← Фикх общий

Фикх общий · id 1568

الأوسط من السنن والإجماع والاختلاف - ط الفلاح

ابن المنذر

Полный текст (7 126 стр.). Показаны 6826–6865 · переход к 6831.

стр. 6826

الداء الطبيب أن يبط جرحه، أو الأكلة أن تقطع عضوا يخاف مشيها إليه، أو يفجر له عرقا، أو الحجام أن يحجمه، أو الكاوي أن يكويه، أو يأمر أبو الصبي أو سيد المملوك الحجام أن يختنه، فيموت من شيء من هذا، ولم يتعد المأمور ما أمر به، ولا عقل عليه. قال أبو بكر: ثبتت الأخبار عن رسول الله أنه احتجم وأعطى الحجام أجرة (١)، وقال "أمثل ما تداويتم به الحجامة والقسط البحري" (٢). وقال: "الشفاء في ثلاثة: في شرطة محجم، أو شربة عسل، أو كية بنار، وأنهى أمتي عن الكي" (٣). وأجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم (٤) على أن للمريض أن يتعالج بالمباح من العلاج مثل الحجامة، وفتح العرق، وشرب الأدوية التي يرجى نفعها التي الأغلب منها السلامة. يروى عن النبي ﷺ أنه قال: "ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء" (٥)، وأمر أناسا بشرب أبوال الإبل وألبانها لعلة كانت بهم (٦)، وقال: "إن الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام" (٧). وروي عنه ﷺ أنه احتجم واستعط (٨)، وأمر كعب بن عجرة بحلق

стр. 6827

الرأس من الأذى (١)، ولما كسرت على رأس النبي ﷺ البيضة (٢)، وأدمي وجهه، وكسرت رباعيته، عمدت فاطمة إلى حصير فأحرقته وألصقتها على جرح النبي ﷺ فرقأ الدم (٣). قال أبو بكر: وكل ما ذكرته وما تركته مما لم أذكره يدل على إباحة العلاج والتداوي، فإذا استعان العليل بالحجام يحجمه، أو يقطع منه ما فيه له الصلاح، أو أمره أن يختن ولده أو مملوكه ففعل ما أمر به، أو سقى عليلا دواء [يسقى] (٤) مثله ذلك العليل، ولم يتعد في شيء من ذلك، فلا ضمان عليه. ذكر الخبر الدال على إباحة أن يأمر الإمام بمعالجة من يرجو أن يبرأ بالعلاج بكي وغير ذلك وإسقاط العقل عن الآمر و [عاقلته] (٥) ٩٥٧٥ - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: دخل رسول الله ﷺ على ابن زرارة - هو أسعد - وبه وجع يقال له: الشوكة، فكواه حوراء (٦) على عنقه فمات،

стр. 6828

فقال النبي ﷺ : "بئس الميت لليهود يقولون: قد داواه صاحبه فلا نفعه" (١). ٩٥٧٦ - حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثني عفان ومسدد، قالا: حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا معمر، عن الزهري، عن أنس "أن النبي ﷺ كوى أسعد بن زرارة من الشوكة" (٢). قال أبو بكر: "كوى" يشبه أن يكون أمر بأن يكوى كما قيل: رجم النبي ﷺ ماعزا، وقطع في مجن، وأفرد الحج، أي: أمر برجم ماعز، وقطع السارق، وإفراد الحج، وقد ذكرت هذا في غير موضع. ذكر الخاتن يختن فيخطئ فيقطع الحشفة أو بعضها قال أبو بكر: إذا ختن الختان فأخطأ فقطع الذكر او الحشفة أو بعضها فعليه عقل ما أخطأ بقطعه من ذلك تعقله العاقلة. وهذا قول كل من أحفظ عنه من أهل العلم (٣).

стр. 6829

٩٥٧٧ - روينا أن ختانة خفضت جارية، فرفعت إلى عمر بن الخطاب فقال: لو ما أبقيت، لو ما أبقيت، فضمنها عمر الدية، وجعلها على عاقلتها (١). وعن عمر بن عبد العزيز أنه ضمن الخاتن (٢). وكان مالك (٣) يقول: إذا قطع الحشفة فعليه العقل تحمله العاقلة. وهذا على معنى الشافعي (٤)، وأصحاب الرأي (٥). وبه قال أحمد وإسحاق (٦). مسألة: وإذا سقط النائم على إنسان فمات، أو مالت امرأة على ولدها في حال النوم فمات الصبي، فالدية على العاقلة، وعلى القاتل كفارة. هذا قول مالك (٧)، وأحمد بن حنبل، وأصحاب الرأي، وهو قياس قول الشافعي، وأبي ثور، لا أعلم فيه اختلافا، وإذا وجدت المراة صبيها ميتا إلى لزقها (٨) فشكت هل مات من فعلها أم لا؟ فالاحتياط لها أن تكفر، ولا يجب ذلك عليها حتى توقن بأن موت الصبي كان من فعلها.

стр. 6830

الرجل يسقط على الرجل فيموت أحدهما واختلفوا في الرجل يقع على آخر فيجرحه أو يموت، فقالت طائفة: يضمن الأعلى الأسفل، ولا يضمن الأسفل الأعلى. روي هذا القول عن ابن الزبير. ٩٥٧٨ - حدثنا محمد بن علي، حدثنا سعيد قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا حجاج، عن ابن أبي مليكة قال: كنت جالسا مع عبد الله بن الزبير فتذاكروا الرجل يقع على الرجل فيجرحه. قلت: يضمن الأعلى الأسفل، ولا يضمن الأسفل الأعلى، فلم ينكر ذلك علي ابن الزبير (١). وروينا عن شريح أنه قال في غلام وثب على آخر فشج الأسفل، وانكسرت ثنية الأعلى: يضمن الأعلى، ولم يضمن الأسفل (٢). وقضى النخعي (٣) أن يضمن الأعلى للأسفل، ولا يضمن الأسفل للأعلى. وهذا قول أحمد بن حنبل، وإسحاق (٤). وكان مالك (٥) يقول في الرجل ينزل البئر فيدركه رجل في أثره فيجبذ الأسفل الأعلى فيخران جميعا في البئر فيهلكان جميعا. قال مالك: على عاقلة الذي جبذه الدية.

