واستعمال من" فيمن يعقل، و"ما" فيما لا يعقل شائع قد ورد في الكتاب والسنة وكلام العرب (١).
فائدة: عدل البيضاوي في المنهاج عن قولهم من في العاقل وإن كانت هذه المشهورة إلى قوله من للعالمين بكسر اللام "لمعنى حسن غفل عنه الشارحون ذكره ابن عصفور في شرح المقرب وغيره، وهو أن من يطلق على الله تعالى كقوله تعالى: (وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ) وكذلك أي كقوله تعالى: (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلْ اللَّهُ) (الأنعام: ١٩) والباري يوصف بالعلم ولا يوصف بالعقل، فلو عبر به لكان تعبيراً غير شامل" (٢).
قوله: وأي استفهامية أو شرطية موصولة في الجميع:
نحو: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً﴾ [الكهف: ١٢٠]. وقوله ﷺ : (أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل) (٣) في العاقل وفي غيره: ﴿أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ﴾ [القصص: ٢٨]. وفي الاستفهام أي وقت تخرج؟
قال ابن العراقي: "وأي" عامة فيما تضاف إليه من الأشخاص، والأزمان، والأمكنة، ومنه: أي امرأة نكحت نفسها ... " وإنما قيدها المصنف بالاستفهامية أو الشرطية أو الموصولة لتخرج الصفة، نحو مررت برجل أي رجل، والحال نحو: مررت بزيد أي رجل" (٤)
стр. 142
وهذه القيود الثلاثة في من وما؛ ليخرج الموصوفة نحو: مررت بمن معجب لك، وما إذا كانت نكرة موصوفة نحو: مررت بما معجب لك أي شيء. (١)
تنبيه: خالف الأسنوي في دعوى عدم عموم (أي ومن) الموصولتين نحو: "مررت بمن قام، أي: بالذي قام" قال الجلال: وهو صحيح في هذا ونحوه مما قامت فيه قرينة الخصوص لا مطلقاً" (٢) ا. هـ.
قوله: "وأين في المكان" وحيثما: شرطيتين، وتزيد أين بالاستفهام.
قوله: "ومتى في الزمان" استفهامية أو شرطية، نحو: متى تجيئني؟ (٣) والشرطية كما مثل
قوله: "وما في الاستفهام والجزاء" أعادها؛ لأنه لم يذكر هذا سابقاً.
التاسعة: النكرات في سياق النفي أو النهي .
قوله: "في النكرات" ويعبر الأصوليون عنه بقولهم: النكرة في سياق النفي أو نحوه ويقصدون النهي، وإنما اقتصر المصنف على لا؛ لأنها أم الباب، ولعدم خفائها، وتخفيفاً على المبتدئ، وليكون ما ذكره له قاعدة.
وقول المصنف: ولا في النكرات، وقول غيره: "النكرة في سياق النفي"، هذا التركيب هو المفيد للعموم. فالنكرات استفادت العموم من النهي أو النفي المنصوب بواسطة لا وأخواتها.
стр. 143
العاشرة: دلالة النكرة في سياق النفي على العموم .
أولا: وهي من حيث دلالتها على العموم، قسمان: قسم يكون نصاً، وصورته ما إذا بنيت فيه النكرة على الفتح لتركبها مع لا، نحو: لا إله إلا الله (١)
وله صورة أخرى، وهي: زيادة من على النكرة، نحو قوله تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٥]، وما في الدار من رجل.
ومن صوره كذلك (٢) " إن كانت النكرة صادقة على القليل والكثير كشيء، أو ملازمة للنفي كديار، وعريب ونحو أحد، إذا لم تقدر همزته بدلاً من واو (٣) ".
وما عدا هذه الصور تفيد العموم من باب الظهور لا النص، نحو: "ما في الدار رجل" وأفادت هذه العموم مذهب سيبويه (٤).
ثانياً: إذا وقعت النكرة في سياق الشرط كانت للعموم أيضاً، صرح به في البرهان وارتضاه الأبياري في شرحه، واقتضاه كلام الآمدي وابن الحاجب في مسألة لا آكل (٥).
ثالثاً: تقدم أن النفي كالنهي فيما تقدم، وخالف بعضهم في أنها في سياق النفي ليست للعموم، وهو مخصوم بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ [الأنعام: ٩١]. رداً على من قال: ﴿مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]؛ لأنه لو لم يكن عاماً لما حصل به الرد (٦)
стр. 144
ومن أوضح الأدلة على المسألة، كلمة التوحيد: (لا إله إلا الله)، "فلو لم يكن صدر الكلام نفياً لكل معبود بحق لما كان إثبات الواحد الحق تعالى توحيداً " (١).
رابعا: هل تفيد النكرة في سياق النفي العموم وضعاً أم لزوماً؟ (٢)
بمعنى: هل إفادتها للعموم على كل فرد مطابقةً بالوضع العربي؟ أم أنها تفيد استغراق الماهية الجنسية مطابقةً وأفرادها على طريق التضمن واللزوم؟ كونهم يدخلون تحت مسمى الماهية.
- الأول: مذهب الشافعي، وأحمد، ومالك، والجمهور، وحققه القرافي رحمه الله تعالى.
- والثاني: منسوب إلى أبي حنيفة والسبكي تقي الدين والد تاج الدين، وتظهر ثمرة الخلاف في التخصيص بالنية، فيجوز على مذهب الشافعي وغيره لا على مذهب أبي حنيفة في مسألة: والله لا آكل، فالشافعي يقول الحذف للمفاعيل يعم، وهو مذهب الجمهور المالكية، والحنابلة، وأبي يوسف من الحنفية وغيرهم.
والمسألة مفروضة في نحو: والله لا آكل وإن أكلت فأنت طالق. فيحنث بأي أكل، وتطلق بأي أكل كذلك، وهذا متفق عليه بين الفريقين.
وإنما اختلفوا في التخصيص بالنية لا التخصيص باللفظ فلا خلاف بينهم، فأبو حنيفة يقول: لا تخصيص بالنية، وحجته أنه ليس بملفوظ ولا في حكم الملفوظ والعموم، إنما هو من عوارض الألفاظ، وإنما استفدنا حنثه بعموم الأكل، وكذا طلاقها
стр. 145
بالعموم العقلي لا بالعموم اللفظي، واحتج كذلك أن النفي إنما هو للماهية لا للأفراد بمعنى أنها للقدر المشترك ولا يدخله تخصيص.
وأدلة الجمهور:
أنه لو قال: إن أكلت أكلاً فأنت طالق، أو قال: والله لا آكل أكلاً، ونوى مأكولاً بعينه فإنه لا يحنث بغيره إجماعاً.
