← Фикх общий

Фикх общий · id 1568

الأوسط من السنن والإجماع والاختلاف - ط الفلاح

ابن المنذر

Полный текст (7 126 стр.). Показаны 6406–6445 · переход к 6411.

стр. 6406

٩١٨٣ - حدثنا إبراهيم بن عبد الله، قال: أخبرنا عبد الله بن بكر، قال: حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن خالد بن ميمون، عن أبي إسحاق، عن مدرك بن عمارة، أن مولاة له أتت عليا فقالت: إن زوجي يغشى جاريتي. فقال علي: إن أقمت أربعة شهداء رجمنا زوجك، وإلا جلدناك ثمانين. قال: فأقيمت الصلاة فقيل لها: اذهبي (١). وبه قال عطاء بن أبي رباح، وقتادة، ومالك (٢)، والشافعي (٣)، وحكي ذلك عن ربيعة، وأحمد، وإسحاق (٤). وفيه قول ثان: وهو أن يجلد ولا يرجم. هذا قول الزهري، وبه قال الأوزاعي. وقد روينا عن ابن مسعود قولا ثالثا: قال: إن كان استكرهها عتقت وغرم لها مثلها، وإن كانت طاوعته أمسكها وغرم لها مثلها (٥). ٩١٨٤ - حدثناه إسحاق، عن عبد الرزاق، عن الثوري، عن سليمان الشيباني، عن عامر الشعبي، عن عامر بن مطر، عن ابن مسعود (٦).

стр. 6407

وقد روي في هذا الباب حديث مسند يوافق هذا المذهب، في إسناده [مقال] (١): ٩١٨٥ - حدثنا محمد بن مهل، وإسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق (٢)، عن معمر، عن قتادة، عن الحسن، عن قبيصة بن حريث، عن سلمة بن المحبق، قال: قضى رسول الله ﷺ في رجل وطئ جارية امرأته: إذا كان استكرهها فهي حرة، وعليه لسيدتها مثلها، وإن كانت طاوعته فهي له وعليه لسيدتها مثلها (٣).

стр. 6408

وكان الحسن البصري يأبى إلا حديث سلمة (يأبى غيره إلا شعيب عنه) (١). قال الأشعث (٢): بلغني أن هذا كان قبل الحدود. وفيه قول رابع: قاله إبراهيم النخعي قال في الرجل يصيب جارية امرأته يعزر ولا حد عليه. وقال أصحاب الرأي (٣) فيمن أقر أنه زنى بجارية امرأته وأقر بذلك: نحده. وإن قال: ظننت أنها تحل لي لم نحده. وحكي عن الثوري أنه قال: إن كان يعرف بالجهالة فقال: ظننت أنها تحل لي عزر ولم يحد، وإن علم أنها حرام أقيم عليه الحد. قال أبو بكر: إذا كان الرجل عالما بنهي الله عن الزنا، وبأن جارية زوجته حرام عليه، فوطئ جارية زوجته فعليه الحد، لظاهر قول الله - جل ثناؤه - ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ (٤) ولظاهر قول رسول الله ﷺ : "البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، وإن كان ثيبا فعليه الرجم" (٥). وقد حرم الله الفروج في كتابه فقال: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون* إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون *﴾ (٦).

стр. 6409

وأجمع أهل العلم (١) أن فرج جارية زوجة الرجل حرام عليه، فإن احتج محتج بحديث سلمة بن المحبق، فخبر سلمة لا يثبت، لأن الذي رواه قبيصة بن حريث، وقبيصة غير معروف عندهم، ولا يثبت حديث النعمان بن بشير، وقد ذكرت علته في غير هذا الموضع (٢). ذكر وطء الرجل جارية أبيه أو أمة قال أبو بكر: حرم الله الزنا في كتابه وعلى لسان نبيه، والزنا: أن يطأ المرء فرج من ليست له بزوجة ولا ملك يمين، وإذا أقر الرجل أنه زنى بجارية أبيه، أو أمة وهو عالم بأن ذلك محرم عليه فعليه الحد على ظاهر قوله ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل وحد منهما مائة جلدة﴾ (٣) وهذا قول جماعة منهم: الحكم، وحماد، وابن أبي ليلى، والشافعي (٤)،

стр. 6410

وأبو ثور، وكذلك قال أصحاب الرأي (١) إلا أن يقول: ظننت أنها تحل لي فإنه لا حد عليه. ذكر وطء الرجل جارية ابنه وابنته قال أبو بكر: أكثر من نحفظ عنه من أهل العلم يقولون (٢): إذا وطئ الرجل جارية ابنه أو ابنته يدرأ عنه الحد. كذلك قال مالك بن أنس (٣)، والماجشون، ومن تبعهما من أهل المدينة، وبه قال أصحاب الرأي (٤)، وهو يشبه مذاهب الشافعي (٥)، وحكي ذلك عن الأوزاعي، وعبيد الله بن الحسن، واحتج عبد الملك بالحديث الذي فيه "أنت ومالك لأبيك" وكان أبو ثور يقول: عليه الحد، إلا أن يقول: إني ظننت أنها تحل لي، وهو ممن يعذر بالجهالة، فإذا كان كذلك لم يحد وعليه المهر. قال أبو بكر: أما الحديث الذي اعتل به عبد الملك فليس بثابت، لأنه منقطع. وفي إجماع أهل العلم على أن الله ورث الأبوين من الولد السدسين، وورث الزوجة الربع أو الثمن، وفرض للولد الذكر مثل حظ الأنثيين دليل على أن (تملك) (٦) المرء ثابت على ماله، وعلى أن

стр. 6411

لا ملك لأبيه في ماله، إذ لو كان ماله لأبيه في حياته، ما جاز أن يزول ملك لأبيه عما بيد ابنه بموت ابنه، وأما جواب المسألة فالنظر يدل على ما قاله أبو ثور، إلا أن يكون إجماع يمنع منه (١). ذكر وطء الرجل جارية عمته أو خالته أو أخته قال أبو بكر: حرم الله الزنا في كتابه، فالواطئ جارية عمته أو خالته أو أخته أو جارية ذي محرم منه زان عليه الحد. وهذا قول مالك بن أنس (٢)، والشافعي (٣)، وأبي ثور وأصحاب الرأي (٤)، وقد كان اللازم لأصحاب الرأي أن يقولوا: لا حد على من وطئ جارية ذي رحم محرم منه، (لأنهم زعموا أن لا قطع على من سرق من ذي رحم محرم منه) (٥)، وقد أوجب الله في كتابه جلد الزاني وقطع السارق، والمفرق