стр. 6831

وكان الشافعي (١) يقول: وإذا كان الفارس [أو] (٢) الراجل واقفا في ملكه أو غير ملكه أو مضطجعا أو راقدا فصدمه رجل فقتله، والمصدوم يبصر ويقدر على أن ينحرف، أو لا يبصر ولا يقدر على التحرف، أو أعمى لا يبصر فسواء، ودية المصدوم مغلظة على عاقلة الصادم، ولو مات الصادم كانت ديته هدرا، لأنه جنى على نفسه. وقال الحكم (٣): في رجل سقط على رجل من فوق بيت فمات أحدهما قال: يضمن الحي منهما. وقال ابن شبرمة (٤): أيهما مات فديته على الآخر، يضمن كل واحد منهما صاحبه، وإن تعلق رجل برجل فأيهما مات فديته على الباقي. وقد كان الشافعي (٥) يقول بالعراق: إذا نام الرجل في الطريق، فعثر به رجل فمات، فديته على عاقلة النائم، فإن مات النائم فالدية على عاقلة المار. ذكر حافر البئر وواضع الحجر في غير حقه اختلف أهل العلم فيمن حفر بئرا في غير حقه أو أشرع جناحا (٦) أو أخرج جذعا أو ما أشبه ذلك في طريق من طرق المسلمين، فأصاب

стр. 6832

إنسانا فتلف: فقالت طائفة: هو ضامن. روينا عن شريح، أنه ضمن رجلا حفر بئرا في الطريق فوقع فيها بغل فمات (١). وهذا قول النخعي. وقد روينا عن علي أنه قال: من حفر بئرا أو عرض عودا فأصاب إنسانا ضمن (٢). وروي عن الشعبي (٣)، أنه كان يضمن إذا نضح القصار الماء في الطريق، فزل به إنسان من أهل الأسواق وغيرهم، إذا كان في غير ملكه. وبه قال حماد بن أبي سليمان. وروي عن شريح (٤) أنه قال: من أخرج من حده شيئا فأصاب إنسانا فهو ضامن. وكان شريح (٥) يقول: من ربط دابته في طريق من طرق المسلمين فهو ضامن لما أصابت. وقال سفيان الثوري (٦): إذا ألقى الرجل كيسا فيه دراهم على الطريق فأصاب رجل رجل فعقره، فعلى صاجب الدراهم الضمان، وإن ألقى الذي أصيب رجله الدراهم في البئر فهو ضامن. وكذلك قال أحمد، وإسحاق (٦).

стр. 6833

وقال سفيان الثوري: إذا وضعت نعلك أو خفيك في المسجد فعثر به رجل فعنت (١) قال: يضمنه هو بمنزلة الطريق (٢). وقال سفيان: في رجل أخرج جذعا في غير ملكه فيقع على إنسان قال: يضمن من حساب ما دخل، من حساب ما خرج، وفي قول أحمد وإسحاق (٣): يضمن. وقال مالك (٤): من حفر بئرا في الطريق، أو ربط دابة، او صنع أشباه هذا على الطريق، أن ما صنع من ذلك مما لا يجوز له أن يصنع فهو ضامن لما أصيب من ذلك بجرح أو غيره، وما صنع من ذلك مما يجوز له أن يصنع على طريق المسلمين فلا ضمان عليه فيه ولا غرم، من ذلك البئر يحفرها الرجل للمطر. والدابة ينزل عنها الرجل للحاجة فيقفها على الطريق، فليس على (٥) أحد في هذا غرم. وفي كتاب محمد بن الحسن (٦): وإذا وضع الرجل في الطريق حجرا أو بنى فيه بناء أو أخرج من حائطه جذعا، أو صخرة شاخصة في الطريق، أو أشرع كنيفا أو جناحا أو ميزابا أو ظلة، فهو ضامن لما أصاب من ذلك كله، يكون الضمان في ذلك على عاقلته إذا كانت في نفس أو جراحة في

стр. 6834

بني آدم، وما كان من سوى ذلك فهو في ماله، ولو أن رجلا رش الطريق فعطب إنسان بموضع رشه، كان ضامنا له على عاقلته، ولا كفارة عليه، وإذا أشرع الرجل جناحا على الطريق الأعظم ثم باع الدار فأصاب الجناح رجلا فقتله فالضمان على الأول. قال أبو بكر: وقال غيرهم: هو على المشتري التارك للشيء في موضعه، لأن إقراره الشيء الذي قد ملكه بالشراء في موضعه كفعل الذي ابتدأ فوضعه، هذا [إذا] (١) أمكنه رفعه، فإن لم يمكنه فالضمان على الأول. وحكى أبو ثور، عن الشافعي أنه قال (٢): فيمن حفر بئرا، أو وضع حجرا، أو عمل دكانا، أو أشرع جناحا، أو ميزابا، أو ما أشبه ذلك فما فعل من ذلك فيما له فعله، وليس بمعتدي ولا ظالم، فكان به تلف فليس عليه شيء. وكذلك قال أبو ثور. وكان الحكم (٣) يقول في الرجل السوقي يرش الماء بين يدي بابه فيمر إنسان فيزلق فيعنت، قال: لا يضمن. وكان الزهري (٤) يقول في قوم حفروا في بادية بئرا، فمر بها قوم ليلا فسقط بعضهم في البئر، فقال: لا نرى عليه شيئا، يقاس بذلك قضاء النبي ﷺ في المعدن والبئر.

стр. 6835

وحكي عن مالك (١) في الرجل يحفر في حائطه حفيرة للسباع فيقع فيها إنسان فيموت قال: لا ضمان عليه. وحكي عن أصحاب الرأي (٢) أنهم قالوا: في البئر في الحضر وبئر الدور. والطريق: يضمن حافرها، وإن كانت في الصحراء أو في البرية فهو جبار. ذكر الأجراء يصابون في حفر البئر أو بعض بناء قال أبو بكر: وإذا استأجر الرجل أجيرا يحفر له بئرا أو يبنى له بناء فأصيب فيه، فلا شيء على المستأجر، لأنه لم يجني ولم يتعدى، وإنما يضمن من جنى أو تعدى، وهذا على مذهب عطاء، والزهري، وقتادة، وأحمد، وإسحاق (٣)، وأصحاب الرأي (٤)، وهو يشبه مذاهب الشافعي (٥) وأبي ثور، وإن استأجر عبدا بغير إذن مواليه واستعمله فتلف ضمن.