فكذا لو قال إن أكلت فأنت طالق، أو قال: والله لا آكل؛ لأن الأول إنما قبل فيه التخصيص عنده؛ لوجود المصدر الذي يتناول القليل والكثير، وهو موجود في الفعل ضمناً ضرورة أنه مشتق منه والمضمر كالملفوظ، بدليل أنه لو قال لامرأته: طلقي نفسك ونوى ثلاثاً فإنه تقع نيته إجماعاً" (١).
قوله: لا رجل في الدار (٢)
ومن الأمثلة من القرآن: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً إِلَاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]. وقوله: ﴿وَلا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ [طه: ٨١]. وقوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء: ٣٢]. وقوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَاّ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٥١]. وقوله: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾. [البقرة: ١٨٨]. والأفعال تنحل مصدراً، أي: لا طغيان لا قتل لا زنا لا أكل ... الخ.
" لأن نفي الفعل نفي لمصدره" (٣).
стр. 146
والعموم من صفات النطق ولا يجوز دعوى العموم في غيره من الفعل وما يجري مجراه، كما في جمعه ﷺ بين الصلاتين في السفر رواه البخاري، فإنه لا يعم السفر الطويل والقصير، فإنه إنما يقع في واحد منهما.
وكما في قضائه ﷺ بالشفعة للجار. رواه النسائي عن الحسن مرسلاً، فإنه لا يعم كل جار، لاحتمال خصوصية في ذلك الجار.
[الشرح والإيضاح]
العموم من عوارض الألفاظ ، أي: من خصائصها؛ لأن العرب وضعت ألفاظا معينة تدل على العموم، وقد استقرأها العلماء، وتقدم الكلام عما ذكره المصنف من هذه الألفاظ قبل قليل.
وبقي هنا أن نجيب على تساؤل: هل يمكن استفادة العموم من غير الالفاظ؟
والمصنف عليه رحمة الله عقد هذا المبحث للجواب عن هذا السؤال، وخلاصة ما ذكره أن العموم لا يستفاد إلا من النطق فقط، وأنه لا عموم في الأفعال.
١_ مثاله: صلى رسول الله ﷺ في الكعبة (١)، (فصلى): فعل ليس فيه ما يدل على العموم حتى يشمل صلاة الفرض والنافلة.
ولو قال ﷺ ذلك بالقول، مثلا: الصلاة في الكعبة جائزة أو نحو ذلك، لعم صلاة الفرض والنفل؛ لأن أل في الصلاة من ألفاظ العموم.
وبهذا رد الشافعية على الحنفية في مسألة تجويزهم صلاة الفرض في الكعبة استدلالا
стр. 147
بهذا الحديث، والحنفية لم يقولوا أن الفعل له عموم، لكن وجه الحاقهم الفرض بالنفل هو القياس أو معنى النص (١).
٢_ وأما المثال الآخر فهو حديث: (قضى النبي ﷺ بالشفعة للجار) (٢)، (وقضى) فعل في مكان معين وشخص معين، فلا يستفاد منه العموم؛ لأن الفعل له زمن معين ومكان معين، وعليه فلا يستدل بهذا الحديث على جواز الشفعة لكل جار، لعدم إفادته العموم لأنه فعل، والأفعال لا عموم لها.
وإنما يستدل به من استدل وهم الحنفية لا لعمومه، بل من جهة القياس على ذلك الجار؛ لأن لفظة الجار مشعرة بالتعليل.
تنبيه: أفعال النبي ﷺ هي تشريع عام للأمة إلى يوم القيامة، وعمومها بدليل آخر لا بدلالة الفعل على العموم فإنه لا يدل، والأدلة على اتباعه والاقتداء بأفعاله كثيرة من الكتاب، والسنن، وأفعال الصحابة بلا خلاف.
إذا فالعموم في الأصل يستفاد من الألفاظ الدالة عليه. هذا هو أصل القاعدة لكن قد يستفاد العموم بمعنى النص أو علة النص، فالأول كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]. دخل فيه قطعاً الضرب، مع أنه ليس مشمولا باللفظ العام، لكن عمه المعنى.
وأما الثاني: فقياس النقود الورقية المعاصرة على الذهب والفضة في الربا؛ لأن العلة هي كونها قيم الأشياء، وهذه متحققة في النقود الورقية المعاصرة.
стр. 148
وهناك عموم المحذوفات أو المتعلقات كما تقدم قبل قليل في مسألة: (والله لا آكل)، ... فإنه لو أكل أي طعام يحنث؛ لأن هناك عموما يعم كل محذوف تقديره لا آكل أي طعام.
وفي عموم المقتضى خلاف، وكذلك عموم المشترك، والشافعي يقول بعموم المشترك نحو: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]، فاللمس مشترك على اللمس باليد والجماع، ومن العجب أن الغزالي في المستصفى تعقّب إمامه الشافعي في هذا وغيره فقال: مسألة الاسم المشترك بين مسميين لا يمكن دعوى العموم فيه: عندنا خلافا للقاضي، والشافعي؛ لأن المشترك لم يوضع للجمع، مثاله القرء للطهر، والحيض، والجارية للسفينة، والأمة، والمشترى للكوكب وقابل البيع (١)، ثم ناقش المسألة ورجع في بعض إلى رأي الشافعي.
وليس هذا الموضع الوحيد الذي يتعقب بل في غيره، فمثلا: قال ناقدا قاعدة الشافعي الشهيرة ترك الاستفصال: "فإن قيل ترك الاستفصال مع تعارض الأحوال يدل على عموم الحكم، وهذا من كلام الشافعي قلنا: من أين ذلك؟ ولعله ﵇ عرف خصوص الحال فأجاب بناء على معرفته، ولم يستفصل، فهذا تقرير عموم بالوهم المجرد." (٢)
ومفهوم المخالفة عام لكن مستفاد من جهة المعنى، وإنما الخلاف في عمومه قائم هل له عموم لفظي بناء على أن العموم للألفاظ لا المعاني أو للمعاني والألفاظ؟
стр. 149
فالخلاف لفظي قال زكريا: وأما من جهة المعنى فهو شامل لجميع صوره ما عدا المذكور بما مر من عرف وإن صار به منطوقا أو معنى (١)
стр. 150
والخاص يقابل العام، فيقال فيه ما لا يتناول شيئين فصاعداً من غير حصر، نحو رجل ورجلين وثلاثة رجال. والتخصيص تمييز بعض الجملة أي إخراجه كإخراج المعاهدين من قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾.
[الشرح والإيضاح]
الخاص وتعريفه وشرح التعريف .
قوله: "والخاص يقابل العام" .. أي: مقابله في التقسيم المنهجي الأصولي، كما أن المقيد مقابل المطلق، والمجمل مقابل المبين، وبين المتقابلين ارتباط وعلاقة دلالية. وهذا ما جعلهما متقابلين.