стр. 6412

بينهما قائل بأنه تارك للقول بأخرى، لأن الله أوجب قطع السارق وليس معه حجة في إسقاط القطع عنه إذا سرق من ذي رحم محرم منه. ذكر الجارية تكون بين الشريكين يطأها أحدهما اختلف أهل العلم في الجارية بين الشريكين يطأها أحدهما، فقالت طائفة: لا حد عليه، وتقوم عليه. روي هذا القول عن ابن عمر، وبه قال الحسن البصري. ٩١٨٦ - حدثنا علي بن الحسن، حدثنا عبد الله بن الوليد [العدني] (١)، عن سفيان، حدثني إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي السرية، أن ابن عمر سئل عن جارية بين رجلين وقع عليها أحدهما فقال: هو خائن، ليس عليه حد تقوم عليه قيمة (٢). ٩١٨٧ - حدثونا عن بندار، قال: حدثنا يحيى، قال: حدثنا إسماعيل، قال: حدثني عمير بن نمير الهمداني (٣)، عن ابن عمر في جارية بين رجلين وقع عليها أحدهما قال: هو خائن، لا حد عليه، وتقوم الجارية عليه قيمة عدل فيأخذها.

стр. 6413

وقال مالك بن أنس (١): لا يقام عليه الحد ويلحق به الولد، وتقوم عليه الجارية حين حملت، فيعطى شريكه حصته من الثمن، وتكون له الجارية. وقال مالك (٢): وإذا حملت ولا مال له بيعت، وكان له الولد بقيمته، وأخذ منه شريكه من قيمة ابنه بقدر الذي فيه. وقال ابن عبد الحكم: ومن وطئ جارية له فيها شرك، فلا حد عليه، وتقوم عليه فيعطى شريكه حصته من الثمن حملت أو لم تحمل. قال أبو بكر: وهذا على ظاهر حديث ابن عمر، لأنه لم يذكر حملت أو لم تحمل. وقال أصحاب الرأي (٣): إذ قال: وطئتها وأنا أعلم أنها علي حرام لا حد عليه، لأن له فيها نصيب، ألا ترى أنها لو ولدت فادعى ولدها ثبت نسبه وجعلت عليه حصة شريكه من العقر والقيمة، وإن لم تلد فعليه حصة شريكه من العقر. وفيه قول ثان: وهو أن يجلد مائة إلا سوطا وتقوم عليه، روي هذا القول عن سعيد بن المسيب، وقد روي عنه أنه قال: يجلد مائة. وفيه قول ثالث: وهو أن يجلد مائة وتقوم عليه هي وولدها. هكذا قال الزهري، معمر عنه، قال معمر: فسألت ابن شبرمة، فقال: تقوم عليه ولا يقوم ولدها (٤). وقد روينا عن عبد الملك بن مروان أنه قال في جارية كانت بين

стр. 6414

شريكين وطئاها جميعا قال: يجلد كل واحد منهما شطر العذاب (١). وقد روي عن ابن بحدل قاضي من أهل الشام، أنه قال في جارية بين شركاء لأحدهم ربعها، فوطئ صاحب الربع فقال: اجلده ثلاثة أرباع الحد، ولم يأمر برجمه من أجل الذي له فيها (٢). وفيه قول [رابع] (٣): وهو أن عليه الحد إذا كان بالتحريم عالما، لأن الله حرم الزنا، وقد وطئ هذا ما لا يحل له وما هو عليه حرام من جميع الجهات. هذا قول أبي ثور. وقد حكى بعض الناس عن النعمان أنه قال: إذا كانت جارية بين رجلين فوطئها أحدهما مع معرفته بأن وطأها حرام عليه: أنه ليس بزان، ولا حد عليه، وإن قذفه قاذف فلا حد عليه. قال هذا القائل: فليس يخلو الواطئ جارية بينه وبين آخر من أن يكون زانيا أو غير زان، فإن كان زانيا فعليه الحد، وإن لم يكن زانيا فعلى قاذفه الحد. ذكر حد [الذي] (٤) يعمل عمل قوم لوط قال الله - جل ذكره -: ﴿ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين * إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون﴾ (٥).

стр. 6415

وقال - جل ذكره -: ﴿ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين * أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر﴾ (١). وقال - جل ذكره -: ﴿أتأتون الذكران من العالمين * وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون﴾ (٢). وقد جاء الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من عمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به" (٣). وقد نهى الله - جل ذكره - عن إتيان الفاحشة فقال تعالى ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن﴾ (٤) وخبرنا بما [يجب] (٥) على الزانية والزاني، وذكر ما عاقب به من أتى عظيم ما نهى الله عنه فقال - جل ثناؤه - ﴿فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود * مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد﴾ (٦). ٩١٨٨ - وروينا عن حذيفة بن اليمان أنه قال: استأذن جبريل ﵇ فاحتمل الأرض التي كانوا عليها فألوى بها حتى سمع أهل السماء الدنيا صغاء كلابهم ثم أوقد تحتهم نارا ثم قلبها عليهم (٧). حدثناه

стр. 6416

عبد الله بن أحمد، حدثنا المقرئ، حدثنا سليمان، عن حيمد بن هلال، عن جندب بن حذيفة قال: استأذن جبريل … وروينا عن قتادة وعكرمة أنهما قالا: لم يبر منها ظالما بعدهم فقد حذر الله - جل ثناؤه - من بعدهم إن فعلوا كفعلهم أن ينزل بهم ما نزل بهم ". وجاء الحديث عن رسول الله ﷺ : "أنه لعن من فعل كفعلهم". ٩١٨٩ - حدثنا أبو عمرو أحمد بن المبارك، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، حدثنا أبو عامر العقدي، قال: حدثنا زهير، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ قال: "لعن الله من عمل عمل قوم لوط، لعن الله من عمل عمل قوم لوط، لعن الله من عمل عمل قوم لوط، من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به" (١). واختلف أهل العلم بعد إجماعهم على تحريم ذلك فيما يجب على من عمل عمل قوم لوط: فقالت طائفة: عليه القتل محصنا كان أو غير محصن. ٩١٩٠ - روينا عن أبي بكر الصديق أنه قال في رجل وجد في بعض ضواحي العرب ينكح كما تنكح المرأة، وقامت عليه بذلك البينة، فكان أشدهم فيه قولا يومئذ علي بن أبي طالب فقال: إن هذا ذنب لم يقض الله به أمة من الأمم إلا أمة واحدة، فصنع بها ما قد علمتم، أرى أن نحرقه بالنار، فاجتمع أصحاب رسول الله ﷺ أن يحرقوه بالنار، فكتب أبو بكر إلى خالد: أن حرقه بالنار، ثم حرقهم ابن الزبير في إمارته،