стр. 6836

ذكر اشتراك النفر في قتل بعضهم خطأ روينا عن علي بن أبي طالب أنه قال في رجل استأجر أربعة يحفرون بئرا فسقط طائفة منها على رجل فمات، قال: يجعل على الثلاثة أرباع الدية، ورفع عنهم الربع نصيب الميت. ٩٥٧٩ - حدثنا محمد بن عبد الوهاب، قال: أخبرنا جعفر بن عون، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن خلاس بن عمرو، أن رجلا استأجر أربعة يحفرون بئرا، فسقط طائفة منها على رجل فمات، فرفع ذلك إلى علي قال: فجعل على الثلاثة أرباع الدية، ورفع عنهم الربع نصيب الميت (١). وهذا على مذهب عمر بن عبد العزيز، والشافعي. وقيل لأحمد بن حنبل (٢): حديث علي في قصة الزبية (٣) التي حفروها للأسد؟ قال: أنا لا أدفع حديث سماك إذا لم يكن له دافع. قال إسحاق (٢): هو كما روى سماك، العمل عليه، لأن النبي ﷺ أجاب بحكم علي في ذلك. ٩٥٨٠ - حدثنا يحيى بن محمد، قال: حدثنا الحجبي، حدثنا أبو عوانة، عن سماك، عن حنش بن المعتمر قال: زعم أنهم حفروا

стр. 6837

بئرا باليمن فسقط فيها الأسد، فأصبحوا عدة ينظرون إليه، قال: فخر رجل في البئر وتعلق برجل فتعلق الآخر بالآخر، حتى كانوا أربعة سقطوا في البئر جميعا، قال: فجرحهم الأسد، قال: فتناوله رجل برمحه فقتله، فقال الناس للأول: أنت قتلت أصحابنا عليك ديتهم. قال: فأبى أصحابه وكادوا يقتتلون فأتاهم علي على ذلك الحال فقال: إني سأقضي بينكم قضاء، فمن رضي به منكم جاز على رضاه، ومن سخط منكم متعمدا لغير ذلك فلا حق له حتى تأتوا رسول الله فيقضي بينكم. قال: فقال: اجمعوا ممن حضر البئر من الناس ربع دية، وثلث دية، ونصف دية، ودية تامة، فالأسفل ربع دية من مجرى أنه هلك فوقه ثلاثة، وللثاني ثلث دية من مجرى أنه هلك فوقه اثنان، وللثالث النصف من مجرى أنه هلك فوقه واحد، وللأعلى دية تامة، فإن رضيتم بهذا فهو بينكم، وإن لم ترضوا فلا حق لكم حتى تأتوا رسول الله فيقضي بينكم، وإن لم ترضوا فلا حق لكم حتى تأتوا رسول الله فيقضي بينكم. قال: فأتوا رسول الله العام المقبل فأخبروه بالخبر فقال: "أنا أقضي بينكم إن شاء الله". قال: فقام رجل فقال: إن عليا قد قضى بيننا. قال: "كيف قضى بينكم؟ " قال: فقصوا عليه الخبر. قال: فزعم أنه قال: "هو ما قضى بينكم" (١). قال أبو بكر: وهذا حديث قد تكلم فيه، وكان موسى يقول: حنش (٢) لا يدرى كيف هو لا نجيزه.

стр. 6838

وكان مالك يقول (١): في الرجل ينزل في البئر فيدركه رجل في أثره فيجبذ الأسفل الأعلى فيخران جميعا في البئر فيهلكان جميعا. قال مالك: على عاقلة الذي جبذه الدية. تضمين القائد والسائق والراكب بما أصابت بيدها أو رجلها [واختلفوا في تضمين القائد والراكب والسائق ما أصابت الدابة بيدها أو رجلها] (٢). فقالت طائفة: يضمنون. روي هذا القول عن علي بن أبي طالب. ٩٥٨١ - حدثنا موسى، حدثنا أبو بكر، حدثنا أبو معاوية، عن حجاج، عن قتادة، عن خلاس، عن علي، أنه كان يضمن السائق، والقائد، الراكب (٣). وهذا قول شريح، والنخعي، والشعبي، والحكم، غير أن شريحا (٤) قال: ولا يضمن إذا عاقبت. فقيل له: وما عاقبت؟ قال: إذا ضربها فضربته. وقال الزهري (٥): في قائد وراكب إذ وطئا إنسانا قال: يغرمان.

стр. 6839

وقال الحسن البصري (١): يضمن القائد والسائق. (وكان مالك بن أنس (٢) يقول: في القائد والسائق) (٣) والراكب: كلهم ضامن لما أصابت الدابة إلا أن ترمح الدابة من غير أن يفعل بها شيء ترمح له. وحكى أبو ثور (٤) هذا القول عن مالك وقال: وهكذا قول أبي عبد الله، وقول بعض الناس - يعني الكوفي - قال: وبه نقول. وكان الشافعي يقول (٥): يضمن قائد الدابة وسائقها وراكبها ما أصابت بيد أو فم أو رجل أو ذنب، ولا يجوز إلا هذا، ولا يضمن شيئا إلا أن يحملها على أن تطأ شيئا فيضمن، لأن وطأها من فعله فتكون حينئذ كأداة من أداته جنى بها، فأما أن نقول رجل يضمن عن يدها ولا يضمن عن رجلها، فهذا تحكم، فإن قال: لا يرى رجلها فهو إذا كان سائقها لم ير يدها فينبغي أن يقول في [السائق] (٦) يضمن عن الرجل ولا يضمن عن اليد، وليس هكذا نقول، فأما ما روي عن النبي ﷺ من أن الرجل جبار" (٧) فهذا غلط والله أعلم، لأن الحفاظ لم يحفظوا هكذا.