قوله: "فيقال"، الفاء تفريعية على كلامه أنه مقابل للعام، أي: فبناء على هذا التقابل يكون تعريف الخاص أخص من تعريف العام، فإذا كان العام شرطه أن يتناول شيئين فصاعدا من غير حصر، فالخاص ليس من شرطه ذلك، بل قد يتناول واحدا فقط أو اثنين أو أكثر لكن بشرط الحصر.
ولذلك مثّل له برجل واحد، وبرجلين، وبثلاثة رجال، فهذا كله خاص لأنه محصور بعدد معين. إذا فالخاص ما تناول محصورا.
قوله: "التخصيص" .... هو الفعل أو الأثر المترتب على الخاص؛ لأن الخاص لما تناول محصورا، والعام تناول غير محصور ... فإن كان تناولهما لما تناولاه توارد على نفس المحل فهنا يحصل التعارض بين الخاص والعام وترتب على ذلك ما يسمى بالتخصيص.
وهو إخراج بعض أفراد العام، وهو ما عبر عنه المؤلف بقوله: "تمييز بعض الجملة"، ثم فسر التمييز بالاخراج. مثاله: قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]
стр. 151
فهذا عام بدلالة دخول الألف والام على الجمع، فيعم كل مشرك، لكن يخرج منه المعاهدون بدليل خاص وهو: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ﴾ [التوبة: ٤].
ومثاله كذلك: حديث: (فيما سقت السماء العشر) فهذا عام في كل ما سقته السماء قل أو كثر، لكن خصه حديث: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) (١)
стр. 152
وهو ينقسم إلى متصل ومنفصل: فالمتصل الاستثناء وسيأتي مثاله.
والشرط نحو أكرم بني تميم إن جاؤوك، أي الجائين منهم.
والتقييد بالصفة، نحو أكرم بني تميم الفقهاء.
والاستثناء إخراج ما لولاه لدخل في الكلام، نحو جاء القوم إلا زيداً.
وإنما يصح الاستثناء بشرط أن يبقى من المستثنى منه شيء نحو له عليَّ عشرة إلا تسعة، فلو قال إلا عشرة، لم يصح، وتلزمه العشرة.
ومن شرطه أن يكون متصلاً بالكلام، فلو قال جاء الفقهاء، ثم قال بعد يوم إلا زيداً، لم يصح.
ويجوز تقديم المستثنى على المستثنى منه، نحو ما قام إلا زيداً أحدٌ.
ويجوز الاستثناء من الجنس كما تقدم. ومن غيره، نحو جاء القوم إلا الحمير.
والشرط المخصص، يجوز أن يتقدم على المشروط نحو إن جاءك بنو تميم فأكرمهم.
والمقيد بالصفة يحمل عليه المطلق، كالرقبة قيدت بالإيمان في بعض المواضع، كما في كفارة القتل.
وأطلقت في بعض المواضع، كما في كفارة الظهار، فيحمل المطلق على المقيد احتياطاً.
[الشرح والإيضاح]
هذا المبحث معقود لبيان أقسام الدليل المخصص، وهو ما يعرف بالمخصصات المتصلة والمنفصلة:
قوله: "وهو ينقسم" ... الضمير راجع إلى التخصيص؛ لأنه أقرب ما يحمل عليه، وتقديره
وهو، أي: التخصيص ينقسم إلى تخصيص بدليل متصل أو بدليل منفصل.
стр. 153
وسنتكلم عن هذين القسمين تفصيلاً بما يليق بهذا المختصر:
القسم الأول: المخصصات المتصلة .
ذكر منها المصنف ثلاثة:
- الأول: الاستثناء.
- الثاني: الشرط.
- الثالث: الصفة.
ولنبدأ في الكلام على الاستثناء وما يتعلق به من المسائل (١):
التخصيص بالاستثناء
المسألة الأولى: تعريف الاستثناء وشرحه .
وهو لغة: بمعنى العطف والعود، كقولهم: ثنيت الحبل إذا عطفت بعضه على بعض. وقيل: بمعنى الصرف والصد من قولهم: ثنيت فلانا عن رأيه، وقال ابن فارس: لأنه قد ثنى ذكره مرة في الجملة، ومرة في التفصيل. (٢)
عرفه اصطلاحا بقوله: "الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل في الكلام".
أي فالاستثناء: إخراج الشيء من حيز الكلام قبله، إذ لولا الاستثناء لكان من ضمن الكلام لغة.
وهذا التعريف هو ما عليه الأكثر.
المسألة الثانية: أن الاستثناء لا يكون إلا من المعارف، ولذلك مثل له المؤلف بقوله
стр. 154
جاء القوم إلا زيدا.
أما من النكرات فلا يجوز لغة؛ لأن ما بعدها لا يدخل فيها، كقولك: جاء رجال إلا زيدا، فزيد لم يدخل بمقتضى اللغة. أو جاء قوم إلا زيدا.
لكن لو قلت جاء الرجال إلا زيدا جاز؛ لأنه معرفة وعام يدخل فيه زيد لغة.
لكن إذا كانت النكرة مفيدة أو موصوفة جاز الاستثناء منها؛ لأنها قريبة من المعرفة كما قرره بن مالك.
ومثاله اشتريت عمارة إلا الدور الأعلى منها، فهي هنا قريبة من المعرفة؛ لأنها معينة عند المتكلم.
المسألة الثالثة: أشكل معنى الاستثناء على البعض، فقالوا إن كان زيد قد دخل حقيقة فلا يمكن إخراجه بمجرد الكلام بالاستثناء، وإن كان لم يدخل فلماذا استثنيتموه أصلا؟
والجواب: أن دخوله تقديري في ذهن السامع، فإذا قلت: قام القوم فإن السامع يحكم بدخول زيد لأنه من القوم. ولكنك تريد إزالة هذا التوهم فتستثني.
وقد استشكلوا هذا في الاستثناء في العدد كذلك فقولك له على عشرة إلا ثلاثة.
فأول الكلام الإقرار بعشرة وآخره ينقضه. وقد قال بعضهم كما نقل ابن الحاجب: أن المقصود مجازي بقرينة، وإلا فالمراد بعشرة سبعة وهذا باطل؛ لأن العشرة نص كما هو معلوم فكيف يكون مجازا.
والذي عليه الكثير أن لفظ عشرة يشمل كامل العدد نصاً، وأن الاستثناء تخصيص فهو تخصيص بعد عموم.
