← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 156

التحقيقات على شرح الجلال للورقات

فضل مراد

Полный текст (344 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ويتبين من هذا سبب عدول المصنف عن العبارة المشهورة إلى هذه؛ مع التنبه إلى ما سبق أن الأمر في المندوب مجاز على ما أشار إليه المصنف، وسبق بحث المسألة وتقريرها والله أعلم. ومن القيود كذلك: قدرة المكلف على هذه المقدمة وإلا سقطت، ولذلك قال ابن الحاجب (١): "ما لا يتم الواجب إلا به وكان مقدوراً شرطٌ واجبٌ". المسألة الثانية: تمثيل الشارح بالطهارة للصلاة؛ جرياً على عادة المصنفين بالتمثيل بالمشهور . ولكن لماذا اقتصر عليه؟ الذي يظهر أن اقتصاره عليه اختصاراً على المبتدئ، وفيه تنويه إلى نكتة لطيفة، وهي: مذهب المصنف إمام الحرمين في المسألة، وهو: أنه يرى أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، في الشروط الشرعية خاصة كالطهارة للصلاة دون ما عداه من الشروط العقلية، أو العادية وهو مذهب ابن الحاجب (٢). المسألة الثالثة: قاعدة ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب؛ كتحصيل النصاب للزكاة والاستطاعة للحج . المسألة الرابعة: من الفروع المبنية على القاعدة: إذا نسى صلاة من الخمس ولم يعلم أيها: لزمه الخمس، وإذا اختلط موتى المسلمين بموتى الكفار: فيجب غسل الجميع، وتكفينهم، والصلاة عليهم، وينوي على المسلمين، وإذا كان عليه زكاة ولم يدر هل هي شاتان أم شاة: فإنه يلزمه الجميع (٣). قوله: "وإذا فعل يخرج المأمور عن العهد" ويتصف ذلك الفعل المأمور به بالأجزاء، وهذه المسألة مشهورة عند الأصوليين بـ: "الإتيان بالمأمور به، هل يقتضي الأجزاء أم لا" (٤).

стр. 107

وحاصل هذا المبحث أن من امتثل الأمر وجاء به على الوجه المطلوب، اختلف فيه هل يقتضي ذلك الإجزاء أم لا؟ والإجزاء له تفسيران: - أحدهما وهو الأصح: أن المراد من كونه مجزياً هو أن الإتيان به كاف في سقوط الأمر، وإنما يكون كافياً إذا كان مستجمعاً لجميع الأمور المعتبرة فيه. - وثانيهما: أن المراد من الإجزاء: سقوط القضاء. والخلاف جارٍ على التفسير الثاني، وخالف في ذلك أبو هاشم، وعبدالجبار وغيرهم من الفقهاء الأصوليين (١). أما على التفسير الأول فلا خلاف: بيان ذلك أنه إذا أمر الله تعالى بفعل المأمور: إما أن يفعل المأمور به على الوجه الذي تناوله الأمر، أو يزيد على ما تناوله الأمر، أو ينقص، وإن فعل على الوجه الذي تناوله الأمر أجزأه ذلك بمجرد الأمر. وقال بعض المعتزلة: الأمر لا يدل على الإجزاء، بل يحتاج الإجزاء إلى دليل آخر، وهذا خطأ؛ لأنه قد فعل المأمور به على الوجه الذي تناوله الأمر فوجب أن يعود إلى ما كان عليه قبل الأمر "أي وهي البراءة الأصلية"، فأما إذا زاد على المأمور به بأن يأمره بالركوع ويزيد على ما يقع عليه الإسم، سقط الفرض عنه بأدنى ما يقع عليه الإسم، والزيادة على ذلك تطوع لا تدخل في الأمر. وقال بعض الناس الجميع واجب داخل في الأمر، وهذا باطل؛ لأن ما زاد على الإسم يجوز له تركه على الإطلاق، فإذا فعله لم يكن واجباً كسائر النوافل.

стр. 108

"فأما إذا نقص عن المأمور" نظرت، إن نقص ما هو شرط في صحته، كالصلاة بغير قراءة الفاتحة لم يجزئه، ولم يدخل في الأمر؛ لأنه لم يأت بالمأمور به على الوجه الذي أمر به، وإن نقص منه ما ليس بشرط، كالتسمية في الطهارة، أجزأه عن المأمور (١). إذا تبين هذا فقد قال ابن السبكي في رفع الحاجب: "أن الخلاف بين الفريقين لفظي ولا يترتب عليه أثر في الفروع" (٢). فائدة: من دقائق هذا الكتاب أن المصنّف بين: أن فعل الأمر يلزم منه خروج المأمور عن العهدة، والعهدة هنا هي: المطالبة بالفعل بمعنى ذمة المكلف، فهو يشير إلى نتيجة المسألة في الحقيقة عند الجميع واحدة، وهي الخروج من عهدة الأمر المقتضي براءة الذمة، ويشير بهذا إلى أن الخلاف ليس بحقيقي. أما الشارح فبين اتصافه بالإجزاء وهو الذي فيه الخلاف المشار إليه، وإنما لم يشر إلى الخلاف اختصاراً؛ لعدم الثمرة الحقيقية للمسألة، ولضعف الخلاف. هذا ما ظهر للعبد الضعيف. والله أعلم.

стр. 109

الذي يدخل في الأمر والنهي وما لا يدخل هذه ترجمة يدخل في خطاب الله تعالى المؤمنون، وسيأتي الكلام في الكفار. والساهي والصبي والمجنون، غير داخلين في الخطاب، لانتفاء التكليف عنهم. ويؤمر الساهي بعد ذهاب السهو عنه بجبر خلل السهو، كقضاء ما فاته من الصلاة، وضمان ما أتلفه من المال عنهم ... الخ: والكفار مخاطبون بفروع الشرائع وبما لا تصح إلا به وهو الإسلام؛ لقوله تعالى حكاية عن الكفار ﴿ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٣]، وفائدة خطابهم بها عقابهم عليها إذ لا تصح منهم حال الكفر؛ لتوقفها على النية المتوقفة على الإسلام، ولا يؤاخذون بها بعد الإسلام ترغيباً فيه. [الشرح والإيضاح] قوله: والساهي والصبي والمجنون غير داخلين في الخطاب؛ لانتفاء التكليف . هذا المبحث هو مبحث المحكوم عليه وهو المكلف، وفيه تذكر شروط التكليف، ومن لا يشمله الأمر والنهي والتكليف في الجملة: ويتعلق به مسائل: الأولى: " السهو الذهول عن المعلوم كذا عرفه الأقدمون، أي: الغفلة عنه فينتبه له بأدنى تنبيه ... وأما النسيان فهو خلاف الذكر". (١) وزمن النسيان طويل بخلاف السهو الثانية: قوله لانتفاء التكليف عنهم، علته "أن شرط المكلف أن يكون عاقلاً

стр. 110

فاهماً للتكليف؛ لأن التكليف خطابٌ، وخطاب من لا عقل له ولا فهم محال، كالجماد والبهيمة" (١). والذي يتحصل من كلام أهل الأصول أن المحكوم عليه شرطه العقل والفهم باتفاق، فخرج بذلك (٢): ١ - من لا يفهم ولا يعقل أصلاً: كالبهائم، والجماد. ٢ - من له أصل الفهم لأصل الخطاب دون تفاصيله: كالمجنون، والصبي الذي لا يميز. ٣ - من يفهم لا على الكمال، وهو الصبي المميز. ويدخل فيه من كان مقارباً لحالة البلوغ بحيث لم يبق بينه وبين البلوغ سوى لحظة واحدة، فإنه وإن كان فهمه كفهمه الموجب لتكليفه بعد لحظة، غير أنه لما كان العقل والفهم خفياً، وظهوره فيه على التدريج، ولم يكن له ضابط يعرف به، جعل له الشارع ضابطاً وهو البلوغ، وحط عنه التكليف قبله تخفيفاً عليه. ٤ - والسكران أسوأ من الصبي المميز في حالة غفلته وسكره، وما يلزمهم من الغرامات والضمان ونحو ذلك متعلق بأحكام الوضع، والكلام فيهم منتشر في الفروع والأصول. ٥ - ويذكر هنا كذلك حكم المكره وتقسيمه إلى مجلئ وغيره مما هو مبسوط في المطولات.

