← Фикх общий

Фикх общий · id 1568

الأوسط من السنن والإجماع والاختلاف - ط الفلاح

ابن المنذر

Полный текст (7 126 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

٨٥٥ - حدثنا محمد بن إسماعيل، ثنا أبو النضر، ثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن زيد بن [أسلم] (١)، عن عطاء بن يسار، عن أبي واقد الليثي قال: قدم النبي ﷺ المدينة والناس [يجبون] (٢) أسنمة الإبل، ويقطعون ألية الغنم فقال النبي ﷺ : "ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت" (٣). قال أبو بكر: وقد أجمعوا على أنه لم يرد بذلك الشعر، ولا الصوف، ولا الوبر (٤). وقال بعض من يوافق مذهبنا. يقال لمن يخالف ما قلنا: جاء الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت". واتفق أهل العلم على القول به، فلم أبحتَ الانتفاع بشعر ما يؤكل لحمه إذا جز وهو حي؟ فإن قال: لأن الشعر لا يموت، ولا يحتاج إلى الذكاة؛ لأنه لا حياة فيه، قيل: وكذلك هو بعد موت الشاة، وإنما حرم بموت الشاة ما يموت بموتها، وما كان لا يحل إلا بالذكاة، وموافقتك إيانا على ما ذكرناه في حياة الشاة، توجب عليك القول بمثل ذلك بعد موتها؛ لأن القياس منهما واحد.

стр. 877

ذكر الأخبار الدالة على طهارة شعور بني آدم قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله ﷺ ناول الحلاق شقه الأيمن فحلقه، (ثم ناوله شقه الأيسر فحلقه) (١)، ثم ناوله أبا طلحة فقسمه بين الناس. ٨٥٦ - أخبرنا حاتم، أن الحميدي (٢) حدثهم قال: نا سفيان قال: ثنا هشام بن حسان القُرْدُوسي، عن محمد بن سيرين، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ لما رمى جمرة العقبة وذبح نسكه، ناول الحلاق شقه الأيمن فحلقه، ثم ناول الحلاق شقه الأيسر فحلقه، ثم ناوله أبا طلحة فقسمه بين الناس (٣). ٨٥٧ - حدثنا محمد بن عبد الوهاب، أبنا سليمان بن حرب، ثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس قال: رأيت النبي ﷺ والحلاق يحلقه، وقد أطاف به أصحابه لا يريدون أن يقع شعره إلا في يد رجل (٤). ٨٥٨ - حدثنا عبد الله بن أحمد، ثنا أبو سلمة، ثنا أبان، نا يحيى، أن أبا سلمة حدثه، أن محمد بن عبد الله بن زيد حدثه، أن أباه شهد النبي ﷺ عند النحر هو ورجل من الأنصار، فقسم رسول الله ﷺ ضحايا فلم يصبه شيء ولا صاحبه، فحلق رسول الله ﷺ في ثوبه وأعطاه إياه فقسم منه على

стр. 878

رجال، وقلم أظفاره وأعطى صاحبه، قال: فإنه مخضوب عندنا بالحناء والكتم (١) (٢). قال أبو بكر: قد اختلف أهل العلم في شعور بني آدم. فكان عطاء بن أبي رباح لا يرى بأسًا أن ينتفع بشعور الناس التي تحلق بمنى. وقال بعضهم كل ما كان طاهرًا في حال حياته يجوز ملكه والانتفاع به، وإن كان ما لا يؤكل لحمه فلا بأس بالانتفاع بشعره في الحياة وبعد الممات؛ لأن الشعر لا يموت، وذلك كالإنسان وهو طاهر وشعره طاهر، فإذا جز لم يتغير عن حاله، لأن الشعر لا ذكاة عليه ولا حياة فيه، وهو بعد الجز وقبله، وبعد موت الإنسان وقبله على معنى واحد لا يتغير، وكذلك الحمار الأهلي، والسنور، وكل ما ملكه وكان طاهرًا في حال حياته مما لا يؤكل لحمه، وكل ما لم يجز ملكه والانتفاع به في حال حياته، فكذلك شعره في حياته وبعد موته، لا يجوز الانتفاع به، وذلك كالخنزير. قال أبو بكر: وأنا ذاكر اختلاف أهل العلم في الخنزير فيما بعد إن شاء الله تعالى. وقال آخر: مما يتعارفه الناس فيما بينهم أن أحدهم يصلي وعلى ثوبه بعض الشعر من رأسه ولحيته، وفيما يجدونه في أطعمتهم وأشربتهم من الشعر لا يتعافون ذلك، بيان على أن الشعر طاهر، وليس مع من ادعى أن شعور بني آدم نجسة حجة تلزم.

стр. 879

قال أبو بكر: وفي قسم من قسم شعر النبي ﷺ بين الناس، بيان على طهارة الشعر، وإن قال قائل: شعر رسول الله ﷺ فقد سمعت بعض من يقصر فهمه يقوله، وقال: لا يجوز أن تجعل شعور سائر الناس كشعره. نبين له، ليس يدخل على من قال: "إن الشعر طاهر" شيئًا إلا دخل على من قال: "إن المني طاهر" مثله؛ لأنه يحتج في طهارته بفرك عائشة المني من ثوب النبي ﷺ ، ولن يدخل في أحدهما شيء إلا دخل في الآخر مثله، والتحكم لا يجوز، وعلى أن اختلاف القول لا يفارق بعض من خالف ما قلناه؛ لأنه قال: من مس عضوًا من أعضاء زوجته انتقضت طهارته، وإن مس شعرها لم تنتقض طهارته، وقوله لا: شعرك طالق، مثل قوله لها: رجلك طالق، فقد جعل الشعر كعضو من أعضائها في باب الطهارة، قال: شعور بني آدم وما لا يجوز أكل لحمه نجس؛ لأن ما قطع من الحي هو ميت، فليقل مثل ذلك في شعور ما لا يؤكل لحمه" (وليس بينهما) (١). قال الشافعي (٢): ولا يصلي الرجل ولا المرأة واصلين شعر إنسان بشعورهما ولا شعورهما بشيء لا يؤكل لحمه، ولا بشعر شيء يؤكل لحمه، إلا أن يؤخذ منه شعره وهو حي، فيكون في معنى الذكي، كما يكون اللبن في معنى الذكي، أو يؤخذ بعدما يذكى ما يؤكل لحمه فتقع الذكاة على كل حي منه وميت، وإن سقط من شعورهما شيء، فوصلاه بشعر إنسان أو شعورهما لم يصليا فيه، فإن فعلا أعادا إن شاء الله. وقال إسحاق بن راهويه مثل معنى قول الشافعي وإن اختلفت ألفاظهما.

