← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 156

التحقيقات على شرح الجلال للورقات

فضل مراد

Полный текст (344 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

لأن "العصمة إنما تثبت بإجماع علماء الأمة للأمة بكليتها، وليس هذا إجماع الجميع بل هو مختلف فيه، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠] " (١). والاتفاق إما في الاعتقاد، أو القول، أو الفعل، وما في معناه من التقرير والسكوت" (٢)، وخرج به كذلك: اتفاق أهل المدينة أو الحرمين أو المصرين البصرة والكوفة أو أهل البيت، فجميع هؤلاء بعض علماء الأمة، والمعتبر في الإجماع الكل. الخامسة: المقصود بالعصر لحظة الاتفاق ، فمن وجد من العلماء المجتهدين لحظة الاتفاق فهو داخل فيمن يعتد بهم؛ حتى لا يتوهم لزوم انعقاد الإجماع إلى آخر الزمان، وأنه لا يتم إلا باتفاق مجتهدي جميع الأمصار إلى يوم القيامة (٣). السادسة: قوله على حكم الحادثة أي: الشرعية، إذ لا مدخل لاجتهاد المجتهدين من علماء الشريعة إلا في مسائل الشرع حلالاً وحراماً، فلا يعتبر إجماع الفقهاء على مسألة غير شرعية: كالطب، والهندسة، والنحو، والكلام وغير هذا إلا فيما يتعلق بالجانب الشرعي من هذه المسائل ونحوها. السابعة: وقوله نعني بالعلماء الفقهاء: فلا يعتبر موافقة الأصوليين لهم؛ وتعليله أنهم ليسوا من أهل الاجتهاد في الأحكام الشرعية، فهم عوام بالإضافة إلى المجتهدين (٤)؛ لأن نظر الأصولي غير نظر الفقيه. وإنما ذُكر إخراج الأصولي دون غيره- تمثيلاً-؛ ولأنه إذا لم يعتبر هو فغيره أولى بعدم الاعتبار، لذلك يخرج "من عرف الحديث فقط، أو اللغة، أو علم الكلام ونحوه كعلم

стр. 247

العربية، والمعاني والبيان، والتصريف؛ لأنه من جملة المقلدين فلا تعتبر مخالفتهم" (١). الثامنة: ويؤخذ من قوله "علماء أهل العصر ": عدم الاعتداد بقول المجتهد الواحد أو فعله مثلاً إذا لم يكن في العصر غيره؛ لانتفاء الاتفاق عنه، فإنه لا يتصور من أقل من اثنين فلا يكون إجماعاً. وهل يحتج به؟ قولان حكاهما الآمدي وابن الحاجب من غير ترجيح، وصرح الإمام الرازي وأتباعه بأنه حجة، واختار في جمع الجوامع أنه غير حجة، وعلى أنه حجة: لو تغير اجتهاده قال الأسنوي: ففي الأخذ بالثاني نظر يحتاج إلى تأمل، وكذلك لو حدث مجتهد آخر وأداه اجتهاده إلى خلافه انتهى (٢). ومما يدل على هذا أن الإجماع هو في اللغة: ما اتفق عليه اثنان فصاعداً، وهو الاتفاق، وهو حينئذ مضاف إلى من أجمع عليه" (٣). فلا يشترط حينئذ بلوغ المجمعين حد التواتر، بل لو لم يوجد غير اثنين لكفى (٤) بخلاف الواحد فلا يعتبر، "وكذلك إجماع العوام عند خلو الزمان من المجتهد لا عبرة به" (٥). التاسعة: شمل قوله "علماء أهل العصر" الذكور، والإناث فـ"من بلغ من النساء والعبيد مبلغ الاجتهاد فإنه يعتد بخلافه ولا ينعقد الإجماع مع خلافه، والرق والأنوثة لا يؤثران في اعتبار الخلاف كما لا يؤثران في قبول الرواية والفتوى" (٦).

стр. 248

العاشرة: أما البلوغ فاشتراط العدالة مغن عن ذكره ، إذ لا يوصف به صبي في الاعتبار الشرعي ولو وصف به عرفاً، إذ العدل إذا أطلق في الشريعة فالمقصود به المكلف البالغ المجتنب لمقتضيات الفسق وخوارم المروءة، كارتكاب كبيرة أو إصرار على صغيرة أومخالفة مقتضيات المروءة. هذا ما ظهر لي والله أعلم.

стр. 249

وإجماع هذه الأمة حجة دون غيرها لقوله ﷺ : (لا تجتمع أمتي على ضلالة) رواه الترمذي وغيره. والشرع ورد بعصمة هذه الأمة لهذا الحديث ونحوه والإجماع حجة على العصر الثاني ومن بعده وفي أي عصر كان من عصر الصحابة ومن بعدهم. [الشرح والإيضاح] حجية الإجماع وفيه مسائل: قوله: وإجماع هذه الأمة حجة دون غيرها . انفراد هذه الأمة الإسلامية بهذه المزية مما توافرت وتظافرت عليه أدلة الكتاب والسنة المحصلة للناظر العلم القطعي بهذا، بخلاف غيرها من الأمم: فقد أجمعت النصارى على أن المسيح ابن الله، واليهود على أن عزيراً ابن الله، وكله باطل وضلال، على أنهم لم يجمعوا بالمعنى المصطلح عليه حقيقةً وإنما الكثرة. ومن الأدلة على هذا قوله ﷺ : (إن الله تعالى قد أجار أمتي أن تجتمع على ضلالة) (١)، وهو حديث ثابت مشهور له طرق كثيرة، استدل به العلماء جيلاً بعد جيل على عصمة هذه الأمة بمجموعها عن الخطأ والضلال. ومن الأدلة قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، والوسط العدول، فلو أمكن اجتماعهم على ضلال لبطلت شهادتهم على غيرهم، ومنه قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٠]، فلو كان يرضى عن طريق غير طريقة المتبعين المقتفين لهم بإحسان