стр. 111

وإنما لم يذكر المصنف السكران؛ لأنه إذا كان متعدياً عومل في الأحكام كالصاحي؛ تغليظاً عليه على ما تقرر في الفروع. قوله: ويؤمر الساهي بعد ذهاب السهو عنه بجبر خلل السهو، كقضاء ما فاته من الصلاة، وضمان ما أتلفه من المال عنهم ... الخ: يدل قوله يؤمر الساهي .. أنه أمر جديد غير الأول، وهذا في حالة القضاء فقط أما إن كان السهو والوقت باق فليس بأمر جديد لأن زمن التكليف الذي حدده الشرع باق، وكذلك من سها في صلاته فسلم عن اثنتين في صلاة رباعية أو ثلاثية فنبه فإنه يأتي بما سها عنه وليس بأمر جديد. وقوله: وضمان ما أتلفه من المال .. وكذلك النفس والأعضاء من الانسان يضمنه بالدية والأرش. المسألة الثالثة: في قوله: "الذي يدخل في الأمر والنهي وما لا يدخل " ... لطيفة هامة: أتى بالاسم الموصول (الذي) وهي للعاقل فيمن يشمله الخطاب، وأتى (بما) التي لا للعاقل فيما لا يدخل؛ لينبه على أن العقل هو مناط التكليف، ولو لم يأت في هذا الباب إلا بهذه الإشارة الدقيقة لكفي فلله دره" (١). فائدة: قول المصنف: "الذي يدخل في الأمر والنهي"، مع قوله: "يدخل في خطاب الله" فيه: أن الأمر والنهي شاملان للأحكام الخمسة، أما الأربعة فظاهر. وأما الإباحة فهي تبع، لكنّ الصحيح أن الصبي غير داخل في خطاب الإيجاب والتحريم.

стр. 112

أما خطاب الندب والإباحة فيشمله على ما هو مقتضى كلام أصحابنا في الفروع، حيث قالوا: إنه مأمور من جهة الشرع بالندب. ولهذا جعلوا له إنكار المنكر ويثاب عليه (١). وقال السيوطي نقلاً عن ابن السبكي: "خطاب الندب ثابت في حق الصبي، فإنه مأمور بالصلاة، من جهة الشارع أمر ندب، مثاب عليها، وكذلك يوجد في حقه خطاب الإباحة، والكراهة حيث يوجد خطاب الندب، وهو ما إذا كان مميزاً انتهى" (٢). وفي الروضة: "وليس لأحد منعه من كسر الملاهي، وإراقة الخمر وغيرها من المنكرات كما ليس له منع البالغ، فإن الصبي وإن لم يكن مكلفاً فهو من أهل القرب، وليس هذا من الولايات" (٣).

стр. 113

والأمر بالشيء نهي عن ضده، والنهي عن الشيء أمر بضده. فإذا قال له: اسكن كان ناهياً له عن التحرك، أو لا تتحرك، كان آمراً له بالسكون. [الشرح والإيضاح] الكلام على قاعدة الأمر بالشيء نهي عن ضده وتحقيق المقام . قوله: "والأمر بالشيء نهي عن ضده": هذه قاعدة شهيرة من قواعد الأصول وعليها المذاهب الأربعة (١)، وهو ما اختاره ابن الأمير والشوكاني إذ قال: "وإذا عرفت ما حررناه من الأدلة والردود، فاعلم أن الأرجح في هذه المسألة أن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده بالمعنى الأعم" (٢). وقد خالف في هذه المسألة جماعة من الأصوليين، والتحقيق القول بها لما يلي: ١ - أن التكليف بالواجب مع عدم النهي عن الشيء المضاد له تكليف بما لا يطاق. ٢ - أن عدم النهي عنه يؤدي إلى جواز التلبس بهذا الضد، مما يؤدي إلى ضياع الواجب وهذا خلاف مقتضى التكليف. ٣ - أن الشريعة قائمة على إخراج المكلف عن داعية الهوى، وفي عدم النهي عما يضاد التكليف مناقضته لهذه القطعية. ٤ - أن فعل المأمور به لا يتصور إلا بترك أضداده، وما لا يتم فعل المأمور به دون تركه فهو واجب الترك إن كان الأمر للإيجاب، ومندوب إلى تركه إن كان

стр. 114

الأمر للندب" (١)، لذلك لا يتوصل إلى فعل المأمور به إلا بترك الضد فهو كالطهارة في الصلاة (٢). ٥ - أن الأمر بالشيء أمر بما هو من ضروراته، ومن ضروراته هنا ترك ما يؤدي إلى تفويته. أين وقع خلاف من خالف من الأصوليين في قاعدة الأمر بالشيء نهي عن ضده لتوضيح هذا الأمر لابد أن نبين ما يلي: - أولاً: الأمر بالشيء نهي عنه ..... غير صحيحة للتناقض. - ثانياً: الأمر بالشيء نهي عن تركه ..... صحيحة بإجماع. لأن معناها النهي عن ترك ما أمر الشرع به، فقول الله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢]، هو بمعنى لا تتركوا الصلاة. وهذا هو معنى قول الأصوليين: أن يكون هذا الضد وجودياً لا عدمياً؛ لأن العدمي هو النقيض ولا خلاف أنه منهي عنه قطعاً، فقولنا: قم، نهي عن ترك القيام؛ لأنه نقيضه فقم= لا تترك القيام فهذا يسمى نقيضاً لأنه عدمي. إذا فقاعدة: الأمر بالشيء نهي عن تركه إجماعية. إنما الخلاف في الضد الوجودي فقولنا قم هل هو نهي عن ضده الوجودي الذي هو القعود والاضطجاع، هذا الخلاف فتنبه، وهذه هي فائدة هذا القيد: (الضد الوجودي)، وقد نبه عليها أكثر الأصوليين، وقد ذكر في جمع الجوامع الشرطين فقال: "مسألةٌ: قال الشيخ والقاضي الأمر النفسي بشيء معين نهي عن ضده الوجودي، والحاصل أن الأمر بالشيء له منافيان: أحدهما منافٍ عدمي وهو النقيض والإجماع على أن الأمر بالشيء نهي عن نقيضه العدمي، أما المنافي الوجودي فهو ما يسمى بالضد فهل

