[الشرح والإيضاح]
النسخ وما يتعلق به من المسائل
المسألة الأولى: في تعريفه لغة واصطلاحاً .
فأما في اللغة فله معنيان:
١. الإزلة: وهذا وارد في اللغة، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾. [البقرة: ١٠٦].
قال في اللسان: "والنسخ إبطال الشيء وإقامة آخر مقامه"، واستدل بالآية.
٢. النقل: ومنه نسخت الكتاب، كما في اللسان وغيره، وإنما حكاه المصنف بقيل؛ ليشير إلى تضعيفه، إذ النسخ في الحقيقة اللغوية يطلق على الأول عند الأكثر من أهل اللغة والأصول (١)، أما الثاني فإطلاقه عليه مجاز كذا قالوا.
٣. وهناك قول ثالث أنه مشترك (٢)، وهو قول الغزالي وقبله القاضي الباقلاني.
وهو الذي تدل عليه قواميس العربية، كما سبق نقله عن اللسان.
٤. وقول رابع: أنه للقدر المشترك وهو التغيير (٣). وهو التواطؤ المنقول عن ابن المُنير (٤).
أما تعريفه اصطلاحاً: فقال المصنف: الخطاب الدال على رفع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتاً مع تراخيه عنه.
стр. 212
المسألة الثانية: شرح التعريف وبيان محترزاته وقيوده
قوله: "الخطاب" يشمل المنطوق والمفهوم، ويخرج القياس والإجماع؛ لأنهما لا يكونان ناسخين.
وشمل الخطابُ الفعلَ، فإنه يكون ناسخاً، فإنه خطاب تقديراً (١).
ومثاله: "كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار".
قوله على رفع الحكم: يتناول الأمر والنهي، والأخبار التي بمعنى الأمر والنهي، أما الأخبار التي يلزم من نسخها تكذيب للمخبر، فلا نسخ فيها.
والحكم هنا متعلقه فعل المكلف، حتى لا يرد قولهم: إن الحكم قديم فكيف يرفع؟ وبالرفع خرج التخصيص والتبيين؛ لأنه لا يرفع به الحكم.
وقوله: "الثابت بالخطاب المتقدم": خرج به رفع الثابت بدون خطاب بل ثباته بالبراءة الأصلية، فالخطاب الوارد ابتداءً يرفعها ولا يسمى نسخاً، وإلا لسميت الشريعة كلها ناسخة؛ لأن أغلب الأحكام جاءت ابتداءً، هذا بالنظر الاصطلاحي المحدث في الأصول. أما النظر الشرعي فإن شريعتنا ناسخة لشرائع الأمم السابقة في كل ما ورد به النص مخالفاً لهم، ولذلك عندي أن يضاف إلى الحد "في شريعتنا"؛ لئلا يرد رفع شريعتنا لخطاب شريعة سابقة- ولم أر من تعرض لهذا- فإنه لا يسمى عندهم نسخاً بالنظر الاصطلاحي وإن كان كذلك في الحقيقة.
وقوله: "على وجه لولاه لكان ثابتاً": احتراز عما لو كان الخطاب الأول مغيا بغاية، فإنه يرتفع عند غايته، وهذا لا يسمى نسخاً؛ لأنه ليس بخطاب متأخر نحو قوله تعالى ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]. فلا يعتبر منسوخاً بالآية الأخرى ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]؛ لأن التحريم حكم مغي بغاية ينتهي بها، فالنص
стр. 213
الآخر لو لم يرد لفهم المعنى بدونه فوروده زيادة للبيان لا نسخاً له.
ومنه قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، ثم قال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ [الجمعة: ١٠]
وقوله: "مع تراخيه عنه": خرج به التخصيص والتبيين؛ لأنه لا يشترط فيها التراخي (١)، وبهذا تعرف شروط النسخ.
وقول الشارح هذا حد للناسخ، أي: أن إمام الحرمين بهذا التعريف إنما عرف الناسخ لا النسخ فإن النسخ رفع الحكم ... الخ.
تنبيه: لماذا قال الشارح: أي: رفع تعلقه بالحكم؟ والجواب: أن كلامه هذا فيه رد على إيراد مشهور هو: أن خطاب الله قديم فكيف يرفع؟ فالجواب: أنه رفع لما تعلق به من أفعال المكلفين لا له (٢)، وقد تقدم قريباً.
المسألة الثالثة: الفرق بين النسخ والتخصيص من ثمانية أوجه (٣):
الأول: أن التخصيص مبين أن مدلول اللفظ الخاص لم يكن مراداً من لفظ العام الدال عليه بخلاف النسخ، فإن مدلوله كان مراداً بالحكم ثم رفع بالنسخ.
نحو: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، ثم خصص منه: ملتزم الجزية، المعاهد، والنساء، والأطفال، فعلم أن النص لم يكن شاملاً لهم.
стр. 214
الثاني: أن التخصيص يكون فيما يمكن تبعيضه لا فيما لا يمكن أن يتبعض، بخلاف النسخ فنسخ القبلة إلى البيت الحرام لا أفراد له فلا يسمى تخصيصاً بل نسخاً، ولذلك النسخ يرد على النص والظاهر، ولا يرد التخصيص إلا على العموم" (١).
الثالث: أن النسخ لا يقع إلا متراخياً عن المنسوخ بخلاف التخصيص، "بل يجب اقترانه عند من لا يجوز تأخير البيان" (٢).
الرابع: أن النسخ لا يكون إلا بخطاب، والتخصيص قد يكون به، وبدلالة العقل، و"الإجماع"، (٣) والقرائن وسائر أدلة السمع" (٤).
الخامس: النسخ مبطل لدلالة المنسوخ "في مستقبل الزمان بالكلية" (٥) بخلاف التخصيص فغير اللفظ المخصص يبقى على عمومه.
السادس: إن التخصيص يجوز بخبر الواحد والقياس، والنسخ لا يكون بقياس ولا بخبر الواحد وفيه خلاف سيأتي تحقيقه.
السابع: النسخ بيان مقدار زمان الحكم وإخراجه عما غلب على الظن من تأبيده، والتخصيص يبين مقدار الأعيان والأحوال والصفات (٦).
الثامن: النسخ لا يدخل الأخبار إن أدى إلى تكذيب خبر الله ورسوله، وهذا عند الأكثر بخلاف التخصيص (٧).
стр. 215
المسألة الرابعة: إطلاقات النسخ عند السلف من الصحابة والتابعين:
يطلق النسخ عند السلف من الصحابة والتابعين على التخصيص والتقييد، وسببه" أن المطلق متروك الظاهر مع مقيده، فلا إعمال له في إطلاقه بل المعمل هو المقيد، فكأن المطلق لم يفد مع مقيده شيئاً، فصار مثل الناسخ والمنسوخ وكذلك العام مع الخاص" (١).
