← Фикх общий

Фикх общий · id 1568

الأوسط من السنن والإجماع والاختلاف - ط الفلاح

ابن المنذر

Полный текст (7 126 стр.). Показаны 5671–5710 · переход к 5676.

стр. 5671

المسلم تحيط به النار ورجل مسلم قادر على إخراجه، ولم يفعل، فهو عاص ولا عقل عليه ولا قود. وإذا أمر رب الوديعة المودع أن يحرقها بالنار، أو يلقيها في البحر ففعل، ففيها قولان: أحدهما: أن لا شيء عليه، لأنه فعله بأمره. كان الشافعي يقول (١): إذا أمر الرجل الرجل أن يقطع رأس مملوكه فقطعه فعلى القاطع عتق رقبة ولا قود عليه. قال: وإذا أمره بذلك في دابة له ففعله فلا قيمة عليه، لأنه أتلفها بإذن مالكها، فقياس هذا أن لا غرم على من طرح المال في البحر بإذن مالكه على أن هذا ربما كان صلاحا للمسلمين في بعض الأوقات في البحر. وقال الآخر: هو ضامن، لأن المرء ممنوع من إتلاف المال في غير حال الضرورة، لأن ذلك محرم على رب المال، وفاعله عاص يجب أن يحجر عليه، لنهي رسول الله ﷺ عن إضاعة المال. فإذا أمره بما ليس له، فأمره وسكوته سيان. قال: ولو كان المودع لا ضمان عليه لوجب أن يكون المرء المسلم إذا أمر أخاه المسلم أن يضرب عنقه ففعل أن لا يكون على القاتل شيء، لأنه فعل ما أمره به. وقد أجمع أهل العلم على أن هذا قاتل ظالم وقد منع من مال المسلم، ومن دمه فالدم والمال في معنى واحد في التحريم، وقد جمع النبي ﷺ بين تحريم الدماء وتحريم الأموال مودعا بذلك أمته في خطبته في حجة الوداع (٢).

стр. 5672

مسائل من كتاب الوديعة واختلفوا في رجل استودع عبدا محجورا عليه أو صبيا وديعة فأكلها. فقال النعمان ومحمد (١): لا ضمان على الصبي ولا على المملوك حتى يعتق. [وقال يعقوب: الصبي والعبد ضامنان جميعا الساعة] (٢). وقال ابن القاسم (٣) - صاحب مالك - في الصبي يودع الشيء: لا يضمن وأومأ إلى أن ذلك قياس قول مالك. قال أبو بكر: لا يجب أن يلزم الصبي الضمان باختلاف لا حجة مع من أوجب عليه الضمان. واختلفوا في الرجل تكون عنده الوديعة للرجل، فيجعلها رب المال مضاربة مع المودع، فأجازت طائفة ذلك، وممن أجاز ذلك: أحمد بن حنبل (٤)، وأبو ثور، وأصحاب الرأي (٥). وكان الحسن البصري يقول: الوديعة مثل القرض لا تدفع مضاربة حتى تقبض، وإذا دفع رجل إلى رجل ألف درهم وديعة، وعلى المودع ألف درهم قرضا لرب الوديعة، فدفع إليه ألفا، فقال المودع: هذه الألف التي قضيتك هي القرض وتلفت الوديعة. وقال الذي دفع إليه

стр. 5673

الوديعة إنما قبضت الوديعة، والقرض على حاله. فالقول قول القاضي المودع وهو برئ من المالين جميعا، لأنه في الألف التي كانت عنده وديعة مؤتمن، القول قوله مع يمينه. وقد قضى في الظاهر ما عليه وهذا يشبه مذاهب الشافعي وبه قال أصحاب الرأي (١). وإذا أودع رجل رجلا مالا، وقال المودع: أمرتني أن أنفقه على أهلك، أو أتصدق به، أو أهبه لفلان وأنكر المودع ذلك، فالقول قوله مع يمينه، وهذا على مذهب أصحاب الشافعي وغيره، وبه قال أصحاب الرأي (٢). وإذا شرط المودع على المودع أنه ضامن للوديعة، فلا ضمان عليه. كذلك قال الثوري، والشافعي (٣)، وأحمد وإسحاق (٤)، وهو يشبه مذهب مالك (٥)؛ لأن مالكا قال: إذا استعار منه دابة وشرط عليه أنه ضامن لها، فلا ضمان عليه، إلا أن يتعدى. وحكي عن عبيد الله بن الحسن أنه قال: إذا استودع على أن يضمن فهو ضامن. قال أبو بكر: بالقول الأول أقول. قال أبو بكر: وإذا أودعه ألف درهم فجاء رجل فقال: إن رب الوديعة بعثني إليك لتبعت بالوديعة إليه، فصدقه ودفعها إليه، فهلكت عنده وأنكر رب الوديعة أن يكون بعثه.

стр. 5674

فقالت طائفة: المستودع ضامن، ولا يرجع على الرسول بشيء، (فإن) (١) كان حين جاءه بالرسالة كذبه، ودفعها إليه على ذلك فهلكت ثم جاء رب الوديعة فأنكر ذلك. قال: المستودع ضامن ويرجع بذلك على الرسول، وكذلك إن دفع إليه ولم يصدقه، ولم يكذبه. هذا قول أصحاب الرأي (٢). قال أبو بكر: إن علم المودع صدق ما قال الرسول لم يحل له أن يرجع عليه بشيء، لأنه يعلم أن رب الوديعة ظالم له. وقال مالك (٣): يضمن الرسول ولم يذكر تصديقه ولا تكذيبه. واختلفوا في الرجل يبعث مع رسوله بالمال إلى رجل، وأمره أن يدفعه إليه، فقال الرسول: قد دفعته إليه، وقال المرسل إليه: لم يدفع إلي شيئا. فقالت طائفة: لا يقبل قول الرسول إلا ببينة وإلا غرم. هذا قول مالك (٤). وقال أصحاب الرأي (٥): القول قول المستودع مع يمينه ولا ضمان عليه، لأنه أمين فيها، فالقول قوله مع يمينه، لأنه لو قال لرب المال: قد رددتها إليك كان القول قوله مع يمينه، فكذلك هذا.

стр. 5675

قال أبو بكر: وسمعت بعض أهل العلم يقول: إن كان للمبعوث إليه بالمال دين أمر الباعث الرسول [أن يدفعه إليه قضاء عما عليه، ضمن إن لم يدفعه ببينة، لأن عليه] (١) أن يبرئه منه، وإن كانت أمانة فالقول قول الدافع مع يمينه، وإذا أودعه أمة فوقع عليها المستودع فوطئها وأحبلها فالولد رقيق ولا يثبت النسب وعلى الواطئ الحد إذا كان عالما، وعليها كذلك الحد إذا كانت عالمة، ولا مهر عليه، وإن كان ممن [يجهل] (٢) ذلك درئ عنه الحد، وعليه المهر، إذا كانت جاهلة والولد رقيق والنسب لا يثبت.