стр. 115

الأمر بالشيء نهي عن ضده الوجودي أم لا هنا الخلاف" (١). - ثالثاً: الأمر بالشيء نهي عن ضده. مما تقدم يتبين أن هذه القاعدة هي محل البحث، وذلك أنّ ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢] أمر، ومعلوم أن هذا الأمر ملزم قطعاً، فإذا حضر وقت الصلاة وتضيق، فهل يجوز للإنسان أن يتشاغل عنها بالنوم، أو الذهاب إلى السوق، أو العمل؟ الجواب: لا يجوز بلا خلاف؛ لأن التشاغل بها مؤد إلى عدم طاعة الأمر بالصلاة، وهذه هي ما تسمى عند أهل الأصول الضد. من هنا قرر الفقهاء في المذاهب الأربعة وغيرها كما تقدم قاعدة: (أن الأمر بالشيء نهي عن ضده)، بمعنى: أن الأمر بالصلاة يتضمن أو يستلزم النهي عن التشاغل بأضدادها، فدلالته من طريق الاستلزام لا عن طريق نفس اللفظ؛ لأن لفظ (أقيموا) غير لفظ (لا تقيموا). وهناك من المتكلّمين من ذهب إلى أن الأمر بالشيء هو عين النهي عند ضده (٢) وليس كذلك؛ لأن لذاك لفظا ولذاك لفظا آخر، فكيف يكون هو عينه؟ إلا إن قالوا إنه عينه من جهة المعنى فيكون الخلاف لفظي، وبهذا يتبين أن الخلاف كما قرره صاحب التلويح: - ليس في المفهومين للقطع بأن الأمر بالشيء مخالف لمفهوم النهي عنه. - ولا في اللفظين للقطع بأن صيغة الأمر "إفعل" وصيغة النهي "لا تفعل". - وإنما الخلاف في أن الشيء المعين إذا أمر به فهل يتضمن أو يستلزم النهي عن ضده معنى أم أنه عينه أم لا هذا ولا ذاك (٣).

стр. 116

قد يكون الضد متعدداً والمنسوب إلى العامة أي من العلماء وجماهيرهم من الشافعية، والحنفية، والمالكية، والحنابلة، والمحدثين: ١_ الأمر بالشيء نهي عن ضد ذلك الشيء إن كان الضد واحداً، فالأمر بالإيمان نهي عن الكفر. ٢_ وإن لم يكن الضد واحداً فهو نهي الكل ... فالأمر بالقيام نهي عن القعود، والاضطجاع، والسجود وغيرها، والأمر بإقامة الصلاة نهي عن كل ما يتشاغل به عنها من جميع الأضداد (١). مسائل فقهية مبنية على قاعدة: الأمر بالشيء نهي عن ضده . ١ - لو قال لزوجته: لو خالفت نهي فأنت طالق، ثم قال: قومي فقعدت. ففي وقوع الطلاق خلاف مستند إلى هذا الأصل (٢). ٢ - ما لو سرق المصلي في صلاته أو لبس حريراً أو نظر محرماً، فعلى أن الأمر بالشيء نهي عن ضده فيكون الأمر بالصلاة هو عين النهي عن السرقة مثلاً، فتبطل الصلاة بناء على أن النهي يستلزم الفساد، فعين السرقة منهي عنها في الصلاة بنفس الأمر بالصلاة، فعلى أن النهي يقتضي الفساد فالصلاة باطلة (٣). ٣ - ومن ذلك أن القيام في الصلاة مأمور به، فإذا جلس ثم تلافى القيام فمن العلماء من أبطل صلاته لهذا ومنهم من منع؛ لأن هذا الضد لم يفوت المقصود من الأمر لأنه تلافاه (٤).

стр. 117

٤ - ومنها السجود على مكان نجس، أبطلها أبو حنيفة، ومحمد، ولم يبطلها أبو يوسف إذا تدارك وسجد على طاهر (١). فائدة: هذه القاعدة وهي الأمر بالشيء نهي عن ضده مقيدة بقيدين: - الأول: أن يكون الشيء معيّناً، فخرج الأمر بمبهم من أشياء فلا يعد نهياً عن ضده، ولا متضمناً له، قال في شرح الذريعة قطعاً (٢). مثاله الأمر بواحد من خصال الكفار المخيرة ليس نهياً عن ضده؛ لأن له تركه ابتداءً والانتقال إلى غيره، ونوقش بأن الضد هنا هو ترك الكل. - الثاني: أن الأمر بالشيء نهي عن ضده الوجودي وقد تقدم هذا. خاتمة لطيفة: اختلفت عبارات الأصوليين في التعبير بهذه القاعدة . ١_ فمنهم- كما هنا- من قال "الأمر بالشيء نهي عن ضده". ٢_ ومنهم من ذكر القيود كعبارة الجمع المتقدمة، وهي: الأمر النفسي بشيء معين نهي عن ضده الوجودي. ٣_ ومنهم من قال كالبيضاوي في المنهاج: وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه. ٤_وشرط في التوضيح أن يكون الضد مفوتاً لمقصود الأمر، فكأن القاعدة ستكون على هذا الأمر بالشيء نهي عن الضد المفوت لمقصوده تحريماً. وإلا فكراهة يعني إن لم يفوت،

стр. 118

والأشهر والأخصر الأشمل ما هنا لشمولها للواجب والمندوب، أما كونه معيناً فأهملها المصنف؛ لأن الأمر بأحد الأشياء مبهماً ضده الاشتغال بغير الجميع، مع عدم العزم على الامتثال في المستقبل لأنه موسع (١). فالقيود التي ذكرها بعض الأصوليين مفهومة لزوماً، والتعاريف تصان عن التطويل خاصة في مثل هذا المختصر، وهذا من روائع هذا الكتاب هذا ما ظهر للفقير إلى الله والله أعلم. قوله: "والنهي عن الشيء أمر بضده": الكلام فيها قريب مما تقدم في سابقتها. قال المحقق السعد في التلويح، وهو يتكلم على حرمة ضد الأمر وضد النهي: "التحقيق أن حرمة كل منهما إنما تكون من حيث أنه ضد المأمور به ... كالأمر بالإيمان يوجب حرمة النفاق واليهودية والنصرانية؛ لكونها من أفراد الكفر، وفي النهي عن الشيء لا يجب إلا ضد واحد، إذ ترك القيام يحصل بكل من القعود والاضطجاع. وحاصل هذا الكلام أن وجوب الشيء يدل على حرمة تركه، وحرمة الشيء تدل على وجوب تركه، وهذا مما لا يتطلب فيه نزاع" (٢) ا. هـ.