стр. 880

واحتج الشافعي (١) بخبر أسماء: ٨٥٩ - أخبرنا الربيع، أبنا الشافعي (١)، ثنا ابن عيينة، عن هشام بن عروة، عن فاطمة، عن أسماء قالت: أتت امرأة النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن ابنة لي أصابتها الحصبة فتمزق شعرها أفأصل فيه؟ فقال النبي ﷺ : "لعنت الواصلة والموصولة" (٢). قال أبو بكر: وقد أجاب عن هذا بعض أصحابنا ممن يرى أن الشعر طاهر، بأن الخبر الذي فيه ذكر لعن الواصلة والموصولة لم يخص شعر ميت دون شعر حي، ولا شعر حي دون شعر ميت، ولا شعر ما يؤكل لحمه دون ما لا يؤكل لحمه، بل أجابها النبي ﷺ جوابًا عامًا مطلقًا لم يخص شيئًا دون شيء، فقال: "لعن الله الواصلة والمستوصلة"، فذلك عام مطلق على ما جاء به الخبر، لا يحل لامرأة أن تصل شعرها بشعر شيء مما يؤكل لحمه، ولا مما لا يؤكل حيًا ولا ميتًا على ظاهر الخبر، ليس لأحد أن يخص من ذلك شيئًا دون شيء إلا بخبر عن النبي ﷺ ، وليس ذلك لنجاسة في الشعر الموصول، ولكنه تعبد تعبد به النساء، وذلك كلعنه النامصة والمتمصة، والواشمة والمستوشمة، والمتفلجة للحسن. ٨٦٠ - حدثنا يحيى بن محمد، ثنا مسدد، ثنا يحيى عن عبيد الله بن عمر، أخبرني نافع، عن عبد الله قال: لعن رسول الله ﷺ الواشمة والمستوشمة، والواصلة والمستوصلة (٣).

стр. 881

٨٦١ - حدثنا علي بن الحسن، ثنا علي بن قادم، ثنا سفيان بن سعيد الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: لعن الله الواشمات والموشومات، والمتنمصات والمتفلجات؛ المغيرات خلق الله. فقالت امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب: إنك لعنت كيت وكيت؟!! قال: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ وهو في كتاب الله . قالت: قد قرأت ما بين اللوحين فما وجدته. فقال لها: أقرأت ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، فإن رسول الله ﷺ قد نهى عنه. فقالت: إن أهلك أظنه تفعله. قال: فاذهبي وانظري، فذهبت فلم تر شيئًا من حاجتها، فقال عبد الله: لو كان كذلك ما جامعتنا (١). ٨٦٢ - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق (٢)، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: زجر رسول الله ﷺ أن تصل المرأة في شعرها شيئًا (٣). قال أبو عبيد (٤): قال الفراء: النامصة التي تنتف الشعر من الوجه، والمتنمصة التي تفعل ذلك بها. وقال غير الفراء: الواشرة التي تشر أسنانها، وذلك أنَّها تفلجها وتحددها حتى يكون لها أشر، والأشر: تحدد ورِقَّة في أطراف الأسنان، وإنما يكون في أسنان الأحداث، تفعله الكبيرة لتتشبه بأولئك. وأما الواصلة والمستوصلة فإنه في الشعر؛

стр. 882

وذلك لأنَّها تصله بشعر آخر، وأما الواشمة والمستوشمة فإن الوشم في اليد، كانت المرأة تغرز ظهر كفها أو معصمها بإبرة، أو مسلة حتى تؤثر فيه، ثم تحشوه بالكحل فيخضر، يفعل ذلك بدارات (١). قال أبو بكر: فاللازم لمن يقول بظاهر الأخبار أن يكون النهي عن ذلك على الظاهر، وكل امرأة وصلت شعرها بشعور بني آدم أو شعور البهائم، وهي عالمة بنهي النبي ﷺ أن المعصية تلحقها، إلا أن تدل حجة من كتاب أو سنة على إباحة بعض ذلك؛ فيستثنى من ذلك ما دلت عليه الحجة، ولا نعلم خبرًا يوجب أن يستثنى به من جملة ما جاء به النهي عن النبي ﷺ . وكان النعمان (٢) يقول: لا خير في بيع شعر بني آدم، ولا يجوز بيعه ولا ينتفع به، وكذلك قال يعقوب، قال: ولا بأس أن تصل المرأة شعرها بالصوف. والله أعلم. * * * ذكر شعر الخنزير قال الله ﵎: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ (٣). وثبت أن رسول الله ﷺ حرم الخنزير. ٨٦٣ - حدثنا محمد بن إسماعيل، ثنا سعيد بن سليمان، ثنا ليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، قال: قال عطاء بن أبي رباح: قال سمعت

стр. 883

جابر بن عبد الله يقول وهو بمكة: إنَّ رسول الله ﷺ حرم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام، فقيل له: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة فإنه يدهن [بها] (١) السفن، ويدهن [بها] (١) الجلود، ويستنفع بها الناس؟ قال: "لا، هي حرام"، ثم قال: "قاتل الله اليهود؛ لما حرم الله عليهم الشحوم جملوه ثم باعوه وأكلوا ثمنه" (٢). قال أبو بكر: وأجمع أهل العلم على تحريم الخنزير، والخنزير محرم بالكتاب والسنة واتفاق الأمة (٣). واختلفوا في استعمال شعره. فرخصت طائفة أن يخرز به، رخص فيه الحسن البصري، ومالك (٤)، والأوزاعي، والنعمان (٥). وقد روينا عن الشعبي أنه سئل عن جُرُب من جلود الخنازير يحمل فيها مديد (٦) من أذربيجان؟ فقال: لا بأس به. ورخص الأوزاعي في شرائه وكره بيعه. وكره النعمان شراءه وبيعه (٧). وكره استعمال شعر الخنزير ابن سيرين، والحكم، وحماد، وأحمد، وإسحاق (٨). وقال أحمد وإسحاق: يخرز بالليف أحب إلينا.

стр. 884

قال أبو بكر: لا يجوز استعمال المحرم بحال، استدلالًا بخبر جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ لما قيل في شحوم أنه يدهن بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستنفع بها الناس؟ قال: "لا، هي حرام" ثم ذكر قصة اليهود. ففي حديث جابر دليل أن ما حرمه رسول الله ﷺ محرم استعماله، ومحرم بيعه وشراؤه، ويدل خبر ابن عباس على مثل ذلك. ٨٦٤ - حدثنا يحيى بن محمد، نا مسدد، ثنا بشر بن المفضل، عن خالد الحذاء، عن بَرَكةِ، عن ابن عباس قال: رأيت رسول الله ﷺ جالسًا عند الركن، فرفع بصره إلى السماء فضحك، فقال: "لعن الله اليهود - ثلاثًا -، إن الله حرم عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله حرم على قوم شيئًا حرم عليهم ثمنه" (١). * * * ذكر اختلاف أهل العلم في عظام الميتة والعاج اختلف أهل العلم في الانتفاع بعظام الميتة، وأنياب الفيَلة: فكرهت طائفة ذلك قال عطاء: زعموا أنه لا يُصاب عظامها إلا وهي ميتة، قال: فلا يُستمتع بها. قيل: وعظام الميتة كذلك؟ قال نعم. قيل: ويُجعل في عظام الميتة يخبأ فيه؛ قال: لا (٢). وكره طاوس، والحسن البصري، وعمر بن عبد العزيز العاج. وقال مالك (٣) في أمشاط العاج: ما كان فيها ذكي فلا بأس به، وما كان