стр. 250

لما كان للآية معنى، فدل أن إجماعهم معصوم، ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨]، والشاهد فيه: ومن اتبعني، فأمته هي المتبعة له وهي على بصيرة، ولو جاز إجماعهم على ضلال لكانوا على غير بصيرة. وقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٦، ٧]، فالأمة على الصراط المستقيم وغيرها على ضلال وغضب، ولو جاز اجتماعهم على ضلال فلا مزية لهم حينئذ، وتصير الآية عبثاً وهو باطل. وقوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، وسبيل المؤمنين هو ما أجمعوا عليه لعدم اجتماعهم على ضلالة. ومن الأحاديث كل ما دل على لزوم الجماعة، وعدم الشذوذ عنها، والخروج عليها وهي كثيرة جداً بالغة حد التواتر، ولو لم يكن فيها دلالة على أن جماعتهم على الهدى لما كان للوعيد الشديد لمن شذ عنهم أو شاقهم أو خرج على جماعتهم كبير معنى؛ لاحتمال أنه هو على الهدى ولأدى إلى التناقض. إذا تبين هذا وهي: المسألة الثانية: فالإجماع حجة شرعية يجب العمل به على كل مسلم ، خلافاً للشيعة والخوارج والنظّام من المعتزلة" (١). والمقصود بالشيعة أي: الإمامية، أما الزيدية فهم قائلون به، جاء في هداية العقول للحسين بن القاسم: "وهو حجة شرعية عند أكثر المسلمين خلافاً للنظام وبعض الخوارج، والإمامة، وإن حكي عنهم الوفاق على أنه حجة، فليس لكونه إجماعاً بل

стр. 251

لاشتماله على قول الإمام المعصوم" (١). الثالثة: الإجماع حجة شرعية كان من الصحابة ، أم من بعدهم من التابعين في كل عصر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وزعم داود اقتصاره على الصحابة دون غيرهم، وخالفه ابن حزم، والأئمة الأربعة، وأصحابهم، وسائر العلماء من مختلف المذاهب (٢).

стр. 252

ولا يشترط في حجيته انقراض العصر، بأن يموت أهله على الصحيح؛ لسكوت أدلة الحجية عنه. وقيل يشترط، لجواز أن يطرأ لبعضهم ما يخالف اجتهاده فيرجع عنه. وأجيب بأنه لا يجوز له الرجوع عنه، لإجماعهم عليه. فإن قلنا انقراض العصر شرط، فيعتبر في انعقاد الإجماع قول من ولد في حياتهم وتفقه وصار من أهل الاجتهاد. ولهم على هذا القول إن يرجعوا عن ذلك الحكم، الذي أدى اجتهادهم إليه. [الشرح والإيضاح] مسألة انقراض العصر في الاجماع انقراض العصر معناه هنا: أنه إذا أجمع أهل عصر على قول فهل هذا القول يعد إجماعاً بمجرد انعقاده، أم أنه لا يثبت الإجماع ما دام أهله باقين حتى ينقرضوا جميعاً بالموت؛ لاحتمال رجوعهم حال حياتهم؟ الصحيح الذي عليه المذاهب: الحنفية، والمالكية، والشافعية، (١) والظاهرية، (٢) وغيرهم (٣) أنه ليس بشرط، بل يعد الإجماع حجة صحيحة بعد لحظة انعقاده، ولا يعتد بخلاف من خالف بعد ذلك؛ لأن الاجتهاد يعد سائغاً "ما لم يوجد نص أو إجماع، فإذا وجد نص أو إجماع سقط جواز الاجتهاد" (٤).

стр. 253

بل لا يصح إجماع ينقض إجماعاً سابقاً صحيحاً في عين المسألة، (١) وإنما ضعف العلماء القول باشتراط الانقراض (٢): أ- لتعذر معرفته، مما يفضي إلى عدم القول بإجماع البتة. ب- بعموم الأدلة على حجية الإجماع بلا تفصيل، فدل على عدم اشتراط انقراض العصر. وهذا هو ما حمل ابن حزم على قوله: "وليت شعري متى يمكنه التطوف عليهم في آفاقهم، بل ألَاّ يزايلهم إلى أن يموتوا ومتى جمعوا له في صعيد واحد ما في الرعونة أكثر من هذا، ولا في الهزل والتدين بالباطل ما يفوق هذا، ونعوذ بالله العظيم من الضلال" (٣). أما ما احتج به من شرط انقراض العصر: فرأي على في جواز بيع أمهات الأولاد، مع أن عمر والصحابة وفيهم علي ﵃ منعوا ذلك، ورد هذا بأنهم لم يجمعوا على ذلك، بل الخلاف منقول عن ابن مسعود وجابر وابن الزبير وابن عباس في رواية (٤) فلم ينعقد إجماع إذاً. وهو "إنما يدل على اتفاق جماعة عليه لا على أنه قول كل الأمة" (٥)، ويدل له قول جابر بن عبدالله ﵁: "بعناهن على زمن النبي ﷺ ، وأبي بكر وشطر من ولاية عمر" (٦). أخرجه أبو داود وابن ماجة وغيرهما.