ولذلك قال ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا﴾. [الشورى: ٢٠]. إنها منسوخة بقوله تعالى في الإسراء: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨]. فسماه نسخاً وهو تقييد (٢)، وهذا منقول عنه وعن جماعات غيره من التابعين (٣).
ومن العام قوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. [النور: ٣١]. قال ابن عباس ﵁ منسوخ بقوله: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنْ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٦٠]، "وليس بنسخ إنما هو تخصيص لما تقدم من العموم" (٤).
المسألة الخامسة: حكمة النسخ .
النسخ وقع معظمه بالمدينة لما اقتضته الحكمة الإلهية في تمهيد الأحكام، فكان فيه تأسيس أولاً للقريب العهد بالإسلام، واستئلاف لهم، حتى أكمل الدين واستقرت الشريعة؛ لأن القلوب إذا واجهتها بما تنكر دفعة واحدة ردتها جملة واحدة.
وفيه تعليم لفقه الداعية والعالم والمتعلم، حيث يأخذ الناس بما يفقهون بالتدرج، فيبدأ بالمنكر الأكبر، ثم الذي يليه وهكذا حتى يحصل كمال التبليغ للشريعة المطهرة. والله أعلم.
стр. 216
١_ ويجوز نسخ الرسم وبقاء الحكم، نحو: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة). قال عمر ﵁: (فإنَّا قد قرأناها) رواه الشافعي وغيره.
(وقد رجم ﷺ المحصنين) متفق عليه. وهما المراد بالشيخ والشيخة.
٢_ ونسخ الحكم وبقاء الرسم نحو: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ) نسخ بآية: (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا).
٣_ ونسخ الأمرين معاً نحو حديث مسلم عن عائشة ﵂: (كان فيما أنزل عشر رضعات معلومات يحرمن فنسخن بخمس معلومات يحرمن).
وينقسم النسخ إلى بدل وإلى غير بدل:
الأول: كما في نسخ استقبال بيت المقدس باستقبال الكعبة وسيأتي.
والثاني: كما في نسخ قوله تعالى: (إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً).
_ وإلى ما هو أغلظ كنسخ التخيير بين صوم رمضان والفدية إلى تعيين، قال الله تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ) إلى قوله: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ).
_ وإلى ما هو أخف كنسخ قوله تعالى: (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) بقوله تعالى: (فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ).
стр. 217
[الشرح والإيضاح]
أنواع النسخ وأقسامه وفيه ثمان مسائل
المسألة الأولى قوله: ويجوز نسخ الرسم وبقاء الحكم:
هذا مذهب الأربعة، (١) والظاهرية (٢).
وهذا النوع من النسخ وعكسه، وهو نسخ الحكم وبقاء التلاوة: متفق عليه بين العلماء خلافاً "لطائفة شاذة من المعتزلة" (٣).
الثانية: قوله ونسخ الحكم وبقاء الرسم .
مثل لهذا النوع بآية العدة، فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، يدل على أن العدة حول كامل، وقوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] يدل على أنها أربعة أشهر وعشرا.
قال القرطبي وأكثر العلماء على أن هذه الآية ناسخة لقوله : ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]. (٤)
стр. 218
ثم نقل الخلاف عن مجاهد أنه قال: إن هذه الآية محكمة لا نسخ فيها، والعدة كانت قد ثبتت أربعة أشهر وعشرا، ثم جعل الله لهن وصية منه سكنى سبعة أشهر وعشرين ليلة، فإن شاءت المرأة سكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت، وهو قول الله : ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٠].
قلت: وردّ قوم قول مجاهد وهو الصواب، وعندي أنه ليس فيه نقض للإجماع إن صح؛ لأن الإجماع على أن العدة أربعة أشهر وعشرا، وهذه الآية تدل على السكنى وفيها خلاف حتى في الأربعة أشهر وعشرا.
فللمتوفي عنها زوجها سكنى حول بما فيه زمن العدة، وجعل الله هذه السكنى اختيارية بالنسبة لها، لذلك قال: (غَيْرَ إِخْرَاجٍ) أي: غير إخراج لهن منكم، أما هي فقال: (فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ).
الثالثة قوله: ونسخ الأمرين معاً .
أي: ما نسخ حكمه ورسمه، مثاله: "عشر رضعات يحرمن"، نسخن: "بخمس رضعات معلومات يحرمن".
قالت عائشة فتوفى رسول الله ﷺ وهو فيما يتلى، أي: عند من لم يعلم أنه نسخ تلاوته، بدليل عدم إثباته في المصاحف إجماعاً، هذا تأويل البيهقي، وقال ابن السمعاني: يعني أنه يتلى حكمه دون لفظه (١).
الرابعة: حكم مس المحدث لمنسوخ التلاوة .
أصح الوجهين عند الشافعية: جواز مس المحدث المنسوخ تلاوةً، وتبطل الصلاة بذكره فيها. وقال ابن الحاجب: أنه الأشبه.
وقال الآمدي: تردد فيه الأصوليون والأشبه المنع.
стр. 219
وهو ما ذكره الرافعي وجهاً عن ابن كج للأصحاب، والصحيح خلافه" (١).
"أما المنسوخ حكمه دون لفظه فله حكم ما لم ينسخ بالإجماع" (٢).
الخامسة: لا يشترط في الناسخ أن يتقدم في ترتيب المصحف على المنسوخ .
كآية: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ [البقرة: ٢٣٤]، ناسخة لآية: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]. ونحو: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: ١٤٢] مع: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾ [البقرة: ١٤٤]، إذ الأولى بعد التحويل، والثانية قبله. (٣)
السادسة: أقسام النسخ من حيث البدل وعدمه .
١. ما نسخ إلى بدل:
وهذا البدل:
أ- أما أن يكون مثل المنسوخ المبدل منه في التخفيف أو التغليظ: كنسخ استقبال بيت المقدس بالكعبة.
ب- أو نسخه إلى ما هو أخف: كنسخ العدة حولاً إلى أربعة أشهر وعشرا، ونسخ تحريم الأكل بعد النوم في ليل رمضان إلى حله (٤)، ونسخ تقديم الصدقة في النجوى (٥).
وهذان القسمان لا خلاف فيهما (٦).
стр. 220
ج- نسخه إلى ما هو أغلظ منه، "والجمهور على جوازه" (١).
مثاله: وضع القتال في أول الإسلام ثم نسخه بفرض القتال، وهذا متعقب؛ لأن وضع القتال كان على البراءة الأصلية.
ونسخ الإمساك في الزنا بالرجم في حق الثيب، والجلد في حق البكر، ففي الأول تغليظ.
وذهب قوم من الظاهرية إلى المنع، ونقله ابن السمعاني عن داود (٢)، ونقله الزركشي (٣)، والآمدي (٤) عن بعض أصحاب الشافعي.
والقول "بالجواز مطلقاً هو الأشبه (٥) "؛ لأن العقل لا يحيل ذلك، ولوقوعه في الشرع كما مُثِّل.