стр. 885

منها ميت فلا خير فيه. وكره ذلك معمر. وقال الشافعي (١)، لا تباع عظام الميتة. ورخصت طائفة في العاج، هذا قول عروة بن الزبير، وقال هشام: كان لأبي مشط ومدهن من عظام الفيل. وكان ابن سيرين لا يرى بالتجارة فيه بأسًا (٢). وقد روينا عن الحسن البصري قولًا ثانيًا: وهو أن لا بأس بأنياب الفيلة، وكان النعمان (٣) يقول: لا بأس ببيع العاج وما أشبهه من العظام والقرون، وإن كان من ميتة، وكذلك الريش والوبر والشعر. وقد روينا عن الشعبي (٤) أنه سئل عن لحم الفيل فلم ير به بأسًا، وكان سفيان الثوري يقول: لا أرى بالقرن، والظلف بأسًا، وما وقع منه حي فليس به بأس ليس بمنزلة العظم. وقال أصحاب الرأي (٥): لا بأس بعظم الميت إذا غسل. وكان الليث بن سعد يقول: لا بأس بعظام الميتة أن ينتفع بها؛ الأمشاط والمداهن وغير ذلك، إذا أغليت على النار بالماء حتى يذهب ما فيها من الدسم، وهذا الذي سمعته من العلماء. قال أبو بكر: حرم الله الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وثبت أن رسول الله ﷺ حرم الميتة، وأجمع أهل العلم في جمل أقاويلهم على تحريم

стр. 886

الميتة (١)، واختلفوا في عظام الميتة على سبيل ما ذكرناه عنهم، فالميتة محرمة على ظاهر كتاب الله ، وسنة نبيه ﷺ ، واتفاق الأمة، ومن الدليل البين على أن العظم يحيى بحياة الحيوان ويموت بموته قوله تعالى ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ (٢)، فأعلمنا أنه يحيي العظام، ودل ذلك على أن في العظم حياة، وليس الشعر والصوف كذلك؛ لأنه لا حياة فيهما، ودل إجماع أهل العلم. على طهارة الصوف إذا جز من الشاة وهي حية (٣)، وأن عضوًا لو قطع منها وهي حية أن ذلك نجس (٤)، فلما أجمعوا على الفرق بينهما بأن أحدهما يحيى بحياة ذي الروح ويموت بموته، وأن الآخر لا حياة فيه فيموت بموت ذي الروح، وأما الجلد المدبوغ فيستثنى من جملة الميتة بالخبر الثابت عن نبي الله ﷺ ، ولولا ذلك كان حكمه حكم الميتة، ولو وجدنا في العظم سنة (٥) عن رسول الله

стр. 887

ﷺ توجب استثناءه كما وجب استثناء الجلد المدبوغ لأخرجناه من جملة الميت كما أخرجنا الجلد المدبوغ. وقد ذكر ربيعة بن كلثوم أن ضرسًا للحسن سقط قال: فقال لي الحسن: يا ربيعة، أشعرت أنه مات بعضي اليوم. فأما إباحة الكوفي الانتفاع بشعر الخنزير، ومنعه الانتفاع بشعور بني آدم وبيعها، فمن أعجب ما حكي وأقبحه، إذ هو خارج عن باب النظر والمعقول. * * * ذكر الميتة تقع في الزيت والسمن ٨٦٥ - أخبرنا حاتم بن منصور وعبد الله بن أحمد، قالا: ثنا الحميدي (١)، ثنا سفيان، ثنا الزهري، أخبرني عبيد الله بن عبد الله، أنه سمع ابن عباس يحدث عن ميمونة أن فأرة وقعت في سمن فماتت؛ فسئل النبي ﷺ عنها؟ فقال: "ألقوها وما حولها، فكلوه" (٢)، فقيل لسفيان: كان معمر يحدثه عن الزهري؛ عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة؟ فقال سفيان: ما سمعت الزهري إلا عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة، عن النبي ﷺ ، ولقد سمعته منه مرارًا. قال أبو بكر: واختلف عن مالك فيه.

стр. 888

٨٦٦ - فحدثناه علي، عن القعنبي، عن مالك (١)، عن ابن شهاب، عن عبيد الله، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ سئل عن فارة وقعت في سمن فقال: "خذوها وما حولها من السمن فاطرحوه" (٢). ورواه عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك بإسناده فقال: عن ميمونة (٣). ٨٦٧ - حدثنا إسحاق، عن عبد "الرزاق" (٤) (٥) عن معمر، عن الزهري عن ابن المسيب، عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله ﷺ عن الفأرة تقع في السمن. قال: "إذا كان جامدًا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعًا فلا تقربوه" (٦).

стр. 889

وقد كان معمر يذكره أيضًا عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس عن ميمونة (١). وكذلك أخبرناه ابن عيينة (٢). * * *

стр. 890

ذكر الاختلاف في الانتفاع بالسمن المائع الذي سقطت فيه الفأرة اختلف أهل العلم في السمن المائع الذي سقطت فيه الفأرة، فقالت طائفة: ينتفع به. ٨٦٨ - حدثنا موسى بن هارون، أبنا يحيى الحِمَّاني، ثنا شريك، عن عطاء، عن ميسرة وزاذان، عن علي قال؛ إذا وقعت الفأرة في السمن فإن كان جامدًا رمى بها وما حولها وأكل، وإن كان ذائبًا استصبح به (١). ٨٦٩ - وحدثنا موسى بن هارون، ثنا يحيى، ثنا قيس، عن أبي حصين، عن يحيى بن وثاب، عن مسروق، عن عبد الله مثله (٢). ٨٧٠ - حدثنا موسى، ثنا يحيى، ثنا شريك، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس مثله (٣). ٨٧١ - حدثنا علي بن الحسن، ثنا عبد الله بن الوليد، عن سفيان، ثنا حمران بن أعين، عن أبي حرب بن أبي الأسود الديلي قال: سئل ابن مسعود عن فأرة وقعت في سمن، فقال ابن مسعود: إنما حرم الله من الميتة لحمها ودمها (٤). ٨٧٢ - حدثنا علي بن الحسن، ثنا عبد الله بن الوليد، عن سفيان، عن

