← Фикх общий

Фикх общий · id 1568

الأوسط من السنن والإجماع والاختلاف - ط الفلاح

ابن المنذر

Полный текст (7 126 стр.). Показаны 6021–6060 · переход к 6026.

стр. 6021

ابن المحبر وعبد الله رجاء، قالا: حدثنا عكرمة بن عمار، عن [سماك] (١) الحنفي، قال: حدثني مالك بن مرثد، عن أبيه مرثد، قال: قلت: يا أبا ذر، هل سألت النبي ﷺ عن ليلة القدر؟ قال: نعم. قال: قلت يا رسول، أخبرنا عن ليلة القدر في رمضان هي أم في غيره؟ قال: "بل هي في رمضان". قلت: يا نبي الله، أخبرني أتكون مع الأنبياء ما كانوا فإذا قبض الأنبياء ورفعوا رفعت معهم أم هي إلى يوم القيامة؟ (٢) يا رسول الله في أي رمضان هي؟ قال: "التمسوها في العشر الأول أو في العشر الأواخر". قال: ثم حدث نبي الله ﵇ وحدث فاهتبلت غفلته فقلت: يا رسول الله، أخبرني في أي العشرين هي؟ قال: "التمسوها في العشر الأواخر، لا تسألني عن شيء بعدها". قال: ثم حدث وحدث فاهتبلت غفلته فقلت: يا رسول الله، أقسمت عليك في أي العشر؟ قال: فغضب غضبا ما غضب علي من قبل ولا بعد، ثم قال: "إن الله لو شاء أطلعكم عليها فالتمسوها في السبع الأواخر، لا تسألني عن شيء بعدها" (٣).

стр. 6022

ذكر اختلاف أهل العلم في إقسام الرجل على أخيه واختلفوا في الرجل يقسم على الرجل، فقالت طائفة: إذا أحنثه فالكفارة على المقسم، روينا هذا القول عن ابن عمر. ٨٨٨٢ - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق (١)، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: إذا [قال] (٢) أقسمت عليك بالله: فينبغي له أن لا يحنثه، فإن فعل كفر الذي حلف. وبه قال عطاء وقتادة والأوزاعي، وروي معناه عن أبي العالية، وقال قتادة (٣): لا يكون يمينا حتى يقول: أقسمت عليك بالله. قال أبو عبيد: وقول أهل المدينة في هذا الباب على نحو مذهبهم في الباب الأول إن كان [قال] (٤): أقسمت عليك لتفعلن كذا، ولم يقل "بالله" لم يكن عليه في قول أهل الحجاز كفارة، وكانت عليه الكفارة في قول أهل العراق، والذي عندنا في هذا ما عليه أهل المدينة للحديث الذي في إقسام أبي بكر على النبي ﷺ . قال أبو بكر: وقد اختلف فيه عن الحسن البصري فروينا عنه أنه قال: إذا أقسم على غيره فأحنثه فلا كفارة عليه وروينا عنه أنه قال: الكفارة على المقسم. وروينا عن عائشة بإسناد لا يثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "فإنما الحنث على الذي يحنث صاحبه".

стр. 6023

٨٨٨٣ - حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا حجاج بن منهال، قال: حدثنا حماد، عن ليث بن أبي سليم، عن القاسم، عن عائشة (١). قال أبو بكر: هذا خبر لا يثبت، لأن الذي رواه ليث بن أبي سليم، وليث لا يحتج بخبره (٢)، والقاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود لا يعلم سماعه من عائشة، ولا أحسبه رآها (٣)، وقد احتج بعض أصحابنا للقول الأول بحجج، فمما احتج به أن قال: يجب على من زعم أن الكفارة على المقسم عليه أن يوجب الكفارة على النبي ﷺ لأن أبا بكر أقسم عليه أن يخبره فلم يخبره بكل ما سأله عنه، وقال: "لا تقسم" وكذلك قصة أبي ذر في أمر ليلة القدر، وقد احتج هذا القائل في هذا بأخبار منها خبر أنس بن مالك.

стр. 6024

٨٨٨٤ - حدثني محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا محمد بن عزيز، قال: حدثنا سلامة، قال حدثني عقيل، عن ابن شهاب، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : "كم من ضعيف متضعف ذي طمرين (١) لو أقسم على الله لأبر قسمه، منهم البراء بن مالك"، وإن البراء لقي زحفا من المشركين وقد أوجع المشركون في المسلمين، قالوا له: يا براء، إن رسول الله ﷺ قال: لو أقسمت على الله لأبرك، فأقسم على ربك. فقال: أقسمت عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم. فمنحوا أكتافهم، ثم التقوا على قنطرة السوس فأوجعوا في المسلمين [فقالوا] (٢) اقسم يا براء على ربك. فقال: (أقسمت) (٣) عليك رب لما منحتنا أكتافهم، وألحقني بنبيي. فمنحوا أكتافهم، وقتل البراء شهيدا (٤). ٨٨٨٥ - حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: أخبرنا ثابت، عن أنس: أن أخت الربيع أم حارثة جرحت إنسانا فاختصما إلى النبي ﷺ . فقال النبي ﷺ : "القصاص القصاص كتاب الله". فقالت أم الربيع: يا رسول الله، أيقتص من فلانة؟! والله لا يقص منها أبدا. فقال رسول الله ﷺ : "سبحان الله يا أم

стр. 6025

الربيع، القصاص كتاب الله". فقالت: لا والله لا (يقص) (١) فما زالت حتى قبلوا الدية. فقال رسول الله ﷺ : "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره" (٢). قال أبو بكر: قال هذا القائل: فهل يجوز لأحد [يفهم] (٣) شيئا من دين الله أن يضمر أو ينطق أن مقسما لو أقسم على الله فلم يبر الله قسمه أن يقول ما لا يحل النطق به. قال أبو بكر: وقد روينا عن النبي ﷺ أنه قال: "من استعاذ بالله فأعيذوه" (٤). وجعلوا معنى هذا الحديث على الندب لا على الفرض، لأن ذلك لو جاز لما شاء رجل أن يسأل آخر أن يخرج له من كل ما يملك ويطلق زوجته، ثم يتعدى بالقول إلى أن يقول للإمام في حد أصابه أسقط ذلك عني. ثم يكون في ذلك تعطيل الحدود وترك الاقتصاص فيما فيه القصاص، وإذا لم يجز ذلك لم يكن معنى ذلك إلا ندبا فيما يجوز الوقوف عنه دون ما لا يجوز تعطيله، والله أعلم. ٨٨٨٦ - حدثنا يحيى بن محمد، قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا أبو عوانة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سأل بالله فأعطوه، ومن أتى

стр. 6026

إليكم معروفا فكافئوه، وإن لم تجدوا فادعوا له حتى تعلموا أن [قد] (١) كافأتموه" (٢). ذكر القسم بالله اختلف أهل العلم في الرجل يقول: أقسمت بالله أو أقسمت، ولم يقل: بالله فروينا عن ابن عمر، وابن عباس أنهما قالا: القسم يمين. ٨٨٨٧ - حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا محمد بن الصباح، قال: حدثنا سفيان، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أنه قال: القسم يمين (٣). ٨٨٨٨ - وقال إسحاق بن راهويه: أخبرنا يحيى بن آدم قال: حدثنا شريك، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس قال: القسم يمين (٤). ٨٨٨٩ - وحدثنا علي، عن أبي عبيد قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، وعن ابن عباس: أنه كان يقرأ: للذين يقسمون من نسائهم (٥).