стр. 119

والنهي استدعاء أي طلب الترك بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب، على وزان ما تقدم في حد الأمر. ويدل النهي المطلق شرعاً على فساد المنهي عنه في العبادات، سواء نهي عنها لعينها كصلاة الحائض وصومها أو لأمر لازم لها كصوم يوم النحر والصلاة في الأوقات المكروهة. وفي المعاملات إن رجع إلى نفس العقد كما في بيع الحصاة. أو لأمر داخل فيه كبيع الملاقيح. أو لأمر خارج عنه لازم له كما في بيع درهم بدرهمين، فإن كان غير لازم له، كالوضوء بالماء المغصوب مثلاً، وكالبيع وقت نداء الجمعة لم يدل على الفساد خلافاً لما يفهمه كلام المصنف. [الشرح والإيضاح] هذا البحث عقده المصنف للنهي: تحقيق الكلام على قاعدة النهي يقتضي الفساد، وشرح كلام المصنف وتفصيله . ما قيل في تعريف الأمر يأتي هنا فلا معنى لتكراره وإلى هذا أشار بقوله: "على وزان ما تقدم في حد الأمر"، وما يهم هنا هو ما ذكره المصنف من قاعدة: "النهي المطلق يقتضي الفساد شرعا"، وبحثنا سيكون في هذه القاعدة، وسنقسمه إلى مسائل: الأولى: قوله: "ويدل النهي المطلق شرعاً على فساد المنهي عنه" قوله النهي المطلق قيد هام خرج به المقترن بقرينة تدل على الفساد أو عدمه، فهذا مما لا خلاف فيه: ١ - مثال ما فيه قرينة الفساد، قوله ﷺ : (لا تزوج المرأة المرأة،

стр. 120

ولا تزوج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تنكح نفسها) (١)، فإن الجملة الأخيرة منه، وهي: "فإن الزانية" دليل على إنه باطل؛ لأن الشرع جعله زنى وليس عقد نكاح. ٢ - نهيه عن بيع الكلب، وقال فيه: (إن جاء وطلب ثمنه فاملأ كفه ترابا) (٢)، فهذه قرينة تدل على عدم انتقال الملك؛ لأنه لو صح البيع لوجب الثمن. ٣ - نهيه عن الاستنجاء بالعظم أو الروث، وقال: (إنهما لا يطهران) (٣). ٤ - ومثال ما فيه قرينة الصحة حديث: (ولا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها) (٤)، فإن إثبات الخيار فيه قرينة تقتضي أن البيع قد انعقد ولم يقتض فسادا. ٥ - نهيه عن تلقي الركبان، وإثبات الخيار لصاحبه إذا ورد السوق دليل على صحة العقد. ٦ - النهي عن الطلاق في الحيض في الحديث فيه أمر بالمراجعة وهو دليل على أنه واقع (٥). المسألة الثانية: قوله: "يفيد الفساد شرعاً" .. وبيان أدلة ذلك: تقييده بالشرع: - أولاً: من ذهب الى اقتضائه الفساد إن توجه النهي إلى العين، هم: الأئمة الأربعة، والظاهرية، وبعض المتكلمين (٦).

стр. 121

- ثانياً: هل اقتضاؤه للفساد أمر مأخوذ من الوضع العربي أو من الشرع؟ الأول: غير وارد؛ لأن وضع العرب للنهي لا يقتضي أكثر من طلب الكف جزما أوغير جزم، فلا بد أن يكون اقتضاؤه للفساد أمراً من قبل الشرع. لكن أين هو الدليل الشرعي على ذلك؟ والجواب: أن هناك أدلة منها: ١ - الأول: حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه، فهو رد) (١)، ووجه الدلالة أنه قضى على كل ما خالف الشرع بالرد وهو البطلان أو عدم قبول العمل. ولفظ الشرع محتمل لهما فيحمل عليهما معا؛ لأنه إذا كان باطلا كان غير مقبول. ٢ - الثاني: قوله ﷺ في صفقة الصاع بالصاعين من التمر: (أوه أوه، عين الربا عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر، ثم اشتره). (٢) ٣ - الثالث: ما جاء عن عبادة بن الصامت: أن رسول الله ﷺ قال: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) (٣). ونحو هذه فكل ما ورد من هذا النوع، النفي فيه لا يتجه إلا إلى الحقيقة الشرعية فدل نفيها على بطلانها، وهذا دليل على أن النفي الشرعي يقتضي البطلان.

стр. 122

المسألة الثالثة: شرح ما ذكره المصنف من التفريق بين العبادات، والمعاملات في قاعدة النهي وتحقيق المقام . وهو أن النهي يقتضي الفاسد مطلقاً في العبادات وبتفصيل في المعاملات، وهو ما نقله البيضاوي في المنهاج: ١_ ففي العبادات إن ورد النهي سواء كان راجعاً إلى الذات أو إلى أمر خارج عنها؛ لأن الشرع عند أمره بالعبادة قاصد طلبها، وعند نهيه عنها قاصد الترك، ولا يجتمع قصد الفعل وقصد الترك والجمع بينهما غير ممكن. - مثال ما توجه فيه النهي إلى العين أو الذات: النهي عن صلاة الحائض وصومها، فهذا النهي متوجه إلى ذات الصلاة وقاصد الترك، فإن أدت الحائض الصلاة أو الصوم فقد عملت ما أمرت بتركه ونهيت عن فعله، فخالفت مقصد الشرع في الترك وما خالف الشرع فهو رد. - ومثال ما توجه فيه النهي إلى وصف مقارن في العبادات: النهي عن صوم يوم العيد، والنهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة، فمن فعل شيئاً من هذا فهو باطل على أصل هذه القاعدة. فالصوم في أصله مأمور به لكن توجه النهي إلى وصف مقارن هو اليوم، وكذلك الصلاة مأمور بها، وتوجه النهي عنها في الأوقات المكروهة إلى الوقت فهذا معنى المقارن. أما صلاة الحائض وصومها فقد توجه النهي إلى الشرط وهي الطهارة عن الحيض للصلاة والصيام والشرط يلزم من عدمه العدم. ٢_ أما في المعاملات فهو أقسام: الأول: ما توجه فيه النهي إلى نفس العقد كبيع الحصاة، وله أربعة تفسيرات:

стр. 123

- أن يجعلا نفس الرمي بيعا. _ أن يقول له بعتك ما وقعت عليه الحصى من السلع. _ بعتك ما انتهت إليه رمية الحصى من الأرض. _ أن يقول له ينقطع خيارك برمي الحصى. فعلى التفسير الأول: عاد النهي الى نفس البيع؛ لأن مجرد الرمي لا يكون عقد بيع وعلى التفسير الثاني والثالث: يكون النهي عائداً إلى أمر داخل في الماهية، وهو عين المبيع والعلم به ركن للبيع، وهو هنا شديد الجهالة والغرر فبطل لعود النهي إلى الركن. أما على التفسير الرابع: فالنهي عائد إلى أمر خارجي وهو انقطاع الخيار، فلا إبطال بحسب القاعدة، وعليه فمراد الشارح هو التفسير الأول فقط؛ لأنه عائد إلى نفس البيع وذات العقد. أما التفسيران الثاني والثالث: فيصلحان مثالاً للنوع الآخر من النهي وهو الآتي: الثاني: أن يتوجه النهي إلى أمر داخل في العقد ومعنى هذا أن يكون من أركانه أوشروطه. مثاله: بيع الملاقيح، وهي ما في بطون الأمهات من الأجنة. فإن ما في بطون الأمهات من الأجنة هو المبيع، ومعلوم أن المبيع ركن من أركان العقد، وهو هنا معدوم، أو مجهول شديد الجهالة؛ فاتجه النهي إليه لاختلاله، واختلال الركن يبطل البيع. الثالث: أن يتجه النهي إلى أمر خارجي عن الماهية والذات، ولكن هذا الأمر الخارجي لازم له. وهي بيوع الربا: فربا النسيئة والتفرق قبل القبض في الربويات مبطل لها، والنهي متوجه إلى أمر خارجي، عن العقد؛ لأن العقد كامل الأركان والشروط، إلا أن الشرع نهى عن الربا ولم