٢_ ما نسخ إلى غير بدل:
وهو جائز عند الجمهور، ومنع شذوذ من المعتزلة، والصحيح جوازه وأنه واقع بدليل نسخ تقديم الصدقة في النجوى إلى غير بدل (٦). والله أعلم.
стр. 221
١_ ويجوز نسخ الكتاب بالكتاب كما تقدم في آيتي العدة وآيتي المصابرة.
٢_ ونسخ السنة بالكتاب كما تقدم في نسخ استقبال بيت المقدس الثابت بالسنة الفعلية كما في حديث الصحيحين بقوله تعالى: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)
وبالسنة نحو حديث مسلم: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها).
٣_ وسكت عن نسخ الكتاب بالسنة وقد قيل بجوازه ومثل له بقوله تعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ)، مع حديث الترمذي وغيره: (لا وصية لوارث).
واعترض بأنه خبر واحد، وسيأتي أنه لا ينسخ المتواتر بالآحاد.
وفي نسخة ولا يجوز نسخ الكتاب بالسنة، أي: بخلاف تخصيصه بها كما تقدم لأن التخصيص أهون من النسخ.
٤_ ويجوز نسخ المتواتر بالمتواتر.
٥_ ونسخ الآحاد بالآحاد وبالمتواتر.
٦_ ولا يجوز نسخ المتواتر كالقرآن بالآحاد، لأنه دونه في القوة، والراجح جواز ذلك؛ لأن محل النسخ هو الحكم والدلالة عليه بالمتواتر ظنية كالآحاد.
стр. 222
[الشرح والإيضاح]
السابعة: النسخ بالكتاب والسنة
قوله: ويجوز نسخ الكتاب بالكتاب الخ (١).
خلاصة ما قيل في هذه المسألة: أن نسخ القرآن بالقرآن جائز، ويجوز نسخ السنة بالسنة كحديث: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور) (٢)
وكذلك السنة بالقرآن، خلافا للشافعي في الرسالة، بدليل أن رسول الله ﷺ كان يصلي إلى بيت المقدس، ثم نسخ بالقرآن وهذا من نسخ القرآن للسنة.
قال الزركشي في البحر: "لا خلاف في جواز نسخ القرآن بالقرآن، والسنة المتواترة بمثلها، والآحاد بالآحاد، والآحاد بالمتواتر، وأما نسخ المتواتر سنة أو قرآنا بالآحاد فالكلام في الجواز والوقوع" (٣).
الثامنة: نسخ الكتاب بالسنة منعه الشافعي في الرسالة وغيرها
قوله: "وسكت عن نسخ القرآن بالسنة وقد قيل بجوازه"، إنما سكت إمام الحرمين لشدة الخلاف في المسألة وما ذهب إليه الشافعي أنه لا يجوز، بدليل ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، ولا مثل للقرآن إلا القرآن.
_واستدل من أجاز أن حديث: (لا وصية لوارث) نسخ آية الوصية، ونوقش بأن النسخ هو ببيان آيات المواريث بدليل أول الحديث: (إن الله أعطى لكل
стр. 223
ذي حق حقه فلا وصية لوارث).
_ وأما تحريم كل ذي ناب من السباع مع قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فيمكن القول بأنه معضود بالآية، وهي: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
_ وأما تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها مع قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، فهو تخصيص للبعض لا نسخا.
_ وكذلك قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، جاءت السنة بجواز الانتفاع بالجلد بالدبغ، ونوقش بأنه تخصيص لا نسخ؛ ولأن محل تحريم الميتة هو ما في قوله تعالى: ﴿عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فتبين أن التحريم وارد على الأكل فقط.
_ وقوله: والراجح جواز ذلك؛ لأن محل النسخ هو الحكم والدلالة عليه بالمتواتر ظنية كالآحاد.
رجح الشارح جواز نسخ القرآن بالآحاد؛ معللا ذلك أن دلالة الآية ظنية وليست قطعية، فجاز من هذه الجهة؛ لأن محل النسخ هو الدلالة وليس الرسم، والدلالة ظنية فجاز نسخها بالظني.
стр. 224
التعارض وأحكامه
стр. 225
فصل في التعارض
إذا تعارض نطقان، فلا يخلو إما أن يكونا عامين أو خاصين أو أحدهما عاماً والآخر خاصاً أو كل واحد منهما عاماً من وجه وخاصاً من وجه.
١_ فإن كانا عامين فإن أمكن الجمع بينهما جمع بحمل كل منهما على حال، مثاله حديث: (شر الشهود الذي يشهد قبل أن يستشهد)، وحديث: (خير الشهود الذي يشهد قبل أن يستشهد)، فحمل الأول على ما إذا كان من له الشهادة عالماً بها، والثاني على ما إذا لم يكن عالماً بها.
والثاني رواه مسلم بلفظ: (ألا أخبركم بخير الشهود الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها).
والأول متفق على معناه في حديث: (خيركم قرني ثم الذي يلونهم) إلى قوله: (ثم يكون بعدهم قوم يشهدون قبل أن يستشهدوا).
وإن لم يمكن الجمع بينهما، يتوقف فيهما إن لم يعلم التاريخ، أي إلى أن يظهر مرجح أحدهما، مثاله قوله تعالى: (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهمْ) وقوله تعالى: (وَأَنْ تجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ) فالأول يجوز جمع الأختين بملك اليمين، والثاني يحرم ذلك، فرجح التحريم لأنه أحوط.
فإن علم التاريخ فينسخ المتقدم بالمتأخر كما في آيتي عدة الوفاة وآيتي المصابرة وقد تقدمت الأربع.
стр. 226
[الشرح والإيضاح]
التعارض وأقسامه وماذا يصنع المجتهد عنده وفيه مسائل
المسألة الأولى: قوله: "تعارض الأدلة" أي: في نظر المجتهد أما في نفس الأمر فلا .
وتعريف التعارض لغة: هو التمانع؛ لأن كل واحدة من البينات تعرض للأخرى وتمنع نفوذها.
واصطلاحاً: "تعارض الدليلين من حيث الدلالة، وقيل هو اقتضاء كل من الدليلين عدم مقتضى الآخر، وقيل استواء الأمارتين" (١).
وأعلم أنه لا يمكن التعارض بين قطعيين: عقليين كانا، أو نقلين أو مختلفين؛ إذ لو جاز لاجتمع المتنافيان.
أما إذا تعارض قطعي وظني فيقدم القطعي لقوته (٢).
المسألة الثانية: قوله: إذا تعارض نطقان .
احترز بالنطقين عن تعارض النطق والفعل أو الفعلين أو الأقيسة أو الإجماعات أو المفاهيم وكلها في المبسوطات، (٣) مع أنه أورد في التمثيل لتعارض الخاصين مثالين فعليين، فلعل مقصوده بالنطق الكتاب والسنة؛ ليحترز بهذا القيد عن تعارض الأقيسة، والإجماعات، أو المفاهيم.
стр. 227
المسألة الثالثة: أنواع التعارض في النطق أربعة .