стр. 6840

وحكى الشافعي (١) عن ابن أبي ليلى أنه قال: إذا نفحت الدابة برجلها وهي تسير فهو ضامن في هذا لما أصابت. وقالت طائفة: يضمن القائد عن اليد، ولا يضمن عن الرجل. هكذا قال عطاء، وروي ذلك عن النخعي وشريح، وقال شريح والشعبي (٢): الرجل جبار. وكان النعمان يقول (٣): إذا نفحت الدابة برجلها وهي تسير فلا ضمان على صاحبها. وقال ابن الحسن (٤): إذا سار الرجل على دابة في طريق المسلمين، فأوطأ إنسانا بيد أو رجل، فهو ضامن لديته على عاقلته، وعليه الكفارة، وإن نفحت برجلها فقتلت وهي تسير فلا ضمان على صاحبها. وقالت طائفة: إن نفحت وهي تمشي لم يضمن، وإن نفحت وهي

стр. 6841

قائمة ضمنته. هذا قول سفيان الثوري (١). وقال حماد بن أبي سليمان (٢): إذا كان واقفا على دابة فضربت برجلها لا يضمن. وقال الحكم: يضمن. وروينا عن شريح، أنه كان يضمن ما أوطأت الدابة بيد أو رجل، ويبرأ من النفحة، ويبرأ من الردف. وقال ابن سيرين: كانوا يضمنون من رد العنان، ولا يضمنون من النفحة. وقد روي عن الشعبي (٣) فيه قول خامس: وهو أن الرجل إذا ساق دابته سوقا رقيقا فلا شيء عليه، وإذا ساقها سوقا عنيفا فهو ضامن. وكان الحارث العكلي يقول (٤): إذا ضربت الدابة او كبحتها فأنت ضامن. وروينا عن علي بن أبي طالب أنه قال: إذا قال: الطريق وأسمع، فلا ضمان عليه. ٩٥٨٢ - حدثناه موسى، حدثنا أبو بكر، [حدثنا عباد] (٥) حدثنا عمر بن عامر، عن قتادة، عن خلاس، عن علي قال: إذا (قال: الطريق، فأسمع) (٦)، فلا ضمان عليه (٧).

стр. 6842

وقال الشعبي: إذا أسمع دابته الرجز فلا ضمان عليه. ذكر تضمين الرديفين واختلفوا في تضمين الرديف. فقالت طائفة: الرديفان يضمنان جميعا. روي هذا القول عن علي. ٩٥٨٣ - حدثنا موسى، حدثنا أبو بكر، قال: حدثنا أبو معاوية، عن حجاج، عن قتادة، عن خلاس، عن علي قال: يضمن الرديفين (١). وقال الشعبي: يضمن الرديف. وكذلك قال ابن سيرين، وقتادة، وأبو هاشم، وحماد. وقال الحسن البصري (٢) والزهري (٣): يضمنان جميعا. وكذلك قال مالك (٤) وأصحاب الرأي (٥). وفيه قول ثان: وهو أن لا شيء على الرديف. هذا قول إسحاق بن راهويه (٦). وقال أحمد (٧): الردف لا يقدر على شيء، أرجو أن لا يكون عليه شيء إذا كان قدامه من يمسك باللجام.

стр. 6843

ذكر الفلو يتبع الدابة واختلفوا في الفلو يتبع الدابة التي عليها صاحبها. فقالت طائفة: يضمن الراكب. هذا قول النخعي، والحكم، وحماد. وقال الشعبي (١): كل مرسلة فصاحبها ضامن. وفيه قول ثان: قاله الحسن البصري قال: لا يضمن. ذكر الحائط المائل يشهد على صاحبه فيسقط ويتلف نفسا أو مالا اختلف أهل العلم في الحائط المائل يشهد على صاحبه [فقالت طائفة: إن أشهد على صاحبه] (٢) فأتلف شيئا فصاحبه ضامن. كذلك قال الحسن (٣)، وإبراهيم النخعي، وقتادة، وروي ذلك عن شريح. وبه قال أصحاب الرأي (٤). وقالت طائفة: يضمن ما أصاب الحائط أشهد عليه أو لم يشهد. وهذا قول إسحاق بن راهويه (٥). وهكذا قال أبو ثور (٦) إذا علم بميل الحائط فتركه. قال أبو بكر: وقد احتج بعض من يميل إلى هذا القول بأن من قول

стр. 6844

من خالفنا أن من أشرع جناحا فخرج من حده فأصاب شيئا فهو ضامن، فإذا مال الحائط فقد خرج من حده، فكل شيء أصاب ما خرج من حده فهو له ضامن أشهد أو لم يشهد، لأن إقراره الشيء الخارج من حده كإحداثه فعليه في هذا إذا سقط وأفسد ما عليه فيما أشرع خارجا من حده. وقد حكي عن ابن أبي ليلى أنه قال: إذا مال الحائط وجب عليه هدمه، فإن تركه أقل ذلك ضمن. وفيه قول ثالث: قاله الشافعي (١) قال: لو مال حائط من دار فوقع على إنسان فمات، فلا شيء فيه، وإن أشهد عليه، لأنه وضعه في ملكه، والميل حادث من غير فعله، وقد أساء بتركه، وما وضعه في ملكه فمات به إنسان فلا شيء عليه. وكان سفيان الثوري (٢) يقول: إذا لم يشهد عليهم لم يضمنوا. قال: وإن كان قائما وهو مشقوق لم [يجبروا] (٣) على نقضه، وإن كان مائلا جبروا على أن ينقضوه، فإن أخذوا في نقضه فوقع على أحدهم فهم ضامنون، وإن أشهد عليهم رجلا فقال له بعد الذي أشهد عليه: لا أريد أن أغرمك قد رجعت فيما أشهدت، فقوله هذا ليس بشيء، قد مضت الشهادة، وإن مات الذي أشهد عليه فينبغي أن يشهدوا على الورثة، لأنه ملكه غيره، وإن باعه أشهد على الذي ابتاعه، قد مضت شهادة الذين أشهد عليهم.