стр. 124

يسم في الشرع بيعا أصلاً. فقال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ولو كان بيعاً لقال: وأحل البيع وحرم بيع الربا، فلما جعله قسيما مغايرا، علمنا أنه ليس ببيع أصلا. لذلك فهو باطل والنهي متوجّه إلى أمر خارجي لازم للعقد وهو كونه نسيئة أو تفرقاً قبل التقابض، وإنما سمي لازما؛ لأن المتعاقدين ألزما عقدهما به. وأما ما مثل به المصنف، وهو بيع درهم بدرهمين، فالنهي فيه متجه إلى هذه الزيادة، وهي وصف خارجي في العقد لزم بإلزام المتعاقدين لعقدهما به، فأبطله الشرع لأنه ربا. الرابع: أن يتجه النهي إلى أمر خارجي لا علاقة له بالعقد أصلاً. وذلك كالنهي عن البيع حال نداء الجمعة، فإن النهي لأجل منع تفويت صلاة الجمعة. ومثاله كذلك الوضوء بماء مغصوب فإن النهي عن الغصب لا عن الوضوء، فهو أمر خارجي عنه، لأنه حقيقة الغصب موجودة خارج الوضوء، ومنهي عنها عموما بلا ارتباط بينه وبين الوضوء. فلا بطلان في هذا النوع. تنبيه: قول الشارح: في هذا النوع: "لم يدل على الفساد خلافاً لما يفهمه كلام المصنف" يشير به إلى أن الوضوء بماء مغصوب باطل على حسب القاعدة التي قررها المصنف، وهي: أن النهي يقتضي الفساد مطلقا في العبادات. مع أن مذهب الشافعي لا يبطلها، والتحقيق أن مذهب الشافعي التفصيل في العبادات والمعاملات، قال الزركشي: "إن كان لعينه أو لوصفه اللازم له فهو الفساد بخلاف ما لو كان لغيره سواء كان عبادة وعقداً، وهذا الذي ينبغي أن يكون مذهب

стр. 125

الشافعي، وتصرفه في الأدلة يقتضيه" (١). المسألة الرابعة: مذاهب العلماء في قاعدة النهي يدل على الفساد . ولتسهيل هذا الأمر يمكن تقسيم البحث كالتالي: - أولاً: من ذهب إلى أن النهي لا يقتضي الفساد مطلقا لا في العبادات ولا في المعاملات، سواء رجع إلى ذاته أو وصفه أو لغيره وهذا مذهب معزو للمتكلمين، ونقل عن الأشعري والقاضيين عبد الجبار وأبي بكر (٢) قلت: وتفرد الغزالي من بين أصحاب الشافعي في القول بهذا المذهب في المعاملات، (٣) ونقله الزركشي عن القفال الشاشي في البحر، وبالغ صاحب المحصول فجعله عن أكثر الفقهاء، وإن صح النقل عنه فهو متعقب؛ لأن المذاهب الأربعة والظاهرية على القول بالفساد على تفاصيل كما سيأتي فأي فقهاء يعنيهم. - ثانياً: ذهب الأئمة الأربعة والظاهرية وبعض المتكلمين إلى أن النهي إذا عاد إلى عين وذات الشيء اقتضى فساده؛ عبادة أو معاملة، قال الخطابي: هذا مذهب العلماء في قديم الدهر وحديثه. (٤) قال الشيخ أبو حامد الإسفراييني: مذهبنا الذي نص عليه الشافعي، وأكد القول فيه في باب: " البحيرة والسائبة " أن النهي إذا ورد متجرّدا اقتضى فساد الفعل المنهي عنه، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وداود، وأهل الظاهر، وكافة أهل العلم. انتهى (٥)

стр. 126

- ثالثاً: إذا عاد النهي إلى وصف لازم اقتضى الفساد، وهذا مذهب الشافعي وأحمد ومالك. (١) قلت: وإنما خالف الحنفية هنا فقالوا يقتضي الفساد في وصفه لا في أصله فبيع درهم بدرهمين يصحح بإسقاط الدرهم الزائد؛ لأن النهي متعلق به (٢). رابعا: إن توجه النهي إلى المجاور أو ما يسمى بالمقارن غير اللازم. كالنهي عن البيع وقت نداء الجمعة، والوضوء بماء مغصوب، فهذا يقتضي الفساد عند الحنابلة، ونقله في شرح التحرير عن الظاهرية والمالكية. (٣) وإن يك الأمر عن النهي انفصل ... فالفعل بالصحة لا الأجر اتصل وذا إلى الجمهور ذو انتساب ... وقيل بالأجر مع العقاب وقد روى البطلان والقضاء ... وقيل ذا فقط له انتفاء مثل الصلاة بالحرير والذهب ... أو في مكان الغصب والوضو انقلب ومعطن ومنهج ومقبرة ... كنيسة وذي حميم مجزرة قال الآمدي: لا خلاف أنه لا يقتضي الفساد إلا ما نقل عن مالك وأحمد. قلت: ما نقله عن مالك هو ما نقله عنه ابن العربي في المحصول، حيث حكى أن

стр. 127

أصحاب مالك رووا عنه قولين: ثم بين أن الصحيح من المذهب أن النهي على قسمين: - نهي يكون لمعنى في المنهي عنه. - ونهي يكون لمعنى في غيره. فإن كان لمعنى في المنهي عنه دل على فساده، وإن كان لمعنى في غير المنهي عنه فذلك يختلف، إلا أن الأغلب فيه أنه لا يدل على الفساد، (١) لكن المنقول في معتمد المذهب الصحة. (٢) ومعنى قوله: إلى الجمهور، يعني: جمهور المالكية وغيرهم. فدل هذا على أن جمهور المالكية يرون هذا التفصيل وفاقاً للشافعي، لكن في المعاملات لهم تفاصيل حتى أن القرافي على تمكنه من المذهب يقول: قاعدة أهل المذهب أن النهي يدل على الفساد، وتفاريعهم تقتضي أنه يدل على شبهة الصحة. بل أطلق في الذخيرة اقتضاؤه للفساد في العبادات والمعاملات. (٣) خامسا: إن توجه النهي إلى غير العقد بل إلى وسائله ونحوها. مثاله تلقي الركبان، أو نجش، أو سوم على سوم أخيه، أو خطبته، أو تدليس أو تصرية، فهذه الأمور: النهي متوجه فيها إلى غير العقد بل إلى وسائله، أومقدماته ونحوها. فهذا لا يفسد عند الأكثر منهم المذاهب الأربعة. (٤)

стр. 128

الخلاصة: أن النهي توجّه إلى العين فهو يقتضي الفساد عند الأربعة، والظاهرية وغيرهم. وإذا توجه إلى وصف لازم اقتضى الفساد عندهم كذلك، سوى أبي حنيفة. وإذا توجه النهي إلى العقد لوصف خارجي قارنه، اقتضى الفساد عند الحنابلة، والظاهرية فقط، ونقل عن المالكية في قول. وإذا توجه إلى أمر غير العقد بل إلى مقدماته كالسوم على سوم أخيك، فلا يقتضي الفساد عند الكل وينظر الظاهرية. واعلم أن في الأصول أقوال أخرى، لكن ما ذكرته لك هو الزبدة، فإن الكلام منتشر جدا في هذا الموضع، أما في الفروع فهو أكثر انتشارا؛ نظرا للاختلاف في تطبيق القاعدة في ذلك الفرع المعين، فتجد مخالفات في كل مذهب لأصله في القاعدة، وسبب ذلك ليس عدم عمله بالقاعدة، بل لورود ما يعارضها في ذلك الفرع المعين، فتتنازع عنده المدارك فيختلف الحكم.