стр. 6027

وممن قال بأن القسم يمين: إبراهيم النخعي، وسفيان الثوري، وأصحاب الرأي (١)، وفي قول الثوري، وأصحاب الرأي (١): أقسمت بالله، وأقسمت يمين. وقال عبيد الله بن الحسن: إذا قال: أقسمت، فهي يمين. وقالت طائفة: إذا قال: أقسمت. ولم يقل: بالله. فلا يمين عليه. كذلك قال عطاء، والحسن البصري، وقتادة، والزهري، وأبو عبيد، وذكر أبو عبيد حجة من جعل قوله: أقسمت يمين. قال الله ﴿إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين﴾ (٢) يقول: أفلا ترى أن اليمين قد لزمتهم من غير أن يذكروا الله في قسمهم، واحتج أبو عبيد بخبر ابن عباس في قصة أبي بكر قال: أقسمت عليك يا رسول الله لتخبرني (٣) قال: أفلا ترى أن رسول الله لم يأمره بالكفارة. قال أبو بكر: وقد عارض أبا عبيد بعض أصحابنا. ٨٨٩٠ - فروي عن يحيى بن نصر، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس في قصة الرؤيا قال فقال أبو بكر: فوالله يا رسول الله لتخبرني بالذي أخطأت قال: "لا تقسم". وقالت طائفة: إن أراد الرجل بقوله: أقسمت أي: بالله، فهي يمين، وإلا فلا شيء عليه.

стр. 6028

كذلك قال مالك (١) والشافعي (٢)، وأحمد وإسحاق (٣)، وقال أبو ثور: إذا أقسم بالله وأراد يمينا فهي يمين. قال أبو بكر: كما قال مالك والشافعي أقول. ذكر اليمين بصدقة المال أو بجعله في السبيل أو بهديه اختلف أهل العلم في الرجل يحلف بصدقة ماله أو بأن يجعله في السبيل أو يهديه، فقالت طائفة: لا شيء عليه. كذلك قال الحكم، والشعبي، والحارث، وحماد فيمن قال كل مال له في المساكين فحنث، أن لا شيء عليه. وروينا ذلك عن عطاء وطاوس. ٨٨٩١ - وحدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا يحيى، قال: حدثنا شريك، عن إبراهيم، عن صفية، عن عائشة في رجل جعل ماله في رتاج الكعبة قالت: ليس بشيء (٤). وقالت طائفة: كفارة يمين. روينا هذا القول عن عائشة. ٨٨٩٢ - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق (٥)، عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة أم المؤمنين، أنها

стр. 6029

سألتها أو سمعتها تسأل عن حالف حلف فقال: مالي إذا (ضرائب) (١) في رتاج الكعبة (٢)، أو في سبيل الله فقالت له: يمين. ٨٨٩٣ - حدثنا علي بن الحسن قال: حدثنا عبد الله، عن سفيان، عن منصور بن عبد الرحمن عن أمه صفية بنت شيبة، عن عائشة فيمن جعل المال في رتاج الكعبة قالت: يكفره ما يكفر اليمين (٣). ٨٨٩٤ - حدثنا علي، عن أبي عبيد قال: حدثنا هشام بن عمار، عن صدقة بن خالد، عن المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه أن رجلا أتى عمر بن الخطاب فقال: إني جعلت مالي في رتاج الكعبة إن كلمت أخي فقال: قد أغنى الله الكعبة عن مالك كفر يمينك (٤). ٨٨٩٥ - حدثنا علي، عن أبي عبيد قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن خلاس بن عمرو، عن ابن عباس أنه سئل عن امرأة أهدت ثوبها إن لبسته فقال أفي غضب أو في رضا؟ قالوا: في غضب قال: فإن الله لا يتقرب إليه بالغضب لتكفر يمينها وتلبس ثوبها (٥).

стр. 6030

قال أبو بكر: وقد روينا معنى هذا القول عن حفصة وعبد الله ابني عمر وزينب ابنة أم سلمة أنهم قالوا ذلك، وأنا ذاكر إسناده فيما بعد في باب اليمين بالعتق - إن شاء الله - وروينا عن الحسن البصري وطاوس أنهما قالا فيما هذا معناه: كفارة يمين. فقد مر. وكان الشافعي يقول (١): كفارة يمين إذا قال [مالي] (٢) في سبيل الله أو في المساكين فحنث، فعليه كفارة يمين. وبه قال عبيد الله بن الحسن، وشريك، وعبيد الله بن عمرو، وأحمد وإسحاق (٣)، وأبو عبيد وأبو ثور. وقالت فرقة ثالثة: يخرج ثلث ماله ويتصدق به هذا قول مالك بن أنس (٤) روينا عن الزهري أنه ذكر من جعل ماله في سبيل الله فقال (٥): لم أسمع في هذا من وجه إلا ما قال النبي ﷺ لأبي لبابة: "يجزئك الثلث" (٦). ولكعب ابن مالك: "أمسك بعض مالك فهو خير لك" (٧). وقالت طائفة رابعة: يتصدق من ماله بمقدار الزكاة. روينا هذا القول عن عمر وابن عباس.

стр. 6031

٨٨٩٦ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا عبد الرزاق (١) قال: أخبرنا معمر، عن إسماعيل بن أمية، عن عثمان بن أبي حاضر، قال: [حلفت] (٢) امرأة من أهل ذي أصبح فقالت: مالي في سبيل الله، وجاريتها حرة إن لم يفعل كذا وكذا لشيء كرهه زوجها (٣) ألا تفعله، فسئل عن ذلك ابن عباس، وابن عمر قالا: أما الجارية فتعتق، وأما قولها: مالي في سبيل الله فتصدق بزكاة مالها (٤). قال أبو بكر: وقد كان ربيعة بن أبي عبد الرحمن يقول بمثل قول مالك (٥) ثم صار إلى أن قال: زكاة ماله. وفيه قول خامس: وهو أن يفي بما جعله على نفسه، ويخرجه في الوجوه التي ذكرها. ٨٨٩٧ - حدثنا موسى بن هارون قال: حدثنا يحيى قال: حدثنا ابن المبارك عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر في رجل جعل ماله في سبيل الله قال: هو كما جعله. وقال النخعي (٦): إذا أهدى شيئا فليمضه، وإذا قال: كل مال له صدقة في المساكين فحنث فليتصدق بماله وليمسك منه ما يقوته، فإذا أفاد مثل ما أمسك فليتصدق به، وقال عثمان البتي: إذا قال: مالي في