стр. 5676

بسم الله الرحمن الرحيم (١) كتاب العارية قال الله جل ذكره ﴿فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون * الذين هم يراءون﴾ (٢). وقد اختلف أهل العلم في معنى قوله ﴿ويمنعون الماعون﴾ فكان عبد الله بن مسعود يقول: الماعون: العواري: الدلو، والقدر، والميزان. وقال ابن عباس: العارية. ٨٦١٨ - حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا حجاج بن منهال، قال: حدثنا حماد، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن ابن مسعود قال: الماعون: العواري: الدلو، والقدر، والميزان (٣). ٨٦١٩ - حدثنا عبد الله بن أحمد، قال حدثنا المقرئ، قال حدثنا المسعودي، عن سلمة بن كهيل، عن أبي العبيدين وكان عبد الله يعرف له حقه. قال: يا أبا عبد الرحمن، ما الماعون؟ قال: ما يتعاطى الناس بينهم من الفأس، والقدر، والدلو، وأشباه ذلك (٤).

стр. 5677

٨٦٢٠ - حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن الوليد العدني، عن سفيان الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس في قول الله ﴿ويمنعون الماعون﴾ قال: العارية (١). وقال عكرمة: إذا جمع ثلاثتها، فله الويل، إذا سها عن الصلاة وراءى ومنع الماعون فله الويل. وفيه قول ثان: وهو أنها الزكاة. روينا هذا القول عن علي بن أبي طالب وابن عمر وكذلك قال الحسن البصري، وزيد بن أسلم. ٨٦٢١ - حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله ﴿ويمنعون الماعون﴾ قال: قال علي بن أبي طالب: الزكاة (٢). ٨٦٢٢ - حدثنا محمد بن علي، قال: حدثنا سعيد، قال: حدثنا سفيان، عن [سعيد] (٣) بن عبيد الطائي، عن علي بن ربيعة، قال: سألت ابن عمر عن الماعون. فقال: هي الزكاة. قال: قلت: إن أناسا يقولون [غير] (٤) ذلك. قال: ذاك ما أقول (٥). وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: الماعون في الجاهلية كل منفعة

стр. 5678

وعطية. قال الأعشى: بأجود منهم بماعونه ..... إذا ما سماؤهم لم تعم (١) والماعون في الإسلام: الطاعة والزكاة. قال الراعي: قوم على الإسلام لما يمنعوا ..... ما عونهم ويضيعوا التهليلا (٢) وقد روينا عن ابن عمر أنه قال: الماعون: هو الرجل يمنع حق ماله. ٨٦٢٣ - حدثنا محمد بن عبد الوهاب، قال: حدثنا يعلى، قال: حدثنا إسماعيل، عن سلمة بن كهيل، قال: سأل رجل ابن عمر عن الماعون، فقال: هو الرجل يمنع حق ماله أو يسأل حق ماله فيمنعه (٣). وروينا عن عكرمة أنه قال: الماعون الزكاة وما يتعاطاه الناس بينهم من العارية (٤). قال أبو بكر: فاحتمل أن يكون أريد بقوله: الماعون: العارية واحتمل أن يكون أريد بذلك الزكاة، فدلت الأخبار أن الفرض في مال المسلم الزكاة.

стр. 5679

٨٦٢٤ - حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا عاصم بن علي قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر، قال: أخبرني أبو سهيل نافع بن مالك، عن أبيه، عن طلحة بن عبيد الله: أن أعرابيا جاء إلى النبي ﷺ ثائر الرأس. فقال: يا رسول الله، أخبرني ماذا فرض الله علي من الصلاة؟ قال: "الصلوات الخمس إلا أن تطوع شيئا". قال: أخبرني (ماذا) (١) فرض الله علي من الصيام؟ قال: "صيام رمضان إلا أن تطوع شيئا". قال: أخبرني (ما) (٢) فرض الله علي من الزكاة؟ فأخبره رسول الله ﷺ بشرائع الإسلام. قال: والذي أكرمك بالحق لا أتطوع شيئا ولا أنقص مما فرض الله علي شيئا. فقال رسول الله ﷺ : "أفلح وأبيه إن صدق - أو دخل الجنة وأبيه إن صدق" (٣). قال أبو بكر: وقد أجمع أهل العلم على وجوب الزكاة في مال المسلم (٤). واختلفوا في العواري. فالذي دل عليه الكتاب والسنة والإجماع من وجوب الزكاة يجب، وما اختلفوا فيه من العواري غير جائز إيجابه بتأويل مختلف فيه. ٨٦٢٥ - حدثنا يوسف بن موسى، قال: حدثنا عمر بن حفص الشيباني، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، قال أخبرني عمرو بن

стр. 5680

الحارث، عن دراج أبي السمح، عن ابن حجيرة (١)، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك" (٢). ذكر تضمين العارية أجمع أهل العلم - لا اختلاف بينهم - على أن [المستعير] (٣) لا يملك بالعارية الشيء المستعار، وأجمعوا كذلك - لا اختلاف بينهم - أن له أن يستعمل الشيء المستعار فيما أذن له أن يستعمله فيه. وأجمعوا كذلك - لا اختلاف بينهم - أن المستعير إذا أتلف الشيء المستعار أن عليه ضمانه (٤) واختلفوا في وجوب الضمان عليه إن تلفت العارية من غير جنايته. فقالت طائفة: ليس عليه ضمانها. (و) (٥) روينا عن علي بن أبي طالب وابن مسعود أنهما قالا ليس: على مؤتمن ضمان، وإسناد ذلك مذكور في كتاب الوديعة (٦).

стр. 5681

وممن كان لا يضمن المستعير: الحسن البصري (١)، وإبراهيم النخعي (٢). وقال شريح (٣): ليس على المستعير غير المغل ضمان، ولا على المستودع غير المغل ضمان. وكتب عمر بن عبد العزيز (٤) في العارية: لا يضمن صاحبها، إلا أن يطلع منه على جناية، وممن كان لا يضمن العارية: سفيان الثوري وإسحاق بن راهويه (٥)، والنعمان وأصحابه (٦). وسئل الأوزاعي عن العارية هل يضمنها أم لا؟ فذكر عن عمر بن عبد العزيز ما ذكرناه عنه. وقالت طائفة: العارية مضمونة، كان ابن عباس يقول: العارية تغرم، وكذلك قال أبو هريرة. ٨٦٢٦ - حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا حجاج، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو [عن] (٧) ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، قال: إن العارية تغرم (٨).