стр. 6417

ثم حرقهم هشام بن عبد الملك، ثم حرقهم القسري بالعراق. حدثناه أبو عمرو أحمد بن المبارك، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا عبد العزيز بن أبي حازم المدني، عن داود بن بكر، عن محمد بن المنكدر ويزيد بن خصيفة وصفوان بن سليم، أن خالد بن الوليد كتب إلى أبي بكر أنه وجد في بعض ضواحي العرب رجلا ينكح (١). وروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس أنهما قالا: يرجم وقال ابن عباس في البكر يوجد على اللوطية: يرجم. ٩١٩١ - حدثنا محمد بن علي، حدثنا سعيد، حدثنا هشيم، عن ابن أبي ليلى، عن القاسم بن الوليد الهمداني، عن رجل من قومه: أنه شهد عليا رجم لوطيا (٢). ٩١٩٢ - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق (٣)، عن ابن جريج، وحدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ، حدثنا روح، حدثنا ابن جريج، أخبرني عبد الله بن عثمان بن خثيم، أنه سمع سعيد بن جبير، ومجاهد يقولان عن ابن عباس في البكر يوجد على اللوطية قال: يرجم (٤). ٩١٩٣ - حدثنا موسى بن هارون، حدثنا نصر بن علي، حدثنا غسان بن

стр. 6418

مضر، عن سعيد بن يزيد، عن أبي نضرة قال: سئل ابن عباس ما حد اللوطي؟ قال: ينظر أعلى بنيان في القرية فيرمى به منكسا ثم يتبع الحجارة (١). قال جابر بن زيد: عليه الرجم. وبه قال ربيعة الرأي. وقال الشعبي، ومالك بن أنس (٢)، وإسحاق بن راهويه (٣): يرجم أحصن أو لم يحصن. وقالت طائفة: حده حد الزاني، يرجم إن كان محصنا، ويجلد إن كان بكرا. كذلك قال عطاء، والنخعي، والحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وقتادة. واختلف فيه عن الزهري: فروى مالك عنه (٤) أنه قال كقول الشعبي، وروى معمر عنه أنه قال كقول عطاء، قال: ويغلظ عليه في الحبس والنفي. قال أبو بكر: وقول الشافعي (٥) كقول عطاء، لأنه قال (٦): ولا يقبل على الزنا واللواط إلا أربعة يقولون: رأينا ذلك [منه يدخل] (٧) في ذلك [منها] (٨) دخول المرود في المكحلة.

стр. 6419

وحكى أبو ثور عنه أنه قال (١): إذا أتى الرجل المرأة في دبرها، قال: حده حد الزاني. قال: وهذا قول أبي يوسف ومحمد (٢). وقال أبو ثور: حكمه حكم الزاني. وحكي هذا القول عن عثمان البتي والأوزاعي. وقالت طائفة: يعزر. روي هذا القول عن الحكم قال: يضرب دون الحد عقوبة. وحكي عن النعمان أنه قال (٣): إذا فعل فعل قوم لوط يعزر ويستودع السجن حتى يموت. وفي قول أبي يوسف (٤): من قذف به فحده حد القاذف. وقال أبو حنيفة في القذف به: يعزر. قال أبو بكر: وقد احتج بعض من أوجب على اللوطي الرجم أحصن أو لم يحصن، بأن اللواط أعظم من الزنا، لأن المرأة التي يزني بها الزاني قد تحل له بنكاح، وهذا لا يحل له بوجه من الوجوه، فلما كان العامل عمل عمل قوم لوط أعظم جرما وجب رجمه أحصن أو لم يحصن، واحتج بعضهم بظاهر حديث ابن عباس، وقد ذكرته بإسناده، قال: والدليل على صحة الحديث أن ابن عباس أفتى به، واحتج بعض من رأى أن حكمه حكم الزنا بأن من عمل عمل قوم لوط أنه أتى فرجا محرما، والزاني أتى فرجا محرما، فالواجب أن يفعل بالذي عمل عمل قوم لوط ما يفعل بالزاني، إذ كل واحد منهما أتى فرجا محرما.

стр. 6420

واحتج بعض من يحوط (١) قول من أوجب التعزير فقال: قد حكم الله في الزانية والزاني حكما، ولا يقع اسم الزنا على من عمل عمل قوم لوط، وقد اختلفوا فيما يجب عليه إذا فعل ذلك، فالذي يجب أن يوجب على فاعله أقل ما قيل أنه يلزمه وهو التعزير، ويوقف على ما زاد على أقل ما قيل فيه. وقال بعضهم: ذنب هذا أعظم من أن يكون فيه كفارة يوقف عليها. والذي يجب على فاعله التوبة إلى الله والإنابة لأن ما أتى أعظم من أن يكون له كفارة. ذكر ما يجب على من أتى بهيمة واختلفوا فيما يجب على من أتى بهيمة. فقالت طائفة: يقتل الفاعل، وتقتل البهيمة. روي هذا القول عن أبي سلمة بن عبد الرحمن (٢)، ولعل من حجة من يقول هذا القول حديث أبي هريرة، وابن عباس. ٩١٩٤ - حدثنا موسى بن هارون، حدثنا القاسم بن الفضل، حدثنا خالد بن أبي يزيد، حدثنا علي بن مسهر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "من وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه" (٣).

стр. 6421

٩١٩٥ - حدثنا إبراهيم بن عبد الله قال: أخبرنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ "اقتلوا واقع البهيمة، واقتلوا البهيمة" (١). وقال إسحاق بن راهويه (٢): عليه القتل إذا تعمد ذلك وهو يعلم ما جاء فيه عن رسول الله، فإن درأ عنه إمام القتل لا ينبغي أن يدرأ عنه جلد مائة تشبيها بالزنا. وقال في موضع آخر: يؤدب أدبا شديدا (٣).