стр. 6032

المساكين إن فعل كذا وكذا لا كفارة له إلا الوفاء به. ٨٨٩٨ - أخبرنا الربيع بن سليمان، قال: أخبرنا حجاج الأزرق، قال: حدثنا ابن وهب، عن عمرو، أن بكير بن الأشج حدثه، أن الهيثم بن سنان حدثه، أنه سمع ابن عمر، وسأله بعض أهله فأخبره: أنه كسا امرأته كسوة فسخطتها [فقالت: إن] (١) لبستها كل شيء لي في رتاج الكعبة. قال ابن عمر: ليجعل مالها في رتاج الكعبة قال: إنما مالها في الغنم والإبل قال ابن عمر: لتبع الغنم والإبل في رتاج الكعبة (٢). ٨٨٩٩ - حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا أبو عبيد، قال: حدثنا عمرو بن طارق عن السري بن يحيى، عن مالك بن دينار أن امرأة أتته فقالت: إن زوجها كساها كسوة وإنها غضبت فجعلتها هدية إلى بيت الله إن لبستها قال: [فانطلقت إلى أنس] (٣) فسألته فقال: إن لبستها فلتهديها (٤). وفيه قول سادس: وهو أن تهدي بدنة. هذا قول قتادة فيمن قال: أنا أهدي جاريتي. وفيه قول سابع: وهو إن كان مالا له كثيرا فعُشره، وإن كان وسطا فسبعه وإن قليلا فخمسه. كذلك قال جابر بن زيد، رواه قتادة عنه، قال قتادة: والكثير ألفان والوسط ألف والقليل خمسمائة.

стр. 6033

وفيه قول ثامن: قاله النعمان (١) ومن وافقه قال: وإذا قال: مالي في المساكين صدقة، فهذا على ما يكون فيه الزكاة. قال أبو بكر: ولا نعلم أحدا سبق النعمان إلى هذا القول إذ لا خلاف أن الدور، والعقار، والمواشي تسمى أموالا يقال: عامة مال فلان مواشي، وقال النبي ﷺ لمالك بن نضلة، وهو رجل من جشم ألك مال؟ قال: من كل المال ". ٨٩٠٠ - حدثنا يحيى بن محمد، قال: حدثنا سهل بن بكار قال: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن أبيه، قال: أتيت النبي ﷺ وأنا قشف الهيئة (٢) فقال: "هل لك من مال؟ " قال: نعم، من كل مال، قال: "من أي مال؟ " قال: من الخيل، والرقيق، والغنم. قال: "إذا آتاك الله مالا فلير عليك قال الله : ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ (٣) " (٤). وأجمع أهل العلم (٥) على أن الإبل، والبقر، والغنم داخل في جملة ما أمر الله بأخذ الصدقة منها. وأما قصة أبي لبابة وكعب بن مالك فليس من أبواب الأيمان بسبيل، لأنهما لم يكونا حلفا فيكونا قد أمرا لأيمانهما بالكفارة، إنما تطوعا بما لم يكن عليهما شكرا لله حيث قبل توبتهما، وعفى عن ذنوبهما، فليس ذلك

стр. 6034

مما يجوز أن يشبه بالكفارات التي أوجبها الله على عباده المؤمنين، وليس لقول النبي ﷺ لكعب: أمسك عليك بعض مالك للمديني حجة، إذ ليس للبعض الذي أمر النبي ﷺ كعبا بإمساكه مقدارا يوقف، ولو كان جزءا معلوما لكان مع ذلك بعيدا من أبواب الأيمان. قال أبو بكر: [والذي به أقول: أن على] (١) من حلف بصدقة ماله أو قال: مالي في سبيل الله إن فعلت كذا فحنث: كفارة يمين لقول الله : ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته، إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم﴾ (٢) الآية وللأخبار الثابتة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من حلف على يمين فرأى [غيرها] (٣) خيرا منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير" (٤) فليس لأحد أن يخرج من جملة الأيمان شيئا إلا بحجة من كتاب أو سنة أو إجماع. ذكر اليمين بالحج أو العمرة إلى البيت الحرام اختلف أهل العلم في الرجل يحلف بالمشي إلى بيت الله فحنث: فقالت طائفة: لا شيء عليه، روينا هذا القول عن سعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، ثم قال القاسم للسائل عن المسألة: عندك شيء؟ قال: درهم، قال: تصدق.

стр. 6035

وقالت طائفة: عليه كفارة يمين روينا هذا القول عن الحسن البصري، وجابر بن زيد، وطاوس، وإبراهيم النخعي، وعطاء، وقتادة، وبه قال الشافعي (١)، وأحمد (٢)، وأبو ثور. وقالت طائفة: يأتي بما أوجب على نفسه، روينا هذا القول عن الشعبي وبه قال المديني والكوفي. وقال ابن شبرمة: يحرم من يومه. وقال قتادة في رجل [قال] (٣): علي ألف حجة فحنث قال: عليه ألف حجة. وكان مالك يقول (٤) فيمن حلف بالمشي إلى بيت الله: إن لم يفعل كذا وكذا فحنث بموضع غير الذي حلف فيه، أنه يرجع إلى المكان الذي حلف فيه فيمشي منه ولا يمشي من حيث حنث. وفي كتاب محمد بن الحسن (٥): ولو أن رجلا حلف بالحج أو العمرة أو جعل لله على نفسي صوما، أو صلاة أو صدقة، أو اعتكافا، أو عتقا، أو هديا، أو شيئا [مما] (٦) هو لله طاعة، فحلف فحنث لم يكن عليه كفارة يمين، ولكن عليه في ذلك أن يصنع الذي قال، وإذا حلف بالمشي إلى بيت الله أو إلى الكعبة، أو إلى المسجد الحرام أو إلى مكة أو إلى الحرم فحنث فعليه عمرة، وإن شاء [حج] (٧)، حجة إن شاء مشى، وإن

стр. 6036

شاء ركب، ويذبح لركوبه شاة. قال النعمان (١): إن الكل غير واجب، غير قوله المشي إلى الحرم أو إلى المسجد الحرام. وقال يعقوب (١): وإذا حلف بالمشي إلى بيت الله، وهو ينوي مسجدا من مساجد الله سوى المسجد الحرام، فليس عليه في ذلك شيء، لأن المساجد كلها تدخل بغير إحرام، ولا يدخل المسجد الحرام إلا بإحرام، وإذا حلف الرجل فقال: عليه السفر إلى مكة أو الذهاب أو الركوب إليها فليس هذا بشيء، وهذا وحلفه بالمشي سواء في القياس، غير أني أخذت في حلفه بالمشي بالاستحسان، ولأنها أيمان الناس. قال أبو بكر: زعم أن عليه أن يصنع الذي قاله ثم قال تداركاً منه لقوله: عليه أن يصنع الذي قاله إن شاء مشى، وإن شاء ركب، ويذبح لركوبه شاة، فأسقط عنه المشي الذي أوجب عليه، وأوجب عليه شاة لم يوجبها الله عليه، ولا أوجبها هو على نفسه، ولا نعلم حجة في إلزامه هذا الحلف شاة لم يوجبها هو على نفسه، ولو أتى هذا الحالف مكان ما أوجب على نفسه ببدنة أو بدن لم يجز عنه مذهبه. قال أبو بكر: وليس من قول المرء: علي السفر إلى مكة أو الذهاب إلى مكة فرق. قال أبو بكر: فالذي يجب على من حلف بحجة فحنث فيها كفارة يمين استدلالا بظاهر قوله: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾ (٢) وبظاهر الأخبار الثابتة عن نبي الله ﷺ أنه قال: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه" (٣).