стр. 891

أبي هارون، عن أبي سعيد الخدري أنه قال في الفأرة تقع في السمن أو الزيت، قال: انتفعوا به ولا تأكلوه (١). ٨٧٣ - حدثنا علي بن الحسن، ثنا عبد الله، عن سفيان، عن خالد الحذاء، عن ابن سيرين، عن أبي موسى الأشعري قال: وقعت فأرة في سمن، فقال أبو موسى: بيعوه وبينوا، ولا تبيعوه من مسلم (٢). ٨٧٤ - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق (٣)، عن معمر والثوري، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أن فأرة وقعت في زيت عشرين فرقًا، فقال ابن عمر: استسرجوا به وادهنوا به الأدم. وقال عطاء: أرى أن يستثقب (٤) به ولا يؤكل، وقال في الدهن: ينش (٥) فيدهن به إذا لم يقذره، وقال في شحوم الميتة: تدهن به السفن. وقال الليث بن سعد: لا يؤكل ولكن يستصبح به، وليتوقى الذي يستصبح أن يمس به ثوبًا أو طعامًا، وقال الليث بن سعد في الدجاجة تقع في قدر اللحم، وهي تطبخ: لا أرى أن يؤكل ذلك القدر إلا أن يغسل ذلك مرارًا، ويغلى على النار حتى يذهب كل ما كان فيها،

стр. 892

[وكذلك] (١)، والزيتون يفعل به مثل ذلك إذا وقعت فيه الفأرة. وقال مالك (٢): لا يؤكل من هذا شيء، لأن الميتة قد خلط بها ما كان في القدر. وقال الحسن البصري في الطير يقع في القدر: يصب المرق ويؤكل اللحم. وقال الشافعي (٣): في الزيت تموت فيه الفأرة يستصبح به. وقال سفيان الثوري: أهريقه أو أسرج به. وقال أحمد بن حنبل (٤): إنما يستصبح به بحديث ابن عمر. واختلفوا في بيع السمن الذي سقطت فيه فأرة، فروينا عن أبي موسى الأشعري أنه قال: "بيعوه وبَيِّنوا، ولا تبيعوا من مسلم"، وسئل الليث بن سعد عن زيت ماتت فيه فأرة يباع من نصراني؟ قال: إذا بين ذلك له لم نر به بأسًا، ولو باعه من مسلم بعد أن يبين لئلا يجعله في شيء إلا في مصباحه، كان أحب إلي من أن يبيعه من نصراني، لئلا يغر به مسلمًا. وقال الليث بن سعد في بيع جلود الميتة: لا بأس أن يباع من الدباغين إذا بينت أنَّها ميتة؛ لأن النبي ﷺ أذن في الانتفاع بها. وقال إسحاق بن راهويه: إن باعه من أهل الكتاب يبين، ولا يبيعه من مسلم، ولو كان هذا من تحريم الله ما حل بيعه أصلًا.

стр. 893

ومنعت طائفة من بيعه، وممن منع من بيع السمن الذي وقعت فيه فأرة: مالك بن أنس (١)، والشافعي (٢)، وأحمد بن حنبل (٣). وكرهت طائفة بيعه والانتفاع به. ٨٧٥ - حدثنا يحيى بن محمد، ثنا أبو عمر، ثنا حماد، ثنا عطاء بن السائب، عن ميسرة، عن علي قال: إذا ماتت الفأرة في سمن جامد فخذوها وما حولها فالقوه، وكلوا ما بقي، وإن ماتت في ذائب فلا تأكلوه، كان ماتت في خل فلا تأكلوه، وإن ماتت في بئر فانتزعوا ماءها (٤). ٨٧٦ - حدثنا يحيى بن محمد، ثنا أبو عمر الحوضي، ثنا حماد بن سلمة، عن أبي المهزَّم قال: سمعت أبا هريرة يقول: إذا ماتت "الفأرة" (٥) في السمن فلا تأكلوه فإنها فاسقة (٦). وقال النخعي (٧): إن كان ذائبًا يغلي فلا تأكلوه، وإن كان باردًا فخذوها حين تقع من تحتها غرفة وكلوا ما بقي. وقال ابن جريج (٨)؛ قلت لعمرو بن دينار: إذا ماتت الفأرة في الدهن وهو يابس أيدهن به؟ قال: لا أحبه. وروينا عن عكرمة أنه سئل عن سام

стр. 894

أبرص - وهو الوزغ - وقع في إناء فيه دهن فمات فيه؛ فأمرهم أن يهريقوه. وكره مالك (١) أن يتخذ من الزيت الذي سقطت فيه الفأرة صابونًا، أو يباع ليغسل بالصابون، وقال: إني لأكره ذلك وما يعجبني. واختلفوا في الشاة تموت وفي ضرعها لبن فرخصت طائفة في شرب ذلك اللبن هذا قول النعمان (٢) قال: لا بأس بالأنفحة واللبن وإن كان في ضرع شاة ميتة. وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: اللبن لا يموت. ٨٧٧ - من حديث يحيى بن يمان، عن محمد بن عجلان، عن أبي إسحاق، عن قرظة قال: قال عمر: اللبن لا يموت (٣). وقال سفيان الثوري (٤) في اللبن في ضرع شاة ميتة قال: أما اللبن فلا بأس به، ولكني أكرهه أنه في ظرف (٥) ميتة، وعُرِضَ قول الثوري: لا يعجبني لأنه في ظرف ميتة. على أحمد (٦) فقال: صدق، قال إسحاق كما قال. وقال الأوزاعي في تفسير قوله: "اللبن لا يموت"، إنما ذلك إذا ماتت المرأة وفي ثدييها لبن فسقي من ذلك اللبن صبي، فيحرم كما يُحرِّم في الحياة، ليس كما يقولون: إذا ماتت الشاة وفي ضرعها لبن.

стр. 895

وقال يعقوب (١): أكره الأنفحة واللبن إذا كانا في ضرع شاة ميتة من قبل الوعاء الذي هو فيه، إلا أن تكون الأنفحة جامدة فتكون كالبيضة من الميتة، لا بأس بها. واختلفوا في البيضة تخرج من الدجاجة وهي ميتة، فروي عن ابن عمر أنه كرهها، قيل له: إنها فرخت دجاجة، فقال للقائل: ممن أنت؟ فقال: من أهل العراق. فقال: لعن اللّه أهل العراق. ٨٧٨ - من حديث إسحاق بن راهويه، عن جرير، عن عطاء بن السائب، عن كثير بن جمهان السلمي قال: سأل رجل ابن عمر .... (٢). وروي أن ابن الكواء قام إلى علي بن أبي طالب وهو على المنبر فقال: إني وطئت دجاجة ميتة فخرجت منها بيضة آكلها؟ فقال علي: لا. قال: فإني استحضنتها تحت دجاجة فخرج منها فروج آكله؟ قال: نعم. قال: كيف؟ قال: لأنه حي خرج من ميت. ٨٧٩ - من حديث يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب قال: أخبرني يحيى بن أيوب، عن أبي صخر، عن أبي معاوية البجلي، عن أبي الصهباء البكري قال: قام ابن الكواء .... (٣). قال أبو بكر: وقد ذكرت فيما مضى عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، والليث نحوًا من هذا القول، وقال مالك (٤): لا أرى أكلها، وقال

