة. قال: وهذا قول يدل عليه النظر (و) (١) إن لم يمنع منه إجماع. ذكر جحود المودع الوديعة وأخذ المودع مال المودع مثلها واختلفوا في الرجل يودع الرجل ألف درهم، فيطلبها ربها، فجحده المودع إياها ثم أودعه الجاحد ألفا مثلها. فقالت طائفة: له أن يذهب بها مكان [ألفه] (٢) التي كانت له. هذا قول الشافعي، وبه قال أصحاب الرأي (٣). وكذلك إن كان مكان ألف درهم حنطة، أو شعير، أو شيء مما يكال أو يوزن، أو كان عليه دين فجحده، فأودعه مثله، له أن يأخذ حقه من تحت يده قصاصا بالذي كان له في قولهم جميعا. واختلف قول الشافعي وأصحاب الرأي في هذا الباب: فقال أصحاب الرأي (٣): إن كانت دراهم فاستودعه شعيرا. فقال أصحاب الرأي: إذا كانا مختلفين فلا يسعه أن يمسكه عنده، لأن هذا بيع، (فأما) (٤) إذا كان مثله فله قصاص. وفي قول أصحاب الشافعي وغيره: له أن يبيع ما قدر عليه من ماله، ويحلف بالله ماله قبله ما يدعي وهو صادق ولا ينبغي للحاكم أن يستحلفه

стр. 5666

ما أودعك كذا وكذا وإنما يستحلفه بالله ما له قبلك ما يدعي (١). كان إياس بن معاوية يقول: استحلفه بالله ما له عنده كذا وكذا، وهذا الصواب، وذلك أنه قد يودعه فيتلف ما استودعه، ويجوز أن يرده على المودع أو يدفعها إلى غيره بأمره فيكون قد برئ في كل حال من هذه الأحوال بأن دفع إلى الحاكم عمل الخصم على ما لا يجب، فقد قيل يحلف على ما أحلفه عليه إذا ألجيء إلى ذلك، وقيل غير ذلك. وفي هذه المسألة قول ثالث: حكي عن مالك (٢) أنه قال: إذا قال أودعته ألف درهم، فجحدني ذلك، ثم استودعني بعد ذلك ألف درهم، أو باعني بها بيعا فأردت أن أجحده (مكان) (٣) حقي الذي جحدني. قال ابن القاسم: سئل (عنها مالك) (٤) غير مرة. فقال: لا يجحده. قال ابن القاسم: ظننت أنه قاله للحديث الذي جاء: "أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك" (٥). قال أبو بكر: هذا حديث غير ثابت (٦)؛ لأنه مرسل ولو كان ثابتا لم

стр. 5667

يكن لهذا القائم فيه حجة، وذلك أن الخائن من أخذ ما ليس له، لأنه حينئذ يأخذه ظلما وتعديا، والذي أخذ مقدار (حق) (١) ليس بخائن ولا ظالم. فإذا أخذ المودع مقدار حقه وزاد فأخذ بعد ذلك ما ليس له كان خائنا كما كان الآخذ ما ليس له خائن. وحديث هند حجة قاطعة مبيحة، لأن يأخذ المرء حقه على أي جهة أمكنه أخذه. ٨٦١٧ - أخبرنا الربيع، قال أخبرنا الشافعي (٢)، قال: أخبرنا أنس بن عياض، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها حدثته، أن (هند) (٣) أم معاوية جاءت النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وإنه لا يعطيني وولدي ما يكفيني إلا ما آخذ منه سرا وهو لا يعلم، فهل علي في ذلك شيء؟ فقال النبي ﷺ : "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" (٤). ذكر المستودع ينفق على الوديعة إذا كانت ماشية بغير إذن ربها واختلفوا في المستودع ينفق على الماشية إذا كانت وديعة بغير إذن ربها. فقالت طائفة: إن أنفق عليها بغير إذن الحاكم فهو متطوع، ولا يرجع عليه بشيء.

стр. 5668

هذا قول الشافعي (١) وأصحاب الرأي، (و) (٢) قال الشافعي: و [يرفع] (٣) ذلك إلى الحاكم حتى يأمره بالنفقة عليها ويجعلها دينا على المستودع، فإذا اجتمع من ألبان الماشية عند المودع شيء فباع بغير أمر الحاكم فالبيع فاسد في قول الشافعي والكوفي (٤). وقال آخر: البيع جائز، لأن ذلك حال ضرورة، والواجب عليه أن يمنع مال أخيه من التلف. قال: وذلك كرجل كان في سفر وله أحمال ثلج وغيره مما إذا ترك فسد وبطل ثمنه، فالذي يجب عليه بيع ذلك كله إذا أمكنه، لأن في ذلك حظا لورثته وحفظا لأموالهم. والواجب على المسلم إذا رأى مال أخيه المسلم يتلف وهو على المنع منه قادر أن يمنع منه. وإن وجد السبيل إلى الحاكم فالبيع بإذن الحاكم أصح، لأنه لا اختلاف فيه. وسئل مالك (٥) عن رجل استودع رجلا دابة فمات صاحبها وقد أنفق عليها المستودع. قال مالك: يرفع ذلك إلى السلطان فيبيعها فيعطيه نفقته التي أنفق عليها إذا قام عليها ببينة أنه استودعها إياه.