стр. 129

وترد، أي: توجد صيغة الأمر والمراد به، أي بالأمر: الإباحة كما تقدم. أو التهديد نحو ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ أو التسوية نحو ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾، أو التكوين نحو: ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾. [الشرح والإيضاح] من معاني صيغة الأمر: ١ - قوله: "وترد صيغة الأمر والمراد به الإباحة ... "، لصيغة الأمر عند الاطلاق والتجرد معنى واحد في خطاب الشرع هو الوجوب، وقد تقدم. وإذا دلت قرينة على غير الوجوب حمل عليه، ولا يُحمل على غير الوجوب إلا بقرينة صارفة، وقد ورد الأمر لأكثر من ثلاثين معنى بحسب القرائن الدالة عليه، ذكر المصنف بعضها اختصاراً وتسهيلاً على المبتدئ. ٢ - قوله الإباحة: مثالها ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ [البقرة: ٣٥]. فهذا أمر مقصوده الإباحة والامتنان، بدلالة رغدا، ودلالة حيث شئتما، ولأنها وردت مورد الامتنان وهذا دليل على الاباحة. ٣ - مثّل للتهديد بقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]. ودلالتها على التهديد واضحة؛ لأن لو كان تكليفا بالوجوب أو الندب لاقتضى نقض الشرع، في التكليف بالواجبات. ٤ - وأما التسوية فمثاله قوله تعالى: ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور: ١٦]. والقرينة الصارفة لها هي الحال، بدلالة حال أهل النار المخاطبين بهذا، فهو لا يقصد خطاب إيجاب عليهم؛ لأنه لا تكليف في الآخرة، ولقرينة ختام الآية (سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ).

стр. 130

٥ - وأما التكوين في قوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] فليس مقصوده تكليفهم أن يكونوا قردة، فهذا مما لا قدرة للإنسان به، وإنما مراده الأمر التكويني الصادر من الله ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧].

стр. 131

العام والخاص

стр. 132

وأما العام فهو ما عمّ شيئين فصاعداً من غير حصر، من قوله عممت زيداً وعمراً بالعطاء، وعممت جميع الناس بالعطاء أي شملتهم به، ففي العام شمول. وألفاظه الموضوعة له أربعة: ١_ الاسم الواحد المعرف بالألف واللام، نحو ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَءَامَنُوا﴾. ٢_ واسم الجمع المعرف باللام نحو ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ ٣_ والأسماء المبهمة كمن فيمن يعقل، كمن دخل داري فهو آمن، وما فيما لا يعقل، نحو ما جاءني منك أخذته. وأي استفهامية أو شرطية أو موصولة في الجميع، ... أي من يعقل وما لا يعقل، نحو أي عبيدي جاءك أحسن إليه، وأي الأشياء أردت أعطيتكه. وأين في المكان نحو أين ما تكن أكن معك. ومتى في الزمان، نحو متى شئت جئتك. وما في الاستفهام، نحو ما عندك؟ والجزاء، نحو ما تعمل تجز به. وفي نسخة والخبر بدل الجزاء نحو علمت ما عملت. وغيره كالخبر على النسخة الأولى والجزاء على الثانية. ٤_ ولا في النكرات نحو لا رجل في الدار.

стр. 133

[الشرح والإيضاح] العام ذكر فيه ثلاثة أمور: الأول: تعريفه، الثاني: ألفاظه، الثالث: محله. قوله: "وأما العام" العطف على ما سبق من التقاسيم وأل للعهد الذكري. قوله: "فهو ما عمّ شيئين فصاعداً من غير حصر"، فيه أمور: - أحدها قوله "ما": أي لفظ عم شيئين. - ثانيها: أخذ كلمة "عم" في تعريف العام فيه دور، والذي عليه جماعات من الأصوليين "ما استغرق". - ثالثها قوله: عم بمعنى الشمول والاستغراق؛ ليخرج المطلق فعمومه بدلي لا استغراقي. - رابعها قوله: من غير حصر؛ ليخرج المحصور نحو عشرة، وألف، ونحو ذلك من أسماء الأعداد. قوله: "وألفاظه الموضوعة له أربعة"، فيه مسائل: المسألة الأولى: إن للعموم صيغة كما يدل عليه كلامه، وفي هذه المسألة مذاهب (١) ١. المذهب الأول: أن للعموم صيغة، وهذا هو المذهب المنقول عن الشافعي ﵀، وعليه تظافر كلامه تصريحاً وتلويحاً في سائر كتبه، كالرسالة (٢)

стр. 134

وغيرها. وعلى هذا المذهب الحنفية، والمالكية، والحنابلة، والظاهرية، وعامة المتكلمين. ٢. المذهب الثاني: أن هذه الصيغ حقيقية في الخصوص، مجاز في العموم، وهو محكي عن الجبائي، والبلخي، والثلجي، ويسمى هذا مذهب أرباب الخصوص، والأول مذهب أرباب العموم (١). ٣. المذهب الثالث: أنها مشتركة بين العموم والخصوص، وهو قول أبي بكر الباقلاني، والأشعري في أحد قوليه. ٤. المذهب الرابع: الوقف وهو للأشعري، ونسب القول بالوقف للباجي، وهناك مذاهب أخرى ضمنتها المطولات. الثانية: يستفاد من صيغ العموم أن مدلولها كليةٌ، وليس (كل) وذلك أن صيغ العموم تستغرق أفرادها فرداً فرداً، وهذا هو معنى الكلية؛ إذ هي المحكوم فيها على كل فرد فرد، لا يبقى فردٌ إثباتاً أو سلباً بالمطابقة، كالقواعد الكلية كما صرح به أرباب الأصول. (٢) فنحو: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، بمنزلة اقتلوا زيداً المشرك، وعمراً المشرك، وبكراً المشرك ... الخ. وهو كقولنا: كل رجل يشبعه رغيفان. أي كل واحد على انفراده. أما كونه ليس كلياً؛ فلأن الكلي ما اشترك في مفهومه كثيرون، كالحيوان والإنسان من غير نظر إلى الأفراد، نحو الرجل خير من المرأة، أي: حقيقته أفضل من حقيقتها،

стр. 135

وكثيراً ما يفضل بعض أفرادها بعض أفراده. أما كونه ليس كلاً؛ فلأن الكل حكمه متجه للكل، فهو حكمٌ على المجموع لا على الأفراد فرد فرد، كأسماء الأعداد فقولنا كل رجل يحمل الصخرة العظيمة، أي: المجموع لا كل واحد على انفراده. فصيغة العموم للكلية، ويقابلها الجزئية. والجزئية كقولنا: بعض العدد زوج. وصيغة المطلق والنكرات للكلي، ويقابلها الجزئي، مثل: إنسان كلي، والجزئي هي الأعلام نحو: زيد، وعمرو. وأسماء الأعداد للكل، ويقابله الجزء. والجزء ما دخل في تركيب الكل .. نحو عشرة كل، والخمسة جزء منه. الثالثة: قوله ألفاظه احتراز عما يستفاد به العموم من غير هذه الطريق . طريق استفادة العموم من الألفاظ الموضوعة له. وقد تكلم عنها جماعات من أهل الأصول كالشاطبي وغيره من أصحاب المبسوطات، كاستفادته من الاستقراء لجزئيات الشريعة في قضية معينة، وغير ذلك مما هو مبسوط في المطولات، كالعموم المستفاد بالعرف وبالعقل (١). قوله: الموضوعة له أربعة (٢):