стр. 896

أصحاب الرأي (١): لا بأس بها. قال أبو بكر: لا فرق بين البيضة التي قد اشتدت وصلبت تقع في البول والدم، وبين كونها في بطن الدجاجة الميتة، أنَّها إذا غسلت تؤكل؛ لأن النجاسة غير واصلة إليها في واحد من الحالين لصلابتها، والحائل بينها وبين النجاسة من القشر الصحيح الذي (يحيط العلم) (٢) أن لا سبيل لوصول شيء إلى داخلها، فإذا كانت غير صلبة لينة فهي نجسة لا يجوز أكلها. قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله ﷺ قال في فأرة وقعت في سمن: "إن كان مائعًا فلا تقربوه" (٣). فغير جائز على ظاهر خبر رسول اللّه ﷺ بيع ذلك وشراؤه والانتفاع به، بأي وجه كانت المنفعة، باستصباح به، أو استعمال في الدباغ، ولا يجوز بيعه من غير المسلمين؛ لأنه حرام قد نجس بوقوع الميتة فيه، ولما أمر النبي ﷺ بطرح موضع الفأرة من السمن الجامد منه، وكان حكم المائع منه في النجاسة حكم ما حول السمن الذي وقعت فيه الفأرة من الجامد منه، دل ذلك على تحريم استعماله، وذلك أنه لا يأمر بطرح ما إلى استعماله والانتفاع به سبيل، وكيف يجوز ذلك وقد أخبرنا أن الله تعالى ذكره كره لنا إضاعة المال؟! ولو كان الانتفاع به جائزًا ما أمرنا بطرحه، وفي قوله: "فلا تقربوه" بيان ذلك في حديث جابر بن عبد الله، وقد ذكرته فيما مضى، لما قيل له: أرأيت يا رسول الله شحوم الميتة، فإنه يدهن بها

стр. 897

السفن، ويدهن بها الجلود، ويستنفع بها الناس؟ فقال: "لا" (١). أبين البيان على أن السمن المائع إذا سقطت فيه الفأرة غير جائز الانتفاع به بوجه من الوجوه؛ لأن الذي منع منه النبي ﷺ في معناه نجس حرام مثله. ٨٨٠ - حدثنا يحيى، ثنا الحجبي، ثنا أبو عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن ورَّاد - كاتب المغيرة - قال: كتب معاوية إلى المغيرة: أن اكتب إليَّ ما سمعت من رسول الله ﷺ فكتب إليه أنه كان ينهى عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال (٢). ومما يحتج به في المنع من ثمن ما هو حرام، أخبار ثابتة عن رسول الله ﷺ منها حديث ابن عباس. ٨٨١ - حدثنا محمد بن إسماعيل، ثنا سعيد بن سليمان، نا هشيم، ثنا خالد الحذاء، عن [ابن] (٣) عريان المجاشعي قال: سمعت ابن عباس يقول: قال رسول الله ﷺ : "لعن الله اليهود؛ حرمت عليهم الشحوم، فباعوها وأكلوا أثمانها، وأنَّ الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه". قال أبو بكر: فقد أجمل النبي ﷺ الأشياء كلها، وأعلم أن اللّه إذا حرم شيئًا حرم ثمنه، وقد حرم رسول الله ﷺ أكل السمن الذي سقطت فيه الفأرة، وما حرمه رسول الله ﷺ كتحريم الله ، وليس يجوز أن يخص من ذلك شيئًا إلا بحجة.

стр. 898

فإن قال قائل: فقد وجدنا أشياء يجوز بيعها ويحل أثمانها ولا يحل أكلها وذلك كالرقيق، ولحوم الحمر الأهلية، قيل: ذلك مستثنى من جملة ما حرم رسول الله ﷺ لإجماع الأمة على ذلك، ولا نعلم أهل العلم اختلفوا في إباحة بيع الحمر (١)، لما نهى عنه رسول الله ﷺ وهو أكل الحمر الأهلية فهو حرام، وكذلك لمَّا أجمعوا على تحريم لحوم بني آدم وجب تحريمه، ولما أباحوا بيع الرقيق والحمر الأهلية كان ذلك جائزًا، ولو اختلف الناس في شيء من ذلك لكان حكمه في التحريم حكم ما أجمل النبي ﷺ من قوله: "إن الله إذا حرم شيئًا يحرم ثمنه" (٢). ٨٨٢ - حدثنا علي بن عبد العزيز، ثنا ابن الأصبهاني، أبنا يحيى بن أبي زائدة، عن محمد بن إسحاق، ثنا عطاء، عن جابر قال: لما قدم النبي ﷺ مكة أتاه أصحاب الصليب الذين يجمعون الأوداك من الميتة وغيرها، وإنما هي للسفن وللأداة، فقال: "قاتل الله اليهود حرمت عليهم شحومها فباعوها وأكلوا ثمنها، قال: فنهاهم عن ذلك" (٣). ٨٨٣ - حدثنا محمد بن إسماعيل، ثنا أبو حذيفة، ثنا إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله: "لعن الله اليهود؛ حرمت عليهم الشحوم، فباعوها وأكلوا أثمانها" (٤).

стр. 899

قال أبو بكر: فإن احتج محتج بخبر عبد الجبار بن عمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه أنه كان عند رسول الله ﷺ حين جاءه رجل فسأله عن فأرة وقعت في سمن لهم؟ فقال: "أجامد؟ لا قال: نعم. قال: "اطرحوها واطرحوا ما حولها وكلوا ودكه". قالوا: يا رسول الله، إنه مائع؛ قال: "انتفعوا به ولا تأكلوه" (١). ٨٨٤ - حدثنا علان بن المغيرة، ثنا ابن أبي مريم، عن ابن وهب، عن عبد الجبار. وليس يجوز أن يقابل بهذا الخبر خبر الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة. [و] (٢) عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة؛ لأن عبد الجبار هذا ضعيف، واهي الحديث، قال يحيى بن معين: عبد الجبار بن عمر ضعيف، يروي عنه ابن وهب. قال محمد بن إسماعيل: عبد الجبار الأيلي سمع الزهري، [عنده] (٣) مناكير (٤). وقد روى بعض أهل مصر عن يحيى بن أيوب، عن ابن جريجٍ، عن

стр. 900

الزهري، عن سالم، عن ابن عمر نحو هذا الحديث (١)، قال أحمد بن حنبل: في حديثه - يعني يحيى بن أيوب - الوهم، كان يحدث من حفظه، فذكر له من حديثه، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة: أن النبي ﷺ كان يقرأ في الوتر. (٢) فقال: ها! من يحتمل هذا. فإن احتج محتج بالأخبار التي رويت عن رسول الله ﷺ في هذا الباب، قيل له: ليس في أحد مع رسول الله ﷺ حجة، ولو علم من بعد رسول الله ﷺ ما سنه رسول الله ﷺ في هذا الباب، لرجع إليه، ولا يجوز أن يظن بهم غير ذلك. * * * ذكر اختلاف أهل العلم في الانتفاع بالمسك وطهارته اختلف أهل العلم في الانتفاع بالمسك فأباحت طائفة الانتفاع به، وممن رآه طاهرًا: ابن عمر، وأنس بن مالك، وروي ذلك عن علي، وسلمان. ٨٨٥ - [حدثنا إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق (٣)، عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان يطيب الميت بالمسك، يذر عليه ذرورًا] (٤).