стр. 6422

وقالت طائفة: عليه الحد يرجم إن كان ثيبا، وإن كان بكرا جلد. هذا قول الحسن البصري (١). وقال قتادة: يقام عليه الحد (٢). وفيه قول ثالث: وهو أن يجلد مائة، أحصن أو لم يحصن. هكذا قال الزهري (٣). [وفيه] (٤) قول رابع: وهو أن لا حد عليه. روي هذا القول عن ابن عباس. ٩١٩٦ - حدثنا محمد بن عبد الوهاب، قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا سفيان وإسرائيل، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي رزين، عن ابن عباس، قال: ليس عليه حد (٥). وروي ذلك عن الشعبي (٦).

стр. 6423

وقال ابن منبه: في التوراة: من أصاب بهيمة فهو ملعون عند الله (١). وفيه قول خامس: وهو أن عليه التعزير. روي هذا القول عن عطاء، والنخعي. وقال الحكم (٢): يعزر دون الحد. وبه قال مالك (٣)، وسفيان الثوري، وأحمد (٤)، وأصحاب الرأي (٥)، واشتبه علي مذهب الشافعي في الباب، لأني وجدت القول عنه مختلف قال في كتاب: والشهادة على اللواط وإتيان البهائم أربعة لا يقبل فيه أقل منهم لأن كلا جماع (٦)، فشبه في هذا الموضع إتيان البهائم باللواط، وقال في موضع من كتاب الشهادات: ويكون فيما يسأل الإمام الشهود أزنى بامرأة، لأنهم قد يعدون الزنا وقع على بهيمة، ولعلهم أن يعدوا الاستمناء زنا، فلا نحده أبدا حتى يثبتوا الشهادة ويبينوا فيما يجب في مثله حد الزنا (٧). فعلى ما أومئ إليه في هذا الموضع لا يجب عليه الحد. وقد حكى هذا بعض البصريين عنه، والله أعلم (٨). وفيه قول سادس: قاله جابر بن زيد. ٩١٩٧ - ذكر عبد الأعلى، عن سعيد، عن بديل، عن جابر بن زيد أنه

стр. 6424

قال: [إذا] (١) أتى الرجل بهيمة أقيم عليه الحد، إلا بهيمة هي له (٢). قال أبو بكر: إن ثبت خبر ابن عباس عن النبي ﷺ في هذا الباب وجب القول به، وإن لم يثبت فالواجب على ما من بلي بذلك أن يكثر من الاستغفار، ولو عزره الحاكم كان حسنا، والله أعلم، وقد جعل بعض الناس قول ابن عباس: لا حد عليه بحديث عمرو بن أبي عمرو، وقال: لو كان عند ابن عباس في هذا الباب عن النبي ﷺ حديث لم يخالفه (٣)، والله أعلم. وقال يحيى بن معين (٤): عمرو بن أبي عمرو ليس به بأس، وليس بالقوي.

стр. 6425

وحديث أبي هريرة إنما رواه شيخ مجهول (١)، وعلي بن مسهر ذكر أحمد بن حنبل أن كتبه كانت ذهبت، فكتب بعد (٢). قال أحمد في حديثه، فإن كان روى هذا غير علي، وإلا فليس بشيء (٣). وروي عن مسروق أنه قال في الذي يأتي البهيمة قال: إذا فعل ذلك بها ذبحت (٤). وقال الثوري: يشرب من لبنها، ويؤكل من لحمها. وحكي عن عبيد الله بن الحسن أنه قال: لا بأس بأكلها، ويطرح المكان الذي فعل

стр. 6426

بها فيه. وحكي عن بعض أصحاب الرأي أنه قال (١): تذبح وتحرق، ولا تحرق بغير ذبح لا مثلة. ذكر الرجل يزني بذات محرم منه ٩١٩٨ - أخبرنا أبو منصور محمد بن زريق البلدي (٢)، قال: أخبرنا محمد بن إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ، قال: حدثنا سلمة بن شبيب (٣)، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عدي بن ثابت، عن عبد الله بن يزيد، عن البراء قال: لقيت عمي ومعه راية، فقلت: أين تريد؟ فقال: يعثني رسول الله إلى رجل نكح امرأة أبيه أن أضرب عنقه وآخذ ماله (٤).

стр. 6427

٩١٩٩ - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق (١)، عن معمر، عن الأشعث، عن عدي بن ثابت، عن يزيد بن البراء، عن أبيه قال: لقيت عمي ومعه راية، فقلت: أين تريد؟ فقال: بعثني النبي ﷺ إلى رجل تزوج امرأة أبيه فأمرني أن أقتله (٢). وقد اختلف أهل العلم فيما يجب على من زنى بذات محرم منه: فروي عن جابر بن زيد أنه قال: ضربة عنق، وقيل لأحمد بن حنبل (٣): سئل سفيان الثوري عن رجل تزوج أمه أو أخته أو ذات محرم له منه أترى عليه حدا؟ قال: ما أرى عليه حدا إذا كان تزويج وشهود، [ويعزر] (٤). قال أحمد في كل ذات محرم: يقتل ويؤخذ ماله على على حديث عدي بن ثابت إلا أن يكون يرى أن ذلك مباح له يدرأ عنه القتل ويجلد. قلت: فالمرأة التي تزوج بها إذا كانت من ذوات محرم؟ قال: كلاهما في معنى واحد، أي تقتل أيضا. قال إسحاق (٣): هو كما قال، إلا أخذ المال، فإن ذلك فيمن عرس بامرأة أبيه. وفيه قول ثان: أن عليه الحد. هكذا قال الحسن البصري، وبه قال

стр. 6428

مالك (١)، والشافعي (٢)، وأبو ثور. وفيه قول ثالث: قاله الثوري قال فيمن تزوج أمه أو أخته أو ذات محرم له قال: ما أرى عليه حدا إذا كان تزويج وشهود. ويعزر. وقال النعمان فيمن تزوج ذات محرم منه فدخل بها ووطئها وهو عالم أنها عليه حرام قال (٣): يعزره الإمام، ولا يبلغ به أربعين سوطا. وقال أبو يوسف ومحمد: أما نحن فنرى عليه الحد إذا فعل ذلك بذات محرم منه منعها (٤). وحكى آخر عن النعمان في رجل قال لأمه: إن الله قد حرم الزنا وأعلم أنك لا تحلين لي، ثم تزوجها فأولدها، أن الولد لاحق به، ولا حد عليه، ويفرق بينهما ويعاقبان. قال أبو بكر: حرم الله الأمهات والأخوات وسائر من ذكر معهما في كتابه، فالواطئ أمه زان، عليه ما على الزاني، والأم لا تحل بنكاح ولا بغير نكاح، وفرجها محظور على الابن بعد النكاح كهو قبل النكاح، لا يزيل عقدة النكاح عليها شيئا من التحريم، ولا تحل له في حال من الأحوال بنكاح ولا غيره، والذي يوجب حد الزنا أن يطأ الرجل فرجا محرما عليه في حال الوطء، وإن كانت تحل بنكاح في حال من الأحوال فالواطئ أمه وهي لا تحل له في حال من الأحوال وفرجها محرم عليه على الجهات كلها أولى بإلزام الحد، ولو قال