стр. 136

حصرها في هذه الأربعة لأن الجميع راجع إليها لا يخرج عنها فهو إما اسم مبهم أو منكر، أو معرف جمعاً وإفراداً، أو منفي بلا، أما كل وجميع فلم يذكرهما. واعلم أن العموم إما أن يكون بحسب اللغة، وإما أن يكون بحسب العرف، وإما أن يكون بحسب العقل: الأول: العموم باللغة، وهو نوعان: إما أن يدل بنفسه، وبقرينة تنضم إليه. فالعموم لغة بنفسه: - إما أن يتناول جميع ذوي العقول وغيرهم، كـ "أي" للكل، وكل، وجميع. - وإما أن يتناول ذوي العقول - فقط-، كـ "مَنْ". - وإما أن يتناول غير ذوي العقول، نحو: "ما" لغير العالمين. - وإما أن يتناول المكان خاصة، نحو: "أين" للمكان. - وإما أن يتناول الزمان، نحو: "متى" للزمان. والعموم لغة بقرينة: - في الإثبات كالجمع المحلى بالألف واللام، والجمع المضاف نحو "أولادكم"، وكذا اسم الجنس المحلى بالألف واللام "النحل"، والمضاف نحو "عن أمره". - أو بقرينة في النفي كوقوع النكرة في سياق النفي نحو لا رجل في الدار. الثاني: وأما العموم عرفاً، فمثل: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. فإن التحريم يدل على تحريم عين الأمهات وليس مرادا، بل المراد تحريم عموم الاستمتاع، فإن العرف يفيد تحريم وجوه الاستمتاعات التي تفعل بالزوجة، وليس ذلك مأخوذا

стр. 137

من مجرد اللغة (١). الثالث: وأما العموم عقلاً كترتيب الحكم على الوصف فيدخل فيه القياس، فعمومه للحكم المسكوت عنه في الفرع ليس باللفظ لكن بالعلة (٢). فالمصنف ﵀ ذكر النوع الأول ولم يتعرض لغيره. تنبيه: نسب الآمدي وجماعة من أهل الأصول القول بأنه ليس للعموم صيغة للمرجئة، (٣) وعلل ذلك الإمام الجصاص في أصوله بأنهم (٤): "إنما ذهبوا هذا المذهب؛ لأن الوعيدية من المعتزلة وغيرهم ألزموهم في المناظرة بآيات؛ لعموم الآيات الدالة على دخول العاصي النار والخلود فيها، وهي ألفاظ تعم المسلم والكافر، فحتى يدفعوا هذا الإلزام النافي لمذهبهم لجأوا إلى إنكار أن هناك صيغة للعموم تدل عليه". الرابعة قوله: "الاسم- الواحد- المعرف بالألف واللام " أي المفرد المحلى باللام للعموم، ما لم يتحقق عهد لتبادره إلى الذهن (٥) نحو قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، أي: كل بيع، وخص منه الفاسد كالربا خلافاً للإمام الرازي في نفيه العموم عنه مطلقاً، فهو عنده للجنس الصادق ببعض أفراده كما في "لبست الثوب وشربت الماء"؛ لأنه المتيقن ما لم تقم قرينة على العموم، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢].

стр. 138

وكذا المفرد المضاف إلى معرفة للعموم على الصحيح ما لم يتحقق عهد نحو: ﴿فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣]. أي: كل أمر الرسول وخص منه أمر الندب، وهذا المذهب هو مذهب الشافعي، والأكثرية، ونقله الرازي عن الفقهاء والمبرد وهو مذهب الحنفية، (١) والمالكية، (٢) والحنابلة، (٣) وغيرهم (٤). الخامسة قوله: واسم الجمع المعرف باللام (٥) نحو ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] أو الإضافة نحو ﴿يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]؛ لتبادره إلى الذهن ما لم يتحقق عهد خلافاً لأبي هاشم مطلقاً، ولإمام الحرمين في نفيه العموم عنه إذا احتمل معهوداً فهو عنده باحتمال العهد متردد بينه وبين العموم حتى تقوم قرينة، أما إذا تحقق عهد صرف إليه جزماً. وهذا هو مذهب الجميع إلا من أشرنا إليه. تنبيه: واعلم أن الرازي يخالف في عموم الاسم المفرد المعرف بالألف واللام، لا في المضاف كما نبه عليه الأسنوي (٦). السادسة: فروع مبنية على مسألة المفرد المعرف والمفرد المضاف (٧): ١ - الاستدلال على بطلان ما فيه غرر: (نهى عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر) (٨)

стр. 139

٢ - وعلى بطلان بيع اللحم بالحيوان مأكولاً كان أو غير مأكول؛ لحديث (نهى عن بيع اللحم بالحيوان) (١). ٣ - وعلى نجاسة الأبوال كلها، بقوله: (تنزهوا من البول) (٢)، وفي الصحيح (كان لا يستنزه من البول) (٣). ٤ - ومنه: (لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) (٤) يعني: أي أمر. السابعة: فروع مبنية على مسألة الجمع المعرف والجمع المضاف (٥): ١ - (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) في التشهد: (فإنكم إذا قلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض) (٦). ٢ - ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]. أي: كل محسن. ٣ - ﴿فَلا تُطِعْ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [القلم: ١٨]. أي: كل واحد منهم. ٤ - ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. في الإضافة أي: كل أم لكم. ٥ - ﴿يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]. ٦ - أفتى العلماء بحرمة التلقيب بـ (ملك الملوك)؛ لهذا المدرك (٧)، وقد جاء في الحديث (إن أخنع اسم عند الله تعالى رجل يسمى ملك الأملاك) (٨). ولهذا أجاب الماوردي على علماء بغداد سنة ٤٢٩ هـ، لما استولى أحد

стр. 140

الملوك على بغداد لقب نفسه شاه شاه الأعظم ملك الملوك، وخطب له بذلك على المنبر واستفتي العلماء فأجاز بعضهم، ورد عليهم الماوردي ﵀ عليه وعلى الجميع؛ لأن إضافة ملك الملوك تدل على العموم وكذا الألف واللام. ٧ - هل يجوز الدعاء للمؤمنين والمؤمنات بمغفرة جميع الذنوب أو بعدم دخولهم النار؟ أفتى القرافي بالمنع، ونقله عن شيخه ابن عبد السلام؛ لإفادتها العموم مع القطع بإخبار الله عن دخول بعضهم النار. ٨ - ومنه احتجاج الشافعي على كفارة الغموس: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] (١). الثامنة: من صيغ العموم الأسماء المبهمة وما يتعلق بها: قوله: "الأسماء المبهمة" (٢)، أما الموصولات فلأنها لا يعلم معانيها منها بالتعيين وإن اعتبر في معانيها الإشارة إلى التعيين، وإنما تعرف معانيها من الصلة، وأما غيرها فلأنها لا تدل على معين. وقوله "كمن": أتى بالكاف؛ إشارة إلى عدم الحصر إذ منها: حيثما، والذي، والتي. قوله: "كمن فيمن يعقل": نحو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣]. وقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ﴾ [فصلت: ٤٦]. ونقول في الاستفهام: من الذي عندك؟ قوله: " وما فيما لا يعقل" نحو قوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢]. وقوله: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨]. ونقول في الاستفهام: ما عندك؟ "