١_ بين عامين.
٢_ بين خاصين.
٣_ بين عام وخاص.
٤_ بين عموم وخصوص وجهي.
أما الأول فهو كثير مثل له المؤلف بحديث:
إن بعدكم قوما يخونون ولا يؤتمنون، ويشهدون ولا يستشهدون، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السمن) (١)، وحديث:
ألا أخبركم بخير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها) (٢)، وهذان عامان بدلالة الاسم الموصل (الذي) فهو من ألفاظ العموم كما مر.
فيسلك عند التعارض أربع طرق على الترتيب:
الأولى: الجمع بين الدليلين، إذ الجمع عمل بهما.
الثانية: إن لم يمكن الجمع، فينظر في التاريخ إن وجد فيكون الثاني ناسخاً ويشترط ثبوت النسخ.
الثالثة: إن لم يعلم التاريخ رجعنا إلى الترجيح بأحد طرق الترجيح المعروفة في الأصول.
الرابعة: التوقف حتى يتبين لنا وجه للجمع أو الترجيح.
стр. 228
ففي الحديثين سالفي الذكر: يمكن الجمع بينهما بطرق عديدة فيحمل شر الشهود على الذي أثارت شهادته فتنة بعد صلح.
ويحمل خير الشهود على الذي أظهرت شهادته حقا لذي حق لولاه ما أخذه.
أو يحمل شر الشهود على من كان من له الشهادة عالما بها كما قال المصنف لأن علمه بها يدل على تركها لعلة.
ويحمل خير الشهود على من كان من له الشهادة غير عالم بها.
_ ومن الأمثلة حكم ما ذبحه أهل الكتاب لأعيادهم وكنائسهم وعلمنا ذلك فإن من العلماء من كرهه، وهو قول مالك. ومنهم من أباحه، وهو قول أشهب. ومنهم من حرمه، وهو الشافعي.
والسبب تعارض عمومين في آيتين
١_ ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]
٢_ ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣]
فمن غلب عموم وما أهل به لغير الله قال بالحرمة، ومن جعل آية طعام أهل الكتاب أخص فيهم استثناها من عموم الآية الأخرى فأباح، ومن جمع بين الدليلين كرهه (١).
الرابعة قوله: وإن لم يمكن الجمع بينهما يتوقف فيهما إن لم يعلم التاريخ .
يفهم من كلامه أنه عند تعذر الجمع ننتقل إلى الطريقة الثانية وهي التاريخ، فإن علم التاريخ وعلم المتأخر فظاهر كلامه أنه يحمل على النسخ كآيتي العدة، فالأولى قضت بأن العدة سنة، والثانية أربعة أشهر وعشرا.
стр. 229
ومثالها كذلك آيتي المصابرة فإن الأولى قضت بصبر عشرين من المسلمين أمام مئتين وصبر مئة أمام ألف، ثم خفف الله عنهم في الآية الأخرى بأن جعل الصبر لألف أمام ألفين.
أما إن لم يعلم التاريخ، ولم نستطع الجمع بين الدليلين العامين؛ فإنا ننتقل إلى البحث عن مرجحات خارجية كالكثرة أو موافقتها القياس والقواعد ونحو ذلك.
مثال ذلك: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦]، فهذه الآية تبيح ملك اليمين مطلقا سواء كان في الأجانب أم الأختين، لكن الآية الأخرى قضت بتحريم الجمع بين الأختين: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣].
فهي عامة تتناول تحريم الجمع بين الأختين بالزواج أو بملك اليمين نظرا لعمومها. والجمع متعذر، ولم يثبت نسخ، فبقي الترجيح بأمر خارجي، فوجدنا أن تحريم جمع الأختين موافق لقاعدة تغليب جانب الحضر لأنه أحوط.
стр. 230
وكذا إن كانا خاصين أي: فإن أمكن الجمع بينهما جمع كما في حديث (أنه ﷺ توضأ وغسل رجليه) وهذا مشهور في الصحيحين وغيرهما.
وحديث (أنه ﷺ توضأ ورش الماء على قدميه وهما في النعلين) رواه النسائي والبيهقي وغيرهما.
فجمع بينهما بأن الرش في حال التجديد لما في بعض الطرق (أن هذا وضوء من لم يحدث).
وإن لم يمكن الجمع بينهما ولم يعلم التاريخ يتوقف فيهما إلى ظهور مرجح لأحدهما مثاله ما جاء: (أنه ﷺ سئل عما يحل للرجل من امرأته وهي حائض فقال: ما فوق الإزار) رواه أبو داود.
وجاء أنه ﷺ قال: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) أي الوطء رواه مسلم.
ومن جملته الوطء فيما فوق الإزار، فتعارضا فيه فرجح بعضهم التحريم احتياطاً، وبعضهم الحل لأنه الأصل في المنكوحة.
وإن علم التاريخ نسخ المتقدم بالمتأخر كما تقدم في حديث زيارة القبور.
[الشرح والإيضاح]
تعارض الخاصين
قوله: "وكذا إن كانا خاصين" معناه: عند تعارض الخاصين يسلك فيهما نفس ما سلك في العامين.
فيبدأ أولا بالجمع بين الدليلين، فإن لم يستطع الجمع نظر إلى النسخ، فإن نقل النسخ بما يثبته عمل به.
وإنما قلنا بهذا حتى لا يرجع للنسخ بأدنى احتمال كمجرد علم التاريخ، فإن التأخر في التاريخ ليس دليلا مطلقا على النسخ، فقد بالغ في هذا الموضع البعض فادعوا النسخ
стр. 231
في كثير مما تعذر عندهم الجمع بمجرد أن راو الحديث متأخر الإسلام.
فإذا لم يثبت أن أحدهما ناسخاً بدليل تقوم به حجة، فعلى الناظر أن يسلك بعد هذا طريق الترجيح، فإن لم يتبين له ترجيح توقف حتى يظهر له.
فمثال الجمع بين الخاصين:
"أنه ﷺ توضأ وغسل رجليه" (١)، وحديث: "أنه ﷺ توضأ ورش الماء على قدميه وهما في النعلين"، فالحديث الأول نص على غسل الرجلين، والحديث الثاني ذكر أنه رش الماء على قدميه. فإما أن يقال هذا جائز، وهذا جائز؛ لأنهما فعلان لا عموم لهما.
إلا أن هذا الجمع معارض بحديث: (ويل للأعقاب من النار) (٢)، وحديث: (أنه رأى على قدم أحدهم لمعة لم يمسها الماء فقال له أعد وضوءك) (٣).
والرش لا يستوعب القدم، فكان هذا الجمع غير مفيد؛ لذلك جمع بينهما على أن الرش في حال وضوء التجديد للوضوء، بدليل رواية أخرى للحديث، هذا وضوء من لم يحدث.
وسلك بعض العلماء مسلكا آخر هو مسلك الترجيح، فرجحوا الغسل لأنه ثابث بالطرق الصحيحة المتواترة في نقل وضوئة ﷺ ، وضعفوا هذا الحديث من جهة النقل.
