← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 156

التحقيقات على شرح الجلال للورقات

فضل مراد

Полный текст (344 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

رفع الإثم أو الضمان والاحتمال متساوٍ ولا مرجح فكان مجملاً. وسيأتي ذكر جواب المحققين عن هذين المثالين، والغرض هنا إيضاح القاعدة. ٦ - الإجمال بسبب ورود المجهول على المعلوم: لأن المجهول إذا ورد على المعلوم صير المعلوم مجهولاً نحو: أ-الاستثناء للمجهول: كقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١]. للجهل بمعناه قبل نزول مبينه، أي: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]. ويسرى الإجمال إلى المستثنى منه، أي: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١]. (١) ب-عدم تعيين مرجح الصفة: نحو زيد طبيب ماهر، لتردد ماهر بين رجوعه إلى طبيب وإلى زيد، ويختلف المعنى باعتبارهما (٢). المسألة الثالثة: في مسائل ظُنت من المجمل وليست منه . ١ - لا إجمال فيما وجب فيه التقدير، وهي ثلاثة أنواع: أ- ما وجب فيه التقدير لتوقف صدق الكلام عليه نحو: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)، فإنه لا بد من تقدير الحكم أو المؤاخذة لتعذر حمله على حقيقته فإنها واقعة (٣). ب-ما وجب فيه التقدير عقلاً؛ لأنه لا يثبت الملفوظ به عقلاً إلا بتقدير، (٤) نحو قوله تعالى: ﴿فَانفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣]. فإنه يلزم عقلاً إضمار -فضرب-

стр. 177

وكذلك: ﴿وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، فلو لم يقدر فيه أهل القرية لم يصح عقلاً. جـ- ما يمتنع ثبوته شرعاً إلا به، نحو: "أعتق عبدك عني على ألف"، فلا بد من تقدير البيع له ثم إعتاقه عنه ليصح شرعاً. ٢ - لا إجمال فيما اتضحت دلالته عرفاً في المذاهب الأربعة (١): وهو: ما توجد فيه التحليل أو التحريم إلى الأعيان، نحو: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. إذ التحليل والتحريم من الأحكام الشرعية، وهي لا تتعلق إلا بأفعال المكلفين، وفعل المكلف يقدر على حسب العرف، فهو في الأول: الأكل، والثاني: الاستمتاع. وهكذا ففي المأكولات يقدر الأكل، وفي المشروبات الشرب، وفي الملبوسات اللبس، وفي الموطوءات الوطء، فإذا أطلق أحد هذه الألفاظ سيتضح المعنى المراد من غير توقف، فتلك الدلالة متضحة لا إجمال فيها (٢). ما توجه فيه النفي إلى الذوات: نحو: (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن) (٣)، (لا نكاح إلا بولي) (٤) ونحوها. لأنه قد اشتهر في العرف نفي الشيء لنفي فائدته، كقولهم: لا علم إلا ما نفع، ولا عمل

стр. 178

إلا بنية، ولا بلدة إلا بسلطان. يراد به نفي الفائدة والجدوى (١). فتتعين هنا الصحة دون الكمال؛ لأن ما لا يصح كالعدم في عدم الجدوى بخلاف ما لا كمال فيه، هذا إن لم يثبت في مثله عرف أصلاً، فإن ثبت عرف شرعي في إطلاق الصلاة، والصيام، والنكاح ونحوها على الصحيح كان المعنى لا صلاة صحيحة، ولا صيام صحيح، ولا عمل صحيح، فالنفي لها ممكن فلا تقدير؛ فلا إجمال. وإن ثبت عرف فيه لغوي وهو أن مثله يقصد نفي الفائدة والجدوى نحو: لا علم إلا ما نفع، ولا كلام إلا ما أفاد، ولا طاعة إلا لله تعين فلا إجمال (٢). والمرجح لنفي الصحة موجود وهو قربه من نفي الذات، فإن ما انتفت صحته لا يعتد به فيكون كالمعدوم، بخلاف ما انتفى كماله فقد يعتد به (٣). فتحصل أن هذا لا إجمال فيه، لأن: ١ - النفي متوجه إلى الذوات الشرعية أو اللغوية، وكلاهما لا إجمال فيه. ٢ - عرف الشرع تقدير الصحة فتثبت، وعرف اللغة تقدير نفي الجدوى والفائدة. ٣ - ولأن تقدير الصحة أقرب إلى نفي الذات بخلاف الكمال. وخالف في هذه المسألة أبوبكر الباقلاني كما نسب إليه، والنقل غير صحيح عنه بل مشنع على القائل به (٤). كما أن نسبته إلى الحنفية وهْم، (٥) فالمعتمد عندهم نفي الحقيقة الشرعية والصحة

стр. 179

إلا ما ثبت فيه دليل صارف، نحو: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) فقد حملوه على نفي الكمال، لقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]، وهم مع هذا قالوا بوجوبها (١). ٥ - ما تردد بين الحقيقة الشرعية واللغوية فلا إجمال فيه، ويحمل على الشرعية في المذاهب الأربعة، وهو نوعان: أ-إذا كان اللفظ مسمى في اللغة ومسمى في الشرع: كالصلاة والصوم وضعا في اللغة للدعاء والإمساك، وفي الشرع لأمرين عباديين معلومين. فالمختار في المذاهب الأربعة أنه "ظاهر في المسمى الشرعي في الإثبات والنهي" (٢). فمثاله في الإثبات: قوله ﷺ (إني إذاً صائم)، (٣) أي: الصوم الشرعي (٤). فيستدل به على جواز النية في النفل بالنهار (٥). وكقوله ﵊: (توضئوا مما مست النار)، (٦) يحمل على الوضوء الشرعي لا اللغوي، كذلك حديث: (كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار) (٧).