стр. 901

٨٨٦ - حدثنا إسماعيل بن قتيبة، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة (١)، ثنا عبد الله بن المبارك، عن حميد، عن أنس، أنه جعل في حنوطه صرة من مسك، أو مسك فيه شعر من شعر النبي ﷺ . ٨٨٧ - حدثنا إسماعيل بن قتيبة، ثنا أبو بكر (١)، ثنا حميد بن عبد الرحمن، عن حسن، عن هارون بن سعد، أن عليًا أوصى أن يجعل في حنوطه مسك، قال:. هو فضل حنوط النبي ﷺ . ٨٨٨ - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق (٢)، عن ابن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن الشعبي قال: كان سلمان أصاب مسكًا من بلنجر (٣) فأعطاه امرأته ترفعه، فلما حُضِرَ قال لها: أين الذي استودعتك؟ قالت: هو هذا، فأتته، قال: رشيه حولي فإنه يأتي خلق من خلق الله لا يأكلون الطعام ولا يشربون الشراب يجدون الريح. وممن رخص في المسك للميت ابن سيرين، وروي ذلك عن سعيد بن المسيب، وجابر بن زيد. وقال مالك (٤): لا بأس بأن يحنط الميت بالمسك وأن يطيب به الحي، ورخص في الطيب بالمسك للرجال والنساء الليث بن سعد، وهو قول الشافعي (٥)، وأحمد (٦).

стр. 902

قال أبو بكر: والمسك طاهر يستعمله الحي، ويُجعل في حنوط الميت للأخبار التي رويناها عن رسول الله ﷺ . ٨٨٩ - حدثنا إبراهيم بن محمد بن إسحاق، ثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا المستمر بن الريان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: "إن أطيب الطيب المسك" (١). ٨٩٠ - حدثنا محمد بن إسماعيل، ثنا يعقوب، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عبيد الله، ثنا إسرائيل، عن عبد الله بن مختار، عن موسى بن أنسٍ، عن أنس، أن رسول الله ﷺ كان له مسك (٢) يتطيب به (٣). ٨٩١ - حدثنا يحيى بن محمد، نا مسدد، ثنا مسلم بن خالد، عن موسى بن عقبة، عن أمه (٤)، عن أم كلثوم قالت: لما تزوج النبي ﷺ أم سلمة قال لها: "إني قد أهديت إلى النجاشي أواقي من مسك

стр. 903

وحلة، وإي لا أراه إلا قد مات، ولا أرى الهدية التي أهديت إلا سترد عليَّ، فإن ردت عليَّ فهي لك". فكان كما قال ﷺ ، مات النجاشي وردت عليه الهدية، فلما ردت عليه الهدية أعطى كل امرأة من نسائه أوقية من ذلك المسك، وأعطى أم سلمة سائرها وأعطاها الحلة (١). قال أبو بكر: حديث أنس إسناده جيد (٢)، واستعمال المسك جائز يستعمله الحي ويجعل في حنوط الميت، وفي أمر النبي ﷺ المرأة أن تأخذ بعد اغتسالها من المحيض فرصة ممسَّكة تتبع بها آثار الدم دليل على طهارة المسك. وقد روينا عن غير واحد أنهم كرهوه، وإذا ثبت الشيء عن النبي ﷺ لم يضره ما خالفه من الأخبار من دون النبي ﷺ ، على أن حديث عمر لا أحسبه يصح (٣)، ولا نعلم الكراهة لاستعمال المسك عنه، عن أحد من أصحاب النبي ﷺ .

стр. 904

٨٩٢ - حدثنا يحيى بن محمد، ثنا أبو عمر الحوضي، ثنا شعبة، عن الحجاج، عن فضيل، عن عبد الله بن مغفل، أن عمر أوصى في غسله أن لا تقربوه بمسك (١). وقد روينا عن عمر بن عبد العزيز، ومجاهد، والحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح، أنهم كرهوا المسك، ولا نعلم تصح كراهية ذلك إلا عن عطاء، وروينا عن مجاهد أنه كان يحب المسك ويعجبه، ويكرهه للميت. ويروى عن الضحاك أنه قال: المسك ميتة ودم. * * *

стр. 905

جماع أبواب جلود السباع ٨٩٣ - حدثنا إبراهيم بن عبد الله، ثنا يزيد بن هارون، ثنا شعبة، عن يزيد الرِّشْك، عن أبي المليح الهذلي، عن أبيه قال: نهى رسول الله ﷺ عن جلود السباع أن تفترش (١). ٨٩٤ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق (٢)، عن معمر، عن قتادة، عن أبي شيخ الهنائي، أن معاوية قال لنفر من أصحاب رسول الله ﷺ : تعلمون أن نبي الله ﷺ نهى عن سروج النمور أن يركب عليها؟ قالوا: نعم. ٨٩٥ - حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى، ثنا أبو عمر الحوضي، ثنا همام، عن قتادة (٣). وثنا محمد بن إسماعيل، ثنا عفان، ثنا همام، ثنا قتادة، عن أبي شيخ الهنائي قال: كنت في ملأ من أصحاب رسول الله ﷺ عند معاوية، فقال معاوية: أنشدكم الله أتعلمون أن رسول الله ﷺ نهى عن ركوب صُفَفِ (٤) النمور. قالوا: اللهم نعم. قال: وأنا أشهد (٥).

стр. 906

٨٩٦ - حدثنا يزيد بن عبد الصمد الدمشقي، ثنا محمد بن عثمان، ثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن زرارة، عن سعد بن هشام، عن عائشة أن نبي الله ﷺ قال: "لا تقرب الملائكة رفقة فيها جرس ولا جلد نمر" (١). ٨٩٧ - وروى هذا الحديث بندار، عن أبي داود، عن عمران، عن قتادة، عن زرارة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "لا تصحب الملائكة رفقة فيها جلد نمر" (٢). واختلفوا في جلود الهر، والنمور، والثعالب وغير ذلك من السباع. ٨٩٨ - حدثنا موسى بن هارون، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة (٣)، ثنا هشيم، أبنا يونس بن عبيد، عن ابن سيرين، عن أنس، أن عمر رأى رجلًا يصلي وعليه قلنسوة بطانتها من جلود الثعالب، قال: فأكفاها عن رأسه وقال: ما يدريك لعله ليس بذكي. وقد روينا عن عطاء، وطاوس، ومجاهد، أنهم كانوا يكرهون أن ينتفعوا بشيء من جلود السنانير، أو يؤكل لحومها، وأثمانها، وكره عَبيدة السلماني جلود الهرر وإن دبغ، وكره النخعي جلود السباع، وكره الحسن البصري أن يركب على سرج منمر، أو يفترش النمور، أو يقعد عليها. وأمر عمر بن عبد العزيز أن تشق سرج منمر، وشق عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بفراء وألقى عنه جلد النمر.