أما إن لم يستطع الجمع فمثّله المصنف بحديثين:
стр. 232
الأول: (افعلوا كل شيء إلا النكاح) (١).
والثاني: لما سئل عما يباح من الحائض، فقال: (ما فوق الإزار). (٢)
فالأول يفيد جواز ما فوق الإزار وما تحت الإزار إلا الوطء في الفرج، والثاني يفيد إباحة ما فوق الإزار بمنطوقه، ويفيد بمفهومه المنع مما تحت الإزار.
فيصرف مفهوم الثاني على منطوق الأول، فيقال: إن المفهوم يدل على تحريم الوطء في الفرج ومفهوم ما تحت الإزار كناية عنه، مصرح به في الحديث الأول، أو يقال بالترجيح؛ وذلك أن المنطوق مقدم على المفهوم.
أما ما ذهب إليه الشارح أن معنى ما حل ما فوق الإزار هو الوطء، وهو معارض لصريح منع النكاح فوق وتحت الإزار، فهو مستبعد لأن الوطء يطلق عليه في الفرج.
وعلى ما تقدم من مسالك الجمع اختلفت المذاهب في المسألة: "فذهب أحمد ﵀ إلى إباحته، وروي ذلك عن عكرمة، وعطاء، والشعبي، والثوري، وإسحاق، ونحوه قال الحكم: فإنه قال: لا بأس أن تضع على فرجها ثوبا ما لم يدخله. وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي: لا يباح". (٣)
قوله: وإن علم التاريخ نسخ المتقدم بالمتأخر كما تقدم في حديث زيارة القبور ..
ليس الذهاب إلى النسخ في حديث زيارة القبور مأخوذ من العلم بالتاريخ بل من النص الصريح في النسخ: كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها.
وكونه متأخرا عنه هو تعليل مستنبط، لكن مجرد التأخر لا يدل جزما على النسخ.
стр. 233
٣_ وإن كان أحدهما عاماً والآخر خاصاً فيخص العام بالخاص، كتخصيص حديث الصحيحين: (فيما سقت السماء العشر) بحديثهما: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) كما تقدم.
٤_ وإن كان كل واحد منهما عاماً من وجه وخاصاً من وجه، فيخص عموم كل واحد منهما بخصوص الآخر بأن يمكن ذلك: مثاله حديث أبي داود وغيره: (إذا بلغ الماء قلتين فإنه لا ينجس) مع حديث ابن ماجة وغيره: (الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه).
فالأول خاص بالقلتين عام في المتغير وغيره.
والثاني خاص في المتغير عام في القلتين وما دونهما.
فخص عموم الأول بخصوص الثاني حتى يحكم بأن ماء القلتين ينجس بالتغير، وخص عموم الثاني بخصوص الأول حتى يحكم بأن ما دون القلتين ينجس وإن لم يتغير.
فإن لم يمكن تخصيص عموم كل منهما بخصوص الآخر احتيج إلى الترجيح بينهما فيما تعارضا فيه، مثاله حديث البخاري: (من بدل دينه فاقتلوه)
وحديث الصحيحين (أنه ﷺ نهى عن قتل النساء) فالأول عام في الرجال والنساء خاص بأهل الردة.
والثاني خاص بالنساء عام في الحربيات والمرتدات، فتعارضا في المرتدة هل تقتل أم لا؟ والراجح أنها تقتل.
стр. 234
الشرح والايضاح
تعارض العام مع الخاص نوعان .
ينقسم تعارض العام والخاص إلى نوعين:
١_ تعارض العام المطلق مع الخاص المطلق.
٢_ تعارض العام الوجهي مع الخاص الوجهي.
النوع الأول: وهو تعارض العام والخاص المطلقين
مثاله تعارض عموم حديث الصحيحين: (فيما سقت السماء العشر)، بخصوص حديث الصحيحين كذلك: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة)
وبيانه أن الأول عام في كل قليل وكثير فتخرج الزكاة منه قل أو كثر، والثاني: خاص في خمسة أوسق فلا زكاة فيما دون ذلك.
فيبنى العام على الخاص وهو مذهب الشافعي، ومالك، وأحمد، وقال به في هذه المسألة أبو يوسف ومحمد خلافاً لأبي حنيفة، حيث رجح العموم لأنه عنده قطعي، وإذا تأخر عن الخاص نسخه كلية، وإذا تقدم عليه نسخه الخاص في محل التعارض إن كان متراخيا عنه وإن كان متصلا به فهو تخصيص.
هذه قاعدته، ولم يثبت هنا تاريخ فيبقى العام على عمومه، ويعمل بالخاص في زكاة التجارة، فلا زكاة فيما دون خمسة أوسق تجارية إذا بلغت قيمتها مئتي درهم (١).
ومن المسائل الشهيرة في التعارض بين العام والخاص إعارة الجدار للجار لغرز خشبة ونحوها فذهب الشافعي في القديم، وأحمد إلى الوجوب؛ لما ثبت عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره)، ثم
стр. 235
يقول أبو هريرة ﵁: "ما لي أراكم عنها معرضين، والله لأرمين بها بين أكتافكم" (١)
وذهب غيرهم إلى أن له المنع، وعمدة مالك وأبي حنيفة قوله ﵊: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه) (٢)
فرجحا عموم هذا على خصوص حديث أبي هريرة، وجمع بينهما مالك بالندب لحديث أبي هريرة. قال ابن رشد: "وقد عذل الشافعي مالكا لإدخاله هذه الأحاديث في موطئه، وتركه الأخذ بها" (٣).
النوع الثاني: تعارض عام وخاص وجهيين
بمعنى أن يكون أحدهما عاما من وجه خاصا من وجه، والآخر كذلك:
قوله: "فيخص عموم كل واحد منهما بخصوص الآخر بأن يمكن ذلك"
ما ذكره المصنف هو قاعدة التعامل مع هذا النوع، وهي أن ينظر إلى العموم في الحديثين فيخص بالخصوص في الحديثين:
١_ مثاله: (إذا جاء أحدكم المسجد فليركع ركعتين) (٤). وقوله ﵊: (لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر) (٥) فها هنا عمومان وخصوصان: أحدهما: في الزمان، والآخر: في الصلاة.
стр. 236
فالحديث الأول: زمانه عام في كل وقت جاء الشخص إلى المسجد وخاص في صلاة التحية، والحديث الثاني: زمانه خاص ببعد الفجر والصلاة المنهية عامة لكل صلاة.
فمن استثنى خاص الصلاة من عامها قال تجوز التحية بعد ركعتي الفجر، ومن استثنى خاص الزمان من عمومه قال لا يصلي في هذا الوقت شيء. (١)
٢_ ومثل المصنف له بحديث: (إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث) (٢)، وحديث: (الماء طهور لا ينجسه شيء) (٣).