стр. 254

وهكذا مخالفة عمر لأبي بكر في قسمة الفيء، ففضل عمر وسوّى أبوبكر كانت في زمن أبي بكر فلم ينعقد إجماعاً (١)، ومخالفة علي لهم في أن حد الخمر ثمانون فجعلها علي أربعين (٢)؛ لأن عمر زاد تعزيراً لا عن إجماع (٣). وإلى هذا الخلاف أشار بقوله: "وقيل يشترط لجواز أن يطرأ لبعضهم ما يخالف اجتهاده فيرجع عنه". الذي شرط انقراض العصر هو الإمام أحمد، وبه قال أكثر أصحابه، واختاره ابن فورك، وسليم الرازي (٤)، وفي المسألة أقوال أخرى: ١ - يعتبر الانقراض للإجماع السكوتي؛ لضعفه دون غيره، اختاره الآمدي (٥) وجماعة (٦). ٢ - ونقل عن الجويني أن الإجماع إذا كان عن قياس؛ اشترط له انقراض العصر وإلا فلا" (٧). ٣ - وقيل إن بقي عدد التواتر من المجمعين اشترط انقراض العصر وإلا فلا (٨)، فيؤثر رجوع البعض في الحالة الأولى بخلاف الثانية فلا يؤثر. ٤ - وقيل يعتبر انقراض العصر في إجماع الصحابة دون إجماع غيرهم، وهو ظاهر كلام الطبري" (٩).

стр. 255

فتحصل في المسألة ستة أقوال كلها مضعفة إلا الأول قوله: "وأجيب بأنه لا يجوز له الرجوع عنه لإجماعهم عليه". وتعليله أن في رجوع المجتهد عن قول المجمعين مخالفة للإجماع وهو غير جائز، وللخصم أن يجيب قائلاً: لا أسلم أنه إجماع حتى يستقر بالانقراض، وعليه فرجوع المجتهد لا يعتبر مخالفة للإجماع، ورد بأن عدم التسليم بأنه إجماع مفض إلى عدم وقوع إجماع البتة وهو باطل. وإليه أشار بقوله: "فإن قلنا انقراض العصر شرط ... الخ".

стр. 256

والإجماع يصح بقولهم وبفعلهم؛ كأن يقولوا بجواز شيء أو يفعلوه، فيدل فعلهم له على جوازه لعصمتهم كما تقدم. وبقول البعض وفعل البعض وانتشار ذلك القول أو الفعل وسكوت الباقين عنه، ويسمى ذلك: بالإجماع السكوتي. [الشرح والإيضاح] أقسام الإجماع: ١ - إجماع قولي: بأن يفتي به سائر أهل الاجتهاد بلا خلاف بينهم. ٢ - إجماع فعلي: وهو أن يفعله أهل الاجتهاد باتفاق. ٣ - أن يقول البعض، ويسكت الباقون، أو يفعله ويسكت الباقون وهذا ما يسمى بالإجماع السكوتي. وفيه خلاف بين العلماء: أفأكثر الحنفية، والمالكية، وأحمد وأصحابه، وحكي عن الشافعي وأكثر أصحابه: أن المجتهد إذا قال قولاً وانتشر ولم يُنكر: قبل استقرار المذاهب أنه إجماع (١). ب المذهب الجديد للشافعي هو أنه لا ينسب إلى ساكت قول، فلا يعتبر السكوت إجماعاً ولا حجة، قال إمام الحرمين: إنه ظاهر المذهب ... واختاره (٢). وقال الغزالي: نص عليه في الجديد (٣)، وقال الباقلاني: أنه آخر

стр. 257

أقوال الشافعي (١). شروط الإجماع السكوتي عند القائلين به: لقد شرط الذين ذهبوا إلى الإجماع السكوتي وحجيته شروطاً لاعتباره (٢): - الأول: أن يكون في المسائل التكليفية بخلاف ما ليس كذلك، نحو قولهم مثلاً: عمار أفضل من حذيفة. - الثاني: ألا يكون هناك أمارة سخط، وإن لم يصرحوا به. - الثالث: أن يمضي زمن يتسع للنظر من المجتهدين. - الرابع: ألا ينكر ذلك مع طول الزمان. - الخامس: أن يكون في محل الاجتهاد. - السادس: أن يطلعوا على ذلك. - السابع: أن يكون قبل استقرار المذاهب. محترزات هذه الشروط، والغرض منها: - أما الأول: فخرج به ما ليس من مسائل التكليف، إذ المجتهد لا يتكلم وجوباً عليه إلا فيها، فلا يعد سكوته في غيرها إقراراً بل فسيكون إعراضاً عن الخوض فيما لا طائل فيه لعده من الفضول. - والثاني: ما إذا وجدت أمارة سخط، فإنه ليس بحجة بلا خلاف. - وبالثالث: ما إذا لم يتسع الوقت لنظر المجتهد.

стр. 258

- وبالرابع: إن أنكر مع طول زمن؛ إذ الإنكار علامة على عدم الموافقة وإنما أخره لعلة. - وبالخامس: خرجت الأمور الثابتة قطعاً، فالسكوت عمن أفتى بخلاها ليس دليلاً على موافقته، بل قد يعد استهجاناً له وإعراضاً عنه. - وبالسادس: إن لم يطلعوا عليه. - وبالسابع: ما كان بعد استقرار المذاهب، فلا أثر للسكوت قطعاً: كإفتاء مقلد سكت عنه المخالفون للعلم بمذهبهم ومذهبه، كحنبلي يفتي بنقض الوضوء بمس الذكر فلا يدل سكوت من يخالفه كالحنفية على موافقته. والله أعلم.