وعلى هذا فالاستثناء مبين لغرض المتكلم به، بالمستثنى منه، فإذا قال: له علي عشرة
стр. 155
كان ظاهراً في الجميع ويحتمل إرادة بعضها مجازا، فإذا قال: إلا ثلاثة، فقد بين أن مراده بالعشرة سبعة فقط كما في سائر التخصيصات (١)
والذي أراه أن العرب استعملت أسلوب الاستثناء كتركيبة واحدة لا ينظر إلى أولها بدون آخرها، فمعنى له على عشرة إلا ثلاثة يساوي له على سبعة.
فيجوز استعمال لفظين عند العرب لإفادة الغرض، أحدهما مركب وهو له على عشرة إلا ثلاثة، والثاني غير مركب له على سبعة.
فهما اسمان لمسمى واحد، ثم اطلعت على أن هذا المذهب نحى إليه إمام الحرمين والباقلاني كما في شرح التحرير.
واعلم أن الاستثناء أبلغ في تقرير الكلام في ذهن السامع لأنه يدل على دقة التفاصيل، ويقصد تأكيد الضبط، لذلك جاء في القرآن: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤]. وهذا أبلغ من فلبث فيهم تسعمئة وخمسين عاما؛ لأنه يفهم السامع ويقع في نفسه أبلغ وأشد فهذا المقصود في لغة العرب من الاستثناء.
المسألة الثانية: شروط الاستثناء .
للاستثناء شروط ذكر منها المصنف شرطين وفي المطولات بسط ذلك، (٢) وسنقتصر على شرح ما ذكره المصنف.
الشرط الأول: ذكره في قوله: "إن يبقى من المستثنى منه شيء".
نحو له عليَّ عشرة إلا تسعة، فلو قال إلا عشرة، لم يصح، وتلزمه العشرة.
ولهذه المسألة ثلاث صور:
стр. 156
١_ استثناء الكل من الكل، وهذا باطل لا يجوز في مذهب الشافعي والثلاثة الأئمة.
٢_ استثناء الأكثر من الكل، وهذا جائز في المذهب، وكذا للحنفية.
فتقول له على عشرة إلا سبعة، ومنعه أحمد في المعتمد من المذهب.
٣_ استثناء النصف وما دونه، وهو جائز عند الأربعة والأكثر، ونقل عن مالك أنه لا يجيز إلا الأقل قال في المراقي:
والمثل عند الأكثرين مبطل **** ولجوازه يدل المدخل
وجوز الأكثر عند الجل **** ومالك أوجب للأقل
والشرط الثاني: ذكره في قوله: "إن يكون متصلاً بالكلام".
فلو قال جاء الفقهاء، ثم قال بعد يوم إلا زيداً، لم يصح.
ما ذكره المؤلف هو الذي عليه المذاهب الأربعة، وغيرها حاشا ما نقل عن ابن عباس، فقيل عنه إلى سنة، وقيل شهر، وقيل أبدا، وقيل لم يثبت عنه سندا، وقيل رجع.
ونقل بعضهم عن ذيل تاريخ بغداد لابن النجار قصة في هذا حدثت للإمام الشيرزاي، وذلك أنه أراد الخروج مرة من بغداد فاجتاز في بعض الطريق، وإذا برجل على رأسه سلة فيها بقل وهو يقول لآخر: مذهب ابن عباس في تراخي الاستثناء غير صحيح، ولو صح لما قال الله تعالى لأيوب ﵇: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]، بل كان يقول له: استثن، ولا حاجة إلى التوسل إلى البر بذلك، فقال الشيخ أبو إسحاق: بلدة فيها رجل يحمل البقل يرد على ابن عباس لا تستحق أن يخرج منها. (١)
стр. 157
ولكني لم أجدها لا في تاريخ بغداد ولا في الذيل فلعلها في غير مضنتها منه، أو أنها زيادة من حاشية أو طرة، ولكني وجدتها في طبقات الشافعية الكبرى للسبكي، أن أبا بكر بن العربي ﵀ قال: سمعت فتاة من بغداد تقول لجارتها: لو كان مذهب ابن عباس في الاستثناء صحيحا لما قال الله تعالى لأيوب ﵇: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]، بل كان يقول استثن. حكاه أبو العباس القرافي. (١)
فائدة: لا يصح الاستثناء إلا نطقاً في المذاهب الأربعة إلا لخائف ومظلوم. عزاه في التحبير شرح التحرير فينظر (٢).
فائدة قال في البحر: الاستثناء من التحريم إباحة، ولم يتعرض لها الأصوليون، وذكرها صاحب "الذخائر" من الفقهاء في باب العدد في قوله ﷺ : (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا) (٣)، واستشكل الاستدلال بالحديث على وجوب الإحداد على المتوفى عنها زوجها. وقال القاضي الحسين في تعليقه: هذا الاستثناء للواجب من المحرم؛ لأن الإحداد على غير الزوج فوق الثلاث حرام، وعلى الزوج واجب، وإنما الصحيح أنه يستثنى الواجب من الجائز، والحرام من المباح، ويمكن الاحتجاج بالحديث على جواز الاستثناء من غير الجنس (٤).
стр. 158
المسألة الثالثة: يجوز تقدم المستثنى بلا خلاف .
قوله: ويجوز تقديم المستثنى على المستثنى منه، نحو ما قام إلا زيداً أحدٌ.
أقول: تقديم المستثنى جائز في لغة العرب ولا خلاف في هذه المسألة (١)
وهو وارد في السنة الصحيحة، ومنه قوله ﷺ : (لست أنا حملتكم، ولكن الله حملكم، وإني والله - إن شاء الله - لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرا منها، إلا أتيت الذي هو خير، وتحللتها) (٢) وكقول الكميت:
وما لي إلا آل أحمد شيعة **** ومالي إلا مذهب الحق مذهب
المسألة الرابعة: الاستثناء من الجنس ومن غيره
قوله: ويجوز الاستثناء من الجنس كما تقدم ومن غيره، نحو: جاء القوم إلا الحمير.
١_ الاستثناء من الجنس جائز لا خلاف كما تقدم.
٢_ أما من غير الجنس فهو واقع في القرآن وأقوال العرب بلا شك وهذا يكفي.
والذين أنكروه في اللغة تأولوا ما وقع في اللغة أنه راجع إلى الجنس الشامل للكل وعليه فالخلاف لفظي، مثال وقوعه في القرآن: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ [الواقعة: ٢٥، ٢٦]. فالاستثناء هنا من غير جنس اللغو ولا التأثيم؛ لأن السلام ليس بلغو ولا تأثيم، وقدّره البعض أنه مستثنى من القول؛ لأن القول جنس للكل فيكون التقدير: لا يسمعون فيها قولا لغوا، ولا تأثيما، إلا قولا سلاما.
ومثاله كذلك قوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧]، فالعلم
стр. 159
إما جنس الظن واليقين فيكون متصلا، أو يكون التقدير ما لهم به من معرفة بعلم إلا معرفة بالظن والتخرص.