стр. 6037

٨٩٠١ - حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ قال: حدثنا الحسن بن علي قال: حدثنا موسى قال: حدثنا شريك، عن محمد بن عبد الرحمن، عن كريب، عن ابن عباس: أن رجلا سأل النبي ﷺ فقال: إن أخته نذرت أن تحج ماشية قال: "لتركب ولتكفر يمينها" (١). مسألة: قال أبو بكر: [واختلفوا] (٢) في الرجل يقول للرجل: أنا أهديك. فروينا عن الشعبي، والنخعي أنهما قالا: يحجه. وفيه قول ثان: وهو أن يهدي كبشا ولا يحج. ٨٩٠٢ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق (٣)، عن إبراهيم، عن عمر، عن عبد الكريم أبي أمية، عن عطاء، عن ابن عباس قال: يهدي كبشا ولا يحج به. وفيه قول ثالث: روي عن علي، ولا يثبت ذلك عنه (٤)، ولا عن ابن عباس (٥). ٨٩٠٣ - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق (٦)، عن الثوري، عن منصور،

стр. 6038

عن الحكم، عن علي قال: يهدي ديته (١). قال أبو بكر: وبه قال النخعي. وفيه قول رابع: وهو أن يهدي بدنة، هذا قول قتادة. وفيه قول خامس: وهو أن يكفر عن يمينه هذا قول الحسن البصري، والأوزاعي. وفيه قول سادس: في رجل قال: هو يحمل فلانا إلى بيت الله قال: يمشي، ويهدي، وإن كان نوى أن يحجه راكبا يحجه راكبا ويحج معه لقوله: إني أحملك إلى بيت الله، فإن أبى أن يحج معه فلا شيء عليه، حكى الوليد بن مسلم هذا القول عن مالك بن أنس (٢)، وحكى البويطي، عن الشافعي أنه قال في رجل قال لرجل: أنا أهديك إلى بيت الله، ولم يكن له نية: لا شيء عليه إلا أن يكون أراد أنا أحج وأحملك، وأراد به الطاعة فيحج، لأنه طاعة، ولا يحمله. ذكر اليمين بتحريم ما أحل الله من الطعام وغير ذلك قال الله : ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم﴾ (٣). اختلف أهل العلم في تأويل هذه الآية فقالت طائفة: إنما حرم النبي ﷺ على نفسه شرابا كان يشربه عند بعض أزواجه.

стр. 6039

٨٩٠٤ - حدثنا علي بن المبارك، قال: حدثنا زيد بن المبارك، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن ابن عباس في قوله: ﴿تبتغي مرضات أزواجك﴾ قال: ترضى بتحريمها حفصة ابنة عمر، لأنها وجدتها معه في بيتها فأمر رسول الله ﷺ حفصة أن تكتم ذلك، فأخبرت حفصة بذلك عائشة فتظاهرتا عليه (١). ٨٩٠٥ - فأما عطاء فأخبرني عن عبيد بن عمير، عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يشرب عسلا عند زينب ابنة جحش ويمكث عندها فتواطأت وحفصة أن إذا دخل عليها فلتقل أكلت مغافير إني لأجد منك ريح مغافير فقال: "لا ولكن كنت أشرب عسلا عند زينب ابنة جحش، ولن أعود له وقد حلفت فلا تخبري بذلك أحدا" (٢). ٨٩٠٦ - حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ، قال: حدثنا الحسن بن علي، قال: حدثنا أبو أسامة، قال: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يحب الحلواء والعسل، وكان إذا صلى العصر دار على نسائه فيدنو منهن فدخل على حفصة فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس فسألت عن ذلك فقيل لي: أهدت لها امرأة من قومها عكة من عسل فسقت رسول الله ﷺ منه شربة فقالت: أما والله لنحتالن له، فذكرت ذلك لسودة، وقالت: إذا دخل عليك فإنه سيدنو منك، فقولي له: أكلت مغافير؟ فإنه سيقول لك: لا. فقولي: ما هذه

стр. 6040

الريح - وكان رسول الله ﷺ يشتد عليه أن يوجد منه الريح - فإنه سيقول لك: سقتني حفصة شربة عسل. فقولي: جرست نحله العرفط (١). وقوليه أنت يا صفية. فلما دخل على سودة قالت - تقول سودة -: والله الذي لا إله إلا هو لقد كدت أبادئه بالذي قلت، وإنه على الباب فرقا منك، فلما دنا رسول الله ﷺ قلت: يا رسول الله، أكلت مغافير؟ قال: "لا". قلت: فما هذه الريح؟ قال: "سقتني حفصة شربة من عسل". قلت: جرست نحله العرفط. قال: فلما دخل على حفصة قالت: يا رسول الله، ألا أسقيك منه قال: "لا، لا حاجة لي به"، قال: تقول سودة [سبحان الله والله] (٢) لقد حرمناه [قلت] (٣) لها: اسكتي (٤). قال أبو بكر: وهذا قول ابن عباس، وعبد الله [بن عتبة] (٥). ٨٩٠٧ - حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا شجاع، قال: حدثنا عبد الله بن رجاء، قال: أخبرنا إسرائيل، عن مسلم، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك﴾ قال: حرم شربته (٦).