فحديث القلتين عمومه أنه لا ينجس تغير أم لا، فيخص بخصوص الحديث الأخر وهي إلا ما غلب على لونه أو طعمه أو ريحه وهي مجمع على ثبوتها عملا لا سندا، وعموم حديث لا ينجسه شيء يخص بخصوص حديث القلتين.
وقوله: "بأن يمكن ذلك"
يفيد أنه قد لا يمكن إعمال هذه القاعدة وهي تخصيص عموم كل حديث بخصوص الآخر، وفي هذه الحالة يسلك مسلك الترجيح. مثاله: حديث البخاري: (من بدل دينه فاقتلوه) (٤)، وفي حديث (أنه ﷺ نهى عن قتل النساء). (٥)
стр. 237
فالأول: عام يفيد قتل المرتد رجلا كان أو امرأة خاص في الردة.
والثاني: عام يفيد عدم قتل المرأة لا في ردة ولا حرب. خاص بالمرأة.
فتعارضا في قتل المرتدة، فعلى القاعدة نحمل عموم الأول على خصوص الثاني فيكون المعنى من بدل دينه فاقتلوه إلا المرأة، وعموم الثاني بخصوص الأول فيكون المعنى: نهى عن قتل النساء إلا المرتدة فتقتل، فلا يحصل الجمع.
وهنا يطلب الترجيح، والراجح: قتلها؛ لأن نهى عن قتل النساء، خص إجماعا بآية القصاص فلو قتلت أحد عمدا قتلت به فدل أن عموم الحديث غير مراد، بل هو خاص بنساء أهل الحرب، فلا يقتلن بدليل نصوص أخرى صريحة بذلك.
وقد أوصل بعضهم طرق الترجيح إلى ستين طريقاً وسأذكر أهمها:
إذ المرجحات لا حصر لها؛ لأن إذ كل ما أفاد زيادة ظن على الضبط فهو مرجح.
أولا: المرجحات من جهة الاسناد:
وسأذكر عشرة من أهمها:
١ - سن الراوي: ومثاله احتجاج المالكية والشافعية على: أن الإفراد بالحج أفضل بحديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ أفرد بالحج حين أحرم" (١).
стр. 238
فتقول الحنفية هذا معارض بحديث أنس: أنه سمع رسول الله ﷺ يلبي بالحج والعمرة جميعاً (١)، والجواب: أن ابن عمر كان في حجة الوداع كبيراً وكان أنس صغيراً والكبير أتقن وأضبط (٢).
٢. أن يكون أحدهما أعلم، وأفقه، وأتقن من الراوي الآخر: "فيقدم على من دونه؛ لأنه أعرف بما يُسمع" (٣)، كتقديم حديث عائشة في الإفراد بالحج (٤)، على حديث أنس أنه لبى بهما. لأنها أعلم وأفقه منه.
وكتقديم حديثها "أنه ﷺ كان يصبح جنباً من غير احتلام ويصوم" (٥)، على رواية أبي هريرة "من أصبح جنباً فلا صوم له" (٦)، لـ "أن عائشة كانت أفقه من أبي هريرة" (٧).
٣. أن يكون أحدهما مباشراً للقصة، أو كانت القصة تتعلق به فيقدم، "لأن المباشر أقعد بما باشر، وأعرف وأثبت" (٨)، ومن أمثلته: ترجيح خبر أبي رافع في تزوج النبي ﷺ ميمونة وهما حلالان على خبر ابن عباس (٩).
لأن أبا رافع، كان السفير بينهما (١٠)، وكذا حديث عائشة المتقدم في أنه ﷺ يصبح جنباً ويصوم على حديث أبي هريرة (١١).
стр. 239
٤. أن يكون أحد الراويين صاحب الواقعة: كترجيح حديث ميمونة ﵂: "تزوجني رسول الله ﷺ ونحن حلالان" (١) على رواية ابن عباس المذكورة.
٥. الترجيح بأكثرية الصحبة والملازمة: لما يحصل معها من زيادة ظن عند الناظر؛ لأن كثرة الصحبة وطول الملازمة تفيد المعرفة بأحوال المصحوب؛ ولذلك قدمت رواية محمد بن جعفر غندر في شعبة لطول ملازمته (عشرين عاماً) كما جاء في ترجمته وقد قلت في هذا في منظومتي في قواعد الأسانيد:
وقدموا محمد بن جعفر ... "فهو لدى الخلف بتقديم حر"
معتمد عند الجميع فيه ... لعلل ذكرها بفيه
عشرين عاماً شعبة صحبت ... وإن سمعت خبراً كتبت
٦. كثرة الرواة المخبرين: كترجيح حديث إيجاب الوضوء من مس الذكر (٢)، على حديث طلق: (هل هو إلا بضعة منك) (٣).
وكترجيح أحاديث رفع اليدين في الصلاة، لبلوغها حد التواتر على رواية إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود ﵁: "أن النبي ﷺ كان يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام ثم لا يعود"، هذا مع ضعفه ونكارة زيادة ثم لا يعود (٤). وأمثلته كثيرة.
стр. 240
٧. اشتهار العدالة والضبط: لذلك قدمت رواية حسن العقيدة على المبتدع، وقدم العدل المختبر على مقابله، والعدل بالتزكية الصريحة على غيره، والعدل بالعمل بمروياته على ضده، والعدل بكثرة المزكين على نظيره، وقدم الأضبط بكثرة عدد، أو حفظ، أو كتاب أو قلة الشذوذ في مروياته (١).
٨. القرب من النبي ﷺ : ولذلك قدمت روايات أزواجه ﵅ على غيرهن فيما لا يطلع عليه غيرهن غالباً من شأنه ﷺ . وقدمت رواية ابن عمر ﵄ في الإفراد على غيره؛ لأنه كان آخذاً بزمام ناقة رسول الله ﷺ .
٩. عدم اختلاف الرواية عن الراوي: إذ الاختلاف دليل قلة الضبط وعكسه عكسه، ولذلك قدمت رواية من روى عدم الاستئناف في فريضة الإبل بعد مائة وعشرين على القاضية بالاستئناف.
ففي حديث ابن عمر ﵄: (أن رسول الله ﷺ قال: فإذا زادتْ على عشرينَ ومئةٍ ففي كلِّ خمسين حِقَّةٌ وفي كلِّ أربعينَ ابنةُ لبونٍ) أخرجه أبو داود ٢/ ٢٢٤ وغيره وله شواهد كحديث أنس في البخاري ٣/ ٣١٧ وغيره. ورواه عمرو بن حزم، وعلي كرواية ابن عمر ﵄ وفي إحدى روايتيه خلافها، أن النبي ﷺ قال: (إذا زادت الإبل على عشرين ومائة استؤنفت الفريضة) (٢). أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ١٢٥، وغيره وحسنه الحافظ في الدراية ١/ ١٥١ وقال: "إلا أنه اختلف فيه على أبي اسحاق".