стр. 6845

ذكر تضمين من استعان صبيا [حرا] (١) لم يبلغ أو مملوكا بغير إذن مواليه فأصابته جناية أو (تردى) (٢) أو ما أشبه ذلك أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم (٣) على أن من حمل صبيا لم يبلغ أو مملوكا بغير إذن مواليه على دابة فتلف أنه ضامن. وقد روينا عن علي بن أبي طالب أنه قال إذا استعان غلاما بغير إذن أهله [ولم يبلغ خمسة أشبار فهو ضامن حتى يرجع، وإذا استعانه بإذن أهله] (٤) فلا ضمان عليه. ٩٥٨٤ - حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا حجاج، حدثنا حماد، عن قتادة، عن خلاس بن عمرو، أن علي بن أبي طالب قال: إذا بلغ الغلام خمسة أشبار جرت عليه الحدود، فاقتص واقتص منه، وإذا استعانه رجل بغير إذن أهله ولم يبلغ خمسة أشبار فهو ضامن حتى يرجع، وإذا استعانه بإذن أهله فلا ضمان عليه (٥). وقال عطاء (٦) وحماد بن أبي سليمان (٧): إذا استعان عبدا أو صبيا بغير إذن أهله فقد ضمنه.

стр. 6846

وكان الشعبي يقول (١): إذا حمل رجل على دابته غلاما لم يحتلم فأصابه شيء فهو على الذي حمله، وإن كان قد بلغ فأصاب شيئا فهو ضامن، وفي العبد مثل ذلك. وقال مالك (٢) في الصبي الحر يأمره الرجل ينزل في البئر، أو يرقى النخلة فيهلك في ذلك: أن الذي أمره ضامن لما أصابه من خلاك أو غيره. وهذا على مذهب الثوري، وأحمد، وإسحاق (٣). وقال أصحاب الرأي (٤): إذا اغتصب الرجل الصبي الحر فذهب به، فهو ضامن له إن قتل، أو أصابه حجر، أو جرح، وإن (مات ميتة) (٥) نفسه لم يضمن، وإن أصابته جناية، أو أكله سبع، أو تردى من حائط. وإذا قتل الصبي رجلا لم يكن على الذي غصبه شيء، وكذلك المعتوه، وإذا حمل الرجل الصبي الحر على دابة فقال: امسكها لي، فسقط فمات، فالرجل ضامن لديته على عاقلته. واجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على [أن] (٦) من (استعان) (٧) حرا بالغا في عمل من الأعمال متطوعا بذلك، أو بإجارة فأصابه شيء، فلا ضمان على المستعير والمستأجر.

стр. 6847

هذا محفوظ عن عطاء، وعمرو بن دينار، والزهري، والشعبي، وهو مذهب مالك والشافعي والكوفي (١). ذكر ما يضمن المرء من عقر الكلب ولا يضمن اختلف أهل العلم في الرجل يستأذن في منزل قوم ويدخل بإذنهم فيعقره كلبهم. فقالت طائفة: إذا دخل بإذنهم ضمنوا، وإن دخل بغير إذنهم لم يضمنوا. كذلك قال شريح (٢)، والشعبي، والنخعي، وحماد بن أبي سليمان. وكان شريح يضمن عقر الكلب إذا عقر في غير ملك صاحبه. وقال حماد بن أبي سليمان: إذا عقر في دار صاحبه لم يضمن، وإن عقر خارجا ضمن. وقال كثير من أهل العلم: إن انفلتت دابة رجل فعقرت لم يضمن، وإن أرسلها إرسالا فعقرت ضمن، والحجة في ذلك قوله: "العجماء جرحها جبار" (٣) وهي: الدابة المنفلتة ما أصابت في حال انفلاتها فلا شيء على صاحبها. وكان مالك (٤) يقول فيمن اقتنى كلبا في دار (لماشية) (٥) فعقر ذلك

стр. 6848

الكلب إنسانا قال: إذا (أفلته) (١) وقد علم أنه [يفترس] (٢) الناس ويعقرهم فهو ضامن. وقال إسحاق بن راهويه (٣) في البعير المغتلم: إن تركه عمدا نهارا أغرم، وإن انفلت منه لم يضمن ما كان نهارا، كل ما أصاب العجماء والدواب ليلا غرم. كذلك قضى فيه داود وسليمان ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين. واتبعهم أهل العلم فأخذوا بما سنوا. وقال أصحاب الرأي (٤): إذا أوقف الرجل في ملكه دابة، ثم أصابت أنسانا فقتله فلا ضمان علبيه، ولا فيما كدمت، وكذلك الكلب العقور بمنزلة الدابة إذا كان في الدابة مخلى عنه، أو مربوط فهو سواء، وإذا دخل رجل دار قوم بإذنهم أو بغير إذنهم فعقره كلبهم فلا ضمان عليهم. وكان مالك (٥) يقول في الكلب العقور والجمل العقور: إذا أوقفه صاحبه في داره ثم جاء رجل فأطلقه فعقر أحدا قال مالك: الغرم على صاحبه. قيل لمالك: وإن دخل بغير إذن؟ قال: قال مالك: السائل وغيره ليس عليهم إذن، وقد أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب. وقال قائل في السبع الضاري والكلب العقور: يضمن ما أصابه. دخل الدار بإذن أو بغير إذن، لأنه ليس له أن يمسك كلبا عقورا في مكان يصل إلى عقل الناس، وليس لأحد أن يتخذ بين المسلمين ما يعقرهم.

стр. 6849

ذكر ضرب الرجل الرجل حتى يحدث روينا عن عثمان بن عفان أنه قضى في الرجل يضرب حتى يحدث بثلث الدية (١). وقضى مروان بن الحكم (٢) كذلك، وذكر أحمد (٣) حديث عثمان هذا ثم قال: لا أعرف شيئا يدفعه إذا وطئ بطنه، وكذلك قال إسحاق (٣). وروينا عن عمر بن الخطاب أنه قضى في ذلك بأربعين بعيرا (٤). وذكر سعيد بن المسيب أنه اشترى منها قلوصا (٥) فكان كأنجب ما خلق. و [قال] (٦): بل قضى فيه عثمان بأربعين دينارا أو أربعين فريضة (٧). وفي المسألة قول ثالث: وهو أن على الجاني هذه الجناية العقوبة، وليس عليه فيه عقل ولا قود. هذا قول مالك (٨) والشافعي (٩).