стр. 259

وقول الواحد من الصحابة ليس بحجة على غيره، على القول الجديد. وفي القديم حجة لحديث: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)، وأجيب بضعفه. [الشرح والإيضاح] هل قول الصحابي حجة: قول الصحابي الواحد إذا نُقل عنه: كفتوى أو قضاء ونحوه في حادثة شرعية، لم يرد فيها نص من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس، ولم ينقل هذا القول عن أحد من الصحابة لا موافقة ولا خلافاً. فهل هو حجة ؟ المنصوص عن الشافعي في الرسالة هو أنه يذهب "إلى إتباع قولٍ واحد" قال: إذا لم أجد كتاباً ولا سنة ولا إجماعاً ولا شيئاً في معناه يحكم له بحكمه أو وجد معه قياس"، وقل ما يوجد من قول الواحد منهم لا يخالفه غيره من هذا" (١). ونقل عنه أصحابه من نقله الجديد خلاف هذا، وهو الذي أوقع الاضطراب في تحرير مذهب الشافعي الجديد في الاحتجاج بقول الصحابي بشروطه المتقدمة، أما في القديم فهو قائل بحجيته وفاقاً لأبي حنيفة، وأكثر أصحابه، ومالك وأصحابه وأحمد وأصحابه.

стр. 260

الأخبار

стр. 261

وأما الأخبار فالخبر ما يدخله الصدق والكذب؛ لاحتماله لهما من حيث إنه خبر كقولك قام زيد يحتمل أن يكون صدقاً وأن يكون كذباً، وقد يقطع بصدقه أو كذبه لأمر خارجي. الأول: كخبر الله تعالى، والثاني: كقولك الضدان يجتمعان. [الشرح والإيضاح] الأخبار ويتعلق بهذا المبحث مسائل الأولى: الكلام نوعان: إما إنشاء، وإما إخبار . وهو في القرآن: إما خبر عن الخالق، وإما خبر عن المخلوق. والإنشاء هو: الأحكام كالأمر والنهي. والخبر عن المخلوق هو: القصص، وعن الخالق: ذكر أسمائه وصفاته (١). فأصل السعادة تصديق خبره وطاعة أمره، وأصل الشقاوة معارضة خبره وأمره بالرأي والهوى، وهذا هو: معارضته النص بالرأي وتقديم الهوى على الشرع. ولهذا كان ضلال من ضل من أهل الكلام والنظر في النوع الخبري بمعارضته خبر الله عن نفسه، وعن خلقه بعقلهم ورأيهم، وضلال من ضل من أهل العبادة والفقه في النوع الطلبي؛ بمعارضته أمر الله الذي هو شرعه بأهوائهم وآرائهم" (٢). الثانية: في تعريف الخبر . أما لغة فهو: "مشتق من الخبار، وهي الأرض الرخوة؛ لأن الخبر يثير الفائدة، كما

стр. 262

أن الأرض الخبار تثير الغبار إذا قرعها الحافر" (١). وهو في الاصطلاح: أ- عند أهل الأصول: المحتمل للصدق والكذب، وزاد إمام الحرمين، أو بدلاً عن الواو معللاً امتناع اجتماع الضدين في خبر واحد (٢). وتعقبه القرافي: بأنه اجتماع القبولين، لا المقبولين وبينها فرق واضح؛ إذ كون الشيء قابلاً للضدين لا يدل على اجتماع المقبولين معاً في نفس الوقت (٣). وقال غيره المحتمل للتصديق والتكذيب (٤). ب- وله تعاريف أخرى مبسوطة في المطولات، اختار المصنف هنا أشهرها، وذهب آخرون إلى أنه لا يحد لأنه ضروري (٥). وأجاب صاحب الفوائد الغياثية وقد صحح أنه ضروري: بأن تعريفاته تنبيهات فإن التعريف قد لا يراد به إحداث تصور وتحصيله (٦). الثالثة: الصدق: هو ما طابق الواقع فإن خالفه فكذب (٧). هذا قول الجمهور (٨)، وجعل الجاحظ بينهما واسطة، فقال: الصدق: هو المطابق مع اعتقاد كونه مطابقاً. والكذب: هو الذي لا يكون مطابقاً مع اعتقاد عدم المطابقة، فأما الذي ليس معه اعتقاد فإنه لا يوصف بصدق ولا كذب، مطابقاً كان أو غير مطابق (٩).

стр. 263

الرابعة: قوله: "لاحتماله لهما من حيث أنه خبر " هو ما عبر عنه جماعة من الأصوليين بقولهم لذاته وذلك ليخرج: أ- الخبر عن الواجب، فلا يقع إلا صدقاً، وقد يعلم صدقه ضرورة: كعلمنا بأن الجزء أصغر من الكل، وقد يعلم صدقه بالدليل: كثبوت الصانع، واتصافه بصفاته اللائقة بجلاله وكماله (١). ب- وليخرج الخبر عن المحال، فلا يكون إلا كذباً بالضرورة؛ لاجتماع الضدين أو انخراق العادات المستمرة، أو بالدليل نحو الخبر عن ثبوت حادث بلا محدث له (٢). ج- أما الخبر عن الجائزات، فنحو الخبر عن وجود ما يصح وجوده وعدمه، وهو منقسم إلى: ما يدرك صدقه ضرورة وهو الخبر المتواتر، أو لا يدرك صدقه قطعاً وهو الآحاد. وقوله: "لاحتمال" كالاستدراك على الأصل، حيث قال: ما يدخله؛ لأن الدخول يكون قطعياً، والقطع إنما يستفاد من خارج أما الخبر من حيث هو خبر فهو محتمل للصدق والكذب مجرد احتمال غير مقطوع به. فإذا قطع بالصدق أو بالكذب فلأمور خارجة عنه: كخصوصية القائل في خبر الله ورسوله، وخصوصية الطرفين في نحو اجتماع الضدين (٣). الخامسة: مورد الصدق والكذب في الخبر (٤). إنما هو النسبة المرادة منه لا ما تضمنه، فإذا قيل: زيد بن بكر قائم كان المراد إثبات