١٠. أن يكون متأخر الإسلام، فيرجح على غيره؛ لأنه أقل احتمالاً للنسخ، ولذلك
стр. 241
رجح حديث جرير في المسح على الخفين، لإسلامه بعد نزول المائدة، وحديث بسرة في مس الذكر على حديث طلق؛ لأنه أعنى حديث طلق قصته أثناء بناء المسجد.
فهذه نبذة من المرجحات الراجعة إلى الإسناد.
ثانياً: المرجحات الراجعة إلى المتن: وهي كثيرة منها (١):
١ - أن يكون أحدهما إثباتاً والآخر نفياً، فيقدم الإثبات، لأن معه زيادة علم.
كترجيح حديث بلال: (إن النبي ﷺ دخل البيت فصلى فيه) على حديث: (أنه دخل البيت ولم يصل فيه)
٢ - أن يكون أحدهما ناقلاً عن أصل البراءة والآخر مبق، فيقدم الناقل: كترجيح حديث نقض الوضوء من مس الذكر على عدمه.
٣ - أن يكون في أحدهما احتياط؛ لقوله ﷺ : (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) (٢)، وهو من أصول الإسلام، كترجيح حديث: (فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين)، على رواية: (فاقدروا له).
فإن العمل بهذه الأخيرة على أحد تأويلاتها يدخل في صوم يوم الشك المنصوص صراحة على تحريم صومه، بخلاف الأولى من صراحتها.
٤ - تقديم الحاضر على المبيح: كمنع المحرم من النكاح على حديث ابن عباس ﵄ المفيد للجواز.
٥ - تقديم الوارد على سبب على غير الوارد على سبب، نحو تقديم حديث:
стр. 242
"مر النبي ﷺ بشاة ميمونة فقال: (هلا أخذتم أهابها فدبغتموه فانتفعتم به)، فقالت: إنها ميتة، فقال: (إنما حرم أكلها). وفي رواية: (أيما إهاب دبغ فقد طهر)، على حديث: (لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب)؛ لأن الأول وارد على سبب، بخلاف الآخر لذلك طرأ عليه الاحتمال.
٦ - أن يكون أحدهما قصد به الحكم والآخر ليس كذلك، كحديث المواقيت الصريحة تقدم على حديث إنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى الحديث.
٧ - تقديم ما دل بالمنطوق والمفهوم على الحكم على ما دل على أحدهما، كتقديم حديث جابر في الشفعة عند البخاري (٣/ ٧٩): (جعل رسول الله ﷺ الشفعة في كل مال لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق، فلا شفعة) (١). فقد دل أولا بمنطوقه على أن الشفعة فيما لم يقسم، ومفهومه أن ما قسم لا شفعة فيه، وهو ما ورد منطوقا في الحديث.
أما حديث الجار أحق بصقبه في البخاري فدل بمنطوقه فقط.
٨ - تقديم المنطوق على المفهوم: كتقديم منطوق حديث: (الماء طهور) على مفهوم حديث: (القلتين).
٩ - أن يكون أحدهما قولاً وفعلاً والآخر أحدهما.
١٠ - أن يكون أحدهما قولاً والآخر فعلاً، كتقديم حديث النهي عن استقبال القبلة واستدبارها حال الغائط على حديث ابن عمر ﵄ أنه رأى النبي ﷺ مستدبرا الكعبة. وبالجملة فطرق الترجيح لا تنحصر وضابطها كل ما دل على زيادة ظن بضبط الرواية. والله تعالى أعلم.
стр. 243
الإجماع
стр. 244
وأما الإجماع فهو اتفاق علماء أهل العصر على حكم الحادثة فلا يعتبر وفاق العوام لهم. ونعني بالعلماء الفقهاء فلا يعتبر موافقة الأصوليين لهم.
ونعني بالحادثة الحادثة الشرعية، لأنها محل نظر الفقهاء بخلاف اللغوية مثلاً، فإنما يجمع فيها علماء اللغة.
[الشرح والإيضاح]
تعريف الإجماع وشرحه ومحترزاته في مسائل عشر:
قوله: "وأما الإجماع فهو اتفاق ... الخ: يتعلق بكلامه مسائل:
الأولى: في تعريف الإجماع لغة (١): يأتي بمعنى: الاتفاق، ولعل هذا هو السر في ترك الشارح تعريفه لغةً، كما أنه بمعنى: العزم، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾. [يونس: ٧١].
الثانية: قوله اتفاق علماء العصر
المقصود بالعالم هنا المجتهد:
أفلا عبرة بمن لم يبلغ درجة الاجتهاد من أهل العلم، فهذا أحد محترزات التعريف.
ب وخرج به بالأولى "العامة" فلا يعتد بإجماعهم ولا بخلافهم" (٢)، وهذا هو
стр. 245
الصحيح المعتمد عند جميع العلماء ومن نسب إليه خلافه فهو غلط من ناقله، كما نسب إلى ابن السمعاني مع أنه ينكر هذا ويبطله، أو شذوذ لا يعد في مسائل العلم لظهور بطلانه، إذ يلزم تعذر الإجماع بالمرة ولذلك لم يقل بهذا القول أحد من السلف.
الثالثة: يشترط فيمن يعتد بقوله في الإجماع مع الاجتهاد: العدالة عند الأكثر.
قال ابن برهان: هو قول كافة الفقهاء والمتكلمين (١) يعني المعظم، والأكثر (٢).
وعلة ذلك أن الفاسق قد يتلاعب بالدين فلا عبرة بقوله، ولذلك انعقد إجماع العلماء على الحجر على المفتي الماجن، وحرمة استفتائه وإفتائه.
ومقتضى هذا الإجماع يجب أن يطرد في عدم اعتبار قوله في خلاف ولا إجماع.
وهذا كله إذا كان فسقه بغير تأويل أما بتأويل فمعتبر كالعدل (٣)، وفرّق البعض بين فاسق بَّين مأخذه وكان صالحاً للأخذ به فيعتبر وإلا فلا (٤)، قال ابن السمعاني: ولا بأس بهذا القول (٥).
ويدل للمسألة قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥]، وقوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥]، "فالمأمور باتباعه منهم المؤمنون ومن أناب إلى الله تعالى، دون أهل الضلال والفاسقين" (٦).
الرابعة: قوله الاتفاق: خرج به ما إذا خالف الواحد، أو الإثنان فلا يعتبر إجماعاً.
стр. 246
لأن "العصمة إنما تثبت بإجماع علماء الأمة للأمة بكليتها، وليس هذا إجماع الجميع بل هو مختلف فيه، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠] " (١).
والاتفاق إما في الاعتقاد، أو القول، أو الفعل، وما في معناه من التقرير والسكوت" (٢)، وخرج به كذلك: اتفاق أهل المدينة أو الحرمين أو المصرين البصرة والكوفة أو أهل البيت، فجميع هؤلاء بعض علماء الأمة، والمعتبر في الإجماع الكل.