стр. 6850

كتاب المعاقل ذكر إثبات دية الخطأ على عاقلة القاتل دونه ٩٥٨٥ - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فأصاب بطنها فقتلتها وأسقطت جنينا، فقضى رسول الله ﷺ بعقلها على عاقلة القاتلة، وفي جنينها غرة (١) - عبد أو أمة - قال: فقال قائل: كيف نعقل من لا أكل ولا شرب ولا نطق ولا استهل (٢) فمثل ذلك يطل (٣) فقال رسول الله - كما زعم أبو هريرة: "هذا من إخوان الكهان" (٤). ٩٥٨٦ - حدثنا علان بن المغيرة، حدثنا سعيد بن أبي مريم، قال:

стр. 6851

أخبرنا الليث، قال: حدثني ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أن رسول الله قضى في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتا بغرة عبد أو أمة، ثم إن المرأة [التي] (١) قضى عيها بغرة توفيت، فقضى رسول الله بأن ميراثها لبنيها زوجها، وأن العقل على عصبتها (٢). قال أبو بكر: فقد ثبتت (٣) الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قضى بالدية على العاقلة. وأجمع أهل العلم (٤) على أن دية الخطأ على العاقلة، وقد خالفهم في ذلك ناس من الخوارج وأهل الأهواء، وتأول بعضهم في ذلك حديث أبي رمثة. ٩٥٨٧ - حدثنا يحيى بن محمد، قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا هشيم، قال: حدثنا عبد الملك بن عمير، عن إياد بن لقيط، عن أبي رمثة قال: أتيت رسول الله ﷺ ومعي ابن لي فقال: "هذا ابنك؟ " قلت: نعم أشهد به. قال: "لا يجني عليك، ولا تجني عليه" (٥). قال أبو بكر: وفي إجماع أهل العلم على أن الدية في الخطأ على العاقلة دليل على أن المراد من قوله ﷺ : "لا يجني عليك ولا تجني عليه" جناية العمد دون الخطأ.

стр. 6852

قال أبو بكر: والعاقلة [العصبة] (١) وبيان ذلك في حديث المغيرة بن شعبة. ٩٥٨٨ - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق، عن الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيد بن نضيلة الخزاعي، عن المغيرة بن شعبة قال: ضربت ضرة ضرة لها بعمود فسطاط فقتلتها، فقضى رسول الله ﷺ بديتها على عصبة القاتلة (٢). قال أبو بكر: وخبر المغيرة هذا يدل لما ذكر أن الضاربة ضربتها بعمود فسطاط. وفي خبر أبي هريرة: إنما رمتها بحجر فأصاب بطنها فقتلتها (٣) على أن دية شبه العمد على العاقلة. وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم (٤) على أن الدية الخطأ على العاقلة، وأن ولد المرأة إذا كان من غير عصبتها لا يعقلون عنها، وكذلك الإخوة من الأم لا يعقلون عن أختهم لأمهم شيئا. هذا قول مالك (٥)، والشافعي، وأحمد (٦)، وأبي ثور، والكوفي. وأجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم (٧) على أن المرأة والصبي الذي لم يبلغ لا يعقلان مع العاقلة.

стр. 6853

هذا قول مالك (١)، والشافعي (٢)، وأحمد (٣)، وإسحاق (٤)، وأصحاب الرأي. قال الشافعي (٥): وكذلك المعتوه عندي. وكل من أحفظ عنه من أهل العلم لا يلزم الفقير من ذلك شيئا. ذكر مقدار ما يلزم كل رجل من العاقلة من دية المقتول اختلف أهل العلم في مقدار ما يلزم كل رجل من العاقلة: فكان الشافعي (٢) يقول: أرى على [مذهبهم] (٦) أن نحمل من كثر ماله وشهر من العاقلة إذا قومت الدية نصف دينار، ومن كان دونه ربع دينار، لا يزاد على هذا ولا ينقص [عن] (٧) هذا. وحكي عن مالك (٨) أنه قال: على الموسر بقدره، وعلى المقتر بقدره، وليس المكثر كالمقل. وقد حكى أبو ثور عن مالك (٩) أنه قال: على كل رجل ربع دينار. وبه قال أبو ثور.

стр. 6854

وقال أحمد (١): يحملون بقدر ما يطيقون. وقال أصحاب الرأي (٢): لا يؤخذ من الرجل إلا ثلاثة دراهم أو أربعة دراهم. وحكي عن عبيد الله بن الحسن أنه قال: تؤدي العاقلة ما اصطلحوا عليه ولم يوقت. قال أبو بكر: النظر دال على أن يلزم كل رجل منهم أقل ما قيل وهو ربع دينار، ويوقف عن إلزام أكثر من ذلك، فإن لم تحمل القبيلة التي توزع عليهم ذلك، ضمنوا إلى أقرب القبائل إليهم. ذكر اختلاف أهل العلم فيما يلزم العاقلة من الدية أجمع أهل العلم على أن دية الخطأ على العاقلة (٣)، وأجمعوا كذلك على أن ما زاد على ثلث الدية على العاقلة (٤). واختلفوا في الثلث فما دونه فقالت طائفة: الثلث فما دونه في خاصة ماله، وما زاد فهو على العاقلة. هذا قول الزهري (٥). وقالت طائفة: ما دون الثلث في مال الجاني، فإذا بلغت الجناية الثلث فما فوقه فعلى العاقلة. روي هذا القول عن سعيد بن المسيب (٦).