стр. 5682

٨٦٢٧ - ومن حديث ابن عبد الحكم، عن ابن وهب قال: أخبرني سفيان بن عيينة، عن عمرو [بن دينار، عن عبد الرحمن بن السائب، عن أبي هريرة، قال: وحدثني سفيان بن عيينة عن عمرو] (١) بن دينار، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس: أنهما قالا: إن العارية تغرم (٢). وبه قال عطاء والشافعي (٣)، وأحمد وإسحاق (٤)، واحتج الشافعي وأحمد بحديث صفوان (٥). وذكر أحمد: على اليد ما أخذت. وفيه قول ثالث: وهو أن العارية إذا كانت مما يظهر تلفها مثل الرقيق والحيوان والدور وما أشبه ذلك فلا ضمان على المستعير، إلا أن يتعدى، وما كان من ثياب أو حلي أو عروض، فالمستعير ضامن إلا أن يصيبه أمر من قبل الله يعذر به [و] (٦) تقوم عليه بينة، فإذا كان كذلك فلا ضمان عليه في شيء من ذلك، إلا أن يكون ضيع أو فرط. هذا كله قول مالك (٧)، وحكاية ابن القاسم، وابن نافع عنه، يزيد كل واحد منهما على صاحبه في اللفظ، وحكى أشهب عن مالك أنه سئل عن رجل يستعير دابة على أنه لها

стр. 5683

ضامن، قال: ما أرى عليه ضمانا. وفيه قول رابع: وهو أن المعير إن شرط الضمان في العارية فهي مضمونة، وإن لم يشترط فليس بشيء. هذا قول قتادة (١). وحكي عن عبيد الله بن الحسن أنه قال: إذا اشترط في العارية الضمان فهو ضامن. وقال أبو الزناد: عليه ضمان كل شيء استعاره من حيوان أو غيره حتى يؤدي إلا موت أو مرض يقع من السماء لم يكن هو سببا لشيء منه، يونس عنه، قال يونس: وسألت ربيعة عن العارية. فقال: هي مضمونة إلا من موت لا يملك، وقد حكي عن عثمان (البتي) (٢) أنه قال في العارية: هو ضامن [لكل] (٣) شيء استعاره إلا الحيوان [فإن] (٤) اشترط في الحيوان ضمان فهو ضامن (٥). قال أبو بكر: أما حجة الشافعي وأحمد في تضمينهما العارية فحديث صفوان. ٨٦٢٨ - حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ، قال: حدثنا يحيى الحماني، حدثنا شريك، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أمية بن صفوان بن أمية، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ استعار منه ثلاثين درعا. فقال: يا محمد أمضمونة؟ قال: "مضمونة". فضاع منها درع. فقال له

стр. 5684

النبي ﷺ : "إن شئت غرمناها لك". قال: أنا أرغب في الإسلام من ذلك (١). ٨٦٢٩ - حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا يحيى الحماني، قال: حدثنا شريك، عن عبد العزيز بن رفيع، عن [ابن] (٢) أبي مليكة، عن أمية بن صفوان بن أمية، عن أبيه فذكر الحديث (٣). قال [لي] (٤) موسى: لا نعلم أحدا وافق شريكا في هذا الإسناد. ٨٦٣٠ - حدثنا محمد بن علي، قال: حدثنا سعيد بن منصور، قال: حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أناس من آل عبد الله بن صفوان قال: أراد رسول الله ﷺ أن يغزو حنينا .. (٥).

стр. 5685

قال أبو بكر: فهذا خبر قد اختلف أهل العلم في ثبوته، فقال بعضهم: لا نعلم لعبد العزيز ابن رفيع سماعا من أمية بن صفوان، وقد خالف جرير شريكا في الإسناد. فقال: عن عبد العزيز، عن أناس من آل عبد الله بن صفوان، وغير جائز أن يحتج بخبر هذا سبيله، مع أن ألفاظ الأخبار مختلف فيها. في بعضها: أن النبي ﷺ قال: "مضمونة وفي بعضها أنه قال:: "إن شئت غرمناها لك" قال: ولو كان الضمان لازماً لم يقل: إن شئت غرمتها لك وأما قوله: "العارية مؤداة" فغير مدفوع، لأنها مؤداة عند الجميع ما كانت باقية، فإذا تلفت فلا سبيل إلى أدائها وإذا لم يكن إلى أدائها سبيل فغير جائز تضمينها بغير حجة. وقد روينا عن النبي ﷺ أنه قال: "العارية مؤداة". ٨٦٣١ - حدثنا محمد بن علي، قال: أخبرنا عبد الرزاق (١)، قال: أخبرنا إسماعيل بن عياش، عن شرحبيل بن مسلم، عن أبي أمامة أنه

стр. 5686

قال: سمعت رسول الله ﷺ عام حجة الوداع يقول: "العارية مؤداة، والمنحة مردودة، والزعيم غارم" (١). وهذا خبر يجب القول به: العارية مؤداة. فلا يوجد السبيل إلى أدائها إلا وهي موجودة، فإذا تلفت فلا سبيل إلى أدائها، ولا حجة مع من ألزم ذلك المستعير قيمتها إذا تلفت من غير جنايته من كتاب أو سنة أو إجماع، (وأما) (٢) ما روي عنه من قوله: "على اليد ما أخذت حتى تؤدي". ٨٦٣٢ - فإن إبراهيم بن عبد الله حدثنا، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ قال: "على اليد ما أخذت حتى تؤدي" (٣). قال أبو بكر: وهذا حديث قد تكلم في إسناده ودفع بعضهم أن يصح سماع الحسن من سمرة (٤)، وظاهره لو ثبت يوجب أن تؤدي إليه

стр. 5687

ما أخذت، وإذا تلفت بغير جناية من المستعير لم يجز إلزام المستعير قيمتها بغير حجة. ذكر الأرض تستعار على أن يبني (بها) (١) المستعير ثم يبدو لرب المال إخراجه واختلفوا في الأرض يستعيرها الرجل من الرجل على أن يبني فيها المستعير أو يغرس، ولم يؤقت في ذلك وقتا، أو وقت وقتا ثم إن رب الأرض أراد إخراجه من أرضه. فقالت طائفة: إذا أخرجه ضمن له قيمة بنائه وغرسه وقت له وقت دفعها إليه أو لم يوقت. هذا قول الشافعي (٢). قال: ولكنه لو قال: فإن انقضت العشر (سنين) (٣) كان عليك أن تنقض بناءك، كان ذلك عليه، لأنه لم يغره إنما غر هو نفسه. وكان ابن أبي ليلى يقول: الذي أعاره ضامن لقيمة البنيان، والبناء للمعير. قال: وكذلك بلغنا عن شريح. وقالت طائفة: إذا أعاره أرضا على أن يبني ويغرس، ثم بدا لصاحبها أن يخرجه منها كان له إخراجه، ونقض هذا بناءه، وقلع غرسه، ولا يضمن المعير شيئا، وذلك إذا لم يكن وقت له وقتا، فإن وقت له وقتا فأخرجه قبل