стр. 6041

وقالت طائفة: حرم رسول الله ﷺ فتاته القبطية أم إبراهيم، هكذا قال قتادة وقال الحسن البصري: حرم جارية له. قال أبو بكر: والذي كان حرم رسول الله ﷺ على نفسه الشربة التي ذكرناها، وحلف رسول الله ﷺ مع ذلك، فأمر بكفارة يمين لليمين التي كان حلف بها، قد ذكرنا أنه كان حلف في حديث عائشة من حديث عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عائشة. ٨٩٠٨ - ومن حديث مسلمة بن علقمة، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة قالت: آلى رسول الله من نسائه وحرم فجعل الحرام حلالا وجعل في اليمين كفارة (١) كتب إلي بعض أصحابنا يذكر أن الحسن بن قزعة حدثهم قال: حدثني مسلمة بن علقمة. قال أبو بكر: قد اختلف أهل العلم فيمن حرم على نفسه طعاما أو شرابا أحله الله له، فقالت طائفة: لا يحرم عليه الشيء الذي حرمه عليه، وعليه فيه كفارة يمين، حكى أبو عبيد هذا القول عن أهل العراق، فإن أراد بالحل عليه حرام الطعام والشراب واللباس والإماء، فعليه كفارة يمين. وإن نوى به الكذب فلا شيء عليه، وإن لم يكن له نية فهي كفارة يمين.

стр. 6042

قال أبو بكر: وقد روينا عن ابن مسعود ما يدل على هذا المعنى: ٨٩٠٩ - حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله، عن سفيان، عن منصور، عن أبي الضحى، قال: كنا عند عبد الله بن مسعود فجيء بضرع فتنحى رجل فقال عبد الله: ادن فقال: إني حرمت أن لا آكله فقال عبد الله: ادن فاطعم وكفر عن يمينك ثم تلا هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾ (١) (٢). ٨٩١٠ - حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله، عن سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث، عن عمرو بن شرحبيل قال: جاء معقل بن مقرن إلى عبد الله بن مسعود فقال: إني حرمت فراشي فقال: نم على فراشك وكفر عن يمينك، ثم تلا هذه الآية ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾. فقال معقل: من أجل هذه الآية سألتك قال: آية الأيمان أزكى قال: تحرير رقبة (٣). وقالت طائفة: إذا قال: كل حلال عليه حرام هي يمين. هذا قول الحسن وجابر بن زيد، وقتادة. وقال الحسن: إلا أن يقول: من أهل أو مال. وكان الأوزاعي يقول في قوله: ما أحل الله عليه حرام: كفر يمينك ولا يسأله عن نيته، فإن أخبره أنه نوى به طلاقا قال: ما نويت.

стр. 6043

وقال أحمد (١): إن كانت له امرأة فكفارة الظهار، وإن لم تكن له امرأة فكفارة يمين، وكذلك قال إسحاق (١) إذا لم يرد طلاقا. وحكى أبو عبيد عن مالك أنه كان لا يرى عليه فيما سوى النساء شيئا، ويتأول قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾. وحكي عن سفيان وكثير من أهل العراق أنهم قالوا: إن لم يرد إطلاقا فيمين يكفرها. ٨٩١١ - وقد روينا عن ابن عباس أنه قال في النذر والحرام إذا لم يرد شيئا قال: أغلظ الأيمان عليه فعليه رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا. حدثنا إسحاق قال: أخبرنا عبد الرزاق (٢) قال: أخبرنا الثوري، عن منصور، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وقال طاوس: هو ما نوى - يعني في قوله: كل حلال عليه حرام. قال أبو بكر: وقد روي خبر أبي موسى في (قول) (٣) الرجل: لحم الدجاج، على الاختصار فلا يظن ظان أن أبا موسى أمر الرجل بكفارة يمين لتحريمه الدجاج على نفسه، ولكنه أمره بالكفارة، لأنه حلف (لا) (٤) يأكله. ٨٩١٢ - حدثنا يحيى بن محمد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن المبارك، قال: حدثنا الصعق، عن مطر الوراق، عن زهدم الجرمي، قال: دخلت

стр. 6044

على أبي موسى الأشعري، وبين يديه لحم دجاج يأكله فقال: ادنه. قال قلت: إني قد حلفت ألا آكله. قال: ادنه، فإني رأيت رسول الله ﷺ يأكله، وسأخبرك عن يمينك هذه قال: فدنوت فأكلت ثم قال: أتينا رسول الله ﷺ نستحمله فحلف أن لا يحملنا، فوالله ما برحنا [حتى] (١) أتته فرائض غر الذرى فأمر لنا بحملان منها فلما خرجنا قلنا: ما صنعنا نسينا رسول الله يمينه، والله لا نفلح قال: فرجعنا إليه قال: ما ردكم؟ قلنا: يا رسول الله كنت حلفت ألا تحملنا فخشينا أن نكون نسيناك يمينك قال: "إني والله ما نسيتها ولكن من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه" (٢). قال أبو بكر: فأما تحريم الرجل زوجته على نفسه فقد ذكرنا ذلك في كتاب الطلاق. ذكر اليمين بالعهد واختلفوا فيما يجب على من حلف بالعهد فحنث، فقالت طائفة: يمين يكفرها، روينا هذا القول عن طاوس، والشعبي، والحسن البصري، والحارث العكلي، والحكم، وقتادة، وبه قال مالك (٣) بن أنس والأوزاعي، وأصحاب الرأي (٤).

стр. 6045

وقالت طائفة: ليست بيمين إلا أن يريد يمينا، كذلك قال عطاء، والشافعي (١) وأبو عبيد وأبو ثور، واختلف فيه عن الثوري، فحكى الأشجعي عنه أنه قال كقول عطاء، وحكى آخر عنه أنه قال كقول الشعبي. قال أبو بكر: وكما قال عطاء أقول، وذلك لأن فيما عهد الله إلينا أن لا نعبد الشيطان وأن نؤدي فرائضه، قال الله: ﴿ألم أعهد إليكم يابنى آدم أن لا تعبدوا الشيطان﴾ (٢) فإذا كان ذلك فيما عهد إلينا، لم يلزم من قال عليه عهد الله يمينا، إلا [أن] (٣) يقصد به اليمين، لأن قوله: علي عهد الله صدقا. ذكر اليمين بالميثاق والكفالة واختلفوا في اليمين بالميثاق والكفالة، فكان مالك بن أنس (٤) يقول: إذا قال: علي عهد الله وميثاقه وكفالته إن لم يصنع كذا، ثم حنث، قال: يكفر ثلاث كفارات، وذكر أبو عبيد قول مالك وقال به، وقال طاوس في قوله عليه عهد الله وميثاقه: يمينا يكفرها، وكذلك قال الثوري: إذا أراد به اليمين، وقال الشافعي (٥): ليست بيمين إلا أن ينوي يمينا.