стр. 6855

وقال عطاء (١): إذا بلغ الثلث فهو على العاقلة. وقال عبيد الله بن عمر: نحن مجتمعون - أو كدنا أن نجتمع - أن ما دون الثلث في ماله خاصة (٢). وكان مالك (٣) يقول: إذا بلغت الجناية الثلث فهي على العاقلة، وما دون الثلث على الجاني في ماله. وهذا قول عبد العزيز بن أبي سلمة (٤)، وعبد الملك بن الماجشون. وقد حكى ابن أبي أويس عن مالك أنه قال في نفر أربعة قتلوا رجلا: على كل رجل منهم ربع الدية تحمل ذلك عنهم العاقلة، وكذلك لو كانوا عشرة حملت عاقلة كل رجل منهم ما عليه من تلك الدية. وهذا مذهب عبد الملك. قال أبو بكر: وهذا اختلاف من قولهما، لأنهما قد ألزما العاقلة عشر الدية إذا اجتمعوا على القتل، وهما ينفيان أن يلحق العاقلة أقل من الثلث، والعشر أقل من الثلث. وكان أحمد يقول: لا تعقل العاقلة ما دون الثلث (٥). ثم قال أحمد في امرأة قتلت وجنينها قال (٦): هذا يكون فيه الدية، والغرة على العاقلة، قال (٧): وإن ضربتها فألقت جنينا ولم تمت الأم، فالغرة في مال التي ضربت. وهذا اختلاف من قوله، لأن الجناية على الجنين غير الجناية على الأم، فإذا جعل الغرة على العاقلة في مسألة، ومنع أن يكون أقل

стр. 6856

من الثلث على العاقلة في غير أمر الغرة فقد أجاب في معنى واحد بجوابين. وحكي عن يحيى الأنصاري (١) وربيعة (٢) أنهما قالا: لا تحمل العاقلة ما دون ثلث الدية. وقالت طائفة: تعقل العاقلة السن والموضحة فما فوق ذلك، وما كان دون ذلك ففي مال الجاني. هذا مذهب سفيان الثوري (٣) والنعمان (٤). وروي عن النخعي أنه قال: لا تعقل العاقلة ما دون الموضحة (٥). وقال مرة (٦): الغرة على العاقلة. وقال إسحاق بن راهويه (٧): الغرة على العاقلة صح ذلك عن النبي ﷺ (٨)، وحكي هذا القول عن ابن شبرمة (٩). وقالت طائفة: عقل الخطأ على عاقلة الجاني، قلت الجناية أم كثرت، لأن من غرم الأكثر غرم الأقل، كما عقل العمد في مال الجاني قل أو كثر.

стр. 6857

هذا قول الشافعي (١)، وحكي هذا القول عن عثمان البتي. قال أبو بكر: قال الله: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ (٢) وثبت أن نبي الله ﷺ قال: "لا يؤخذ امرؤ بجريرة ابنه، ولا بجريرة أبيه". ٩٥٨٩ - حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، ولا يؤخذ امرؤ بجريرة أبيه ولا بجريرة (ابنه) (٣) " (٤).

стр. 6858

قال أبو بكر: فكان اللازم على ظاهر كتاب الله وأخبار رسول الله أن يلزم الجنايات الجناة، فلما ثبت أن نبي الله ﷺ قضى في الدية في الخطأ على العاقلة، وأجمع أهل العلم على أن ما زاد على ثلث الدية على العاقلة، وثبت أن نبي الله جعل الغرة على العاقلة دون الجاني والجانية، وجب القول به، ووجب أن يستثنى ما أوجبت السنة استثناءه. ٩٥٩٠ - حدثنا بكار بن قتيبة، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيد بن نضيلة (١)، عن المغيرة بن شعبة أن امرأتين رمت إحداهما الأخرى بعمود فسطاط فقتلتها، وألقت جنينا، فقضى رسول الله ﷺ بالجنين غرة عبد أو أمة، وجعله على عاقلة المرأة (٢). قال أبو بكر: فوجب لما ثبت أن نبي الله ﷺ جعل الغرة على العاقلة أن يستثنى ذلك من جملة ما لزم أن يكون على الجناة مما جنوا، ويجب أن يكون كل ما اختلف فيه من جناية بعد ذلك على الجاني في ماله. قال أبو بكر: وقد احتج بعض أصحابنا في هذا الباب بحديث ابن عباس: ٩٥٩١ - حدثناه الصائغ محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا سعيد بن سليمان، قال: حدثنا عباد، عن حجاج، عن عمرو بن شعيب، عن

стр. 6859

أبيه، عن جده، وعن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كتب كتابا بين المهاجرين والأنصار: "أن يعقلوا معاقلهم (١) وأن يفكوا عانيهم (٢) بالمعروف وإصلاحا بين المسلمين" (٣). فاحتج بعض من يميل إلى قول الشافعي بهذا الحديث وقال: قوله "أن يعقلوا معاقلهم" يدخل فيه قليل العقل وكثيره. قال أبو بكر: وهذا يحتمل معنيين: يحتمل أن يكون أراد العقل كاملا، ويحتمل بعض العقل، وإذا احتمل الحديث معنيين لم يجز أن يحمل على أحد المعنيين دون الآخر، وليس إسناده بالمضيء، لأن حجاج بن أرطأة كثير التدليس (٤)، وقد تكلم أهل الحديث من حديثه فيما لا يقول من حديثه فيه: حدثنا وأخبرنا. وفي قوله: كتب كتابا بين المهاجرين والأنصار معناه: أمر بالكتاب يكتب بينهم، لأنه ﷺ كان لا يكتب، وقد ذكرت هذا المعنى في كتاب المناسك (٥) عند ذكري اختلاف أهل العلم في حجة رسول الله ﷺ .

стр. 6860

ذكر الوقت الذي تحل فيه دية الخطأ قال أبو بكر: لم نجد لتنجيم دية الخطأ في كتاب الله [ذكرا] (١)، ولا في شيء من أخبار رسول الله ﷺ له وقت تحل فيه (٢)، غير أني سمعت كل من لقيت من أهل العلم، وعوام من بلغنا عنهم ممن مضى (٣) يقولون: يقضى بها في ثلاث سنين، وأعلى شيء روينا فيه حديث عن عمر غير متصل الإسناد، ولا ثابت عنه، وإنما رواه الشعبي عنه أنه جعل الدية في الأعطية في ثلاث سنين [و] (٤) النصف في سنتين والثلثين في سنتين، والثلث في سنة، فما كان دون ذلك ففي عامه. وقد روينا عن ابن عباس أنه قال: الدية في ثلاث سنين. ٩٥٩٢ - حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله، عن سفيان، عن أشعث، عن الشعبي أن عمر جعل الدية في الأعطية في ثلاث سنين [و] (٤) النصف في سنتين، والثلثين في سنتين، والثلث في سنة فما كان دون ذلك ففي عامه (٥).