стр. 5688

الوقت أدى قيمة ذلك، وإن شاء صاحب البناء و (الغراس) (١) أخذ بناءه وغرسه. قال: هذا قول أصحاب الرأي (٢)، وحكى الشافعي (٣) عن النعمان مثله في الذي لم يوقت وقتا. قال وبه يأخذ. وذكر ابن القاسم أنه بلغه أن مالكا (٤) قال: أما ما قرب من ذلك الذي يرى أن مثله لم يكن ليبني على أن يخرج في قرب ذلك، وهو يراه حتى بنى فلا أرى له أن يخرجه إلا أن يدفع إليه ما أنفق، وإلا لم يكن ذلك له حتى يستكمل ما يرى الناس أنه يسكن مثله في قدر ما عمر. وأما إذا كان قد سكت الزمان فيما يظن أن مثله قد يبنى على أن يسكنه فأرى له أن يخرجه ويعطيه قيمة نقضه إن أحب، وإن لم يكن لرب الأرض حاجة لنقضه، قيل للآخر: اقلع نقضك ولا قيمة لك على رب الأرض. وهذا قول مالك، وإن كان ضرب له أجلا فبنى وغرس، فلما مضى الأجل أردت إخراجه. قال: قال مالك: يخرجه ويدفع قيمة نقضه إن أحب رب الأرض، وإن أبى قيل للذي بنى وغرس: اقلع نقضك وغراسك ولا شيء لك غير ذلك، وليس له أن يخرجه قبل مضي الوقت إذا بنى وغرس. قال أبو بكر: وزعم ابن الحسن (٥) أنه إذا أعاره أرضا فزرعها فلما تقارب حصاده أراد أن يخرجه. قال: أما الزرع فإني أستحسن فيه إذا زرعها أن لا يأخذ رب الأرض الأرض حتى يحصد الزرع، فإذا

стр. 5689

حصده أخذ رب الأرض أرضه. قال أبو بكر: وهذا تفريق بين الزرع والنخل والبناء بغير حجة، وليس بين هذا وبين المسائل الأولى التي ذكرناها عنهم فرق، إذا أعاره على أن يبني ويغرس فله إخراجه منه متى شاء لا فرق بين أن يوقت فيه وقتا أو لا يوقت، ولا فرق بين الوقت القريب منه والزمان الطويل، ولا نعلم مع من فرق بين الغرس والبناء وبين الزرع حجة، ولا حجة أيضا مع من أوجب عليه إذا وقت له وقتا القيمة، وأسقط عنه إذا لم يوقت له وقتا، ولا حجة أيضا مع من أوجب له القيمة في الحالين جميعا. وإلزام المعير قيمة العمارة أو الغراس في هذه الأحوال غير جائز إلا بحجة، ولا حجة نعلمها مع من أوجب شيئا من ذلك في مال المعير. والله أعلم. ذكر عارية الدواب واختلفوا في الرجل يستعير الدابة من الرجل فيقضي حاجته، ثم يردها ولم يلق صاحبها فربطها في معلف صاحبها. فقالت طائفة: يضمن، لأن الواجب عليه ردها إلى صاحبها. هذا مذهب الشافعي (١)، وبه قال بعض أصحابنا: [و] (٢) كذلك نقول. وقال ابن [الحسن] (٣) (٤): القياس أن يضمن، ولكن أستحسن أن لا أضمنه.

стр. 5690

قال أبو بكر: القياس عنده حق، وقد ترك الحق على لسانه وقضى بغير الحق. وإذا استعار الرجل من رجل دابة ليركبها إلى مكة فتعدى بها إلى الطائف، فعطبت بالطائف أو بعدما ردها إلى مكة، فهو لها ضامن، لا يخرج من الضمان إلا بوصولها إلى مالكها سالمة، وعليه الكراء من حيث تعدى بها مع الضمان. هذا قول الشافعي (١). وقال أصحاب الرأي (٢): إنه ضامن كما قال الشافعي من جهة تعديه، ولم يوجبوا عليه كراء من حيث تعدى ولا يبرأ عندهم برجوع الدابة إلى الموضع الذي (أقرر) (٣) له في الركوب إليه حتى يردها إلى صاحبها. قال أبو بكر: كما قال الشافعي أقول. وإذا استعار دابة على أن يحمل عليها عشرة أمداد قمح، فحمل عليها أحد عشر مدا فتلفت، ففيها أقاويل محمد أحدها: أنه ضامن لجزء من أحد عشر جزءا من قيمة الدابة، هذا قول أصحاب الرأي (٤) ثم قالوا: إذا أمر رجل رجلا أن يضرب عبده عشرة أسواط فضربه أحد عشر سوطا، فمات. أن عليه ما نقصه ذلك السوط الأخير ونصف (قيمته) (٥) مضروبا، لأن الضرب جراحة، ألا ترى أن رجلا لو جرح رجلا جرحا صغيرا، [و] (٦) آخر جرحه جرحا كبيرا فمات من ذلك، أن الدية بينهما نصفان.

стр. 5691

وفيه قول ثان: وهو أن عليه قيمتها تامة. هذا قول ابن أبي ليلى. وقال الشافعي كذلك، قال: وعليه الكراء. وقال مالك (١): ينظر فيما حمل على الدابة من الزيادة، فإن كان الذي زاد عليه الرطلين أو الثلاثة أو ما أشبه ذلك مما لا تعطب في مثله، كان له كراء تلك الزيادة إن أحب ولا ضمان على (المكاري) (٢) في البعير إن عطب، وإن كان في مثل ما زاد عليه ما يعطب في مثله، كان صاحب البعير مخيرا، فإن أحب فله قيمة بعيره يوم تعدى عليه، وإن أحب فله كراء ما زاد على بعيره مع الكراء الأول ولا شيء له من القيمة. مسائل من كتاب العارية قال أبو بكر: وإذا أعار الرجل [الرجل] (٣) الشيء إلى أجل معلوم فقبضه، ثم أراد المعير أن يرجع فيأخذ ما أعاره قبل مضي الوقت [ففيها قولان، أحدهما: أن ليس له ذلك والعارية ثابتة إلى الوقت] (٣) الذي أعطيها. هذا قول مالك (٤)، وفي قول الشافعي (٥): له أن يرجع فيها متى أحب. واختلفوا في الرجل يعير الرجل الدابة فاختلفا. فقال: أعرتنيها إلى