стр. 264

القيام لزيد فحسب، ولا يستفاد منه ضمناً إثبات البنوة. وهذه المسألة هي الأصل، إلا في حالة ما إذا أريد من المتكلم قصد هذا الأمر الضمني، فيكون له قصدان: قصد في الأصل وقصد بالطبع؛ فعندئذ يعمل بهذا وهذا، ومنه الحديث المرفوع في صحيح البخاري: (يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله. فيقال: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد) (١). وكذلك استدل الشافعي وغيره على صحة أنكحة الكفار بقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ﴾ [القصص: ٩]، وقوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١]

стр. 265

والخبر ينقسم إلى قسمين: آحاد ومتواتر. فالمتواتر ما يوجب العلم، وهو: أن يروي جماعة لا يقع التواطؤ على الكذب عن مثلهم، وهكذا إلى أن ينتهي إلى المخبر عنه فيكون في الأصل عن مشاهدة أو سماع، لا عن اجتهاد كالإخبار عن مشاهدة مكة أو سماع خبر الله تعالى من النبي ﷺ بخلاف الإخبار عن مجتهد فيه كإخبار الفلاسفة بقدم العالم. [الشرح والإيضاح] تقسيم الأخبار من حيث التواتر وغيره وبيان شروط التواتر قال رحمه الله تعالى: والخبر ينقسم إلى آحاد ومتواتر، فالمتواتر له شروط: ١ - شروط ترجع إلى المخبرين (١): أ- أن يبلغ عدد المخبرين إلى مبلغ يمتنع عادةً تواطؤهم على الكذب، وذلك يختلف باختلاف القرائن، والوقائع، والمخبرين، فلا تحديد في العدد الذي يحصل به التواتر. ب- الاتفاق على المخبر عنه ولو معنى. ج- اشتراط التواتر في كل طبقة من الطبقات، وهو معنى قولهم لا بد من استواء الطرفين والواسطة، ولهذا لا يصح ما نقله النصارى عن صلب عيسى، لعدم حصول التواتر في الطبقة الأولى وكذا ما نقلته الشيعة من النص على إمامة علي ﵁. ٢ - أما الشروط التي ترجع إلى الخبر: فهو أن يكون منتهاه الحس، لا النظر والاجتهاد، فإذا تواتر سمع الخبر من مصدره

стр. 266

أو رؤيته، أو ملمسه ككون يد رسول الله ﷺ ألين من الحرير أو شمه ككون المسك رائحته طيبة، فهذه الأمور تفيد التواتر، أما ما رجع إلى النظر الفكري، نحو استنباطات الفلاسفة والمتكلمين فلا مدخل لها في التواتر. ٣ - أما شروطه التي ترجع إلى المتلقي: فهي أن يكون من أهل العلم إذ يستحيل حصول العلم من مجنون، أو غير عاقل؛ أو عامي فيما تواتر من الأحاديث. ومنها أن يكون السامع منفكاً عن اعتقاد ما يخالف الخبر؛ لشبهة دليل أو تقليد إمام ذكره الشريف المرتضى وتبعه البيضاوي، وهو مردود بأن النقل المتواتر إذا وصل إلى السامع أفاده العلم بالتولد لا بالعادة. بمعنى أنه بمجرد وصوله إليه يهجم عليه العلم ضرورة، فيكون منكره مكابراً لعدم استطاعته دفع ما أفاده التواتر، أو يكون عامياً بالتواتر في نحو حديث النبي ﷺ إذ هو لا يدرك حقيقة اجتماع الجم الكثير عليه لأنه من خصيصة أهل العلم. الفرق بين نقل الكتاب والسنة والاحكام الشرعية ونقل غيرها والتنبيه على خطأ يقع فيه من لم يحقق الأمر . واعلم أن التواتر في غير نقل الكتاب والسنة والأحكام الشرعية لا يشترط فيه عدالة الناقلين، بل يجوز ولو كفاراً أو فسقة، لذلك يحصل العلم اليقيني بما يتواتر عن الكفار المخبرين بموت ملكهم مثلاً، وكذلك ما تواتر من وجود قارات وبلاد لم نرها وإنما أتانا الخبر من طريقهم. أما التواتر في نقل الحديث الشريف أو الفتاوى والأحكام الشرعية فيشترط الإسلام والعدالة، ولذلك لا يحكم بتواتر حديث حتى نفتش في طبقاته ورجاله إلى رسول الله ﷺ إن كان حديثا، فإذا نقله أهل العدالة والضبط التام، أو من دونهم حتى