стр. 6046

ذكر مسائل من باب الأيمان اختلف أهل العلم فيمن قال: أعزم بالله، فكان الشافعي (١) وأبو ثور يقولان: ليست بيمين. قال الشافعي: إلا أن يريد يمينا فيكون يمينا، وقال أصحاب الرأي (٢): هي يمين، و (قال) (٣) الشافعي يقول (١): إذا قال: أشهد بالله، فإن نوى اليمين فهي يمين، وإن لم ينو يمينا فليست بيمين، وقال أبو ثور وأصحاب الرأي (٤): هي يمين، وقال أصحاب الرأي (٤): إذا قال: أشهد فهي يمين، فأنكر أبو عبيد ذلك، وقال: الحالف غير الشاهد، وقال: هذا خارج من الكتاب والسنة ومن كلام العرب، وسئل الأوزاعي، عن رجل قال: أشهد لا أفعل كذا وكذا، ثم فعل قال: هي يمين، سمعت ربيعة بن أبي عبد الرحمن يقول: هي يمين وفيها كفارة، وكذلك قال أصحاب الرأي (٤)، وروي عن النخعي أنه قال: أشهد أو أشهد بالله هي يمين، وكذلك قال الثوري. واختلفوا فيمن قال: حلفت ولم يكن حلف، فقالت طائفة لزمته اليمين، كذلك قال النخعي والحسن، وحكى أبو عبيد عن مالك (٥) أنه قال: إذا كان مريدا لليمين فإن تعمد الكذب فلا شيء عليه، وحكى أبو عبيد عن أهل العراق أنهم قالوا: هي أيمان، وقال

стр. 6047

أبو عبيد: إذا قال: أحلف لم يكن شيئا حتى يقول: أحلف بالله، فهناك يكون حالفا، وأما الشهادة فلا تكون يمينا، وقال حماد بن أبي سليمان: إذا قال: حلفت، ولم يحلف فهي كذبة، وقال أبو ثور: إذا قال: علي يمين ولم يكن حلف فهذا باطل، وقال أصحاب الرأي (١): هي أيمان. واختلفوا فيمن قال: لعمر الله [لا أفعل] (٢) كذا ثم فعل، فكان الأوزاعي، وأبو ثور يقولان: هي يمين، وفيها الكفارة، وقال الشافعي (٣) وأبو عبيد: هي يمين إذا أراد اليمين. ذكر ما يجب على من حلف بعتق رقيقه وحنث اختلف أهل العلم فيمن حلف بعتق رقيقه أن لا يفعل أمرا ففعله. فقالت طائفة: عليه كفارة يمين لدخول هذه اليمين في جملة قوله : ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته﴾ (٤) الآية، ولقول النبي ﷺ : "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه" (٥). وللثابت عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ أنهم أفتوا بمثل ذلك. ٨٩١٣ - حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا أبو عبيد، قال: حدثنا

стр. 6048

يحيى بن سعيد، عن سليمان التيمي، عن بكر بن عبد الله المزني، عن أبي رافع، أن مولاته ليلى بنت العجماء جعلت كل مملوك لها محررا، وكل مال لها هديا وهي يهودية، وهي نصرانية إن لم تطلق امرأتك، وإن لم يفرق بينكما قال: فأتيت زينب بنت أبي سلمة (فقال) (١): تجبني بنت أم سلمة، فجاءت معي، فقامت على الباب، فقالت: ها هنا هاروت وماروت، فقالت: إني جعلت كل مالي لي هديا، وكل مملوك لي محررا، فأعادت عليها الكلام، فقالت: خل بين الرجل وامرأته، فأتي حفصة فأرسلت إليها، فجاءت فدخلت عليها فأخبرتها أنها قالت كذا وكذا. فقالت: خل بين الرجل وبين امرأته، فأتى ابن عمر فجاء معه إليها فقالت: بأبي أنت وبأبي أبوك فقال: أمن حديد أنت أو من حجارة أنت أتتك زينب، وأرسلت إليك حفصة، فقالت إني قلت كذا وكذا فقال: كفري يمينك وخل بين الرجل وبين امرأته (٢). ٨٩١٤ - وحدثونا عن محمد بن يحيى قال: حدثنا الأنصاري محمد بن عبد الله، قال: حدثنا أشعث بن عبد الملك، عن بكر بن عبد الله المزني، عن أبي رافع، أن مولاته أرادت أن تفرق بينه وبين امرأته حلفت فقالت: هي يوم يهودية ويوم نصرانية، وكل مال لها في سبيل الله، وعليها المشي إلى بيت الله، وكل مملوك لها حر، إن لم تفرق بينهما، قال: فأتيت ابن عمر، وابن عباس، وأبا هريرة، وعائشة، وأم سلمة - أو حفصة الشك من الأنصاري - فكلهم قال لها: تريدين أن تكوني مثل هاروت وماروت

стр. 6049

يفرقان بين المرء وزوجته، كفري عن يمينك وخلي بينهما (١). قال أبو بكر: وقال الحسن البصري في الرجل يحلف بعتق مملوكته ثم يحنث قال: يكفر عن يمينه، وبه قال أبو ثور. ٨٩١٥ - وقد روينا عن عطاء، أنه سأله رجل عن امرأة حلفت بعتق جارية لها أن لا تكلم جارات لها أربع سنين ثم أحبت كلام جاراتها فقال عطاء: تصدق بشيء وتكلمهن. ٨٩١٦ - حدثنا علي، قال: حدثنا أبو عبيد، قال: حدثنا زيد ومحمد بن جعفر، عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن عطاء، عن عائشة، أنها سئلت عن امرأة جعلت كل مال لها هدية، وكل مملوك لها عتقا، إن كلمت أخاها فقالت عائشة: تكفر يمينها وتكلم أخاها (٢) زاد محمد بن جعفر في حديثه قال: قال سلمة. وقالت طائفة: يعتق رقيقه وجب عليه العتق. كذلك قال ابن أبي ليلى، وسفيان الثوري، ومالك (٣) بن أنس، والأوزاعي، والليث بن سعد، وحدثنيه علي، عن أبي عبيد عنهم. قال أبو بكر: وبه قال الشافعي (٤)، وأحمد وإسحاق (٥)، وحكي ذلك عن ابن المبارك.

стр. 6050

قال أبو بكر: وقد روينا عن ابن عمر، وابن عباس أنهما قالا قولا يوافق هذا القول خلاف القول الأول، وليس بثابت ذلك عنهما. ٨٩١٧ - حدثنا بحديث ابن عمر علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا أبو عبيد، قال: حدثنا أبو معاوية عن جميل بن زيد، عن ابن عمر قال: من حلف على يمين فيها إصر فلا كفارة له قال: والإصر الطلاق، والعتاق، والنذر (١). ٨٩١٨ - وحدثنا بحديث ابن عباس إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن إسماعيل بن أمية، عن عثمان بن أبي حاضر، قال: جعلت امرأة من أهل ذي أصبح فقالت: مالي في سبيل الله وجاريتها حرة إن لم يفعل كذا وكذا لشيء كرهه زوجها ألا تفعله، فسئل عن ذلك ابن عمر، وابن عباس فقالا: أما الجارية فتعتق، وأما قولها مالي في سبيل الله فتصدق بزكاة مالها. قال أبو بكر: وقد تكلم بعض أهل الحديث في حديث عثمان بن أبي حاضر (٢) فقال: عثمان ليس بالمعروف ولا نعلم أحدا روى عنه غير إسماعيل بن أمية (٣)، وقال غير معمر: عن عثمان بن حاضر، ولا تثبت