الخامسة: المقصود بالعصر لحظة الاتفاق ، فمن وجد من العلماء المجتهدين لحظة الاتفاق فهو داخل فيمن يعتد بهم؛ حتى لا يتوهم لزوم انعقاد الإجماع إلى آخر الزمان، وأنه لا يتم إلا باتفاق مجتهدي جميع الأمصار إلى يوم القيامة (٣).
السادسة: قوله على حكم الحادثة أي: الشرعية، إذ لا مدخل لاجتهاد المجتهدين من علماء الشريعة إلا في مسائل الشرع حلالاً وحراماً، فلا يعتبر إجماع الفقهاء على مسألة غير شرعية: كالطب، والهندسة، والنحو، والكلام وغير هذا إلا فيما يتعلق بالجانب الشرعي من هذه المسائل ونحوها.
السابعة: وقوله نعني بالعلماء الفقهاء: فلا يعتبر موافقة الأصوليين لهم؛ وتعليله أنهم ليسوا من أهل الاجتهاد في الأحكام الشرعية، فهم عوام بالإضافة إلى المجتهدين (٤)؛ لأن نظر الأصولي غير نظر الفقيه.
وإنما ذُكر إخراج الأصولي دون غيره- تمثيلاً-؛ ولأنه إذا لم يعتبر هو فغيره أولى بعدم الاعتبار، لذلك يخرج "من عرف الحديث فقط، أو اللغة، أو علم الكلام ونحوه كعلم
стр. 247
العربية، والمعاني والبيان، والتصريف؛ لأنه من جملة المقلدين فلا تعتبر مخالفتهم" (١).
الثامنة: ويؤخذ من قوله "علماء أهل العصر ":
عدم الاعتداد بقول المجتهد الواحد أو فعله مثلاً إذا لم يكن في العصر غيره؛ لانتفاء الاتفاق عنه، فإنه لا يتصور من أقل من اثنين فلا يكون إجماعاً.
وهل يحتج به؟ قولان حكاهما الآمدي وابن الحاجب من غير ترجيح، وصرح الإمام الرازي وأتباعه بأنه حجة، واختار في جمع الجوامع أنه غير حجة، وعلى أنه حجة: لو تغير اجتهاده قال الأسنوي: ففي الأخذ بالثاني نظر يحتاج إلى تأمل، وكذلك لو حدث مجتهد آخر وأداه اجتهاده إلى خلافه انتهى (٢).
ومما يدل على هذا أن الإجماع هو في اللغة: ما اتفق عليه اثنان فصاعداً، وهو الاتفاق، وهو حينئذ مضاف إلى من أجمع عليه" (٣).
فلا يشترط حينئذ بلوغ المجمعين حد التواتر، بل لو لم يوجد غير اثنين لكفى (٤) بخلاف الواحد فلا يعتبر، "وكذلك إجماع العوام عند خلو الزمان من المجتهد لا عبرة به" (٥).
التاسعة: شمل قوله "علماء أهل العصر" الذكور، والإناث فـ"من بلغ من النساء والعبيد مبلغ الاجتهاد فإنه يعتد بخلافه ولا ينعقد الإجماع مع خلافه، والرق والأنوثة لا يؤثران في اعتبار الخلاف كما لا يؤثران في قبول الرواية والفتوى" (٦).
стр. 248
العاشرة: أما البلوغ فاشتراط العدالة مغن عن ذكره ، إذ لا يوصف به صبي في الاعتبار الشرعي ولو وصف به عرفاً، إذ العدل إذا أطلق في الشريعة فالمقصود به المكلف البالغ المجتنب لمقتضيات الفسق وخوارم المروءة، كارتكاب كبيرة أو إصرار على صغيرة أومخالفة مقتضيات المروءة. هذا ما ظهر لي والله أعلم.
стр. 249
وإجماع هذه الأمة حجة دون غيرها لقوله ﷺ : (لا تجتمع أمتي على ضلالة) رواه الترمذي وغيره.
والشرع ورد بعصمة هذه الأمة لهذا الحديث ونحوه
والإجماع حجة على العصر الثاني ومن بعده وفي أي عصر كان من عصر الصحابة ومن بعدهم.
[الشرح والإيضاح]
حجية الإجماع وفيه مسائل:
قوله: وإجماع هذه الأمة حجة دون غيرها .
انفراد هذه الأمة الإسلامية بهذه المزية مما توافرت وتظافرت عليه أدلة الكتاب والسنة المحصلة للناظر العلم القطعي بهذا، بخلاف غيرها من الأمم: فقد أجمعت النصارى على أن المسيح ابن الله، واليهود على أن عزيراً ابن الله، وكله باطل وضلال، على أنهم لم يجمعوا بالمعنى المصطلح عليه حقيقةً وإنما الكثرة.
ومن الأدلة على هذا قوله ﷺ : (إن الله تعالى قد أجار أمتي أن تجتمع على ضلالة) (١)، وهو حديث ثابت مشهور له طرق كثيرة، استدل به العلماء جيلاً بعد جيل على عصمة هذه الأمة بمجموعها عن الخطأ والضلال.
ومن الأدلة قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، والوسط العدول، فلو أمكن اجتماعهم على ضلال لبطلت شهادتهم على غيرهم، ومنه قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٠]، فلو كان يرضى عن طريق غير طريقة المتبعين المقتفين لهم بإحسان
стр. 250
لما كان للآية معنى، فدل أن إجماعهم معصوم، ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨]، والشاهد فيه: ومن اتبعني، فأمته هي المتبعة له وهي على بصيرة، ولو جاز إجماعهم على ضلال لكانوا على غير بصيرة.
وقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٦، ٧]، فالأمة على الصراط المستقيم وغيرها على ضلال وغضب، ولو جاز اجتماعهم على ضلال فلا مزية لهم حينئذ، وتصير الآية عبثاً وهو باطل.
وقوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، وسبيل المؤمنين هو ما أجمعوا عليه لعدم اجتماعهم على ضلالة.
ومن الأحاديث كل ما دل على لزوم الجماعة، وعدم الشذوذ عنها، والخروج عليها وهي كثيرة جداً بالغة حد التواتر، ولو لم يكن فيها دلالة على أن جماعتهم على الهدى لما كان للوعيد الشديد لمن شذ عنهم أو شاقهم أو خرج على جماعتهم كبير معنى؛ لاحتمال أنه هو على الهدى ولأدى إلى التناقض.
إذا تبين هذا وهي:
المسألة الثانية: فالإجماع حجة شرعية يجب العمل به على كل مسلم ، خلافاً للشيعة والخوارج والنظّام من المعتزلة" (١).
والمقصود بالشيعة أي: الإمامية، أما الزيدية فهم قائلون به، جاء في هداية العقول للحسين بن القاسم: "وهو حجة شرعية عند أكثر المسلمين خلافاً للنظام وبعض الخوارج، والإمامة، وإن حكي عنهم الوفاق على أنه حجة، فليس لكونه إجماعاً بل