стр. 907

وقال سعيد بن جبير: نهي عن لحوم السباع وجلودها (١). ورخصت في جلود السباع إذا دبغت طائفة. ٨٩٩ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق (٢)، عن حميد، عن الحجاج بن أرطاة قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: لا بأس بجلود السباع إذا دبغت. وقال النخعي في جلود النمور: دباغها طهورها. وقال الحسن البصري في جلود النمور: تدبغ بالرماد والملح ذلك دباغها، ولم ير ببيعها بأسًا. وروينا عن ابن سيرين، وعمر بن عبد العزيز، وعروة بن الزبير، والحسن البصري، أنهم رخصوا في الركوب على السروج المنمرة، ورخص الزهري في جلود النمور، ورُئِي على إبراهيم النخعي قلنسوة فيها ثعالب، وقال الليث بن سعد: لا بأس بجلود الميتة إذا دبغت أو ملحت. واختلفوا في الصلاة في جلود الثعالب، فروينا عن عمر وعلي أنهما كرها الصلاة فيها، فأما إسناد حديث عمر فقد ذكرناه في الباب قبل، وأما حديث علي: ٩٠٠ - فحدثنا يحيى بن محمد، ثنا مسدد، نا هشيم، عن منصور بن زاذان، عن الحسن: أن عليًا كان يكره الصلاة في جلود الثعالب (٣). وكان يزيد بن هارون يقول: يعيد من صلى في جلود الثعالب.

стр. 908

وكره ذلك أحمد بن حنبل (١)، وإسحاق، وأبو ثور، وسئل الأوزاعي عن الصلاة على جلود السباع، فكره ذلك لما جاء فيه من الحديث. وفيه قول ثان: وهو إباحة أن يصلى في جلود الثعالب، روينا هذا القول عن الشعبي، وبه قال الحسن البصري، وأصحاب الرأي (٢) إذا دبغت. ورخصت طائفة في لبسها وكرهت الصلاة فيها، هذا قول سعيد بن جبير، والحسن البصري، والحكم بن عتيبة، ومكحول، وروينا معنى ذلك عن علي بن الحسين، وأبي العالية (٣). والله أعلم. * * * ذكر الأخبار التي فيها تحريم كل ذي ناب من السباع على العموم ٩٠١ - حدثنا علي بن عبد العزيز، ثنا القعنبي، عن عبد العزيز الدراوردي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ حرم كل ذي ناب من السباع (٤). ٩٠٢ - حدثنا محمد بن إسماعيل بن الصائغ، ثنا روح بن عبادة، ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن علي بن الحكم، عن ميمون بن مهران، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ نهى عن كل ذي

стр. 909

ناب من السباع (١). ٩٠٣ - حدثنا يحيى بن محمد، ثنا مسدد، ثنا سفيان، عن الزهري، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ثعلبة الخشني: أن النبي ﷺ نهى عن كل ذي ناب من السباع (٢). ٩٠٤ - حدثنا محمد بن إسماعيل، ثنا أبو النضر، ثنا عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله قال: لما كان يوم خيبر حرم رسول الله ﷺ يومئذ كل ذي ناب من السباع (٣). * * * ذكر الأخبار التي خصت بالنهي عن أكل كل ذي ناب من السباع ٩٠٥ - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق (٤)، عن معمر، عن الزهري، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ثعلبة الخشني قال: نهى رسول اللّه ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السباع (٥). ٩٠٦ - حدثنا علي بن عبد العزيز، ثنا القعنبي، عن مالك، عن إسماعيل بن أبي حكيم، عن عَبِيدَة بن سفيان الحضرمي، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "أكل كل ذي ناب من السباع حرام" (٦).

стр. 910

قال أبو بكر: قد ذكرنا ما حضرنا من اختلاف أهل العلم في الانتفاع بجلود السباع ميتة ومذبوحة، وكان الشافعي (١) يقول: يتوضأ في جلود الميتة كلها إذا دبغت، وجلود ما لا يؤكل لحمه من السباع قياسًا عليها، إلا جلد الكلب والخنزير، فإنه لا يطهر بالدباغ؛ لأن النجاسة فيهما وهما حيان قائمة، وإنما يطهر بالدباغ ما لم يكن نجسًا حيًّا. قال أبو بكر: ووافق أصحاب الرأي (٢) الشافعي في جلد الخنزير فقالوا: لا بأس بالانتفاع بجلود السباع كلها بعد الدباغ ما خلا جلد الخنزير؛ فإنه لا يجوز الانتفاع به، واحتجوا - أو من احتج منهم - بخبر ابن وعلة عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" (٣)، وجعل بعض من يقول بهذا القول ذلك قياسًا على جلد الشاة الميتة التي رخص النبي ﷺ في الانتفاع به بعد أن يدبغ. ومنعت طائفة من الانتفاع بجلود السباع قبل الدباغ وبعده مذبوحة وميتة، هذا قول الأوزاعي، وابن المبارك، وإسحاق (٤)، وأبي ثور، ولزيد بن هارون. وقد بلغنا عن مالك بن أنس (٥) أنه كان لا يرى الانتفاع بجلود السباع الميتة، وكره الصلاة فيها، وإن دبغت. وحكى معاوية بن عمرو عن الأوزاعي أنه قيل له في جلود السباع، قال: لا يباع ولا يأخذها أحد

стр. 911

لنفسه. وكان ابن المبارك يكره الصلاة في جلود الثعالب، ويكره بيعها وشراءها والانتفاع بها. قال أبو بكر: وقد احتجت هذِه الطائفة بحجج خمس: أحدها: أن الله حرم الميتة في كتابه فقال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ (١)، وكان ذلك عامًا واقعًا على جميع الميتة، ليس لأحد أن يخص من ذلك شيئًا إلا بخبر عن النبي ﷺ ، فجاء الخبر عن النبي ﷺ بإباحة الانتفاع بجلود ما يؤكل لحمه من الميتة بعد الدباغ؛ فأبحنا ذلك، ولم نجد في جلود السباع خبرًا يجب أن يستثنى به من جملة ما حرم الله من الميتة؛ فبقيت جلود السباع محرمة بالتحريم العام. وحجة ثانية: وهو أنه لا يُعلم بين أهل العلم اختلافًا في تحريم الانتفاع بجلود السباع قبل الدباغ وأنها نجسة، واختلفوا في الانتفاع بها بعد الدباغ، فلا يحل ما قد أجمعوا على تحريمه إلا بخبر ثابت عن النبي ﷺ ، لا معارض له، أو إجماع من أهل العلم، فلما لم يكن في ذلك خبر موجود، ثبت تحريمه على الأصل الذي أجمعوا عليه قبل الدباغ، ولا يزيل إجماعهم إلا إجماع مثله. وحجة ثالثة: وهي أنهم لا يعلمون اختلافًا بين أهل العلم في كراهية الانتفاع بجلد الخنزير (٢)، والخنزير سبع قال: فجعلنا سائر السباع قياسًا عليه، إذ ليس فيه خبر عن النبي ﷺ يمنع من القياس عليه، بل موجود عن النبي ﷺ أنه نهى عن جلود السباع.