стр. 180

ومثاله في النهي: (نهى عن صوم يوم النحر) (١)، يحمل على الصوم الشرعي (٢): (ودعي الصلاة أيام أقرائك) مجمع على حمله على الشرعية لا اللغوية. ب-إذا حمل الشارع لفظاً شرعياً على لفظ شرعي آخر فلا إجمال: كقوله ﷺ : (الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله تعالى قد أحل لكم فيه الكلام فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير) (٣) صحيح. فالطواف في حقيقته الشرعية غير الصلاة في الحقيقة الشرعية، فعلى ماذا يحمل هذا اللفظ؟ هل على الحقيقة الشرعية؟ أم على اللغوية؟ إن حملناه على اللغوية كان المعنى "الطواف بالبيت دعاء" إلا أن تمام الحديث يأباه. وإن حملناه على الشرعية فلا بد من تقدير وجه للتشبيه، فيكون المعنى "الطواف بالبيت كالصلاة" في لزوم الطهارة وستر العورة والنية وغيره. وهذا هو المعنى الشرعي. وهو الذي يحمل عليه مثل هذا؛ لأن النبي ﷺ إنما بعث لبيان الشرعيات لا اللغويات.

стр. 181

المسألة الرابعة: حكم المجمل "حكم المجمل التوقف" (١)، "إلى أن يرد تفسيره" (٢)، فـ "لا يصح الاحتجاج بظاهره في شيء يقع فيه النزاع" (٣). - متى يعمل بالمجمل وهو على إجماله: يعمل بالمجمل وهو على إجماله إذا أمكن حمله على جميع معانيه غير المتنافية، ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾ [الإسراء: ٣٣]. فإن السلطان مجمل يحتمل الحجة، والدية، والقود، والشافعي يخير بين القتل وغيره؛ لأن الكل بالإضافة إلى اللفظ سواء (٤). المسألة الخامسة: وقوع المجمل في الكتاب والسنة: المجمل واقع في الكتاب والسنة؛ لأنهما بلغة العرب "والعرب تجمل كلامها ثم تفسره، فيكون كالكلمة الواحدة" (٥)، ولم يخالف في هذا غير داود، "والحجة عليه من الكتاب لا يحصى ولا يعد، وإنكاره مكابرة" (٦)، وقد مر كثير منه "ولا يتصور الإجمال في القياس" (٧)؛ لأنه إلحاق فرع بأصل في الحكم لعلة جامعة وهذا مما لا يمكن فيه إجمال. وقد علل العلماء وقوع الإجمال في الكتاب والسنة بأمرين (٨):

стр. 182

١ - ليكون إجماله توطئة للنفس على قبول ما يتعقبه من البيان، فإنه لو بدأ في تكليف الصلاة وبينها لجاز أن تنفر النفوس منها ولا تنفر من إجمالها. ٢ - إن الله تعالى جعل من الأحكام جلياً وجعل منها خفياً؛ ليتفاضل الناس في العلم بها، ويثابوا على الاستنباط لها. المسألة السادسة المبين: لما كان المجمل يحتاج إلى البيان؛ أتبعه المؤلف بالبيان وتعريفه، ثم ذكر ما يقع له البيان وهو المبين باسم المفعول وهو النص من الكتاب والسنة، ولما كان المبين بالقول والفعل بدأ المصنف بالأقوال فذكر النص والظاهر، وثنى بأفعاله ﵊ وتقريراته، ثم ذكر النسخ لأنه بيان مدة الحكم. البيان إخراج الشيء من حيز الاشكال. قوله: "من حيز الأشكال إلى حيز التجلي". الإشكال أعم من الإجمال إذ الإجمال نوع من أنواع الإشكال، والتجلي أنواع، فمنها: النص، والظاهر، والمؤول بالدليل، وقد بدأ المصنف بالنص، فقال:

стр. 183

والنص ما لا يحتمل إلا معنى واحداً، كزيد في رأيت زيداً. وقيل ما تأويله تنزيله، نحو ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾، فإنه بمجرد ما ينزل يفهم معناه. وهو مشتق من منصة العروس، وهو الكرسي، لارتفاعه على غيره في فهم معناه من غير توقف. [الشرح والإيضاح] النص وما يتعلق به . المسألة الأولى: تعريف النص . قوله: "النص ما .. "، أي: "لفظ"، فالنص هو لفظ لا يحتمل إلا معنى واحد. وعدم احتماله لمعنى آخر ولو مرجوحاً يخرج به المشترك، فإنه لفظ يحتمل معانٍ بالتساوي، والمتواطئ فإنه لفظ يحتمل معنى واحداً بتفاوت. ويخرج الظاهر لاحتماله معنى مرجوحاً، ويخرج المجمل لاحتماله معانٍ، وخرج كذلك المؤول لاحتماله معنى راجحاً. مثاله: "رأيت زيداً" فإنه لا يحتمل غير الذات المشخصة (١). ومنه قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]. "فإن هذا لا يحتمل ما زاد على العشرة ولا ما نقص عنها" (٢). وعن على ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (فإذا كانت لك مائتا درهم

стр. 184

وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم) (١). فهذا نص صريح في وجوب إخراج خمسة دراهم إذا بلغت الفضة مئتا درهم، لا يحتمل غيره زيادة أو نقصاً. المسألة الثانية: إطلاقات النص: أ-إطلاقه عند الفقهاء: النص عند الفقهاء يطلق بمعنى: ما دل على الحكم من كتاب أو سنة كيفما كانت دلالته نصاً كان ظاهراً أو مؤولاً. وهكذا استعمال أهل الخلاف (٢). فهو عندهم في مقابل الإجماع والقياس. ب-إطلاقه عند الأصوليين: وأهل الأصول يطلقونه على: ما لا يحتمل إلا معنى واحد أو ما تأويله تنزيله، أي: ما لا يتوقف فهم تنزيله على أمر خارجي، بل يفهم بمجرد بلوغه وسماعه. جـ-إطلاقه بمعنى الظاهر: أما إطلاق النص بمعنى الظاهر فهو وارد عن الإمام الشافعي عليه رحمة الله تعالى في الرسالة. د-إطلاقه في وضع اللغة: أما في اللسان فجاء النص بمعنى الرفع والظهور (٣). "تقول نصصت الحديث إذا رفعته إلى صاحبه ... ، فإذا ظهرت دلالة اللفظ على المعنى بحيث لا ينصرف إليه احتمال كان ذلك منتهى الدلالة وغايتها، فسمي نصاً" (٤).