ومثال آخر قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [الحجر: ٣٠، ٣١]، والتقدير أنه داخل تبعا في الحضور، وقال البعض كان من الملائكة وهذا يرده قوله تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠]. وهذا نص على أنه من غيرهم وأنه شمله الأمر؛ لأنه حكم عليه بالفسق وهو الخروج عن أمر ربه.
فهذا دليل على صحة الاستثناء المنقطع، وأن التقديرات التي يقدرها المانعون والمجيبون تكلفات؛ لأن اللغة سماعية، وإنما وقع الخلاف لأنهم عرفوا الاستثناء بأنه إخراج ما لولاه لدخل في الكلام المستثنى .. وهذا أوقعهم في هذا الاشكال، فالتعاريف توقع كثيرا في الاشكالات وتقع مناظرات وأجوبه وقيل وقال حول هذا، ولا يوجد تعريف من هذا النوع لا إشكال فيه.
ومن وقوع الاستثناء المنقطع في كلام العرب، قوله:
وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس
"فاليعافير قد تؤانس، فكأنه قال: ليس بها من يؤنس به إلا هذا النوع. والحاصل: أن المنقطع يكون مستثنى من مقدر، أو من مفهوم لفظ لا من منطوقه" (١).
التخصيص بالشرط .
قوله: والشرط المخصص، يجوز أن يتقدم على المشروط، نحو: إن جاءك بنو تميم فأكرمهم.
هذا هو النوع الثاني من أنواع المخصصات التي ذكرها المصنف.
стр. 160
تعريف الشرط:
وتعريفه لغة: العلامة، ومنه أشراط الساعة، أي: علامتها، وجمعه على هذا المعنى أشراط، والوارد على لسان الفقهاء هو الشرط الذي جمعه شروط.
وتعريفه اصطلاحا: ما يلزم من عدمه العدم .. وقد تقدم في أول الكتاب
أنواع الشرط والفرق بينه وبين المانع والسبب.
والشرط أربعة أنواع:
١_ شرط شرعي: كشرط الطهارة للصلاة فيلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود الصلاة.
٢_ شرط عقلي: كشرط الحياة للعلم فيلزم من عدم الحياة عدم العلم، ولا يلزم من وجودها أن يكون عالما؛ لأنه قد يكون جاهلا إلا إن قصد بالعلم مايشترك فيه الجميع.
٣_ شرط لغوي: إن دخلت الدار فأنت طالق. فإذا وجد الدخول وجد الطلاق وإذا عدم الدخول عدم الطلاق.
٤_ الشرط العادي: وهو ما يشترط في العاديات أي جرت به العادات كشرط السحاب للمطر، فعدم السحاب عدم للمطر عادة، وشرط زواج الذكر بالأنثى لوجود الولد، وشرط الطائرة للسفر جوا.
وبهذا يتبين أن المشترك في تعريف الشروط بأنواعها هو ما قدمناه في قولنا: الشرط
стр. 161
ما يلزم من عدمه العدم.
وتعريف المانع: عكس الشرط فيلزم من وجوده عدم.
وتعريف السبب: ما يلزم من وجوده وجود، ومن عدمه العدم، كزوال الشمس لدخول وقت صلاة الظهر.
فالخلاصة: أن "المعتبر في المانع وجوده، وفي الشرط عدمه، وفي السبب وجوده وعدمه ومثاله الزكاة، فالسبب النصاب، والحول شرط، والدين مانع عند من يراه مانعا" (١).
تقدم الشرط وتأخره:
يجوز تقدم الشرط وتأخره، وتقديمه هو الأصل؛ لأنه متقدم في الوجود على المشروط، ومثل للتقدم بقوله: إن جاءك بنو تميم فأكرمهم، وللتأخر بقوله: أكرم بني تميم إن جاؤوك، أي: الجائين منهم.
التخصيص بالصفة:
هذا هو القسم الثالث من المخصصات المتصلة، وهي: الصفة.
قوله: والمقيد بالصفة يحمل عليه المطلق، كالرقبة قيدت بالإيمان في بعض المواضع، كما في كفارة القتل.
وأطلقت في بعض المواضع، كما في كفارة الظهار، فيحمل المطلق على المقيد احتياطاً.
стр. 162
فيه مسألتان:
المسألة الأولى: اعلم أن لفظ رقبة وردت في القرآن في أربعة مواضع:
في قتل الخطأ، وكفارة اليمين، والظهار، ومطلق الصدقة، وهي على الترتيب كما يلي:
١_ ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢].
٢_ ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٨٩].
٣_ ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ٣].
٤_ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣].
فأطلقت في ثلاثة مواضع، وقيدت فقط في كفارة قتل الخطأ بكونها رقبة مؤمنة، فهل نقيد كفارة اليمين وكفارة الظهار، ومطلق الصدقات أن تكون مؤمنة. المؤلف وهو مذهب الشافعي يقول بالتقييد، لكن يلاحظ في قوله احتياطا: أن المسألة خرجت على الاحتياط لا الايجاب.
المسألة الثانية: إذا خرجت الصفة مخرج الغالب، كانت للتوضيح لا للتخصيص .
ومن ثم اختلف العلماء في حديث: (عارية مضمونة)، (١) هل كلمة مضمونه للتوضيح؛ لأن الأصل في العارية الضمان وهذه الصفة كاشفة. أم أنها للتقييد فيكون
стр. 163
الأصل عدم الضمان إلا بنص؛ لذلك كانت العارية على الضمان عند الشافعية، وعند الحنفية على الأمانة.
فائدة خاتمة: المخصصات اثنا عشر مخصصا، نظمتها في بيت واحد وبيانها مع أمثلتها .
تقدم أن المصنف ذكر ثلاثة مخصصات تيسيرا على المبتدئ، وقد نظمت جميع المخصصات في بيت واحد أول الطلب، أذكره هنا ليحفظه من أراد حفظها جميعا:
مز صف وجر غ اثن مفعولان **** شرط وحال بدل ظرفان
وبيانها كما يلي:
١_ "مز" يعني التمييز، مثاله: له عندي كذا وكذا درهما، فيلزمه درهمان على المذهب (الشافعي). وفي قول درهم وشيء آخر، والمعتمد الأول؛ لأن التمييز راجع للكل لا للأخير.
٢_ "صف" نعني به: الصفة، وقد تقدمت.
٣_ "وجر"، نعني به: التخصيص بالجار والمجرور، مثاله: (لا يقتل مسلم بكافر) وهل يعود للأول فقط أم يشمل ما بعده وهو: (ولا ذو عهد في عهده). (١)
٤_ "غ": بفعل الأمر للغاية، مثاله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
٥_ "اثن": بهمزة وصل، وفعل الأمر للثنيا، ونعني به: أن من المخصصات الاستثناء، وقد مر.