стр. 6429

قائل: يقتل من أتى ذات محرم منه لا يحل له نكاحها على الأبد، كان قولا غير مدفوع استدلالا بحديث البراء، لأن نكاح امرأة الأب حرام على الابن على الأبد يعقد الأب عليها النكاح، وذوات المحارم محرمات على الأبد على أن ذوات المحارم أعظم حرمة، لأن أم الرجل وابنته وأخته لم يكن قط في حال من الأحوال مباح النكاح وامرأة الأب إذا كان الأب نكحها بعد ولاد الابن، قد كان مباح للابن عقد النكاح عليها قبل يعقد عليها الأب النكاح فهي أعظم حرمة من امرأة الأب. وقد دفع بعض الناس حديث البراء وقال: إنما ذلك قبل نزول الحدود، واستدل في ذلك بإيجاب الله - جل ذكره - على الزانية والزاني ما أوجبه في سورة النور، وأمر النبي ﷺ برجم الثيب الزاني أمرا عاما، قال: والسنة غير جائز أن تنسخ الكتاب، فلا معنى لإيجاب القتل على البكر الزاني إذ الكتاب يدل على أن الذي يجب على البكر الزاني مائة جلدة. ذكر نكاح الرجل خامسة بعد رابعة عنده واختلفوا في الرجل يكون عنده أربع نسوة فيتزوج خامسة. فقالت طائفة: يرجم إذا كان عالما، وإن كان جاهلا جلد أدنى الحدين ولها مهر مثلها بما استحل منها، ثم يفرق بينهما ولا يجتمعان أبدا. هذا قول الزهري، وذكر الزهري مثل هذه القصة في علمها أو جهالتها إن كانت أحصنت رجمت، وجلدت مائة [إن لم تحصن] (١) وإن لم تكن

стр. 6430

أحصنت ولم تعلم أن تحته أربع نسوة فلا عقوبة عليها، وإن ولدت فليس لها ولا لولدها منه ميراث (١). قال أبو بكر: وقال الزهري فيمن تزوج مجوسية أو تزوج خمسة في عقدة، أو تزوج المتعة، أو تزوج امرأة بغير شهود، أو تزوج أمة بغير إذن مولاها فدخل بهن، أو تزوج عبد بغير إذن مولاه فأقر بذلك وهو يعلم أنه حرام لا يحل له، فإنه يحد في ذلك كله إلا التزويج بعير شهود إذا زوجها ولي، والمجوسية فإنه قد قيل إنهم أهل الكتاب. قال أبو بكر: النظر يدل على ما قال. وفيه قول ثان: وهو أن لا حد عليه في شيء مما ذكر أبو ثور، لأن هذا نكاح والحد يدرأ بالشبهة. هذا قول أبي حنيفة (٢). وقال أبو يوسف ومحمد (٢): يحد في ذات المحرم، ولا يحد في غير ذلك من النكاح. وقال سفيان الثوري (٣) في الذي ينكح الخامسة: يعزر ولا حد، وقال في المرأة تغر رجلا ولها زوج قال: تعزر ولا تحد. وفيه قول ثالث: قاله النخعي (٤) في الذي ينكح الخامسة [متعمدا] (٥) قبل أن تنقضي عدة الرابعة من نسائه قال: يجلد مائة ولا ينفى. وقال عطاء في امرأة ذات زوج انطلقت إلى قرية فنكحت فجومعت، قال: إن اعتلت فقالت: إنه طلقها أو مات لم ترجم، وإن لم تعتل رجمت.

стр. 6431

قال ابن جريج: قلت - يعني لعطاء - الصداق الذي أصدقها الآخر؟ قال: هو لزوجها دون وارثها. قال ابن جريج: وقال عمرو بن دينار: هو لورثتها كلهم (١). قال أبو بكر: ثابت عن نبي الله ﷺ أنه نهى عن مهر البغي. والزانية لا مهر لها، لنهي النبي ﷺ عنه. وقال الزهري (٢): إذا تزوجت، ولها زوج فإنها تجلد مائة، وترد إلى زوجها الأول ولها مهرها من زوجها الآخر. ذكر درء الحد عن الجاهل الذي لا علم له: ثابت عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان أنهما قالا: ما الحد إلا على من علمه. قال أبو بكر: وهذا قول عوام أهل العلم (٣)، وثبت عن عبد الله بن مسعود أنه قال: ادرءوا القتل عن عباد الله ما استطعتم. وقال: ادرءوا الجلد عن عباد الله. ٩٢٠٠ - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق (٤)، عن ابن جريج قال: أخبرني هشام بن عروة، عن أبيه: أن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب حدثه قال: توفي عبد الرحمن بن حاطب، وأعتق من صلى من رقيقه

стр. 6432

وصام، وكانت له نوبية قد صلت وصامت وهي عجمية لم تفقه، فلم يرعه إلا حبلها وكانت ثيبا فذهب إلى عمر فزعا فحدثه، فقال عمر: لأنت الرجل لا يأتي بخير فأزعه ذلك، فأرسل إليها عمر فسألها قال: حبلت؟ قالت: نعم، من مرغوش بدرهمين، وإذا هي تستهل بذلك لا تكتمه، فصادف عنده عليا، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف فقال: أشيروا علي وكان عثمان جالسا فاضطجع فقال علي وعبد الرحمن بن عوف: قد وقع عليها الحد. فقال: أشر علي يا عثمان قال: قد أشار عليك أخواك. قال: أشر علي أنت. قال عثمان: أراها تستهل به كأنها لا تعلمه، وليس الحد إلا على من علمه، فأمر بها فجلدت مائة وغربها. قال: صدقت والذي نفسي بيده ما الحد إلا على من علمه (١). ٩٢٠١ - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق (٢) عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن المسيب، قال: (ذكر) (٣) الزنا بالشام. فقال رجل: زنيت. قيل: ما تقول؟ قال: وحرمه الله؟! ما علمت أن الله حرمه. فكتب فيه إلى عمر بن الخطاب، فكتب: إن كان علم أن الله حرمه فحدوه، وإن كان لم يعلم فعلموه، فإن عاد فحدوه. ٩٢٠٢ - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق (٤)، عن الثوري، عن المغيرة، عن الهيثم بن بدر، عن حرقوص، قال: أتت امرأة إلى علي فقالت:

стр. 6433

إن زوجي زنى بجاريتي فقال: صدقت، هي ومالها لي حل. قال: اذهب ولا تعد. كأنه درأ عنه بالجهالة. ٩٢٠٣ - حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود، قال: ادرءوا القتل عن عباد الله ما استطعتم (١). ٩٢٠٤ - حدثنا يحيى بن محمد، حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى، عن شعبة، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي وائل، قال: قال عبد الله ادرءوا القتل والجلد عن عباد الله (٢). ٩٢٠٥ - حدثني أبو توبة، قال: حدثنا إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا أحمد، عن هشيم، عن أبي بشر عن شبيب أبي روح الشامي قال: كان رجل يواعد أمة له في موضع يأتيها فيه، فعلمت بذلك امرأة فجلست له بذلك المكان، فجاء فأصاب منها وهو لا يعلم أنها ليست بجاريته، فلما فرغ إذا هي ليست بجاريته، فأتى عمر فذكر ذلك له، فأرسل إلى علي فقال له علي: اضرب الرجل حدا في السر، واضرب المرأة حدا في العلانية (٣). قال أحمد بن حنبل: لا أعلم على الرجل حدا، هذا شبهة، يدرأ عنه الحد.

стр. 6434

قال إسحاق: كذا قال أحمد، بل أرجو أن يكون له فيما لم يعلم الأجر إذا كان من أهل الصلاح. وروينا عن عمر بن عبد العزيز أنه قال:: ادرؤا الحدود ما استطعتم في كل شبهة، فإن الوالي إن أخطأ في العفو خير من أن يتعدى في العقوبة (١). قال أبو بكر: كل من حفظت عنه من أهل العلم (٢) يدرأ الحد بالشبهة. وقد اختلف في معنى الشبهة التي يدرأ الحد من أجلها، فقال بعضهم: الشبهة التي يدرأ من أجلها الحد، أن يفعل الرجل الفعل لا يعلمه محرما عليه، كالواطئ فرجا يحسبه حلال له ولا يعلم تحريمه، وكالشارب للمسكر متأولا يحسبه حلالا له، وكالناكح متعة متأولا يحسب أن ذلك جائزا، فكل ما كان في مثل هذا [فالحد] (٣) ساقط عن فاعله إذا فعل ما لا يعلمه محرما عليه. قال أبو بكر: وهذا مذهب، فأما من أسقط الحد عمن نكح أمه وهو عالم بأنها أمه، فهذا بعيد من أبواب الشبهة داخل في أبواب الزنا الذي حرمه الله.

стр. 6435

ذكر إسقاط الحد عن المستكره قال الله - جل ذكره - ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ (١). ٩٢٠٦ - حدثنا الربيع قال: حدثنا بشر بن بكر، حدثنا الأوزاعي، عن عطاء بن أبي رباح، عن عبيد بن عمير، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله - جل ثناؤه - تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (٢). وقد درأ عمر بن الخطاب الحد عن امرأة أتيت وهي نائمة. واغتصب رجل جارية من جواري الخمس، فجلده عمر بن الخطاب، ولم يجلدها. ٩٢٠٧ - حدثنا محمد بن عبد الوهاب قال: أخبرنا الحسين بن الوليد، عن شعبة، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن أبي موسى الأشعري قال: أتي عمر بامرأة يمانية شابة فقالوا: زنت فقال: شابة يمانية نؤوم قال: فقالت: يا أمير المؤمنين، كنت نائمة فلم أشعر إلا برجل قد ركبني وانجثم (٣) علي، قال: فخلى سبيلها (٤).

стр. 6436

٩٢٠٨ - حدثنا محمد بن عبد الوهاب، قال: حدثنا الحسين بن الوليد، عن شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النزال بن سبرة، قال: كنا مع عمر بن الخطاب بمنى، فأتي بامرأة ضخمة على حمار، فقالوا: زنت، وجاء قومها يثنون عليها خيرا وجعلت تبكي، فقال عمر: إن المرأة ربما استكرهت، قال: قالت: يا أمير المؤمنين، إني كنت امرأة يرزقني الله من الليل ما شاء أن يرزقني، وإني قمت ذات ليلة حتى إذا نعست أتيت فراشي فنمت فلم أشعر إلا برجل قد ركبني. فقال عمر: لو قتلت هذه المرأة خشيت أن يعذب ما بين الأخشبين. قال: ثم خلى عنها وكتب إلى أمراء الأمصار ألا تقتلوا نفسا دوني (١). ٩٢٠٩ - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق (٢)، عن الثوري، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال: بلغ عمر أن امرأة متعبدة حملت، فقال عمر: أراها قامت من الليل تصلي فخشعت، فسجدت فأتاها غاو من الغواة فتجشمها، فأتته فحدثته بذلك سواء فخلى سبيلها. ٩٢١٠ - حدثنا موسى، قال: حدثنا محمد بن الصباح، قال: أخبرنا الدراوردي، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، أن رجلا اغتصب جارية من جواري الخمس، فجلده عمر بن الخطاب ولم يجلدها (٣).

стр. 6437

وممن رأى أن لا حد على المستكرهة: الزهري، وقتادة، وبه قال سفليان الثوري، والشافعي (١)، وأحمد (٢)، وإسحاق، وحكي عن النعمان (٣) ذلك. وكان مالك يقول (٤): إذا وجدت المرأة حاملا ولا زوج لها فقالت: تزوجت، أو استكرهت فلا يقبل ذلك منها ويقام عليها الحد، إلا أن يكون لها على ما ادعت من الاستكراه أو النكاح بينة أو جاءت تدمى إن كانت بكرا، أو تكون استغاثت حين أتيت على ذلك أو ما أشبه ذلك الأمر البين الذي تبلغ فيه فضيحة نفسها، فإذا لم تأت فيه بشيء من هذا أو نحوه أقيم عليها الحد، ولم يقبل منها ما ادعت من ذلك، ومن حجته حديث عمر. ٩٢١١ - أخبرنا الربيع، قال: أخبرنا الشافعي (٥)، قال: أخبرنا مالك (٦)، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا [أحصن] (٧) من الرجال والنساء إذا قامت البينة، أو كان الحمل، أو الاعتراف (٨).