стр. 185

المسألة الثالثة: حكم النص: وجوب العمل به إن خلا من معارض يضاهيه قوة، أو ناسخ، أو علة في ثبوته من جهة السند، بالنسبة للسنة المطهرة.

стр. 186

الظاهر والمؤل

стр. 187

والظاهر ما احتمل أمرين أحدهما أظهر من الآخر، كالأسد في رأيت اليوم أسداً، فإنه ظاهر في الحيوان المفترس، لأن المعنى الحقيقي محتمل للرجل الشجاع بدله فإن حمل اللفظ على المعنى الآخر سمي مؤولاً وإنما يؤول بالدليل كما قال. ويؤول الظاهر بالدليل ويسمى ظاهراً بالدليل، أي كما يسمى مؤولاً، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَييْدٍ﴾ ظاهره جمع يد، وذلك محال في حق الله تعالى فصرف إلى معنى القوة بالدليل العقلي القاطع [الشرح والإيضاح] الظاهر والمؤول وبيان أسبابهما . القول إن دل إما أن يدل بمنطوقه أو بمفهومه، فأما منطوقه: فهو الأمر والنهي، والعام الخاص، والمطلق والمقيد، والظاهر والمؤول، والمجمل والمبين. وأما مفهومه: فهو إما مفهوم الموافقة وهو لحن الخطاب، أو مفهوم الأولى، أو مفهوم المخالفة. أما المنطوق فإما أن يدل على طلب أو لا، فإن دل على طلب الفعل: فهو الأمر، وإن دل على طلب الترك: فهو النهي، وقد تقدم الكلام عليهما. وغيرهما المباح هذا من حيث دلالته على الطلب. أما من حيث قوة الشمول، فهو: العام والخاص، والمطلق والمقيد. أما من حيث قوة الوضوح، فهو: مجمل أو مبين، أما المبين: فهو إما نص أو ظاهر أو مؤول.

стр. 188

- أما النص فهو: مالا يحتمل غير معنى واحد، مثاله: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا) (١)، فإن التسبيع نص لا يحتمل غيره. - وأما الظاهر: فهو الراجح في معناه، ويحتمل ضداً مرجوحاً. - وأما المؤول: فهو المصروف عن ظاهره بدليل. ويكون حكمه كالظاهر كما سيأتي. وأسباب الظهور والتأويل . - الانفراد، والاشتراك أو الترادف. فمثال الاشتراك: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣].فهو دليل على أن الأمر للوجوب، وأجيب بأن المراد شأنه لأنه مشترك بينهما. ومثال الترادف: (لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب) (٢)، استدل به أحمد على أن الجلد الميتة لا ينتفع به مدبوغا وغير مدبوغ. وأجيب بأن الإهاب في اللغة هو: الجلد غير المدبوغ، فلا يجوز أن ينتفع به، وقال أحمد الإهاب مرادف للجلد مطلقا دبغ أو لم يدبغ. والجمهور أنه لا يرادفه بل الإهاب لغة لا يطلق إلا على جلد غير مدبوغ. - الحقيقة بأقسامها الثلاثة: اللغوية، والشرعية، والعرفية. وقد تقدم الكلام على كل نوع، فالحقيقة الشرعية هي: الظاهر، وهي مقدمة على

стр. 189

غيرها في ألفاظ الشرع، ومثال ذلك: (الطواف بالبيت صلاة) (١)، فحملها قوم على الشرعية فأوجبوا الطهارة للطواف، وهذا هو الظاهر لأنها الحقيقة الشرعية. وقال آخرون هي محمولة على اللغوية، وهذا تأويل يحتاج لدليل. ومثاله: (لا ينكح المحرم) فدل على أنه لا يجوز للمحرم عقد النكاح، ومن أجازه قال النكاح هو الوطء: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]، فهو دليل على اللمس بالبشرة على الظاهر فيه من اللغة والشرع؛ لأن الشرع ليس له حقيقة خاصة هنا، ومن قال هو الجماع فقد أوله إلى المجاز، ودليله أن النبي ﷺ قبّل ولم يتوضأ، وكذا كانت تلمس عائشة قدميه وهو ساجد في قيام الليل، فهو من المؤول على هذا. - من أسباب ظهور اللفظ: عدم احتمال الحذف والإضمار. مثاله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣]. فهذا ظاهر في أنه لا يجوز للجنب دخول الصلاة، لكن قوله: إلا عابري سبيل، دل على محذوف تقديره مواضع الصلاة أي المساجد، وهذا صرف للظاهر بدليل، وهو المؤول. ويقدر الحذف. فهذا مؤل بدليل - ومن أسباب الظهور: عدم التقدير ويقابله المؤول وهو ما فيه تقدير. ومثاله: (لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده) (٢) أي: ولا يقتل المعاهد بكافر، لكن دل الإجماع على أن المعاهد يُقتل بالمعاهد، إذا فمعنى النص أنه لا يقتل المعاهد بكافر حربي.

стр. 190

فصار في هذه الجملة مؤولا بدليل. أما الجملة الأولى وهي: (لا يقتل مسلم بكافر) فتبقى على ظاهرها، إلا أن الأحناف قيدوها بنفس القيد، فقالوا: (لا يقتل مسلم بكافر حربي)، أي: أما بغيره فيقتل، ودليلهم أن التقدير بالإجماع في اللفظة الأخيرة فتؤول به اللفظة الأولى. وجوابه: أن هذا تأويل ضعيف؛ لعدم قوة الاستدلال على صرفه. والخلاصة أن في هذا الحديث ظاهر في أوله، ومؤول بالاجماع في آخره. - ومن أسباب الظهور: عدم الإضمار فإن ادعي الإضمار فهو تأويل لابد من دليل له. مثاله: ظاهر حديث أبي ثعلبة الخشني أنه قال: (نهى رسول الله ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السباع) (١) أن السباع محرمة. فذهب إلى تحريمها الأربعة، ووردت رواية ابن القاسم عن مالك أنها مكروهة جمعا بينها وبين آية: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. ولما عورض بما في الموطأ من النص على التحريم، احتمل الإضمار وهو أن المراد تحريم مأكول السباع، وهذا يوافق قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ [المائدة: ٣] وأجيب بأن الإضمار خلاف الأصل. وحديث أبي هريرة المشار إليه هو عن النبي ﵊ أنه قال: (أكل كل ذي ناب من السباع حرام) (٢)، قال مالك: عقبه وعلى ذلك الأمر عندنا .. (٣). - ظهور اللفظ في كونه مفيدا للتأسيس لا التأكيد.