стр. 267

لو كان فيه ضعف يسير يصلح معه في المتابعات والشواهد صح اعتباره في عدد التواتر، أما أحاديث الوضاعين والمتروكين وأضرابهم فلا يعتد بها أصلاً؛ لأنها ليست من الشريعة من هذا الوجه، ولو ثبت كونها من طرق أخرى إلا أن هذا الوجه فيه كذاب أو وضاع، والغالب عليهم سرقة الأحاديث ووضع الأسانيد تكثراً وتصنعاً؛ فلا يعتد به البتة؛ وقد يغتر البعض بمجيئه من هذه الطريق التي فيها كذاب أو متروك فيجعلها ثابتة لثبوت أصلها، ويجعل الأصل الصحيح المروي من طريق أخرى شاهداً على صدق الكذاب ولو في هذا الموضع فقط. وهذا غلط فاحش إذ الكذاب والمتروك سبيله وضع الأسانيد، أو سرقتها وصناعتها التي لا وجود لها من طريقه البتة، وإنما نبهنا على هذا الموضع؛ لأن بعضهم غلط فحمل كلام الأصوليين القائلين بعدم اشتراط العدالة على غير محمله، وإنما مرادهم أن هذا الشرط موجود في المتواتر من حيث هو في الأصل لا أنهم يقصدون تواتر الكتاب والسنة والأحكام، والدليل على هذا أنهم اشترطوا العدالة في أهل الإجماع معللين أنه حكم شرعي فيجب في ناقله العدالة، بخلاف التواتر كما ذكره في البحر المحيط، وهي إشارة إلى ما عرفناك من فقه هذه المسألة فقولهم حكم شرعي بخلاف التواتر يدل على شيئين: ١ - أن كل حكم شرعي يشترط في نقله العدالة. ٢ - أن التواتر المقصود هنا الذي لا يشترط فيه العدالة ما ليس من الأحكام الشرعية، أما التواتر في نقل الآثار والأحكام فهو من الشريعة فيشترط ذلك. والله أعلم.

стр. 268

والآحاد: وهو مقابل المتواتر، هو الذي يوجب العمل ولا يوجب العلم؛ لاحتمال الخطأ فيه. وينقسم إلى قسمين: مرسل ومسند. فالمسند: ما اتصل إسناده بأن صرح برواته كلهم. والمرسل: ما لم يتصل إسناده بأن أسقط بعض رواته. فإن كان من مراسيل غير الصحابة ﵃ فليس بحجة؛ لاحتمال أن يكون الساقط مجروحاً، إلا مراسيل سعيد بن المسيب من التابعين أسقط الصحابي وعزاها للنبي ﷺ فهي حجة، فإنها فتشت أي فتش عنها فوجدت مسانيد أي رواها له الصحابي الذي أسقطه عن النبي ﷺ ، وهو في الغالب صهره أبو زوجته أبو هريرة ﵁. أما مراسيل الصحابة بأن يروي صحابي عن صحابي عن النبي ﷺ ثم يسقط الثاني، فحجة لأن الصحابة كلهم عدول. والعنعنة بأن يقال حدثنا فلان عن فلان إلى آخره، تدخل على الإسناد، أي على حكمه فيكون الحديث المروي بها في حكم المسند، لا المرسل لاتصال سنده في الظاهر. وإذا قرأ الشيخ وغيره يسمعه يجوز للراوي أن يقول حدثني وأخبرني. وإن قرأ هو على الشيخ، يقول أخبرني ولا يقول حدثني؛ لأنه لم يحدثه. ومنهم من أجاز حدثني، وعليه عرف أهل الحديث لأن القصد الإعلام بالرواية عن الشيخ. وإن أجازه الشيخ من غير قراءة، فيقول أجازني أو أخبرني إجازة.

стр. 269

[الشرح والإيضاح] الآحاد تعريفه وما يتعلق به من المسائل الأولى: الآحاد هو ما لم يبلغ حد التواتر، وهو أقسام: ١ - المشهور: وهو ما رواه أكثر من اثنين ما لم يبلغ حد التواتر. ٢ - العزيز: وهو ما في إحدى طبقاته راويان فقط. ٣ - الغريب: ما وجد في إحدى طبقاته راوٍ واحد فقط. وقد تكون الغرابة في أصله عند الصحابي أو في الأثناء. حكم العمل بخبر الآحاد: يجب العمل بخبر الآحاد، ومن رده من أهل البدع رد أكثر شريعة الإسلام، وقد "اقترن به إجماع أهل العلم بالحديث على تلقيه بالتصديق" (١)، وهو أعني: "خبر الواحد المتلقي بالقبول يوجب العلم عند جمهور العلماء من أصحاب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد وهو قول أكثر أصحاب الأشعري كالإسفرائيني وابن فورك" (٢)، وهو قول "جماهير السلف والخلف" (٣). الثانية: المسند قوله: "فالمسند ما اتصل إسناده بأن صرح برواته كلهم"، خرج بكلامه هذا ما في سنده انقطاع: كالمرسل، والمنقطع، والمعلق، والمعضل. فإن كان السقط في طبقة الصحابي فهو المرسل، وإن كان من عند المصنف فهو المعلق وهو عكس هذا.

стр. 270

وإن كان في الأثناء فينظر فإن سقط منه رجل واحد أو أكثر من موضعين لا على وجه التتالي فهو المنقطع، وإن كان بالتتالي فهو المعضل. الثالثة: المرسل وتعريفه . تعريفه لغة واصطلاحاً: أ. لغة: هو من أرسلت الشيء إذا أطلقته، ومن قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم: ٨٣]، "فكأن المرسل أطلق الإسناد ولم يقيده براو معروف" (١). ب. وقيل: هو من قولهم: جاء القوم إرسالاً، أي: قطعاً متفرقين كما في اللسان، فكأن رواة المرسل "كل طائفة منهم لم تلق الأخرى ولا لحقتها" (٢). ج. "وقيل: يحتمل أن يكون أصله من الاسترسال وهو الطمأنينة إلى الإنسان والثقة به فيما يحدثه" (٣)، فكأن المرسل أطمأن إلى من أرسل عنه. د. "وقيل: يجوز أن يكون المرسل من قولهم ناقة مرسال أي: سريعة السير. قال كعب بن زهير: أمست سعاد بأرض لا يبلغها ... إلا العتاق النجيبات المراسيل فكأن المرسل للحديث أسرع فيه عجلاً فحذف بعض إسناده (٤)، "والكل محتمل" (٥).