٦_٧_ مفعولان: نعني به المفعول به، والمفعول لأجله، كقولك: اضربه تأديبا،
стр. 164
فهذا تخصيص للضرب بأن يكون للتأديب فقط.
٨_ شرط: نعني به التخصيص بالشرط وقد مر.
١٠_ وحال: نعني به التخصيص بالحال، مثاله: أكرم الطلاب ناجحين لا غير.
١١_ ١٢_ ظرفان: نعني به التخصيص بظرف الزمان، نحو: أكرم زيدا يوم الخميس. وظرف المكان مثل: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨].
стр. 165
ويجوز تخصيص الكتاب بالكتاب، نحو قوله تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ)، خصَّ بقوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) أي حلٌ لكم.
وتخصيص الكتاب بالسنة، كتخصيص قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُم) إلى آخر الآية الشامل للولد الكافر بحديث الصحيحين: (لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم).
وتخصيص السنة بالكتاب كتخصيص حديث الصحيحين: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)، بقوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى) إلى قوله (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) وإن وردت السنة بالتيمم أيضاً بعد نزول الآية.
وتخصيص السنة بالسنة كتخصيص حديث الصحيحين: (فيما سقت السماء العشر) بحديثهما (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة).
وتخصيص النطق بالقياس، ونعني بالنطق قول الله تعالى وقول الرسول ﷺ ؛ لأن القياس يستند إلى نص من كتاب أو سنة فكأنه المخصص.
[الشرح والإيضاح]
بيان مراتب التخصيص:
ذكر المؤلف هنا مراتب التخصيص، وهي خمسة:
стр. 166
الأولى: تخصيص الكتاب بالكتاب .
أما تخصيص الكتاب بالكتاب، فمثاله: تحريم نكاح عموم المشركات، ثم خص بالنص نساء أهل الكتاب فأباح نكاحهن كما ذكر المصنف.
الثانية: تخصيص الكتاب بالسنة .
الصحيح جوازه؛ لأن التعبد بخبر الواحد الصحيح مقرر شرعاً بل مقطوع به، لذلك قطعت الرقاب بشهادة اثنين، وكذلك ملكت الأموال، وحصل النكاح بشهادة اثنين، ودخول رمضان وخروجه، ودخول الأوقات الشرعية والوقوف بعرفة والعيد، وجلد الشارب، وقطع السارق، وجلد الزاني وغير ذلك كلها بأخبار الآحاد.
لذلك نقل في البحر إجماع الصحابة على تخصيص الكتاب بالسنة: كنفي ميراث القاتل بقوله ﷺ : (القاتل لا يرث) (١)، مع قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]، والنهي عن الجمع بين المرأة وعمتها (٢) مع قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، إلى غير ذلك" (٣).
الثالثة: تخصيص السنة بالسنة .
وقد مثل له المصنف بحديث: (فيما سقت السماء العشر) (٤) بحديث: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) (٥). فالحديث الأول يقتضي عموم إخراج الزكاة من القليل والكثير، والحديث الثاني يخص ذلك بما بلغ النصاب وهو خمسة أوسق.
стр. 167
الرابعة: تخصيص السنة بالكتاب .
وقد مثل له المصنف بحديث: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) (١)، فهذا عموم يقتضي أنه لا يقبل غير الوضوء، لكنه مخصوص بقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣].
الخامسة: تخصيص النطق بالقياس .
تخصيص الكتاب والسنة بالقياس، له تطبيقات فقهية كثيرة، منها ما اتفق عليها، ومنها ما فيه خلاف، وسأنقل لك بعضا منها مما وقفت عليه من كتب الفقه والأصول:
- مثال تخصيص الكتاب بالقياس:
- قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]. فهذا عام الرقيق ذكوراً وإناثاً، ولغيرهم ذكوراً وإناثاً، لكن ورد نص آخر أخرج الإماء فحكم عليهن بالنصف فقط، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]. ولم يرد نص في الذكور من الرقيق يخرجهم؛ فقاسهم العلماء على الإماء فخصص النص إذا بنص وبقياس.
- ومثاله كذلك قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾، إلى قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٣٦]، فيجوز الأكل من الهدي كله بالنص، لكن ورد الإجماع على أن هدي جزاء الصيد لا يؤكل منه لدلالة آيته فيه. والعلة أنه دم جزاء. فهل يقاس عليه دم التمتع لأنه دم فيه معنى الجزاء؛ لأنه عوض عن ترفه؟
قال بهذا البعض كالشافعية.
- ومنه أن عدة الحامل الوضع بنص الآية، فيشمل الجميع. ولكن في حال زوجة
стр. 168
الصغير الذي لا يمكن منه الوطء فمات وظهر منها حمل فلا تدخل في عموم الآية؛ للقطع بأنه ليس منه، فلا تعتد عدة الحامل قياساً على من حملت بعد وفاة زوجها بما لا يمكن نسبته إليه.
- ومن تخصيص السنة بالقياس.
- تخصيص مالك عموم حديث: (إذا جاء أحدكم المسجد، فليركع ركعتين) (١)، وذلك لمن دخل يوم الجمعة والإمام يخطب فإن الأمر بالإنصات وارد، وصلاة ركعتين والإمام يخطب له نفس الحكم قياسا، فيخص به الحديث عند من قال به.
- ومن ذلك: خلاف أبي حنيفة في إيجابه إخراج زكاة الخيل إن قصد منها النسل، وكانت سائمة قياساً على بقية السوائم، فخص بهذا القياس عموم حديث: (ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة) (٢) وعضد هذا القياس بحديث: (ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها) (٣)، فقال الحق هو: الزكاة.
- مثال آخر حديث: (فيما سقت السماء والعيون العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر) (٤)، خصه الأئمة غير أبي حنيفة بالقياس، فلم يوجبوا العمل
стр. 169
بعموم فيما سقت، بل قالوا بوجوب الزكاة فقط في المقتات؛ لأن مقصود الشرع هو سد خلة الفقير، وهذه لا تتحقق إلا في المقتاتات، فهذا المعنى يخصص العموم، وخالفهم أبوحنيفة فغلب العموم.
- مثال آخر حديث: (وفي العين نصف الدية) (١) متفق على العمل به عند الفقهاء، لكن اختلفوا في الأعور هل يدفع له نصف دية إن فقئت عينه أم دية كاملة؟ ... قال مالك: دية كاملة قياسا على ذي العينين؛ لأن عين الأعور تؤدي ما تؤديه عينا الصحيح، فهذا قياس خص به عموم النص.