стр. 5669

المستودع يخالف ما أمر به واختلفوا في الرجل يودع الرجل الوديعة، ويأمره أن يجعلها في بيت بعينه، أو في دار بعينها، ونهى أن يجعلها في دار له أخرى وفي بيت له آخر فجعلها المودع في الدار التي نهاه أن يجعلها فيها، أو في البيت الذي نهاه أن يجعلها فيه. ففي هذا قولان: أحدهما: أن لا شيء على المودع، لأنه قصد بها فعل الحرز وليس يجوز أن يضمن ما لم (يخن) (١) ولم يتعد، وقصد الحرز. وفعل ما فيه الاحتياط لرب الشيء. هذا قول قاله بعض أهل النظر (٢). والقول الثاني: أنه إذا أمر أن يجعلها في دار، فجعلها في دار أخرى أنه ضامن. وإن كان بيتان في دار فأمره أن يجعلها في أحدهما ونهاه أن يجعلها في [البيت] (٣) الآخر فتلفت فلا ضمان عليه. هذا قول النعمان ومحمد بن الحسن، وقال القائل بالقول الأول: ليس يخلو الضمان من أن يجب إذا خالف ما أمر به أو لا يجب إلا بحجة من كتاب أو سنة. فإن كان يجب بالخلاف وجب الضمان على من أمر أن يجعلها في بيت فجعلها في بيت آخر، وقد زعم أن لا شيء عليه ولا على من قيل له: اجعلها في كيسك، فجعلها في صندوقه، فإن أسقط الضمان عمن جعلها في صندوقه وقد أمر أن يجعلها في كيسه، لأنه قصد الحرز.

стр. 5670

كذلك لا شيء على من أمر أن يجعلها في بيت فجعلها في بيت آخر، لأنه قصد الحرز. واختلفوا في المودع يقول للمستودع: لا تخرجها من البلد وضعها في بيتك، فأخرجها فضاعت. ففي قول الشافعي (١) وأصحاب الرأي (٢): يضمن، إلا أن تكون ضرورة، فإن أخرجها لضرورة خوف أو ما أشبهه لم يضمن في قول الشافعي (١). وكذلك إذا انتقل للسيل وللنار قال: ولو اختلفا في السيل والنار فإن كان لذلك أثر بعين يرى أو أثر يدل، فالقول قول المستودع، وإن لم يكن ذلك فالقول قول المستودع. ومتى قلت القول قوله فعليه اليمين، إن شاء يستحلفه. هذا كله الشافعي. وقال أصحاب الرأي (٢): إن انتقل من الكوفة إلى البصرة، أو إلى غيرها لشيء لم يكن له بد فهلكت: فلا ضمان عليه، لأن هذا حال عذر. واختلفوا في الحريق يقع في البيت، ويمكن المودع إخراج الوديعة من مكانها فلم يفعل. فقال قائل: يضمن، لأنه كأنه أتلفه، لأنه أمر بحفظه. وهذا مضيع. وقد مال إلى هذا القول بعض أصحابنا، وهو يشبه مذهب الشافعي (٣)، لأنه قال: إذا استودع دواب ولم يعلفها في مدة تتلف الدواب في مثلها إذا لم تعلف ضمن. وقال آخر: لا ضمان عليه، لأن النار أتلفتها. قال: وهذا كالرجل

стр. 5671

المسلم تحيط به النار ورجل مسلم قادر على إخراجه، ولم يفعل، فهو عاص ولا عقل عليه ولا قود. وإذا أمر رب الوديعة المودع أن يحرقها بالنار، أو يلقيها في البحر ففعل، ففيها قولان: أحدهما: أن لا شيء عليه، لأنه فعله بأمره. كان الشافعي يقول (١): إذا أمر الرجل الرجل أن يقطع رأس مملوكه فقطعه فعلى القاطع عتق رقبة ولا قود عليه. قال: وإذا أمره بذلك في دابة له ففعله فلا قيمة عليه، لأنه أتلفها بإذن مالكها، فقياس هذا أن لا غرم على من طرح المال في البحر بإذن مالكه على أن هذا ربما كان صلاحا للمسلمين في بعض الأوقات في البحر. وقال الآخر: هو ضامن، لأن المرء ممنوع من إتلاف المال في غير حال الضرورة، لأن ذلك محرم على رب المال، وفاعله عاص يجب أن يحجر عليه، لنهي رسول الله ﷺ عن إضاعة المال. فإذا أمره بما ليس له، فأمره وسكوته سيان. قال: ولو كان المودع لا ضمان عليه لوجب أن يكون المرء المسلم إذا أمر أخاه المسلم أن يضرب عنقه ففعل أن لا يكون على القاتل شيء، لأنه فعل ما أمره به. وقد أجمع أهل العلم على أن هذا قاتل ظالم وقد منع من مال المسلم، ومن دمه فالدم والمال في معنى واحد في التحريم، وقد جمع النبي ﷺ بين تحريم الدماء وتحريم الأموال مودعا بذلك أمته في خطبته في حجة الوداع (٢).