стр. 141

واستعمال من" فيمن يعقل، و"ما" فيما لا يعقل شائع قد ورد في الكتاب والسنة وكلام العرب (١). فائدة: عدل البيضاوي في المنهاج عن قولهم من في العاقل وإن كانت هذه المشهورة إلى قوله من للعالمين بكسر اللام "لمعنى حسن غفل عنه الشارحون ذكره ابن عصفور في شرح المقرب وغيره، وهو أن من يطلق على الله تعالى كقوله تعالى: (وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ) وكذلك أي كقوله تعالى: (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلْ اللَّهُ) (الأنعام: ١٩) والباري يوصف بالعلم ولا يوصف بالعقل، فلو عبر به لكان تعبيراً غير شامل" (٢). قوله: وأي استفهامية أو شرطية موصولة في الجميع: نحو: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً﴾ [الكهف: ١٢٠]. وقوله ﷺ : (أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل) (٣) في العاقل وفي غيره: ﴿أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ﴾ [القصص: ٢٨]. وفي الاستفهام أي وقت تخرج؟ قال ابن العراقي: "وأي" عامة فيما تضاف إليه من الأشخاص، والأزمان، والأمكنة، ومنه: أي امرأة نكحت نفسها ... " وإنما قيدها المصنف بالاستفهامية أو الشرطية أو الموصولة لتخرج الصفة، نحو مررت برجل أي رجل، والحال نحو: مررت بزيد أي رجل" (٤)

стр. 142

وهذه القيود الثلاثة في من وما؛ ليخرج الموصوفة نحو: مررت بمن معجب لك، وما إذا كانت نكرة موصوفة نحو: مررت بما معجب لك أي شيء. (١) تنبيه: خالف الأسنوي في دعوى عدم عموم (أي ومن) الموصولتين نحو: "مررت بمن قام، أي: بالذي قام" قال الجلال: وهو صحيح في هذا ونحوه مما قامت فيه قرينة الخصوص لا مطلقاً" (٢) ا. هـ. قوله: "وأين في المكان" وحيثما: شرطيتين، وتزيد أين بالاستفهام. قوله: "ومتى في الزمان" استفهامية أو شرطية، نحو: متى تجيئني؟ (٣) والشرطية كما مثل قوله: "وما في الاستفهام والجزاء" أعادها؛ لأنه لم يذكر هذا سابقاً. التاسعة: النكرات في سياق النفي أو النهي . قوله: "في النكرات" ويعبر الأصوليون عنه بقولهم: النكرة في سياق النفي أو نحوه ويقصدون النهي، وإنما اقتصر المصنف على لا؛ لأنها أم الباب، ولعدم خفائها، وتخفيفاً على المبتدئ، وليكون ما ذكره له قاعدة. وقول المصنف: ولا في النكرات، وقول غيره: "النكرة في سياق النفي"، هذا التركيب هو المفيد للعموم. فالنكرات استفادت العموم من النهي أو النفي المنصوب بواسطة لا وأخواتها.

стр. 143

العاشرة: دلالة النكرة في سياق النفي على العموم . أولا: وهي من حيث دلالتها على العموم، قسمان: قسم يكون نصاً، وصورته ما إذا بنيت فيه النكرة على الفتح لتركبها مع لا، نحو: لا إله إلا الله (١) وله صورة أخرى، وهي: زيادة من على النكرة، نحو قوله تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٥]، وما في الدار من رجل. ومن صوره كذلك (٢) " إن كانت النكرة صادقة على القليل والكثير كشيء، أو ملازمة للنفي كديار، وعريب ونحو أحد، إذا لم تقدر همزته بدلاً من واو (٣) ". وما عدا هذه الصور تفيد العموم من باب الظهور لا النص، نحو: "ما في الدار رجل" وأفادت هذه العموم مذهب سيبويه (٤). ثانياً: إذا وقعت النكرة في سياق الشرط كانت للعموم أيضاً، صرح به في البرهان وارتضاه الأبياري في شرحه، واقتضاه كلام الآمدي وابن الحاجب في مسألة لا آكل (٥). ثالثاً: تقدم أن النفي كالنهي فيما تقدم، وخالف بعضهم في أنها في سياق النفي ليست للعموم، وهو مخصوم بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ [الأنعام: ٩١]. رداً على من قال: ﴿مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]؛ لأنه لو لم يكن عاماً لما حصل به الرد (٦)

стр. 144

ومن أوضح الأدلة على المسألة، كلمة التوحيد: (لا إله إلا الله)، "فلو لم يكن صدر الكلام نفياً لكل معبود بحق لما كان إثبات الواحد الحق تعالى توحيداً " (١). رابعا: هل تفيد النكرة في سياق النفي العموم وضعاً أم لزوماً؟ (٢) بمعنى: هل إفادتها للعموم على كل فرد مطابقةً بالوضع العربي؟ أم أنها تفيد استغراق الماهية الجنسية مطابقةً وأفرادها على طريق التضمن واللزوم؟ كونهم يدخلون تحت مسمى الماهية. - الأول: مذهب الشافعي، وأحمد، ومالك، والجمهور، وحققه القرافي رحمه الله تعالى. - والثاني: منسوب إلى أبي حنيفة والسبكي تقي الدين والد تاج الدين، وتظهر ثمرة الخلاف في التخصيص بالنية، فيجوز على مذهب الشافعي وغيره لا على مذهب أبي حنيفة في مسألة: والله لا آكل، فالشافعي يقول الحذف للمفاعيل يعم، وهو مذهب الجمهور المالكية، والحنابلة، وأبي يوسف من الحنفية وغيرهم. والمسألة مفروضة في نحو: والله لا آكل وإن أكلت فأنت طالق. فيحنث بأي أكل، وتطلق بأي أكل كذلك، وهذا متفق عليه بين الفريقين. وإنما اختلفوا في التخصيص بالنية لا التخصيص باللفظ فلا خلاف بينهم، فأبو حنيفة يقول: لا تخصيص بالنية، وحجته أنه ليس بملفوظ ولا في حكم الملفوظ والعموم، إنما هو من عوارض الألفاظ، وإنما استفدنا حنثه بعموم الأكل، وكذا طلاقها

стр. 145

بالعموم العقلي لا بالعموم اللفظي، واحتج كذلك أن النفي إنما هو للماهية لا للأفراد بمعنى أنها للقدر المشترك ولا يدخله تخصيص. وأدلة الجمهور: أنه لو قال: إن أكلت أكلاً فأنت طالق، أو قال: والله لا آكل أكلاً، ونوى مأكولاً بعينه فإنه لا يحنث بغيره إجماعاً. فكذا لو قال إن أكلت فأنت طالق، أو قال: والله لا آكل؛ لأن الأول إنما قبل فيه التخصيص عنده؛ لوجود المصدر الذي يتناول القليل والكثير، وهو موجود في الفعل ضمناً ضرورة أنه مشتق منه والمضمر كالملفوظ، بدليل أنه لو قال لامرأته: طلقي نفسك ونوى ثلاثاً فإنه تقع نيته إجماعاً" (١). قوله: لا رجل في الدار (٢) ومن الأمثلة من القرآن: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً إِلَاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]. وقوله: ﴿وَلا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ [طه: ٨١]. وقوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء: ٣٢]. وقوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَاّ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٥١]. وقوله: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾. [البقرة: ١٨٨]. والأفعال تنحل مصدراً، أي: لا طغيان لا قتل لا زنا لا أكل ... الخ. " لأن نفي الفعل نفي لمصدره" (٣).
следующие страницы →