стр. 191

مثاله: أن مالكاً حمل الأمر بالمتعة على الندب لقوله تعالى في آخر الآية: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]. أي: على المتفضلين المتجملين، وما كان من باب الإجمال والإحسان فليس بواجب (١) ويجاب عنه: بأن الآية الأخرى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]. أي: واجب على كل مؤمن، فيكون لفظ المحسنين من باب التأكيد لا إثبات حكم جديد؛ دفعا للتعارض، والجواب أن التأسيس هو الأصل الظاهر أما التأكيد فهو تأويل يحتاج لدليل. والذي يرجح الوجوب على قول الجمهور أن لفظة حقا تدل على الواجب فيكون المحسنين تأكيدا. - ظهور اللفظ في كونه عاما. فالعام من الظاهر؛ لأن دلالته كلية على أفراده. وقد تقدم. - ظهور اللفظ في كونه مطلقا. فالمطلق ظاهر على ما دل عليه، فلفظ (رقبة) ظاهر في كونها مؤمنة أو غير مؤمنة. ومن قيدها بالإيمان فقد أوّله فيكون عنده من باب المؤول وقد تقدم الكلام على المطلق. قوله: (فإن حمل اللفظ على المعنى الآخر سمي مؤولاً). أقول كل ما تقدم الظاهر إذا حمل على مقابله بدليل فهو: المؤول، ويكون بالدليل في حكم الظاهر، فالمشترك، والمجازات، والحذف، والاضمار، والتقديم، والتأخير، والتخصيص، والتقييد كل هذه من المؤول، فإن كانت بالدليل فهي في قوة الظاهر. وقوله: وإنما يؤول بالدليل ... هذا شرط الجواز؛ لأنه إن لم يكن بدليل فهو هوى، وكل ترجيح بغير مرجح هوى، ولا اعتبار له في الاستدلال. فإن أصر صاحبه فهو أحمق أو صاحب هوى.

стр. 192

قوله: ويسمى ظاهراً بالدليل، أي كما يسمى مؤولاً. أي أن المؤول له إطلاقان فيسمى الظاهر بالدليل، ويسمى مؤولا.

стр. 193

الأفعال

стр. 194

الأفعال هذه ترجمة: فعل صاحب الشريعة يعني النبي ﷺ لا يخلو إما أن يكون على وجه القربة والطاعة أو لا يكون. ١_فإن كان على وجه القربة والطاعة. _فإن دل دليل على الاختصاص به يحمل على الاختصاص، كزيادته ﷺ في النكاح على أربع نسوة. _ وإن لم يدل لا يختص به، لأن الله تعالى قال: (لقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) فيحمل على الوجوب عند بعض أصحابنا. في حقه وحقنا لأنه الأحوط. ومن أصحابنا من قال يحمل على الندب، لأنه المتحقق بعد الطلب. ومنهم من قال يتوقف فيه، لتعارض الأدلة في ذلك. ٢_ وإن كان على وجه غير وجه القربة والطاعة، فيحمل على الإباحة، في حقه وحقنا. [الشرح والإيضاح] أفعال النبي ﷺ المسألة الأولى: أفعاله ﷺ قسمان كليان: القسم الأول: ما كان على وجه القربة والطاعة ، وهو أنواع: ١_ ما عمله ﷺ وثبت الدليل باختصاصه به. ٢_ ما عمله ﵊ بياناً لمجمل.

стр. 195

٣_ ما عمله ابتداءً ولم يكن خاصاً به ولا بياناً لمجمل. القسم الثاني: ما كان على غير وجه القربة والطاعة ، وهو أنواع: ١ - ما فعله صلى الله جبلة. ٢ - ما فعله جبلة وفيه نوع تشريع. ٣ - ما عمله لا على وجه القربة ولا على وجه الجبلة. المسألة الثانية: والجميع راجع إلى أربعة أنواع: ١ - ما كان بياناً لمجمل. ٢ - ما كان خاصاً به. ٣ - ما كان جبلة. ٤ - ما فعله ابتداءً. الأول: ما كان بياناً لمجمل كبيانه ﷺ بفعله، قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) (١). وكبيانه للوضوء، والمناسك، والحدود كقطع يد السارق من الكوع، "وهذا متفق عليه عند العلماء، وواجب عليه ﷺ الإعلام به لوجوب التبليغ عليه" (٢). ولو كان في أصله مندوباً، إذ وجوب البيان والبلاغ شيء، وكون أصل الفعل مندوباً شيء آخر، فيجري فيه الحكمان من جهتين منفصلتين (٣). ويعرف كون هذا الفعل بياناً بأحد أمرين (٤):

стр. 196

- الأول: بالقول، كقوله ﷺ : (خذوا عني مناسككم) (١). - الثاني: بالقرينة، وهو وقوع الفعل بعد إجمال، كقطع يد السارق من الكوع دون المرفق والعضد بعد نزول قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. الثاني: ما كان خاصاً به ﵊ - فنحو الزيادة في النكاح على أربع، ووضع الجريدتين على قبر المعذبين؛ لاختصاصه بإطلاعه على عذابهما بخلاف غيره؛ لأن فاعله مدع حصول العذاب لصاحب القبر المراد وضع الجريدة عليه. وهذا ضرب من التخرص على الله تعالى بغير علم فلا يجوز، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]. ولذلك لم يفعله أحد من صحابته ﵊ على شدة حرصهم على الخير والمسارعة فيه على خلاف في المسألة. - ومن اختصاصاته إسقاط إيجاب القسم عليه بين زوجاته؛ لقوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنْ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَوْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً﴾ [الأحزاب: ٥١]. وكان قسمه بينهن من حسن عشرته وجميل خلقه .. - ومنها أن عينه تنام ولا ينام قلبه، فكان ينام حتى ينفح ثم يقوم ولا يتوضأ. (٢)