стр. 912

وحجة رابعة: وهي أن النبي ﷺ قد نهى عن كل ذي ناب من السباع، ثبتت الأخبار عنه بذلك، فذلك عام واقع على اللحم والجلد جميعًا ليس لأحد أن يخص من ذلك شيئًا إلا بخبر ثابت عن النبي ﷺ . وحجة خامسة: وهي أن النبي ﷺ نهى عن جلود السباع، فإن قال قائل: في بعض الأخبار أن النبي ﷺ نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع، فخص الأول. قيل له: فنحن ننهى عن أكلها، وننهى عنها جملة كما نهى النبي ﷺ ، وننهى عن الانتفاع بجلودها كما نهى النبي ﷺ عن ذلك؛ لتستعمل الأخبار كلها، كالأخبار التي جاءت عن النبي ﷺ ، ففي بعضها أن النبي ﷺ قال: "لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم"، وفي بعضها أن النبي ﷺ قال: "لا تسافر المرأة يومًا إلا مع ذي محرم"، فالقول بها كلها يجب؛ كذلك القول بالأخبار التي ذكرناها في النهي عن كل ذي ناب من السباع، وعن أكل كل ذي ناب من السباع، وعن النهي عن جلود السباع يجب، وليس من ذلك شيء يخالف شيئًا. ٩٠٧ - حدثنا محمد بن عبد الوهاب، أنا يعلى بن عبيد، ثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تسافر المرأة سفرًا ثلاثة أيام فصاعدًا إلا ومعها أبوها، أو أخوها، أو زوجها، أو ذو محرم" (١). ٩٠٨ - حدثنا يحيى، ثنا مسدد، ثنا يحيى، عن محمد بن أبي ذئب، حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله

стр. 913

ﷺ : "ولا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم إلا ومعها ذو محرم" (١). ٩٠٩ - حدثنا يحيى، ثنا مسدد، ثنا سفيان، عن عمرو، سمع أبا معبد يحدث، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تسافرن امرأة سفرًا إلا مع ذي محرم" (٢). ٩١٠ - وحدثنا يحيى، ثنا مسدد، ثنا يحيى، عن عبيد الله، أخبرني نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تسافر المرأة ثلاثًا إلا ومعها ذو محرم" (٣). قال أبو بكر: فمن قال بالأخبار كلها إذا وجد إلى القول بها سبيلًا، قال بهذِه الأخبار وبالأخبار التي ذكرناها فيما مضى في النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع، والنهي عن جلود السباع، والنهي عن كل ذي ناب من السباع؛ لأن النبي ﷺ قد عم بالنهي وليس لأحد أن يخص مما نهى عنه النبي ﷺ شيئًا، فإذا خص النبي ﷺ من الجملة شيئًا وجب أن يستثنى ما خصته السنة، ويبقى كل مختلف فيه داخلًا في النهي؛ لأن المستثنى غير جائز القياس عليه، وهذا على مذهب أصحابنا: الشافعي وغيره من أهل الحديث في جمل ما قالوه. وقالت هذِه الطائفة: فإن احتج محتج بخبر ابن وعلة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا دبغ

стр. 914

الإهاب فقد طهر" (١)، قيل له: لا يجوز أن يدفع بهذا الخبر أخبار ذوات عدد، وذلك لوجوه: أحدها: أن ابن وعلة الذي روى هذا الحديث لا نعلمه يروى عنه أكثر من حديثين: أحدهما: هذا الحديث، والآخر: حديثه عن ابن عباس عن النبي ﷺ في تحريم الخمر، وقد خالفه في رواية هذا الحديث حفاظ أصحاب ابن عباس، عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وعطاء، وعكرمة فخالفوا ابن وعلة على سبيل ما ذكرناه عنهم، فزعم ابن وعلة عن ابن عباس أنه سمع النبي ﷺ يقوله، وجعل أولئك الخبر مخصوصًا في جلد شاة ميتة، وجعله ابن وعلة عامًا، ففي مخالفة هؤلاء الحفاظ إياه في إسناد هذا الحديث ومتنه ما يبين غلطه، ودل على سوء حفظه، ولو لم يستدل على غلط المحدث بمخالفة الحفاظ إياه ما عرف غلطه في حديث أبدًا، ولو كان خبره يثبت، ما جاز أن يدفع به نهي النبي ﷺ عن جلود السباع لعلتين: إحداهما: أن خبره ليس بمنصوص في جلود السباع، إنما هو أن النبي ﷺ قال: "إذا دبغ الإهاب فقد طهر" (١)، وقد اختلف الناس هل يجوز أن يسمى جلود السباع أُهُبًا؟ فحكى النضر بن شميل أن العرب لا تسمي جلود السباع أهبًا، وأن الأُهُب عندها هيى جلود الأنعام خاصة. فإن اعترض معترض، ليس من أهل اللغة، يحتج ببيت شعر قاله عنترة العبسي، فرواه على غير ما يجب وهو قوله:

стр. 915

فشككت بالرمح الطويل إهابه … ليس الكريم على القنا بمحرم (١) فقد أنكر أهل العربية هذِه الرواية وقالوا؛ المعروف فشككت بالرمح الطويل ثيابه، فإذا بطلت هذِه الرواية. لم يجز أن يبطل بغلط من غلط فيما ذكرناه أن أسماء الجلود أهبًا، وإذا لم يجز ذلك بطل أن يكون لمدعي (٢) في خبر ابن وعلة حجة ثابتة، ولو سمحنا بأن يثبت خبر ابن وعلة وسمحنا بأن يوقع اسم الإهاب على الجلد، لم يجز أن يدفع بخبر ابن وعلة الأخبار التي ذكرناها، ولو وجب أن يكون إن أراد بقوله: "إذا دبغ الإهاب فقد طهر" (٣)، أي أهب مما تؤكل لحومها، ويكون نهيه عن جلود السباع منصوصًا مفسرًا في جلود السباع، ولا يكون قد دفع بالخبر العام المبهم الخبر المنصوص المفسر، وقد أجمع عوام من احتج بخبر ابن وعلة على المنع من الانتفاع بجلد الخنزير وإن دبغ. وقال بعضهم كذلك في جلد الكلب، وإذا جاز أن يستثنى برأيهم من جملة خبر ابن وعلة، كان الاستثناء بالأخبار الثابتة عن رسول الله ﷺ في نهيه عن جلود السباع أولى، وإذا ثبت أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دبغ الإهاب فقد طهر" (٣)، وثبت أن النبي ﷺ نهى عن جلود السباع،
следующие страницы →