стр. 170
المجمل والمبين
стр. 171
والمجمل ما يفتقر إلى البيان، نحو: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ فإنه يحتمل الأطهار والحيض؛ لاشتراك القرء بين الحيض والطهر.
والبيان إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي أي الاتضاح، والمبين هو النص.
[الشرح والإيضاح]
المجمل والمبين
وفيه مسائل:
المسألة الأولى: المجمل في اللغة والاصطلاح، وبيان أنواعه .
في اللغة يطلق على ثلاثة أمور:
١ - المبهم: من أجمل الأمر أي أبهمه.
٢ - وقيل المجموع: من أجمل الحساب إذا جمع وجعل جملة واحدة.
٣ - وقيل التحصيل: من أجمل الشيء إذا حصله" (١).
وعبر بـ "ما" ليشمل القول والفعل، إذ الإجمال يدخلهما:
فمثال الإجمال في القول: كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، لاحتماله الإطهار والحيض، فيفتقر حينئذ إلى البيان من دليل آخر مرجح لأحد المعنيين. فذهب الشافعي، ومالك، وفقهاء المدينة، وأحد الروايتين عن أحمد إلى أنها الإطهار بدليل اللغة والشرع.
стр. 172
أما اللغة: فقول أبي بصير ميمون بن قيس البكري الأعشى الأكبر:
وفي كل عام أنت جاشم غزوة ... تشد لأقصاها عزيم عزائكا
مورثة مالاً وفي الحي رفعة ... لما ضاع فيه من قروء نسائكا (١)
أي أنه بغزوك تورث المال والرفعة فيكون ذلك عوضاً عما ضاع من إطهار نسائك بسبب الغزو.
ومن الشرع قوله ﷺ : (فإن بدا له أن يطلقها طاهراً قبل أن يمسها، فتلك العدة التي أمر الله أن يُطلق لها النساء) (٢)، فدل على أن المراد بالأقراء الأطهار" (٣).
يستدل الحنفية والحنابلة على أنه الحيض؛ بقوله ﷺ : (دعي الصلاة أيام أقرائك) (٤) يعني: حيضك. وبآية الطلاق: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]. وبين القوم مناظرات وجوابات طويلة الذيول محلها كتب الفروع، والغرض هنا التمثيل.
ومثال الإجمال في الفعل: أن النبي ﷺ مسح بناصية وعلى العمامة (٥). فيحتمل أنه جمع بينهما، ويحتمل أنه مسح مرة على الناصية ومرة أخرى على العمامة وحدها، فجمع راوي الحديث حكاية الأمرين، والجمع أحد معاني الإجمال في اللغة كما تقدم، فاحتاج هنا إلى البيان من خارج. والله أعلم.
стр. 173
المسألة الثانية: بيان أسباب الإجمال (١):
١ - الاشتراك: وهو ثلاثة أنواع:
أ. الاشتراك في الاسم: كما في لفظة قروء، في قوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
ولفظة: "العتيق" في قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]. فإن العتيق يطلق بالاشتراك على القديم، وعلى المعتق من الجبابرة، وعلى الكريم وكلها قيل به في الآية (٢).
ب. الاشتراك في الفعل:
_كقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧]. فإنه مشترك بين إقبال الليل وإدباره.
_ وكقوله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]. فإنه مشترك بين قولهم عدل به غيره إذا سواه به.
- ومنه قول جرير:
أثعلبة الفوارس أم رياحاً ... عدلت بهم طهية والخشابا
أي: سويتهم بهم، وبين قولهم عدل بمعنى مال صد (٣).
جـ. الاشتراك في الحرف:
ومن أمثلته الواو في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ
стр. 174
آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧]. فإنها محتملة للعطف: فيكون الراسخون في العلم يعلمون تأويل المتشابه، ومحتملة للاستئناف: فيكون الله تعالى مستأثراً بعلمه دون خلقه. (١)
وحمله الجمهور على الابتداء" (٢).
٢ - المجمل بسبب التصريف:
نحو قوله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣]؛ لاحتماله أن يكون مبنياً للمعلوم فيكون النهي للوالدة عن المضارة؟ وأن يكون مبنياً لما لم يسم فاعله فيكون النهي متجها إلى الوالد، أو المولود له أن يضاروا والدة الطفل.
ومثله المختار لتردده بين الفاعل والمفعول.
٣ - المجمل بسبب مرجع الضمير (٣):
كقوله ﷺ : (لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبة في جداره) (٤)
فيحتمل أن الضمير راجع إلى الغارز، أي: لا يمنعه أن يفعل ذلك في جدار نفسه، وعليه الشافعي في البويطي وهو الجديد.
وقيل على الجار؛ وعليه الإمام أحمد وأصحابه (٥)؛ لحديث: (لا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس) (٦).
٤ - المجمل بسبب التركيب:
بأن تكون المعاني المرادة من المفردات معلومة، لكن يكون المراد من المركب نفسه
стр. 175
مجهولاً محوجاً إلى بيان، نحو قوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَاّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧].
فـ"الذي بيده عقدة النكاح يحتمل أنه الزوج: كما هو مذهب الشافعي، (١) والحنفية، (٢) وقاله الإمام أحمد، وقاله كثير من الصحابة والتابعين" (٣). ويحتمل أنه الأب: كما قاله مالك (٤) في جمع من التابعين، والشيخ تقي الدين" (٥).
والذي يظهر لي أن المراد ليس الزوج؛ بدليل أنه إذا طلق قبل الدخول تبين منه مباشرة بلا عدة، فكيف يكون بيده عقدة النكاح وقد بانت منه ولم يعد له بها صلة! إلا أن يقال هو باعتبار ما كان وهذا بعيد، أو يقال إن الزوج أسقط حقه قبل نطقه الطلاق فيكون مشمولا بذلك.
٥ - المجمل بسبب تعدد المجاز مع تعذر الحقيقة (٦):
مثالها: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]. وحديث: (ورفع عن أمتي الخطأ والنسيان) (٧)، عند القائلين بأنه مجمل لتعذر الحمل على الحقيقة؛ لأن الأعيان لا يتعلق بها التحريم لأن التحريم حكم شرعي، والأحكام إنما تتعلق بأفعال المكلفين هذا في الأول.
وفي الثاني: لا يمكن حمله على الحقيقة، إذ الخطأ موجود فتعين المجاز فيما هذا سبيله، فيقدر شيء محذوف ليستقيم الكلام، ولكن هذه المقدرات متعددة إذ يحتمل أنه
стр. 176
رفع الإثم أو الضمان والاحتمال متساوٍ ولا مرجح فكان مجملاً.
وسيأتي ذكر جواب المحققين عن هذين المثالين، والغرض هنا إيضاح القاعدة.