стр. 197

- ومنها شرب المرأة لبوله ﷺ إن صح. (١) - ومنها رؤيته من خلفه. (٢) - ومنها وجوب صلاة الليل عليه في قول. - ومنها قوله ﷺ : (إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني) (٣). الثالث: ما كان فعله ﷺ جبلة أو عرفا . - فمنه ما هو جبلي محض: كالقيام والقعود، والحركات البشرية كتصرفات الأعضاء، وحركات الجسد، فهذا في حكم المباح ولا يتعلق به أمر ولا نهي. - ومنه ما لا يمكن القول بمشروعية الاقتداء به، كسعاله في سورة المؤمنين في صلاة الفجر، وكقوله "أع. أع" وهو يستاك على لسان كأنه يتهوع. - ومنه ما يمكن القول به كما كان يفعل ابن عمر ﵁ من تتبع مواضع رسول الله ﷺ ، مع أنه لم يوافقه الصحابة على ذلك. - ومنه حبه ﷺ للحلوى والعسل، وتتبعه للدباء في الإناء، وكره نفسه أكل الضب، وحبه للكتف، وهو باب واسع. والأصل فيه الإباحة وعدم التشريع، لكن من فعل شيئاً من ذلك حباً لرسول الله ﷺ أجر؛ كما قال أنس ﵁ فما زلت أحب الدباء من يومئذ. - ومنه نوع آخر وهو ما احتمل أن يخرج عن الجبلة إلى التشريع؛ بمواظبته ﷺ على وجه معروف ووجه مخصوص، من دون إرشاد منه إلى

стр. 198

بعض الهيئات وإلا لكان مندوباً، كنومه ﷺ على شقه الأيمن. وحكم هذا النوع فيه خلاف، فحمله أكثر المحدثين كما حكاه أبو إسحاق على الندب، وحمله غيرهم على الأصل وهو عدم التشريع (١). - ومنه باب موافقته العرف، نحو: إطلاقه ﷺ لشعره إلى المنكبين، ولبسه ما يلبس قومه من عمامة وإزار ونحو ذلك، فما كان فيه مجرد فعل فالتشريع العام فيه جواز موافقة العرف ما لم يخالف الشريعة في أمر أو نهي. ما لم يأت ما يعضده بدليل آخر كما هو شأن إعفاء اللحية، فتأخذ حكماً مستقلاً، أما مجرد الفعل فقد ثبت أن عثمان بن عفان ﵁ كانت له ظفائر. وهذه العادة كانت معروفة عند العرب، فإذا تغير العرف كما هو الحال في زماننا. فأطال أحدٌ شعره إطالة خارجة عن العادة أو ظفره لم يعد متبعاً، بل يدخل في ذم الشهرة، وقد يعزر من فعله إن كان تميعاً وخروجا إلى التأنث، وقد أفتى بعض علماء عصرنا بهذا وقد سمعته تسجيلا من شيخنا ابن عثيمين ﵀. الرابع: ما فعله النبي ﷺ ابتداءً . بلا بيان لمجمل، أو خصوصية، أو جبلة فهذا الأصل فيه التشريع، وهو مذهب الجماهير من القوم؛ لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. أما كونه واجباً أو مندوباً على الخصوص، أو مباحا فمحتاج لدليل آخر يدل عليه. فذكر المؤلف أنه إن كان على وجه القربة والطاعة فالمذهب على القول بالوجوب لأنه الأحوط، وقيل بالندب لأنه أقل الطلب، وقيل بالوقف لعدم ظهور الترجيح. أما إن كان لا على وجه القربة فهو مباح في حقه وحقنا.

стр. 199

تتبع ما فعله النبي ﷺ ابتداء، وبيان الحكم في ذلك. من أمثلة هذا النوع بالتتبع: _ الجلوس بين الخطبتين يوم الجمعة. (١) -وضجعة الفجر. (٢) - وذهابه يوم العيد من طريق ورجوعه من آخر. (٣) - وهجره للثلاثة. (٤) - وغزوة أول النهار أو آخره إذا هبت الأرواح. (٥) - وصلاته على شهداء أحد بعد ثمان سنوات. (٦) - ولبسه خاتمه بيمينه، أو شماله. (٧) _ ونزوله بالمحصب. (٨) _ وتوكأه على عصا إذا خطب. (٩)

стр. 200

- وحمل العنزة إذا بال. (١) - وانصرافه بعد الصَّلاة عن يمينه وشماله (٢). - واتخاذه منبراً. (٣) فهذه الأمثلة منها ما هو واجب كجلسة الخطبتين كما قال الشافعي (٤): وتردد في ركعتي الطواف (٥). ومنها ما هو مندوب: ومنها ما يدل على الإباحة والجواز. المسألة الثالثة: حكم تركه ﵊ والوصول إلى قاعدة تضبط ذلك من خلال تتبع السنن التركية: ما تقدم هو فيما فعله ﷺ أما ما تركه: فقال بن السمعاني إذا ترك الرسول شيئاً وجب علينا متابعته ألا ترى أنه ﵇ لما قدم إليه الضب، فأمسك عنه وترك أكله، فأمسك عنه الصحابة وتركوه إلى أن قال لهم: إني أعافه ولما قرب إليه قدر فيه بقول وثوم ونحوها فأمسك عن الأكل أمسكوا عنه حتى قال: كلوا فإني أناجي من لا تناجون (٦).