стр. 5692

بلد كذا، وقال بل أعرتك إلى بلد كذا. فكان مالك (١) يقول: إن كان يشبه ما قال المستعير فعليه اليمين. وفي قول الشافعي: القول قول المعير مع يمينه (٢). وقال أصحاب الرأي (٣): القول قول المعير. واختلفوا في الرجل يستعير من الرجل الثوب فيعيره غيره. فقالت طائفة (٤): إذا استعاره ليلبسه هو فأعطاه غيره فلبسه فهو ضامن، وإن استعاره ولم يسم من يلبسه فأعاره غيره فلا ضمان عليه. هذا قول أصحاب الرأي. وفيه قول ثان: وهو أنه ضامن، لأن المتعارف من أخلاق الناس أنه لا يعير غيره إذا استعاره هو، فإن أعاره غيره فقد ضمن. هكذا قال بعض أهل النظر. وقال مالك (٥): إذا استعار دابة فأعارها رجلا آخر إذا لم يفعل بها إلا مثل ما كان يفعل الذي أعيرها فلا شيء عليه. واختلفوا في الرجل يستعير من الرجل الدنانير، فكان مالك (٦) يقول: هذا ضامن. ولم يجعله من وجه العارية، وقال أصحاب الرأي (٧) في الدنانير والدراهم والفلوس يستعيرها الرجل: هو والقرض

стр. 5693

سواء. وأنكر آخر أن تكون الدراهم عارية، وقال: لا يجوز أن يشتري بها شيئا. قال: وهذا من قولهم فاسد، لأن العارية حكمها غير حكم القرض، وهذا لا يجوز بحال. واختلفوا في الرجل يستعير من الرجل المتاع ويقبضه ويصيره إلى منزله ثم يستغني عنه، فكان الثوري يقول: على الذي أكرى أو أعار أن يأخذه من عنده وليس عليه أن يحمله إليه. وقال أحمد (١) وإسحاق: عليه أن يرده من حيث أخذه. واختلفوا في العبد المأذون له في التجارة يعير الشيء، فقال ابن القاسم - صاحب مالك - ليس له أن يعير إلا بإذن سيده، وقال مالك (٢): لا يعجبني أن يعق العبد عن ولده إلا بإذن سيده. قال أبو بكر: وهذا على مذهب الشافعي. وقال أصحاب الرأي (٣): لا نرى بعارية العبد - إذا كان يشتري ويبيع أن يؤدي الغلة - بأسا، وإن دعا رجلا إلى طعام له أو أهدي إليه هدية فلا بأس أن يجيبه، ويأكل من هديته. قال أبو بكر: ولا يجوز في قول الشافعي أن يأكل من طعامه، ولا يقبل هديته إلا بإذن سيده. وإذا استعار رجل من رجل ثوبا ليلبسه ثم جحده إياه وأقام رب الثوب البينة على ذلك وقد هلك الثوب، فهو ضامن للقيمة في قول الشافعي وأصحب الرأي (٤): فأما تضمين

стр. 5694

الشافعي إياه فلأنه يرى العارية مضمونة، وأما تضمين أصحاب الرأي القيمة فلجحوده، وإذا استعار رجل من رجل دابة هوجاء فأزلقت من غير أن يعنف بها، فلا ضمان عليه في قول من لا يضمن العارية. فإن ضربها ففقأ عينها أو كبحها فعطبت فهو ضامن لها. وكذلك قال أصحاب الرأي (١). وفيه قول ثان: وهو أن لا ضمان عليه إذا كبحها في حال جائز له أن يكبحها فيه، لأن هذا مما يفعله الناس عند الحاجة إليه. وإذا استعار رجل من رجل سلاحا، على أن يقاتل به، وكان السلاح سيفا أو رمحا فضرب بالسيف فانقطع [نصفين] (٢) أو ضرب بالرمح فانكسر فلا ضمان عليه في ذلك. وهذا قول أصحاب الرأي (١)، وإذا أرسل الرجل رسولا ليستعير له دابة من رجل إلى التنعيم. فقال له الرسول: إن فلانا يسألك أن تعيره دابتك إلى عرفة فدفعها إليه على ذلك وبدا للمرسل الراكب أن يركبها (إلى عرفة فتلفت تحته فلا ضمان عليه، لأنه مأذون له فيه، وإن ركبها إلى التنعيم فعطبت ضمن، لأنه) (٣) ركبها إلى الموضع الذي لم يؤذن له فيه. قال أبو بكر: وفيه قول ثان: وهو أن لا شيء عليه في ركوبه إلى التنعيم، لأنه قد أذن له في مثل هذه المسافة وليس أحد الطريقين بأصعب من الآخر فيكون ضامنا. وإذا قال: أعرتني دابتك فركبتها إلى مكان كذا بإذنك، وقال رب الدابة: بل أكريتكها إلى ذلك المكان،

стр. 5695

فالقول قول الراكب مع يمينه في قول الشافعي (١)، وأصحاب الرأي (٢)، وكذلك قال الأوزاعي إذا لم تكن بينة، وكذلك قال بعض أهل النظر. قال: لأن ربها يدعي عليه الإجارة معترفا بأنه لم يتعد في ركوبها. قال أبو بكر: وأصح من ذلك على مذهب الشافعي أن عليه كراء المثل بعد اليمين، وقد قاله في موضع: وإذا استعار رجل من رجل دابة على أنه يذهب بها حيث شاء، ولم يسم مكانا ولا وقتا، ولا ما يحمل عليها، فله أن يركبها في المصر الذي أعاره إياها فيه، وليس له أن يؤاجرها، وهذا على مذهب أصحاب الرأي (٣) فإن آجرها من رجل فعليه أن يتصدق بالغلة في قولهم، وقال قائل: ليس تخلو هذه الغلة أن تكون ملكا له أو لا يملكها، فإن لم يملكها، فغير جائز أن يتصدق بما لا يملك، وإن تكن له فليس عليه أن يتصدق بماله، والذي قال الكوفي لا معنى له، وقال قائل: له أن يركبها في المصر الذي هو فيه، وفي غيره، وقد حكى ابن القاسم مذهب مالك (٤). فقال: ينظر في عاريته، فإن كان [وجه] (٥) عاريته إنما هو إلى الموضع الذي ركب إليه، وإلا فهو ضامن. وقال مالك (٦) في رجل اكترى دابة من رجل ليحمل عليها أو يركبها وأكراها من غيره فعطبت. قال: إن كان أكراها في مثل ما تكراها وكان