стр. 271

تعريفه اصطلاحاً عند الأصوليين والمحدثين . أ- عند الأصوليين: ما سقط بعض رواته. فلم يلاحظ الأصوليون كون السقط في بدايته، أو آخره، أو أثنائه، كما لاحظ ذلك أهل الاصطلاح خاصة المتأخرون منهم. فيدخل في تعريف الأصوليين، المنقطع، والمعلق، والمعضل والمرسل المصطلح عليه عند أهل الحديث، وهذا المذهب هو في حقيقته مذهب المتقدمين من أهل الحديث، "وعليه يدل كلام أبي حاتم الرازي وابنه عبد الرحمن، وغيرهما من أئمة الحديث" (١). وهذا اختيار أبي داود في مراسيله، والخطيب، وجماعة" (٢)، وهو تعريف أبي الحسن بن القطان (٣)، وعليه "أكثر الأصوليين" (٤). ب- عند الأكثر من متأخري المحدثين: "المرسل ما أضافه التابعي إلى النبي ﷺ مما سمعه من غيره" (٥). - فدخل في "التابعي": كبار التابعين وصغارهم. - وخرج به ما السقط فيه حاصل أثناء سنده من منقطع، ومعضل، أو في طرفه من عند المصنف وهو المعلق. - وخرج به مراسيل الصحابة عن بعضهم فلا يعد في حكم المرسل؛ لأنه سمعه من صحابي مثله أو أكبر منه، والجهالة في الصحابي لا تضر.

стр. 272

- وقوله إلى النبي ﷺ خرج به ما أضافة التابعي إلى الصحابي ولم يلقه، أو يسمع منه، فننظر إن كان حديثاً عن النبي ﷺ فهو منقطع وكثيراً ما يطلق عليه الإرسال، أو كان أثراً من الصحابي من قوله فكذلك. وقوله: "مما سمعه من غيره": خرج به من لقي النبي ﷺ كافراً وسمع منه حال الكفر، ثم أسلم وحدث بما سمعه منه: كالتنوخي رسول هرقل، فهذا له حكم الاتصال لا الإرسال (١). الرابعة: حكم العمل بالمرسل وبيان مذاهب العلماء فيه . - العلماء كالمتفقين على وجوب العمل بالمرسل إذا عضد بعاضد يقويه، كما سيأتي ذكرها بعد قليل. - أما إذا لم يعضده عاضد، فمذهب أبي حنيفة (٢)، ومالك (٣)، وجمهور أصحابهما، وأحمد وأصحابه (٤)، وجمهور أهل الأصول (٥)، قبول المرسل والاحتجاج به. بل نقل ابن جرير الطبري أن التابعين أجمعوا بأسرهم على قبول المراسيل، ولم يأت عن أحد إنكاره إلى رأس المائتين (٦)، وكذا قال أبو الوليد الباجي: إنكار كونه حجة بدعة حدثت بعد المائتين، وذلك لقبولهم مراسيل الأئمة من غير نكير (٧) ا. هـ.

стр. 273

فقد "اشتهر إرسال الأئمة كالشعبي، والحسن، والنخعي، وابن المسيب وغيرهم، واشتهر قبول مرسلهم بلا نكير فكان إجماعاً" (١). ولذلك قال الإمام أبو داود: في رسالته إلى أهل مكة: "وأما المراسيل فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى مثل سفيان الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعي، حتى جاء الشافعي فتكلم فيها، وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل وغيره رضوان الله عليهم، فإذا لم يكن مسند غير المراسيل، ولم يوجد المسند فالمرسل يحتج به، وليس هو مثل المتصل في القوة" (٢). ولا يحتج بالمرسل أكثر أهل الحديث وكذا الشافعي، والظاهرية، قال العراقي: ورده جماهر النقاد ... **** للجهل بالساقط في الإسناد. وقال الإمام مسلم في مقدمة الصحيح: "والمرسل من الروايات في أصل قولنا وقول أهل العلم بالإخبار ليس بحجة". وأجابوا عما نقله المحتجون به من الإجماع المتقدم: أن النقل غير صحيح فقد رد المرسل في التابعين سعيد بن المسيب، وابن سيرين والزهري، والأوزاعي (٣)، ولذلك قال ابن سيرين: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم (٤). وجاء قبل الشافعي ابن مهدي والقطان وغير واحد ممن رد المرسل (٥).

стр. 274

الخامسة: عواضد المرسل . إذا عضد المرسل بما يقويه أصبح حجة عند الجميع، ومن عواضده: أ. أن يسند من غير طريق المرسل الأول سواء كان هذا المسند صحيحاً، أو كان ضعيفاً يعتبر به في الشواهد (١)، أو كان حسناً، فيرتقي الحديث إلى الصحيح لغيره (٢). والفائدة في حالة المسند الصحيح هي: زيادة قوة تفيد في الترجيح، فيكون في المسألة حديثان صحيحان حتى لو عارضهما حديث صحيح من طريق واحد وتعذر الجمع قدمناهما عليه كما أفاده النووي في مقدمة المجموع. مثاله حديث: (المؤذنون أمناء الناس على صلاتهم وسحورهم) (٣). رواه الشافعي مرسلاً من طريق يونس بن عبيد عن الحسن أن النبي ﷺ فذكره، ورواته ثقات وله شاهد من حديث ابن عمر مسنداً عند ابن ماجة (٤)، إلا أن في سنده مروان بن سالم الجزري تركه البخاري وغيره (٥)؛ فلا يعتد به. وجاء الحديث عن أبي محذورة مسنداً عند الطبراني (٦)، والبيهقي (٧)، وفي سنده يحيى الحماني قال أحمد وابن نمير "كذاب"، وزاد أحمد "أنه يسرق الحديث". ووثقه جماعة كابن معين. وقال الحافظ: "حافظ إلا أنهم اتهموه بسرقة الحديث".