стр. 201

ووجه ما قاله بن السمعاني: أنه لا يمكن أن يكون تركه لذلك الفعل ذنباً فيكون حراماً لعصمته عن فعل المعاصي ولا مكروهاً إذ المكروه يتوقى منه أصحاب المروءات فضلاً عن النبي ﷺ ولا مباحاً إذ لو كان يفهم منه ذلك لما ترك الصحابة الأكل لتركه. فلم يبق إلا الندب أو الوجوب وكلاهما محتمل فوجب علينا متابعته في الترك حتى يتبين لنا أنه مندوب، ويترجح الوجوب بأنه لو كان لهم ألا يتركوا لبين لهم النبي ﷺ حينما رآهم امتنعوا لامتناعه أنه ليس عليهم ذلك فلما لم يبين دل على أنه أقرهم على متابعته في الترك وهذا دليل على وجوب ترك ما تركه النبي ﷺ ابتداءً بلا بيان لوجه الترك مع إقراره لصحابته متابعته لما علم من عظيم شفقته على أمته فيما يشق عليهم- فلو كان في الأمر سعة لبين لهم الرخصة كما هو معلوم من أمره بالاستقراء. وقد استقرأت كل ما وقفت عليه من التروك وتتبعت ذلك في السنة حسب طاقتي لأصل إلى قاعدة في تركه ﵊ فمما وقفت عليه: - تركه شرب العصير بعد ثلاث (١). - تركه الوضوء من ما مست النار (٢). - تركه كسر الأصنام لعلة (٣). - تركه قتل ابن أبي بلتعة لعلة (٤).

стр. 202

- تركه الجهر بالقراءة في الرواتب ولو كانت راتبة لصلاة جهرية - تركه الحكم بالحد بمجرد الشبه (١). - تركه التطبيق في الصلاة. (٢) - تركه الجهر بالبسملة - تركه التصريح بما يستحيا منه "سبحان الله تطهرني" (٣). - تركه الإنكار على أبي بكر حيثما قال للكافر أمصص بظر اللات (٤). - تركه الدُّخول لأجل التصاوير (٥). - تركه قتل أهل الأهواء. (٦) - تركه للمسجد في يوم العيد (٧). - تركه تأويل الصفات والمتشابه - تركه الاستخلاف (٨). - تركه النَّوم بعد الفجر. - تركه لبس الإنبجانية في الصَّلاة (٩).

стр. 203

- ما مست يده يد امرأة قط (١). - تركه صيام الجمعة (٢). - أو تحري يوم السبت (٣). - تركه صيام العشر من ذي الحجة (٤). - لا يصلي على رجل عليه دين (٥). - لا يتوضأ بعد الغسل من الجنابة. - لا يصوم شهرا كاملاً غير شعبان (٦). - لا يضيف الخصم إلا ومعه خصم (٧). وفي كشف الخفا للعجلوني "كان ﷺ لا يأكل الطعام الحار" (٨). كان ﵊ لا يأكل يوم النحر حتى يرجع" (٩)، وكذلك تركه الأذان في العيدين، والاستسقاء، وإذا صام في غير رمضان فلا يصوم كله إلا المحرم،

стр. 204

وتركه للتمطي لأنه من الشيطان كما ورد أنه ﷺ كان لا يتمطى لأنه من الشيطان (١). ومنه عدم استعماله النورة بل كان إذا كثر شعره حلقه (٢)، ومنه أنه كان لا يتوضأ بعد الغسل من الجنابة (٣). ومنه أنه ﵊ كان لا يرفع يديه في شيء من الدعاء رفعاً كثيراً إلا في الاستسقاء (٤). ومنه تركه التنفل في السفر (٥). وكان ﵊ لا يستلم الركنين الشاميين (٦). وكان لا يصلي بعد الجمعة شيئاً في المسجد (٧). وتركه الصلاة في لحف نسائه (٨). وتركه تنشيف أعضائه في الوضوء (٩). فهذه الأمثلة التي جمعتها توضح قاعدة التروك، بجلاء ويتبين من خلالها أن تركه ﵊ أقسام

стр. 205

الأول: إن كان مما يتعلق بالعبادات فالجادة إتباعه في الترك حيث ترك، ومخالفته بدعة إلا إن بين بقوله. مثاله تركه صيام يوم وإفطار يوم مع أنه أخبر أنه خير الصيام فدل هذا على أنه إنما ترك حتى لا يشق على أمته. لا أن من صام يوما وأفطر فهو آثم الثاني: إن كان في غير العبادات من الأمور العادية أو الجبلية كتركه أكل الطعام الحار مثلاً فهذا من المباح وأما ما تعلق بالعرف فيتابع العرف إن لم يخالف الشرع. الثالث: ماكان في الأمور المتعلقه بالمصالح العامة كترك الاستخلاف فهذا ينظر فيه إلى المصلحة زماناً ومكاناً. الرابع: إن كان مما يتبين فيه السبب كتركه الأكل للثوم لعله "إني أناجي من لا تناجي" عمل بمقتضى السبب، الخامس: إن كان تركه لأمر قد فعله من قبل، فالترك إما لبيان الجواز وقد يكون للنسخ كتركه القيام للجنازة. فالحاصل أنه لا يطلق في هذا الوضع قاعدة عامة ولكن يفصل فيه التفصيل المذكور هذا ما ظهر لي بالتتبع والله أعلم.

стр. 206

وإقرار صاحب الشريعة ﷺ على القول من أحد هو قول صاحب الشريعة أي كقوله ﷺ . وإقراره على الفعل من أحد كفعله، لأنه معصوم عن أن يقر أحداً على منكر، مثال ذلك إقراره ﷺ أبا بكر على قوله بإعطاء سلب القتيل لقاتله. وإقراره خالد بن الوليد على أكل الضب متفق عليهما. وما فُعِلَ في وقته ﷺ في غير مجلسه وعلم به ولم ينكره، فحكمه حكم ما فُعِلَ في مجلسه، كعلمه بحلف أبي بكر ﵁ أنه لا يأكل الطعام في وقت غيظه ثم أكل لما رأى الأكل خيراً، كما يؤخذ من حديث مسلم في الأطعمة. [الشرح والإيضاح] قوله "وإقرار صاحب الشريعة" فيه مسائل: المسألة الأولى: تعريف الإقرار وحكمه . الإقرار هو: "أن يسكت النبي ﷺ عن إنكار قول، أو فعل قيل، أو فُعل بين يديه أو في عصره، وعلم به" (١). وحكمه أنه: "منزل منزلة فعله في كونه مباحاً؛ لأنه لا يقر على باطل" (٢). ولأنه لو لم يكن تشريعا لكان فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة لإيهام الجواز والنسخ (٣). وهذا الحكم لا يختص بالفاعل الذي سكت عنه بل يتعدى إلى غيره من الناس (٤).