стр. 5696

الذي أكراه أمينا لا بأس به، فلا ضمان عليه. قال أبو بكر: وهذا يضمن في قول أصحاب الرأي، وإذا استعار دابة من رجل على أن يحمل عليها أربعة أمداد من شعير أو أرز أو سمسم. فقالت طائفة: أما [في] (١) القياس فهو ضامن، ولكنا نستحسن أن لا نضمنه. هذا قول أصحاب الرأي (٢). وقال قائل: يضمن، لأنه خالف فحمل عليها ما لم يؤذن له به. قال أبو بكر: وزعم ابن الحسن أنه إذا أذن له أن يحمل عليها حنطة فحمل عليها آجرا أو لبنا فعطبت، أنه ضامن وعلته في تضمينه إياه أنه حمل عليها غير ما سمى له، فكذلك قد حمل في المسألة قبلها عليها غير ما سمى له، وإذا أقام الرجل بينته على أرض ونخل أنها له وقد أصاب الذي في يديه من غلة النخل والأرض. فإن النعمان ومحمد ويعقوب كانوا يقولون: الذي كانت في يديه ضامن لما أخذ من (التمر) (٣)، وكان ابن أبي ليلى (٤) يقول: لا ضمان عليه في ذلك. وقال الشافعي (٤): يضمن ثمنها، وما أصاب منها من شيء فدفعه إلى صاحب البينة، فإن كانت الأرض تزرع فزرعها فالزرع للزارع، وعليه كراء مثل الأرض، وإن كان لم يزرعها فعليه كراء مثل الأرض. قال أبو بكر: وإذا غصب الرجل الرجل الأرض فزرعها:

стр. 5697

فقال النعمان (١): الزرع للذي كان في يديه، وهو ضامن لما نقص الأرض، ويتصدق بالفضل. وبه قال محمد، وكان ابن أبي ليلى يقول: لا يتصدق بشيء، وليس عليه ضمان، وقال يعقوب: هو ضامن لما نقص الأرض، ولا يتصدق بشيء، وقال قائل: هو ضامن لما نقص الأرض ولا يتصدق، وقال قائل: هو ضامن لما نقصها، لأنه متعد، إذا كان عالما بالنهي، وإن كان جاهلا فلا مأثم عليه، والزرع له، لأنه نما من بذره. قال أبو بكر: وإذا أخذ رجل أرض رجل إجارة سنة وعملها أو أقام فيها سنتين. فإن النعمان كان يقول (١): هو ضامن لما نقصت الأرض في السنة الثانية، ويتصدق بالفضل، ويعطى أجر السنة الأولى. وبه يأخذ أبو يوسف ومحمد، وكان ابن أبي ليلى يقول: عليه أجر مثلها في السنة الثانية، وكان الشافعي يقول (٢): عليه كراؤها الذي تشارطها عليه في السنة الأولى، وكراء مثلها في السنة الثانية، [وإن حدث بها نقص في السنة الثانية] (٣) كان ضامنا لها. وهكذا الدور، والعبيد، والدواب، وكل شيء استؤجر، وإذا وجد الرجل كنزا قديما في أرض رجل، أو داره. فإن النعمان (١): كان يقول: هو لرب الدار، ويخمس، وليس للذي وجده منه شيء، وهو قول محمد. وقال ابن أبي ليلى: هو [للذي] (٤) وجده، ويخمس وبه قال يعقوب وأبو ثور. وقال الشافعي (٢): الكنز لرب الدار وفيه الخمس.

стр. 5698

بسم الله الرحمن الرحيم (١) كتاب اللقطة ذكر أخذ اللقطة (٢) وتركها اختلف أهل العلم في أخذ اللقطة، وتركها، فكرهت طائفة أخذها. روينا عن ابن عباس أنه قال: لا ترفعها من الأرض لست منها في شيء. وقال عبد الله بن دينار: قلت لابن عمر: وجدت لقطة، قال: ولم أخذتها؟!. وروينا عن ابن عمر، أنه رأى دينارا مطروحا في المسجد فتركه. ٨٦٣٣ - حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان (ح) وحدثنا [محمد] (٣) بن عبد الوهاب - والحديث له - قال: حدثنا يعلى بن عبيد، عن سفيان، عن قابوس، عن [أبيه] (٤)، عن ابن عباس قال: لا ترفعها من الأرض لست منها في شيء - يعني اللقطة (٥).

стр. 5699

[و] (١) قال أبو نعيم و (العرزمي) (٢): لا ترفع اللقطة لست منها في شيء. ٨٦٣٤ - حدثنا موسى، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا معتمر، عن أبيه، أن مجاهدا وابن عمر كانا يطوفان بالبيت، فوجدا حقة فيها جوهر، فلم [يعرضا] (٣) لها (٤). ٨٦٣٥ - (حدثنا موسى قال) (٥): حدثنا أبو بكر قال: حدثنا وكيع، حدثنا الضحاك بن يسار، عن [أبي] (٦) صالح، عن أبي هريرة: أنه رأى دينارا مطروحا في المسجد فجعل يدنيه برجله، حتى أتى به قريبا من مقام الإمام، ثم تركه (٧). ٨٦٣٦ - حدثنا موسى قال: حدثنا أبو بكر (٨) قال: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن دينار، قال: قلت لابن عمر: وجدت لقطة. قال: ولم أخذتها؟! ومر شريح بدرهم، فلم يعرض له (٩).

стр. 5700

وممن كره أخذ اللقطة: الربيع بن خثيم، وجابر بن زيد، وعطاء بن أبي رباح، وأحمد بن حنبل (١). وقالت طائفة: يأخذها يحفظ على أخيه المسلم ماله، ولا يعرضه بتركه للتلف. كان سعيد بن المسيب قال لرجل في شيء وجده: كان ينبغي لك أن تأخذه. وكان حسن بن صالح يرى أخذ اللقطة إذا وجدها، ويعرفها سنة. واختلف قول الشافعي في هذا الباب: كان يقول إذ هو بالعراق: الورع أن لا يأخذها، والنظر أن يأخذها إذا وثق بأمانته، وخاف أن يأخذها غيره. وحكى بعض أهل مصر عنه أنه قال: لا أحب لأحد ترك لقطة وجدها إذا كان أمينا عليها (٢). قال أبو بكر: وممن أخذ اللقطة ورضي أخذها أبي بن كعب. ٨٦٣٧ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق (٣)، عن الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن سويد بن غفلة، قال: خرجت أنا وزيد بن صوحان وسلمان بن ربيعة الباهلي، فالتقطت سوطا بالعذيب، فقالا لي:

стр. 5701

دعه. قلت: والله لا أدعه تأكله السباع، لأستمتعن به، فقدمت على أبي بن كعب فأخبرته، فقال: أحسنت أحسنت إني وجدت صرة على عهد رسول الله ﷺ فيها مائة دينار فأتيت بها النبي ﷺ فقال: "عرفها … " (١) وذكر الحديث. وروينا أن رجلا أتى عليا فقال: إني وجدت لقطة فيها ثلاثمائة درهم أو قريبا منها؟ قال: عرفها. قال أبو بكر: ولم ينكر عليه أخذها. ٨٦٣٨ - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن أبي السفر، أن رجلا أتى عليا فقال: إني وجدت لقطة، فيها ثلاثمائة درهم، أو قريبا منها. قال: عرفها (٢). وكان مالك (٣) يفرق بين الشيء الذي له بال. فقال: إذا كان شيء له بال يأخذ ذلك أحب إلي فيعرفها، وليس هذا مثل الدرهم والشيء اليسير الذي لا بال له. أشهب عنه. وقال في الرجل يجد الطعام بطريق مكة في الحج، ونحو ذلك: لا يأخذه أحب إلي إلا أن يكون أحد يضطر إليه.

стр. 5702

وقال محمد بن الحسن (١) في الرجل يأخذ اللقطة، قال: إنما أخذتها لأردها على أهلها، وأشهد عليها شاهدين بمقالته لم أضمنه. وإن قال: قد التقطت لقطة فمن سمعتموه ينشدها فدلوه علي فجاء صاحب اللقطة فقال: قد هلكت لقطتك، فهو مصدق، ولا ضمان عليه. قال أبو بكر: وقد احتج بعض من رأى أخذ [اللقطة] (٢)، ليعرفها بحديث زيد بن خالد الجهني، أن رجلا سأل النبي ﷺ عن اللقطة فقال له: "اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة، فإن جاء صاحبها، وإلا فشأنك بها" (٣). قال قائل: ولو كان أخذها غير جائز لكان نبي الله ﷺ أحق الخلق بأن ينهاه عما فعل. واحتج بقوله: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ (٤) ومن البر حفظ مال المسلم إذا قدر عليه. قال: ومما يدل على ما قلناه: إجماع أهل العلم على أن على الرجل إذا رأى رجلا قد سقط من يده مال أن يعلمه، وأن يمنع غير مالكه من أخذه، ولا يسعه غير ذلك. فإن قال قائل: إن النبي ﷺ قال: "ضالة المؤمن حرق النار" (٥)، وبقوله "لا يأوي الضالة إلا ضال" (٦). فاللقطة غير الضالة، واسم الضوال

стр. 5703

لا يقع على الدنانير والدراهم، وإنما يقع اسم الضوال على الإبل والبقر والغنم (١)، و (لعل) (٢) من حجة من خالف هذا القول، وقال: إن ترك أخذها أسلم اتباع ابن عباس وابن عمر، وأبي هريرة وأن إيجاب أخذ اللقطة غير موجود بحجة، وأن تركها أسلم. والله أعلم. ذكر ما يفعل باللقطة اليسيرة اختلف أهل العلم في اللقطة اليسيرة يجدها المرء. فرخصت طائفة فيها، إذا كانت يسيرة أن ينتفع بها، ويدع تعريفها. روينا عن عمر بن الخطاب أنه مر بجراب من سويق توطأه الإبل فأخذه فرفعه فلم يجد أحدا يعرفه، فدعا بقدح فشرب وجعل يخرج للقوم ويسقيهم حتى شربوا، ثم قال: هذا خير من أن توطأه الإبل. وقال جابر بن عبد الله: كانوا يرخصون في السوط، والحبل، ونحوه، إذا وجده الرجل ولم يعرف صاحبه أن ينتفع به. وروينا أن ابن عمر مر بتمرة في الطريق فأكلها، وروي عن علي أنه التقط حبة - أو حب - رمان من الأرض فأكلها. وروينا عن عائشة أنها قالت في اللقطة: لا بأس بما دون الدرهم أن يستمتع به. ٨٦٣٩ - حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ، قال: حدثنا شبابة، قال:

стр. 5704

حدثنا المغيرة بن مسلم، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: بينما عمر في طريق بمكة إذ مر بجراب من سويق توطأه الإبل فأخذه فرفعه بيده وقال: لمن هذا؟ فلم يجد أحدا يعرفه. قال: فدعا بقدح فجعل فيه من ذلك السويق وشرب، ثم جعل يخرج إلى القوم ويسقيهم حتى شربوا ما في الجراب أجمع. ثم قال: هذا خير من أن توطأه الإبل (١). ٨٦٤٠ - حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا شبابة، قال: حدثنا المغيرة بن مسلم، عن أبي الزبير، عن جابر، أنهم كانوا يرخصون في السوط، والحبل ونحوه إذا وجده الرجل ولم يعرف صاحبه أن ينتفع به (٢). ٨٦٤١ - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق، عن الثوري، عن منصور، عن طلحة بن مصرف، أن ابن عمر مر بتمرة في الطريق فأكلها (٣).

стр. 5705

٨٦٤٢ - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق (١)، عن ابن عيينة، عن مالك بن مغول، سمعت امرأة تقول رأيت عليا التقط - حبا أو حبة - من رمان من الأرض فأكلها. ٨٦٤٣ - حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا أبو غسان، قال: حدثنا جرير، قال: سمعت عطاء يذكر أن عليا وفاطمة لبثوا ثلاثة لا يقدرون - يعني يطعمون - فخرج علي، فوجد دينارا، فقام يلاوم نفسه في أخذه فحمله ما به من الجهد على أن يأخذه، فأتى به فاطمة، فاشترت به - أو قال: فاشترى به - دقيقا، وإن جبهتهما لتصيب الجفنة من الجهد. قال: فدعوا النبي ﷺ فأخبروه خبر الدينار فأمرهم أن يأكلوا. وقال: "إنما هو رزق ساقه الله إليكم" (٢). ٨٦٤٤ - حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا أحمد بن يونس، قال: حدثنا زهير، قال: حدثنا جابر [عن] (٣) عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت في اللقطة: لا بأس بما دون الدرهم أن يستمتع به (٤) قال زهير: وفسره جابر: السوط وغيره.