٦ - الإجمال بسبب ورود المجهول على المعلوم:
لأن المجهول إذا ورد على المعلوم صير المعلوم مجهولاً نحو:
أ-الاستثناء للمجهول: كقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١]. للجهل بمعناه قبل نزول مبينه، أي: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]. ويسرى الإجمال إلى المستثنى منه، أي: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١]. (١)
ب-عدم تعيين مرجح الصفة: نحو زيد طبيب ماهر، لتردد ماهر بين رجوعه إلى طبيب وإلى زيد، ويختلف المعنى باعتبارهما (٢).
المسألة الثالثة: في مسائل ظُنت من المجمل وليست منه .
١ - لا إجمال فيما وجب فيه التقدير، وهي ثلاثة أنواع:
أ- ما وجب فيه التقدير لتوقف صدق الكلام عليه نحو: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)، فإنه لا بد من تقدير الحكم أو المؤاخذة لتعذر حمله على حقيقته فإنها واقعة (٣).
ب-ما وجب فيه التقدير عقلاً؛ لأنه لا يثبت الملفوظ به عقلاً إلا بتقدير، (٤) نحو قوله تعالى: ﴿فَانفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣]. فإنه يلزم عقلاً إضمار -فضرب-
стр. 177
وكذلك: ﴿وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، فلو لم يقدر فيه أهل القرية لم يصح عقلاً.
جـ- ما يمتنع ثبوته شرعاً إلا به، نحو: "أعتق عبدك عني على ألف"، فلا بد من تقدير البيع له ثم إعتاقه عنه ليصح شرعاً.
٢ - لا إجمال فيما اتضحت دلالته عرفاً في المذاهب الأربعة (١):
وهو: ما توجد فيه التحليل أو التحريم إلى الأعيان، نحو: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. إذ التحليل والتحريم من الأحكام الشرعية، وهي لا تتعلق إلا بأفعال المكلفين، وفعل المكلف يقدر على حسب العرف، فهو في الأول: الأكل، والثاني: الاستمتاع.
وهكذا ففي المأكولات يقدر الأكل، وفي المشروبات الشرب، وفي الملبوسات اللبس، وفي الموطوءات الوطء، فإذا أطلق أحد هذه الألفاظ سيتضح المعنى المراد من غير توقف، فتلك الدلالة متضحة لا إجمال فيها (٢).
ما توجه فيه النفي إلى الذوات:
نحو: (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن) (٣)، (لا نكاح إلا بولي) (٤) ونحوها.
لأنه قد اشتهر في العرف نفي الشيء لنفي فائدته، كقولهم: لا علم إلا ما نفع، ولا عمل
стр. 178
إلا بنية، ولا بلدة إلا بسلطان. يراد به نفي الفائدة والجدوى (١).
فتتعين هنا الصحة دون الكمال؛ لأن ما لا يصح كالعدم في عدم الجدوى بخلاف ما لا كمال فيه، هذا إن لم يثبت في مثله عرف أصلاً، فإن ثبت عرف شرعي في إطلاق الصلاة، والصيام، والنكاح ونحوها على الصحيح كان المعنى لا صلاة صحيحة، ولا صيام صحيح، ولا عمل صحيح، فالنفي لها ممكن فلا تقدير؛ فلا إجمال.
وإن ثبت عرف فيه لغوي وهو أن مثله يقصد نفي الفائدة والجدوى نحو: لا علم إلا ما نفع، ولا كلام إلا ما أفاد، ولا طاعة إلا لله تعين فلا إجمال (٢).
والمرجح لنفي الصحة موجود وهو قربه من نفي الذات، فإن ما انتفت صحته لا يعتد به فيكون كالمعدوم، بخلاف ما انتفى كماله فقد يعتد به (٣).
فتحصل أن هذا لا إجمال فيه، لأن:
١ - النفي متوجه إلى الذوات الشرعية أو اللغوية، وكلاهما لا إجمال فيه.
٢ - عرف الشرع تقدير الصحة فتثبت، وعرف اللغة تقدير نفي الجدوى والفائدة.
٣ - ولأن تقدير الصحة أقرب إلى نفي الذات بخلاف الكمال.
وخالف في هذه المسألة أبوبكر الباقلاني كما نسب إليه، والنقل غير صحيح عنه بل مشنع على القائل به (٤).
كما أن نسبته إلى الحنفية وهْم، (٥) فالمعتمد عندهم نفي الحقيقة الشرعية والصحة
стр. 179
إلا ما ثبت فيه دليل صارف، نحو: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) فقد حملوه على نفي الكمال، لقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]، وهم مع هذا قالوا بوجوبها (١).
٥ - ما تردد بين الحقيقة الشرعية واللغوية فلا إجمال فيه، ويحمل على الشرعية في المذاهب الأربعة، وهو نوعان:
أ-إذا كان اللفظ مسمى في اللغة ومسمى في الشرع: كالصلاة والصوم وضعا في اللغة للدعاء والإمساك، وفي الشرع لأمرين عباديين معلومين.
فالمختار في المذاهب الأربعة أنه "ظاهر في المسمى الشرعي في الإثبات والنهي" (٢).
فمثاله في الإثبات: قوله ﷺ (إني إذاً صائم)، (٣) أي: الصوم الشرعي (٤). فيستدل به على جواز النية في النفل بالنهار (٥).
وكقوله ﵊: (توضئوا مما مست النار)، (٦) يحمل على الوضوء الشرعي لا اللغوي، كذلك حديث: (كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار) (٧).
стр. 180
ومثاله في النهي: (نهى عن صوم يوم النحر) (١)، يحمل على الصوم الشرعي (٢): (ودعي الصلاة أيام أقرائك) مجمع على حمله على الشرعية لا اللغوية.
ب-إذا حمل الشارع لفظاً شرعياً على لفظ شرعي آخر فلا إجمال:
كقوله ﷺ : (الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله تعالى قد أحل لكم فيه الكلام فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير) (٣) صحيح.
فالطواف في حقيقته الشرعية غير الصلاة في الحقيقة الشرعية، فعلى ماذا يحمل هذا اللفظ؟
هل على الحقيقة الشرعية؟ أم على اللغوية؟
إن حملناه على اللغوية كان المعنى "الطواف بالبيت دعاء" إلا أن تمام الحديث يأباه. وإن حملناه على الشرعية فلا بد من تقدير وجه للتشبيه، فيكون المعنى "الطواف بالبيت كالصلاة" في لزوم الطهارة وستر العورة والنية وغيره. وهذا هو المعنى الشرعي.
وهو الذي يحمل عليه مثل هذا؛ لأن النبي ﷺ إنما بعث لبيان الشرعيات لا اللغويات.