стр. 207

المسألة الثانية: إقراره ﵊ حجة ؛ لأنه ﵊ لا يقر أحداً على الخطأ ولا المعصية؛ "لأن التقرير على الفعل معصية، فالعاصم له من فعل المعصية عاصم له من التقرير عليها" (١). المسألة الثالثة: شروط حجية التقرير . إنما يكون التقرير حجة بشروط هي (٢): الشرط الأول: أن يعلم به ﷺ . وهذا شامل لثلاثة أنواع: أ- ما كان واقعاً بين يديه: نحو احتجاج الشافعية على قضاء فوائت النوافل في الأوقات المكروهة، بما روى قيس بن قهد قال: رآني رسول الله ﷺ وأنا أصلي ركعتين بعد صلاة الصبح فقال: (ما هاتان الركعتان يا قيس؟) فقلت: يا رسول الله لم أكن صليت ركعتي الفجر فهما هاتان الركعتان، فسكت ﷺ (٣). ب- ما وقع في زمانه وكان مشهوراً يغلب على الظن علمه به ﵊: كصلاة معاذ معه العشاء، ثم يصليها بقومه إماماً إذا انقلب إليهم. والقصة في البخاري وغيره وبه استدل الشافعي على جواز صلاة المفترض خلف المتنفل. ج- ما وقع في زمانه مما يخفى: كقول بعض الصحابة ﵃: "كنا نكسل على عهد رسول الله ﷺ ولا نغتسل"، وبه احتج على أن موجب الغسل

стр. 208

الإنزال لا الإيلاج. إلا أنه قد تقرر نسخه فالغرض هنا التمثيل. وأوضح منه حديث جابر كنا "نعزل والقرآن ينزل" (١). وقد اختلف قول الشافعي في الأقط هل يجوز إخراجه في الفطرة أم لا؟ على قولين: "لأنه لم يكن قد علم أنه بلغ النبي ﵇ ما كانوا يخرجونه في الزكاة في الأقط، لأنه روى عن بعض الصحابة أنه قال كنا نخرج على عهد رسول الله ﷺ صاعاً من أقط" (٢). الشرط الثاني: أن يكون قادرًا على الإنكار ، قاله ابن الحاجب وفيه نظر؛ لقول الفقهاء إن من خصائصه عدم سقوط وجوب تغيير المنكر بالخوف على النفس لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ﴾. [المائدة: ٦٧]. وقوله: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥]؛ ولأنه لو سكت لأوهم الجواز (٣). وزاد بعضهم ألا يكون غيره قد أنكر. الشرط الثالث: ألا يكون الفعل مما يفعله الكفار، فإنه لا أثر له اتفاقاً (٤). فلا يدل سكوته على إقراره لهم، وهذا في غير المنافق، أما هو فيعامل ظاهراً على ما تقتضيه الشريعة في أهل الإسلام، إلا إذا ثبت أنه سكت عنهم إعراضاً أو لوضوح قبح ما يفعلون، أو خوف فتنة أو نحو ذلك (٥). والله أعلم.

стр. 209

النسخ

стр. 210

وأما النسخ فمعناه لغة الإزالة، يقال نسخت الشمس الظل إذا أزالته ورفعته بانبساطها. وقيل معناه النقل من قولهم نسخت ما في هذا الكتاب إذا نقلته بأشكال كتابته. وحدُّه شرعاً الخطاب الدال على رفع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتاً مع تراخيه عنه هذا حد للناسخ. ويؤخذ منه حد النسخ بأنه رفع الحكم المذكور بخطاب إلى آخره، أي رفع تعلقه بالفعل، فخرج بقوله الثابت بالخطاب، رفع الحكم الثابت بالبراءة الأصلية، أي عدم التكليف بشيء. وبقولنا بخطاب المأخوذ من كلامه الرفع بالموت والجنون. وبقوله على وجه إلى آخره، ما لو كان الخطاب الأول مغياً بغاية أو معللاً بمعنى، وصرح الخطاب الثاني بمقتضى ذلك. فإنه لا يسمى ناسخاً للأول مثاله: قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾، فتحريم البيع مغيا بانقضاء الجمعة، فلا يقال إن قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ ناسخ للأول بل بيَّن غاية التحريم. وكذا قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ لا يقال نسخه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ لأن التحريم للإحرام وقد زال. وخرج بقوله مع تراخيه عنه، ما اتصل بالخطاب من صفة أو شرط أو استثناء.

стр. 211

[الشرح والإيضاح] النسخ وما يتعلق به من المسائل المسألة الأولى: في تعريفه لغة واصطلاحاً . فأما في اللغة فله معنيان: ١. الإزلة: وهذا وارد في اللغة، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾. [البقرة: ١٠٦]. قال في اللسان: "والنسخ إبطال الشيء وإقامة آخر مقامه"، واستدل بالآية. ٢. النقل: ومنه نسخت الكتاب، كما في اللسان وغيره، وإنما حكاه المصنف بقيل؛ ليشير إلى تضعيفه، إذ النسخ في الحقيقة اللغوية يطلق على الأول عند الأكثر من أهل اللغة والأصول (١)، أما الثاني فإطلاقه عليه مجاز كذا قالوا. ٣. وهناك قول ثالث أنه مشترك (٢)، وهو قول الغزالي وقبله القاضي الباقلاني. وهو الذي تدل عليه قواميس العربية، كما سبق نقله عن اللسان. ٤. وقول رابع: أنه للقدر المشترك وهو التغيير (٣). وهو التواطؤ المنقول عن ابن المُنير (٤). أما تعريفه اصطلاحاً: فقال المصنف: الخطاب الدال على رفع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتاً مع تراخيه عنه.