стр. 5706

٨٦٤٥ - حدثنا موسى، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة (١) قال: حدثنا وكيع، عن طلحة بن يحيى، عن عبد الله بن فروخ مولى أم سلمة قال: سأل رجل أم سلمة زوج النبي ﷺ فقال: الرجل يجد السوط؟ فقالت: لا بأس به يصل به المسلم يده. قال: والحذاء؟ قالت: والحذاء. قال: والوعاء؟ قالت: لا أحل لك ما حرم الله عليك إن الوعاء تكون فيه النفقة (٢). وكان عطاء وطاوس وجابر بن زيد والنخعي يرخصون في السوط ونحوه، يأخذه وينتفع به. وكان يحيى بن أبي كثير يقول في لقطة النعلين والسوط والطعام: يستمتع به ويعرف (٣). وقال الحسن بن صالح: يتربص السنة بالعشرة (دراهم) (٤) فما قوقها. وما دون العشرة يعرفها ثلاثة أيام ثم يتصدق بها إن شاء. وقال ابن جريج: قال عطاء: إذا كان شيئا يسيرا عرفه أياما قد سمعته يسمى خمسة دراهم (٥). وروينا عن أبي [بشر] (٦) أنه رخص في اللقطة نحوا من خمسة دراهم (٧). قال أحمد بن حنبل (٨): يعرفه سنة.

стр. 5707

وقال إسحاق: ما كان دون الدينار عرفه جمعة أو نحوها. وأوجبت طائفة تعريف قليل اللقطة وكثيرها. هذا قول مالك (١) والشافعي (٢). وقال أحمد (٣): يعرف كل شيء إلا ما لا قيمة له، وكذلك قال إسحاق. قال أبو بكر: وهذا اختلاف من قول إسحاق. وروينا عن أبي هريرة أنه قال في اللقطة: الحبل والزمام ونحو هذا، (يعرفه) (٤) فإن وجدت صاحبه رددته عليه وإلا استمتعت به. ٨٦٤٦ - حدثنا موسى، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن عقبة بن عبيد الله، قال: حدثني ميسرة [بن] (٥) عميرة، أنه لقي أبا هريرة، فقال: ما تقول في اللقطة؟ (فقال) (٦): وما اللقطة؟ قال: الحبل والزمام ونحو هذا. قال: تعرفه، فإن وجدت صاحبه رددته عليه وإلا استمتعت به (٧). وكان مالك (٨) يقول: من وجد لقطة دينارا أو درهما، أو أقل من

стр. 5708

ذلك، فليعرفه سنة إلا أن يكون الشيء اليسير مثل (الفرق) (١) أو الفلس أو الجوزة أو نحو ذلك، فإنه يتصدق به من يومه، ولا أرى أن يأكله. وقال مالك (٢) في الرجل يجد النعلين أو السوط أو أشباه ذلك يأخذه فيعرفه، فإن لم يجد [له] (٣) صاحبا فليتصدق به عنه. فإن جاء صاحبه غرمه، ولا أرى بأسا أن يتسلفه فيأكله إن كان محتاجا، وينتفع بالنعلين والسوط المحتاج إليه، وإن تصدق الغني بقيمته، فلا أرى بأسا أن ينتفع به. وقال مالك: في الرجل يجد الطعام بطريق مكة أو الإداوة ونحو ذلك كله: لا يأخذه أحب إلي إلا أن يكون أحدا يضطر إليه (٤). قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله ﷺ قال في اللقطة: "اعرف عفاصها" ولم يخص لقطة دون لقطة. فالذي يجب على من التقط لقطة قلت أو كثرت أن يعرفها سنة على ظاهر خبر زيد بن خالد. ٨٦٤٧ - حدثنا علان بن المغيرة، قال: حدثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا محمد بن جعفر، قال: أخبرني ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن يزيد مولى المنبعث، عن زيد بن خالد الجهني، أن أعرابيا سأل النبي ﷺ عن اللقطة. فقال: "عرفها سنة، ثم اعرف عفاصها، ووكاءها، واستنفق، ثم إن جاء طالبها فادفعها إليه، وإلا فشأنك بها" (٥).

стр. 5709

قال أبو بكر: فقد أجاب النبي ﷺ الأعرابي جوابا عاما يقع على كل لقطة قلت أو كثرت. وليس [لأحد] (١) يستثني من أخبار رسول الله ﷺ إلا بخبر مثله. ولا نعلم خبرا يوجب أن يستثني به من جملة هذا الخبر إلا خبر أنس - هذا الذي أنا ذاكره إن شاء الله. ٨٦٤٨ - حدثنا يحيى بن محمد، قال: حدثنا مسدد (٢)، قال: حدثنا يحيى، عن سفيان، عن منصور، عن طلحة، عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ رأى تمرة فقال: "لولا أن تكون صدقة لأكلتها" (٣). قال أبو بكر: فالتمرة مستثناة من جملة ما أمر الملتقط بتعريفه وما له بقاء مما زاد على التمرة، وما له قيمة، يجب تعريفه على ظاهر خبر زيد بن خالد، والله أعلم. واختلفوا في الرجل يلتقط ما لا يبقى إلى مدة التعريف (٤). فكان مالك (٥) يقول في الرجل يلتقط ما لا يبقى في أيدي الناس من الطعام: يتصدق به، أعجب إلي، ابن القاسم عنه. قيل لابن القاسم: فإن أكله أو تصدق به فأتى صاحبه؟ قال: لا يضمنه في قياس قول مالك على الشاة يجدها في فيافي الأرض.

стр. 5710

وفي قول أصحب الرأي (١)، (أن الملتقط) (٢) ما لا يبقى إذا أتى عليها يومان أو يوم [فسد] (٣) قال: فيعرفها، إذا خاف عليها أن تفسد تصدق بها. وقال الثوري: ما كان يخشى فساده مثل اللحم والخبز والتمر فبعه، وتصدق به. وكان الشافعي (٤) يقول: إذا كانت اللقطة طعاما رطبا لا يبقى فله أن يأكله إذا خاف فساده، ويغرمه لربه. وحكى المزني أن فيما وجد بخطه: فإذا خاف فساده أحببت أن يبيعه ويقيم على تعريفه. قال المزني: وهذا أولى القولين به، لأن النبي ﷺ لم يقل للملتقط شأنك به إلا بعد سنة إلا أن يكون في موضع مهلكة كالشاة يأكلها ويعرفها إذا جاء صاحبها. ذكر الوقت الذي إليه تعرف اللقطة ثبت أن رسول الله ﷺ قال للذي سأله عن اللقطة: "اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة". ٨٦٤٩ - أخبرنا محمد بن عبد الحكم (٥)، أن ابن وهب أخبرهم، قال: وأخبرني مالك بن أنس، وعمرو بن الحارث، وسفيان الثوري،
следующие страницы →