стр. 6051

شهرة الرجل حتى يروي عنه (إمامين) (١)، وإذا روى عنه الرجل الواحد فهو مجهول لا تقوم بحديثه حجة، وعلى أن في حديثه [شيئا] (٢) ليس يقول به كثير أحد، وهو أنه قال: ماله في سبيل الله يتصدق بزكاة ماله، فإذا خالف هذا الحديث من دعا إليه فلا حجة له فيه (٣)، وأما جميل بن زيد فقد ذكر بشر بن الحكم أنه سمع أبا بكر بن عياش، وذكر جميل هذا فقال: كان أعرابيا روى عن ابن عمر ولم يسمع منه (٤). قال أبو بكر: وقد احتج أبو عبيد بأن الطلاق أشبه بالعتق منه بغيره من جهتين: إحداهما: أنه من حقوق الناس يكون المملوك لسيده خصما وليس كذلك سائر الأيمان، والجهة الأخرى: بأن الطلاق والعتق يقعان عند الحنث معا على تمام منهما من غير أن يحتاج الحالف إلى أن يستأنف ذكر طلاق ولا عتاق، واحتج غير أبي عبيد بأن وقوع العتق على العبد المحلوف بعتقه إذا حنث (الحالف) (٥) في يمينه نظير قول الرجل لعبده إذا خدمتني سنة فأنت حر، أو إذا حال

стр. 6052

الحول فأنت حر، فالواجب أن يقع العتق على العبد بحنث السيد كما يقع الطلاق على المرأة بحنث الزوج. قال أبو بكر: ولو شاء محتج للقول الأول بأن يجيب عن هذا الكلام ويقول: إنما يجب حمل الأشياء على النظر إذا لم للشيء أصل في الكتاب والسنة، فأما ما هو داخل في جملة الكتاب والسنة وأقاويل أصحاب رسول الله ﷺ فغير جائز حمل ذلك على النظر، لإجماعهم على أن النظر ساقط فيما دلت عليه الحجة من الكتاب والسنة، وقد ذكرنا ما دل عليه الكتاب ودلت عليه السنة في أول الباب، وهو لإجماعه من أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا نعلم عن أحد من أصحاب رسول الله خلافا لقولهم، والمدني، والشافعي، والكوفي يرون تقليد أصحاب رسول الله ﷺ ولا يرون الخروج من جملة قولهم إلا إلى قول مثلهم، ولا يعلم مثلهم خالفهم فمن كان مذهبه اتباعهم فيما لا كتاب فيه، فاتباعهم فيما يدل الكتاب والسنة على موافقه قولهم أولى، والله أعلم. مسألة: واختلفوا في الرجل يقول: علي عتق رقبة إن فعلت كذا ففعله، فقالت طائفة: عليه كفارة يمين ولا نلزمه عتقا. روينا هذا القول عن طاوس والحسن وبه قال أحمد، وإسحاق (١)، وأبو ثور، وقال قتادة: إذا قال: على مائة رقبة إن فعلت كذا فحنث أنه يعتق رقبة واحدة.

стр. 6053

ذكر اليمين بالطلاق أجمع كل من نحفظ عنه من علماء الأمصار (١) على أن من حلف بالطلاق على زوجته في أمر لا يفعله ففعله، أن الطلاق يقع على زوجته. هذا قول مالك (٢) والشافعي (٣)، وأحمد، وإسحاق (٤)، وأبي ثور، وأصحاب الرأي (٥)، وذكر أبو عبيد أن هذا قول أهل الحجاز والعراق والشام (ومصر) (٦) منهم مالك والليث بن سعد. قال أبو بكر: وكذلك نقول. ذكر التغليظ في اليمين الكاذبة يقتطع بها الحالف مال المسلم ٨٩١٩ - حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام، قال: حدثنا أبو معاوية محمد بن خازم، قال: حدثنا الأعمش، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "من حلف على يمين هو فيها فاجر ليقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله وهو غضبان". فقال الأشعث بن قيس: في والله كان

стр. 6054

بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني فقدمته إلى رسول الله ﷺ . فقال لي رسول الله ﷺ : ألك بينة؟ قلت: لا. فقال لليهودي: احلف. فقلت: يا رسول الله يحلف فيذهب بمالي! فنزلت: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا﴾ إلى قوله ﴿ولهم عذاب أليم﴾ (١) (٢). ٨٩٢٠ - حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا أحمد بن الحجاج الخراساني، قال: جرير بن عبد الحميد، عن محمد بن إسحاق، عن معبد بن كعب بن مالك، عن أخيه عبد الله بن كعب، عن أبي أمامة بن سهل قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقطع رجل مال امرئ مسلم بيمينه إلا حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار" فقال رجل: يا رسول الله، وإن كان شيئا يسيرا قال: "وإن كان سواكا من أراك" (٣). ٨٩٢١ - حدثنا علي بن المغيرة، قال: حدثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا نافع، عن أبي سفيان بن جابر بن عتيك، عن أبيه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "من اقتطع مال امرئ مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأدخله النار". قالوا: يا رسول الله، وإن شيء يسير قال: "وإن سواك من أراك" (٤) قال سعيد بن أبي مريم، وأظن نافعا رواه عن عقيل، عن ابن شهاب قال: حدثني أبو سفيان عن أبيه، عن النبي ﷺ . ٨٩٢٢ - حدثنا محمد بن إسماعيل قال: حدثنا عفان قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: أخبرنا عمر بن محمد بن يحيى القرشي، قال:

стр. 6055

حدثنا قيس بن محمد بن الأشعث، أن الأشعث وهب لابنه محمد غلاما فغضب عليه فقال: والله ما وهبته لك فرجع فيه فلما أصبح قال: إني سمعت رسول الله ﷺ [يقول] (١): "من حلف على يمين صبر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله يوم القيامة وهو عليه (مجتمع) (٢) غضبان عفا عنه أو عاقبه" (٣). الخبر الدال على أن اليمين الكاذبة من الكبائر ٨٩٢٣ - حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ قال: حدثنا يونس بن محمد قال: حدثنا ليث بن سعد، عن هشام بن سعد، عن محمد بن زيد بن المهاجر بن قنفذ التيمي، عن أبي أمامة الأنصاري، عن عبد الله بن أنيس، عن النبي ﷺ قال: " من أكبر الكبائر الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، وما حلف حالف بالله يمين صبر فأدخل