стр. 6438

قال أبو بكر: فهذه حجة مالك. ومن حجة من قال: لا تحد بالحمل إلا أن يكون معه اعتراف أو يشهد عليها الشهود: أن الفرائض لا تجب إلا بكتاب، أو سنة، أو إجماع، ولما احتمل الحمل أن تكون المرأة أتيت نائمة، أو مغتصبة - كما ذكرنا في باب إسقاط الحد عن المستكرهة، عن عمر بن الخطاب وغيره - لم يجز أن يقام [على] (١) امرأة حدا بشك، وإنما أوجب الله - جل ذكره - الحد على الزانية والزاني، فإذا علم الزنا ببينة أو اعتراف وجب إقامة الحد على من ثبت ذلك عليه، وإذا لم يعلم ذلك وجب الوقوف عن إيجاب الحد عليها، وقد أوجب الله على الأئمة أن يقيموا الحدود بالبينات، وثبتت الأخبار عن النبي ﷺ أنه حد بالاعتراف. وإذا وجد الرجل يطأ المرأة فقال: زوجتي، وقالت: زوجي، وجب قبول قولهما، ولعل أكثر الناس لا يجدون السبيل إلى إقامة البينة على النكاح الصحيح، والشراء الصحيح، وهذا قول يدل عليه النظر، والله أعلم. ذكر وجوب الصداق للمستكرهة اختلف أهل العلم في وجوب الصداق للمستكرهة. فقالت طائفة: لها الصداق كذلك قال عطاء. قال: لها صداق نسائها، وكذلك قال الزهري، وقال الحسن: عليه الحد والعقر (٢).

стр. 6439

وممن قال أن لها الصداق: مالك (١)، والشافعي (٢)، وأحمد (٣)، وإسحاق، وأبو ثور. وقالت طائفة: إذا أقيم الحد بطل الصداق، روي هذا القول عن الشعبي. وقال أصحاب الرأي (٤): الحد والصداق لا يجتمعان. وحكي عن النعمان أنه قال في الصبي يزني بالمرأة مطاوعة أو المجنون يزني بالمرأة مطاوعة قال (٥): لا حد على واحد منهم، وقال في رجل صحيح زنى بجارية يجامع مثلها أو مجنونة قال: يضرب الرجل الحد ولا تضرب هي. قال أبو بكر: حرم الله الزنا في كتابه على الرجال والنساء، فإذا زنى الرجل بالمرأة البالغ فطاوعته، فعليهما جميعا الحد إذا كانا عالمين بأن الله حرم الزنا، فإن كانت المرأة مستكرهة، بالغة كانت، أو صبية، أو مغلوبة على عقلها صغيرة أو كبيرة فعلى الرجل الحد، ولا حد على المستكرهة، ولا على الصبية التي لم تبلغ، ولا المغلوب على عقلها، وإنما أوجبنا على الرجل الحد بظاهر قوله ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ (٦) والحد ساقط عن المستكرهة، لأنها غير قاصدة الزنا، ولا مختارة للفعل، والصبية، والمغلوب على عقلها ممن لم يخاطب

стр. 6440

بالنهي. وقال النعمان (١) في الصبي يزني بالمرأة مطاوعة، أو المجنون يزني بالمرأة مطاوعة: لا حد على واحد منهم، وعلته في ذلك أن الحد لما سقط عن الصبي والمجنون سقط عن المرأة، لأنه حد واحد ثم نقض هذه بعينه، فقال: إذا زنى الرجل بمستكرهة، أو مجنونة، أو صبية يجامع مثلها أن عليه الحد، وهذا حد واحد، والأول حد واحد، فإن كانت العلة التي من أجلها وجب على الرجل الذي زنى بالمستكرهة الحد بقصده إلى الزنا، فهذه العلة موجودة في المرأة يجامعها المجنون والصبي الذي يطأ مثله، لقصدها إلى الزنا. وإن كانت العلة التي من أجلها سقط عن المرأة التي طاوعت صبيا، أو مجنونا حتى أتاها، أن الحد متى سقط عن أحدهما وجب إسقاطه عن الآخر فقد ناقض، حيث أوجب على الرجل الذي زنى بالمستكرهة الحد، لأن الذي كان يلزم على هذا المثال إن سقط الحد عن الرجل الذي زنى بالمستكرهة لسقوط الحد عنها، وفي إيجابه الحد على الذي استكره المرأة، وإسقاطه الحد عن المرأة المستكرهة، ما يوجب الحد على التي أمكنت من نفسها من مجنون وطئها أو من صبي مثله يطأ حتى وطئها وليس يعتل (معتل) (٢) في أحد هذه المسائل بعلة إلا اعتل عليه في الأخرى بمثل تلك العلة وفي حكاية هذه المسائل كفاية عن الإدخال على قائلها، أنه [ … ] (٣) سواء اختيار المفرق بين أجوباتها.

стр. 6441

وقد روينا عن الحسن البصري أنه قال: إذا فجر بالجارية الصغيرة جلد الحد ودرئ عن الصغيرة، وإذا زنى الغلام الذي لم يحتلم بالمرأة أقيم على المرأة الحد ولم يقم على الغلام حتى يحتلم. وقال الزهري: يقام الحد على الكبير وليس على الصغير حد، وقال سفيان الثوري (١): إذا فجر الكبير بالصغيرة أقيم عليه الحد ولم يقم عليها. وكان الشافعي يقول (٢): إذا زنى الكبير بالصغيرة التي يجامع مثلها فعلى الكبير الحد، وإذا حملت المرأة على نفسها غلاما مراهقا يطأ مثله وجب عليها ولا يجب ذلك عليه، وكذلك إن حملت مجنونا بالغا على نفسها وجب عليها الحد، وممن حكي عنه أن على الكبير الذي يجامع الصغيرة الحد: ربيعة بن أبي عبد الرحمن، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والأوزاعي، والليث بن سعد، وحكي ذلك عن البتي. ذكر الرجل يوجد مع المرأة واختلفوا في الرجل يوجد مع المرأة يجامعها فتقول: زوجي، أو يقول هو ذلك، أو يتفقان على أنهما زوجان. فقالت طائفة: تسأل البينة وإلا أقيم عليهما الحد، هكذا قال النخعي. وقالت طائفة: القول قولهما. كذلك قال الحكم، وحماد، والشافعي (٣)، وأصحاب الرأي (٤) بل قد