стр. 5672

مسائل من كتاب الوديعة واختلفوا في رجل استودع عبدا محجورا عليه أو صبيا وديعة فأكلها. فقال النعمان ومحمد (١): لا ضمان على الصبي ولا على المملوك حتى يعتق. [وقال يعقوب: الصبي والعبد ضامنان جميعا الساعة] (٢). وقال ابن القاسم (٣) - صاحب مالك - في الصبي يودع الشيء: لا يضمن وأومأ إلى أن ذلك قياس قول مالك. قال أبو بكر: لا يجب أن يلزم الصبي الضمان باختلاف لا حجة مع من أوجب عليه الضمان. واختلفوا في الرجل تكون عنده الوديعة للرجل، فيجعلها رب المال مضاربة مع المودع، فأجازت طائفة ذلك، وممن أجاز ذلك: أحمد بن حنبل (٤)، وأبو ثور، وأصحاب الرأي (٥). وكان الحسن البصري يقول: الوديعة مثل القرض لا تدفع مضاربة حتى تقبض، وإذا دفع رجل إلى رجل ألف درهم وديعة، وعلى المودع ألف درهم قرضا لرب الوديعة، فدفع إليه ألفا، فقال المودع: هذه الألف التي قضيتك هي القرض وتلفت الوديعة. وقال الذي دفع إليه

стр. 5673

الوديعة إنما قبضت الوديعة، والقرض على حاله. فالقول قول القاضي المودع وهو برئ من المالين جميعا، لأنه في الألف التي كانت عنده وديعة مؤتمن، القول قوله مع يمينه. وقد قضى في الظاهر ما عليه وهذا يشبه مذاهب الشافعي وبه قال أصحاب الرأي (١). وإذا أودع رجل رجلا مالا، وقال المودع: أمرتني أن أنفقه على أهلك، أو أتصدق به، أو أهبه لفلان وأنكر المودع ذلك، فالقول قوله مع يمينه، وهذا على مذهب أصحاب الشافعي وغيره، وبه قال أصحاب الرأي (٢). وإذا شرط المودع على المودع أنه ضامن للوديعة، فلا ضمان عليه. كذلك قال الثوري، والشافعي (٣)، وأحمد وإسحاق (٤)، وهو يشبه مذهب مالك (٥)؛ لأن مالكا قال: إذا استعار منه دابة وشرط عليه أنه ضامن لها، فلا ضمان عليه، إلا أن يتعدى. وحكي عن عبيد الله بن الحسن أنه قال: إذا استودع على أن يضمن فهو ضامن. قال أبو بكر: بالقول الأول أقول. قال أبو بكر: وإذا أودعه ألف درهم فجاء رجل فقال: إن رب الوديعة بعثني إليك لتبعت بالوديعة إليه، فصدقه ودفعها إليه، فهلكت عنده وأنكر رب الوديعة أن يكون بعثه.

стр. 5674

فقالت طائفة: المستودع ضامن، ولا يرجع على الرسول بشيء، (فإن) (١) كان حين جاءه بالرسالة كذبه، ودفعها إليه على ذلك فهلكت ثم جاء رب الوديعة فأنكر ذلك. قال: المستودع ضامن ويرجع بذلك على الرسول، وكذلك إن دفع إليه ولم يصدقه، ولم يكذبه. هذا قول أصحاب الرأي (٢). قال أبو بكر: إن علم المودع صدق ما قال الرسول لم يحل له أن يرجع عليه بشيء، لأنه يعلم أن رب الوديعة ظالم له. وقال مالك (٣): يضمن الرسول ولم يذكر تصديقه ولا تكذيبه. واختلفوا في الرجل يبعث مع رسوله بالمال إلى رجل، وأمره أن يدفعه إليه، فقال الرسول: قد دفعته إليه، وقال المرسل إليه: لم يدفع إلي شيئا. فقالت طائفة: لا يقبل قول الرسول إلا ببينة وإلا غرم. هذا قول مالك (٤). وقال أصحاب الرأي (٥): القول قول المستودع مع يمينه ولا ضمان عليه، لأنه أمين فيها، فالقول قوله مع يمينه، لأنه لو قال لرب المال: قد رددتها إليك كان القول قوله مع يمينه، فكذلك هذا.

стр. 5675

قال أبو بكر: وسمعت بعض أهل العلم يقول: إن كان للمبعوث إليه بالمال دين أمر الباعث الرسول [أن يدفعه إليه قضاء عما عليه، ضمن إن لم يدفعه ببينة، لأن عليه] (١) أن يبرئه منه، وإن كانت أمانة فالقول قول الدافع مع يمينه، وإذا أودعه أمة فوقع عليها المستودع فوطئها وأحبلها فالولد رقيق ولا يثبت النسب وعلى الواطئ الحد إذا كان عالما، وعليها كذلك الحد إذا كانت عالمة، ولا مهر عليه، وإن كان ممن [يجهل] (٢) ذلك درئ عنه الحد، وعليه المهر، إذا كانت جاهلة والولد رقيق والنسب لا يثبت.
следующие страницы →