стр. 212

المسألة الثانية: شرح التعريف وبيان محترزاته وقيوده قوله: "الخطاب" يشمل المنطوق والمفهوم، ويخرج القياس والإجماع؛ لأنهما لا يكونان ناسخين. وشمل الخطابُ الفعلَ، فإنه يكون ناسخاً، فإنه خطاب تقديراً (١). ومثاله: "كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار". قوله على رفع الحكم: يتناول الأمر والنهي، والأخبار التي بمعنى الأمر والنهي، أما الأخبار التي يلزم من نسخها تكذيب للمخبر، فلا نسخ فيها. والحكم هنا متعلقه فعل المكلف، حتى لا يرد قولهم: إن الحكم قديم فكيف يرفع؟ وبالرفع خرج التخصيص والتبيين؛ لأنه لا يرفع به الحكم. وقوله: "الثابت بالخطاب المتقدم": خرج به رفع الثابت بدون خطاب بل ثباته بالبراءة الأصلية، فالخطاب الوارد ابتداءً يرفعها ولا يسمى نسخاً، وإلا لسميت الشريعة كلها ناسخة؛ لأن أغلب الأحكام جاءت ابتداءً، هذا بالنظر الاصطلاحي المحدث في الأصول. أما النظر الشرعي فإن شريعتنا ناسخة لشرائع الأمم السابقة في كل ما ورد به النص مخالفاً لهم، ولذلك عندي أن يضاف إلى الحد "في شريعتنا"؛ لئلا يرد رفع شريعتنا لخطاب شريعة سابقة- ولم أر من تعرض لهذا- فإنه لا يسمى عندهم نسخاً بالنظر الاصطلاحي وإن كان كذلك في الحقيقة. وقوله: "على وجه لولاه لكان ثابتاً": احتراز عما لو كان الخطاب الأول مغيا بغاية، فإنه يرتفع عند غايته، وهذا لا يسمى نسخاً؛ لأنه ليس بخطاب متأخر نحو قوله تعالى ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]. فلا يعتبر منسوخاً بالآية الأخرى ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]؛ لأن التحريم حكم مغي بغاية ينتهي بها، فالنص

стр. 213

الآخر لو لم يرد لفهم المعنى بدونه فوروده زيادة للبيان لا نسخاً له. ومنه قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، ثم قال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ [الجمعة: ١٠] وقوله: "مع تراخيه عنه": خرج به التخصيص والتبيين؛ لأنه لا يشترط فيها التراخي (١)، وبهذا تعرف شروط النسخ. وقول الشارح هذا حد للناسخ، أي: أن إمام الحرمين بهذا التعريف إنما عرف الناسخ لا النسخ فإن النسخ رفع الحكم ... الخ. تنبيه: لماذا قال الشارح: أي: رفع تعلقه بالحكم؟ والجواب: أن كلامه هذا فيه رد على إيراد مشهور هو: أن خطاب الله قديم فكيف يرفع؟ فالجواب: أنه رفع لما تعلق به من أفعال المكلفين لا له (٢)، وقد تقدم قريباً. المسألة الثالثة: الفرق بين النسخ والتخصيص من ثمانية أوجه (٣): الأول: أن التخصيص مبين أن مدلول اللفظ الخاص لم يكن مراداً من لفظ العام الدال عليه بخلاف النسخ، فإن مدلوله كان مراداً بالحكم ثم رفع بالنسخ. نحو: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، ثم خصص منه: ملتزم الجزية، المعاهد، والنساء، والأطفال، فعلم أن النص لم يكن شاملاً لهم.

стр. 214

الثاني: أن التخصيص يكون فيما يمكن تبعيضه لا فيما لا يمكن أن يتبعض، بخلاف النسخ فنسخ القبلة إلى البيت الحرام لا أفراد له فلا يسمى تخصيصاً بل نسخاً، ولذلك النسخ يرد على النص والظاهر، ولا يرد التخصيص إلا على العموم" (١). الثالث: أن النسخ لا يقع إلا متراخياً عن المنسوخ بخلاف التخصيص، "بل يجب اقترانه عند من لا يجوز تأخير البيان" (٢). الرابع: أن النسخ لا يكون إلا بخطاب، والتخصيص قد يكون به، وبدلالة العقل، و"الإجماع"، (٣) والقرائن وسائر أدلة السمع" (٤). الخامس: النسخ مبطل لدلالة المنسوخ "في مستقبل الزمان بالكلية" (٥) بخلاف التخصيص فغير اللفظ المخصص يبقى على عمومه. السادس: إن التخصيص يجوز بخبر الواحد والقياس، والنسخ لا يكون بقياس ولا بخبر الواحد وفيه خلاف سيأتي تحقيقه. السابع: النسخ بيان مقدار زمان الحكم وإخراجه عما غلب على الظن من تأبيده، والتخصيص يبين مقدار الأعيان والأحوال والصفات (٦). الثامن: النسخ لا يدخل الأخبار إن أدى إلى تكذيب خبر الله ورسوله، وهذا عند الأكثر بخلاف التخصيص (٧).

стр. 215

المسألة الرابعة: إطلاقات النسخ عند السلف من الصحابة والتابعين: يطلق النسخ عند السلف من الصحابة والتابعين على التخصيص والتقييد، وسببه" أن المطلق متروك الظاهر مع مقيده، فلا إعمال له في إطلاقه بل المعمل هو المقيد، فكأن المطلق لم يفد مع مقيده شيئاً، فصار مثل الناسخ والمنسوخ وكذلك العام مع الخاص" (١). ولذلك قال ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا﴾. [الشورى: ٢٠]. إنها منسوخة بقوله تعالى في الإسراء: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨]. فسماه نسخاً وهو تقييد (٢)، وهذا منقول عنه وعن جماعات غيره من التابعين (٣). ومن العام قوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. [النور: ٣١]. قال ابن عباس ﵁ منسوخ بقوله: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنْ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٦٠]، "وليس بنسخ إنما هو تخصيص لما تقدم من العموم" (٤). المسألة الخامسة: حكمة النسخ . النسخ وقع معظمه بالمدينة لما اقتضته الحكمة الإلهية في تمهيد الأحكام، فكان فيه تأسيس أولاً للقريب العهد بالإسلام، واستئلاف لهم، حتى أكمل الدين واستقرت الشريعة؛ لأن القلوب إذا واجهتها بما تنكر دفعة واحدة ردتها جملة واحدة. وفيه تعليم لفقه الداعية والعالم والمتعلم، حيث يأخذ الناس بما يفقهون بالتدرج، فيبدأ بالمنكر الأكبر، ثم الذي يليه وهكذا حتى يحصل كمال التبليغ للشريعة المطهرة. والله أعلم.
следующие страницы →