стр. 6442

زعم أصحاب الرأي أن أحدهما إن أقر بالزنا وادعى الآخر الزوجية أن لا حد على واحد منهما، قالوا: فإن شهدوا عليه بالزنا ووصفوه، فقال المشهود عليه بالزنا: هي امرأتي، وقالت المرأة: هو زوجي فلا حد على واحد منهما قال: وهذه شبهة قد دخلت فلا أحدهما كذلك. قال أبو بكر: عليهما الحد، لأن الشهادة على الزنا هكذا تكون، وإذا وجب الحد ببينة عادلة لم يسقط بقول الذي عليه الحد، وهذا مذهب غير واحد، وبه قال أبو ثور. ذكر المكره على الزنا واختلفوا في الرجل يكرهه السلطان على الزنا. فكان أبو ثور يقول: عليه الحد. وعليها إذا كانت طاوعته. وفي كتاب محمد بن الحسن قلت: أرأيت الرجل يكره حتى يزني بالمرأة فشهد عليه الشهود هل نقيم عليه الحد؟ قال: نعم. قلت: لم؟ قال: لأن الرجل لا يشبه المرأة المستكرهة، الرجل لا يزني إلا بشهوة، فشهوته تقطع الاستكراه. قلت: أرأيت إن استكرهه السلطان حتى زنى قال: هذا والأول سواء وعليه الحد. وقال أبو يوسف: رجع أبو حنيفة عن هذا بعد وقال: إذا أكرهه السلطان فزنى فلا شيء عليه، وإذا أكرهه غيره فزنى فعليه الحد. وقال محمد: إذا أكرهه غير السلطان فجاء من ذلك ما يشبه إكراه السلطان حتى يخاف على نفسه لم يحد أيضا (١).

стр. 6443

قال أبو بكر: إن كان الحد إنما يجب إذا أكرهه غير السلطان للشهوة التي يجدها المكره، [فالحد] (١) كذلك يجب إذا أكرهه (٢) السلطان، [لوجود] (٣) الشهوة، وإن كانت العلة التي من أجلها سقط الحد إذا أكرهه السلطان الإكراه، وإن وجد شهوة، فتلك العلة - وهي الإكراه - موجودة في الذي أكرهه غير السلطان، ولا سبيل إلى علة ثالثة يفرق بها بين إكراه السلطان وغير السلطان. قال أبو بكر: لا يبين عندي أن على واحد من الرجل والمرأة حد في باب الإكراه، لأن كل واحد منهما غير مريد ولا قاصد للفعل، والله أعلم. ذكر المسلم يزني في دار الحرب واختلفوا في المسلم يزني في دار الحرب، فكان مالك (٤) يقول في الجيش إذا دخل دار الحرب فسرق بعضهم من بعض في دار الحرب أو شربوا الخمر، أو زنوا: يقيم عليهم أمير الجيش الحدود كما تقام في دار الإسلام. وهذا قول الشافعي (٥)، وأبي ثور. و [قال] (٦) أصحاب الرأي (٧) في الرجل المسلم، إذا كان في دار

стр. 6444

الحرب بأمان فزنى هنالك وخرج إلى دار الإسلام فأقر بذلك عند الإمام أربع مرات: لم يحد، لأنه زنى حيث لا تجري عليه أحكام المسلمين وكذلك لو دخلت سرية من المسلمين دار الحرب، فزنى رجل منهم هناك لم أحده، وإذا كان في عسكر فهو كذلك لا يقيم الحدود ولا القصاص إلا أمير مصر يقيم على أهله الحدود والقصاص، فيغزوا بهم فإنه يقيم الحدود والقصاص في دار الحرب فأما غيرهم فلا يقيم حدا ولا قصاصا، وفي قول الشافعي (١) وأبي ثور على الذي زنى في دار الحرب الحد، كان حيث تجري أحكام المسلمين، عليه أو حيث لا تجري عليه أحكام المسلمين، لأن ما حرم الله فهو حرام في كل موضع، وما أحل الله فهو حلال في كل مكان. إقامة الحد على أهل البغي اختلف أهل العلم في رجل من أهل البغي زنى في عسكر أهل البغي، ثم أقر بالزنا، أو قامت عليه بذلك بينة. فكان الشافعي (٢)، وأبو ثور يقولان: عليه الحد. وقال أصحاب الرأي (٣): لا حد عليه، لأنه كان في عسكر لا يجري عليه فيه حكم أهل العدل. قال أبو بكر: أمر الله الأئمة بأقامة الحدود، لم يخص مكانا دون مكان، فكل من أصاب حدا في أي موضع أصابه، أقيم عليه ذلك الحد على ظاهر الكتاب، والله أعلم.

стр. 6445

ذكر المرأة الميتة توطأ اختلف أهل العلم في المرأة الميتة توطأ. فقالت طائفة: لا حد على الواطئ. روي هذا القول عن الحسن، وحكي ذلك عن محمد بن الحسن قال: لأن جماع الميتة ليس بجماع، ويجلد التعزير من قبل أنه يحل له أمها وابنتها، ولو كان جماعا لم تحل له واحدة منهما، وزعم بعض الناس أن هذا قياس قول الشافعي، قال: لأن الشافعي لم يجعل للذي يرتضع من لبن الميتة حكم الرضاع الذي يحرم (١)، وحكي عن ربيعة أنه قال: أرى أن يقام عليه الحد، لأن الله - جل ذكره - قد حرم ذلك عليه حية وميتة، وحكي عن الزهري أنه قال: إذا اختفى (٢) امرأة من قبرها فأصابها ضرب مائة ولا رجم عليه. مسائل من أبواب الحدود: كان أبو ثور يقول: وإذا استأجر الرجل المرأة ليزني بها، وشهد عليه بذلك شهود، أو أقر وأقرت حددتها جميعا، لأنهما مقران بالزنا وقد أوجب الله على الزاني والزانية الحد ولا يزول ما أوجب الله في كتابه إلا بكتاب، أو سنة، أو إجماع، وحكي عن بعض الناس - يريد النعمان - أنه قال: لا حد عليهما وأما أبو يوسف فقال (٣): أما أنا فأقيم عليهما الحد إذا استأجرها ليزني بها. وهو قول محمد. قال أبو بكر: ليس في وجوب الحد عليهما شك، وهل الزنا إلا أن
следующие страницы →