стр. 6056

فيها جناح البعوضة إلا كانت نكتة في قلبه إلى يوم القيامة" (١). ذكر التغليظ في اليمين الكاذبة بعد العصر يقتطع بها مالا ٨٩٢٤ - حدثنا أبو ميسرة الهمداني، قال: حدثنا العباس بن الوليد، قال: حدثنا عبد الواحد، قال: حدثنا سليمان الأعمش، قال: سمعت أبا صالح، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماء في الطريق يمنعه ابن السبيل ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا للدنيا فإن أعطي منها رضي، وإن لم يعط منها سخط، ورجل أقام سلعة بعد العصر فقال: والله الذي لا إله إلا هو لقد اشتريتها بكذا فصدقه رجل فاشتراها منه ثم تلا هذه الآية ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا﴾ (٢) " (٣). ذكر التغليظ في اليمين الكاذبة عند منبر رسول الله ﷺ ٨٩٢٥ - حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا مكي، قال: حدثنا هاشم بن هاشم، عن عبد الله بن نسطاس مولى كثير بن الصلت، عن

стр. 6057

جابر بن عبد الله، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "من حلف على منبري هذا ولو [على] (١) سواك أخضر تبوأ مقعده من النار" (٢). قال أبو بكر: قال الله : ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا﴾ (٣) الآية، وقد ثبت أن نبي الله ﷺ قال: "من حلف على يمين هو فيها فاجر ليقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله وهو عليه غضبان" (٤). ٨٩٢٦ - حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا حجاج، قال: حدثنا حماد قال: أخبرنا أبو التياح، عن رفيع أبي العالية، أن ابن مسعود كان يقول: كنا نعد من الذنب الذي لا كفارة له، اليمين الغموس: أن يحلف الرجل على مال أخيه كاذبا يقتطعه (٥). وقال سعيد بن المسيب: يمين الصبر من الكبائر. وقال الحسن البصري: إذا حلف على أمر كاذبا متعمدا فليس كفارة هو أعظم من ذلك. وكذلك قال حماد الكوفي، وأبو مالك، وإبراهيم النخعي، هذا قول مالك (٦) بن أنس، ومن تبعه من أهل المدينة، وبه قال الأوزاعي، ومن وافقه من أهل الشام، وكذلك قال سفيان الثوري، وأهل العراق،

стр. 6058

وبه قال أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه (١)، وأبو ثور، وأبو عبيد، وأصحاب الحديث، وأصحاب الرأي (٢) من أهل الكوفة. قال أبو بكر: وبه نقول والدلائل تكثر لمن قال هذا القول، أحدها: هذه الأخبار التي لا تحتمل إلا معنى واحدا، وهو قول النبي ﷺ : "من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان". وقوله: "حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار". وقوله: "حرم الله عليه الجنة وأدخله النار" مع سائر ألفاظ الأخبار التي ذكرناها في هذا الكتاب، وسائر الأخبار التي هي مذكورة بغير هذا الكتاب، وغير جائز أن يجيز النبي ﷺ أن من حلف بهذه اليمين التي ذكرناها يلقى الله وهو عليه غضبان، مع سائر الوعيد الذي هو مذكور في هذه الأخبار، ويكون أمره في كفارة اليمين بالإطعام، أو الكسوة، أو الرقبة فإن لم يجد فالصيام، ويكون قوله: ﴿ذلك كفرة أيمانكم إذا حلفتم﴾ (٣) كفارة لما هو مذكور في الأخبار من الوعيد هذا يستحيل، والكفارة إنما جعلت في الأيمان التي يكون الرجل فيها حانثا بعد عقد اليمين فيفعل ما حلف أن لا يفعله أو يترك ما أوجب على نفسه باليمين أنه فاعله. ومن الدليل على أن الأيمان التي تجب فيها الكفارات إنما هي الأيمان التي يحلف بها المرء على فعل يفعله فيما يستقبله فلا يفعله، أو على فعل لا يفعله فيما يستقبله فيفعله قول النبي ﷺ : "إني إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها أتيت الذي هو خير وكفرت

стр. 6059

عن يميني" (١). وقوله: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه" (٢) وفي بعض الأخبار "فليكفر عن يمينه، ويأتي الذي هو خير" وهذه الأخبار التي هي مذكورة في باب تقديم الكفارة قبل الحنث. قال إبراهيم النخعي (٣): الأيمان أربع: يمينان يكفران ويمينان لا يكفران قول [الرجل] (٤) والله ما فعلت وقد فعل، ووالله لقد فعلت وما فعل، ليس في هذا كفارة إن كان تعمد شيئا فهو كذب فليستغفر الله، وإن كان يرى أنه كما قال: فهو لغو يكفر، وقول الرجل: والله لا أفعل فيفعل، والله لأفعلن فلا يفعل فهذا فيه كفارة. قال أبو بكر: وفي هذه المسألة قول ثان إذا قال: والله لقد كان كذا وكذا ولم يكن. كفر وقد أثم وأساء حيث عمد الحلف بالله باطلا، هذا قول الشافعي (٥) وقد روينا ذلك عن الحكم، وقال الشافعي (٥): فإن قال قائل: ما الحجة في أن يكفر وقد عمد الباطل قيل: أقربها قول النبي ﷺ : "فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه" (٢) فقد أمره إن تعمد الحنث، وقول الله : ﴿ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى﴾ (٦) نزلت في رجل حلف أن لا ينفع رجلا، فأمره الله أن ينفعه وقوله ﴿وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا﴾ (٧) ثم جعل فيه الكفارة.

стр. 6060

قال أبو بكر: وقد عارض الشافعي بعض أصحابنا فقال: أما احتجاجه بقوله ﴿ولا يأتل أولوا الفضل منكم﴾ فإن سبب نزولها أن أبا بكر الصديق كان حلف أن لا ينفع مسطحا لما كان منه في أمر عائشة، فنهى الله عن الحلف بمثل (ذلك) (١) اليمين، ورغب في العفو والصفح، وهذه يمين [كانت] (٢) على فعل مستقبل، ولا اختلاف بين أهل العلم في إيجاب الكفارة على الحالف بمثل هذه اليمين إذا حنث، ولا يشبهها اليمين على فعل ماض يتعمد فيها صاحبها الكذب، لأن تلك غلظ النبي ﷺ على الحالف بها وأوعده النار، ولم يوجب عليه الكفارة، وأمر الحالف على الفعل المستقبل أن يأتي الذي هو خير ويكفر عن يمينه، فحكم النبي ﷺ في هذه اليمين بعد حكمه في تلك اليمين، فغير جائز أن يقاس إحدى هاتين اليمينين على الأخرى وفرق النبي ﷺ بينهما، واتفق عامة أهل العلم على التفريق بينهما. وأما قوله جل ذكره ﴿وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا﴾ (٣) فإن أراد أن يقيس إحداهما على الأخرى فذلك غير جائز، لأنه قال: لا يقاس أصل على أصل ولو جاز قياس أحدهما على الآخر لوجب أن يكون أحدهما فرعا ولا سبيل إليه، لأن الفرع لا يصير أصلا، ولو ذهب ذاهب فجعل أحدهما قياسا على الآخر للزم أن يكون على الحالف بهذه اليمين التي شبهت بالظهار كفارة الظهار إن كان الظهار أصلها،
следующие страницы →