стр. 6861

٩٥٩٣ - حدثنا موسى، حدثنا أبو معمر، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا الأعمش، عن سالم، عن كريب، عن ابن عباس قال: الدية في ثلاث سنين (١). قال أبو بكر: وقوله: الدية في ثلاث سنين يحتمل دية الخطأ، ويحتمل غير ذلك، وقد قال به أحمد بن حنبل (٢) إلى أن ذلك في الذي أراد أن ينحر نفسه. وقال أحمد: ثم تركه هشيم بعد. وممن روينا عنه أنه قال: الدية في ثلاث سنين: النخعي (٣)، والشعبي (٤)، وقتادة، وأبو مجلز (٥)، وعبيد الله بن

стр. 6862

عمر (١)، وبه قال مالك قال: الثلاث أحب إلي (٢). وهو قول عبد الملك، وحكى الثوري قول عمر، وكذلك قال الشافعي (٣)، وإسحاق (٤)، وأبو ثور (٥). وقال الشافعي (٦): أما الخطأ فلا اختلاف بين أحد علمته أن رسول الله قضى بالدية في ثلاث سنين. قال أبو بكر: وليس عندنا في هذا عن رسول الله حديث، ولا لقيت أحدا من أصحابنا ذكر ذلك لي عن رسول الله ﷺ ، وكان من لقيته من أهل العلم يذكر في هذا الباب حديث عمر ويقدمه، ولو كان عندهم في ذلك عن رسول الله ﷺ شيء لاستغنوا به، وقد أنكر أحمد بن حنبل - وهو من علم الحديث بمكانة - أن يكون فيه حديث يعرفه. قال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: في كم تعطى الدية؟ قال: ما أعرف فيه حديثا، (ولعل الشافعي إنما سمع ذلك من إبراهيم ذاك المديني (٧)، فظن به خيرا) (٨)، وقد ذكرت

стр. 6863

خبر إبراهيم، ومن تكلم فيه من الأئمة وكذبه وقصته في كتاب الطهارة في باب التيمم ضربتين. وقال أحمد بن حنبل (١): إذا كانت العاقلة تقدر أن تحملها في سنة، فلا أرى به بأسا، ويعجبني ذلك. هكذا حكاه إسحاق بن منصور عنه. وحكى الأثرم عنه أنه قال: تؤدي في ثلاث سنين ثم قال: الناس - أي هو قول الناس - وقال قائل: الدية على العقلة، والسنة أن من كان عليه مال وله إليه سبيل أن يؤديه إلى أهله ولا أجل له، فإن كانت العاقلة لا يجحف بها أن تؤدي الدية من عامها أخذ ذلك منها ولم يؤجل (٢)، وإن كان أخذها منهم في عامهم يجحف بهم، فرقه عليهم في سنتين. وأجمع أكثر من أحفظ عنه من أهل العلم: أن العاقلة لا تعقل مهر المثل ولا الجنايات على الأموال (٣). إلا العبيد فإنهم اختلفوا فيه، إلا شيئا روي عن عطاء (٤) فإنه سئل عن رجل قتل عبدا خطأ قال: هو على عاقلته، وإن قتل دابة خطأ فهو على العاقلة. وأبى ذلك عمرو بن دينار (٥) وسليمان بن موسى، وغيرهم من أهل العلم وقالوا: الجناية على دواب الناس في مال الجاني، وكذلك نقول، ولا نعلم أحدا وافق عطاء على مقالته.

стр. 6864

ذكر مالا تحمله العاقلة وما اختلف فيه منه أجمع أهل العلم على أن العاقلة لا تحمل دية العمد، وأجمعوا على أنها تحمل دية الخطأ (١). واختلفوا في الحر يقتل العبد خطأ، فقالت طائفة: لا تعقل العاقلة عبدا، ولا عمدا، ولا صلحا، ولا اعترافا. كذلك قال ابن عباس والشعبي (٢). ٩٥٩٤ - حدثنا موسى، حدثنا يحيى، قال: حدثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس قال: لا تعقل العاقلة عمدا، ولا عبدا، ولا صلحا، ولا اعترافا (٣). وبه قال سفيان الثوري، والليث بن سعد. وممن قال لا تحتمل العاقلة عبدا: مكحول (٤)، والنخعي (٥)، ومالك بن أنس (٦)، وعثمان البتي، وأحمد، وإسحاق (٧). وقال الحسن البصري (٨) فيمن أقر أنه قتل خطأ. قال: في ماله. وكذلك قال عمر بن عبد العزيز، وسليمان بن موسى، والزهري، وأحمد، وإسحاق (٩).

стр. 6865

وقال الزهري (١): لا تحمل العاقلة العمد وشبه العمد والاعتراف، والصلح هو عليه في ماله، إلا أن تعينه العاقلة. وكان ابن أبي ليلى يقول (٢) في العبد: لا تعقله العاقلة. ورجع أبو يوسف إلى هذا القول فقال (٣): على القاتل قيمته ما بلغ حالا. وقال أحمد بن حنبل (٤): لا تعقل العاقلة الصلح، ولا الاعتراف، ولا العبد إذا قتل عبدا خطأ أو عمدا. وكذلك قال إسحاق. وقال أبو ثور: بقول مالك قال: وذلك أن كل جاني فجنايته في ماله، إلا جاني أجمعوا أنه لا ضمان عليه. وقالت طائفة (٥): تعقل العاقلة العبد. كذلك قال عطاء، والزهري، والحكم وحماد. وقال الشافعي (٦) في موضع فيها قولان: أحدهما، تحمله العاقلة، والثاني: لا تحمل، لأنه قيمة لا دية، و [قال] (٧) في كتاب إذا قتل الرجل خطأ عقلته العاقلة، لأنها إنما تعقل جناية في نفس محرمة قد
следующие страницы →