стр. 275

قلت: الراجح عدم صلاحيته في الشواهد، إذ هذا الجرح المفسر يثير الريبة من صحة مجيء الحديث عنه؛ لأنه قد يكون مما سرقه، ولكن له شواهد صحيحة من حديث أبي هريرة، وعائشة، وأبي أمامة وغيرهم ﵃: "الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن" فتشهد للمرسل ويصح. والله أعلم. ب. أن يجيء مرسل آخر صالح في الشواهد والمتابعات ممن قبل العلم عنه من غير رجاله الذين قبل عنهم، فإن وجد ذلك كانت دلالة يقوى له مرسله، مثاله: مرسل أبي سعيد المهري قال رسول الله ﷺ : (لا تتخذوا بيتي عيداً، ولا بيوتكم قبوراً وصلوا حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني) (١). وقد قواه شيخ الإسلام لمجيء مرسل آخر من وجه غير الأول عن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (٢). ج. تقوية المرسل بالموقوف عن الصحابي: وهي مع كونها معتبرة عند أهل العلم إلا أنها ليست في القوة كالأولى (٣). د. أن يفتي أكثر أهل العلم بما يقتضيه المرسل: فهذا فيه تقوية له، إذ لا يكون هذا إلا دالاً على ثبوت أصله ولكنه أضعف من السابق (٤). السادسة: مراسيل سعيد ابن المسيب عند الشافعي . القول الأول: قول الخطيب والبيهقي في عدم الفرق بين مراسيل سعيد وغيره عند الشافعي، والنووي رجح ترجيح الخطيب والبيهقي (٥).

стр. 276

وأما القول الثاني: فيفرق بين مرسل سعيد فيعتمده وبين غيره فلا، وهو الذي ذكره المؤلف هنا وكذلك نقله الخطيب والبيهقي، وإن كانا لم يرجحاه فقد رجحه غير واحد كالقفال، واستدل بنص الشافعي في الأم، وأراد النووي أن يتعقبه فحمل كلام الشافعي الصريح على ما تقدم من التفصيل؛ وهذا قول للشافعي منصوص في الرسالة. وقال النووي وأما قول القفال: قال الشافعي في الرهن الصغير: مرسل سعيد عندنا حجة، فهو محمول على التفصيل الذي قدمناه عن البيهقي والخطيب والمحققين. ثم نقل العمل به عن إبي حنيفة ومالك في المشهور عنه وأحمد وكثيرين من الفقهاء أو أكثرهم يحتج به ونقله الغزالي عن الجماهير: وقال أبو عمر بن عبد البر وغيره ولا خلاف أنه لا يجوز العمل به إذا كان مرسله غير متحرز يرسل عن غير الثقات (١). قال في الحاوي: ومذهب الشافعي في الجديد: أنه مرسل سعيد وغيره ليس بحجة، وإنما قال مرسل سعيد عندنا حسن لهذه الأمور التي وصفنا استئناسا بإرساله ثم اعتمادا على ما قاربه من الدليل، فيصير المرسل حينئذ مع ما قاربه حجة (٢) قلت: والذي في الرهن الصغير: قال: أي المناظر فكيف قبلتم عن ابن المسيب منقطعا، ولم تقبلوه عن غيره؟ قلنا: لا نحفظ أن ابن المسيب روى منقطعا إلا وجدنا ما يدل على تسديده, ولا آثره عن أحد فيما عرفنا عنه إلا ثقة معروف, فمن كان بمثل حاله قبلنا منقطعه, ورأينا غيره يسمي المجهول ويسمي من يرغب عن الرواية عنه ويرسل عن النبي ﷺ ، وعن بعض من لم يلحق من أصحابه المستنكر, الذي لا يوجد له شيء يسدده, ففرقنا بينهم لافتراق أحاديثهم ولم نحاب أحدا, ولكنا قلنا في ذلك بالدلالة البينة على ما وصفنا

стр. 277

من صحة روايته, وقد أخبرني غير واحد من أهل العلم عن يحيى بن أبي أنيسة عن ابن شهاب عن ابن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ مثل حديث ابن أبي ذئب ا. هـ. (١) فتأمل كلام الشافعي هنا فهو واضح جدا في القول الآخر، وهذا هو سبب القولين، والله أعلم. والنووي لو رجح بناء على تتبعه لكان كلامه هو الفصل، لكنه هنا قلد فقط قول الخطيب والبيهقي وأثنى عليهما، وهذا الترجيح مع جلالته لا يرتقي إلى الترجيح الذي يكون عن تتبعه هو؛ لذلك اختار إمام الحرمين قول الاحتجاج في جماعة، واختار النووي التفصيل تبعا للخطيب والبيهقي. هذا ما ظهر للعبد الفقير في هذا المقام والله أعلم. والعنعنة: بأن يقال حدثنا ... الخ. شرط كون الحديث المعنعن في حكم المسند: ألا يكون الراوي الذي يعنعن مدلساً، وإلا فلا يحكم له بالاتصال. أما صيغ التحديث فذكر منها المؤلف: حدثني وأخبرني، وتستعمل إذا سمع الطالب من الشيخ، أما إذا قرأ على الشيخ، فيقول: أخبرني فقط، وقيل بالجواز، أما الإجازة فيصرح فيها بقوله حدثي إجازة.

стр. 278

القياس

стр. 279

وأما القياس فهو رد الفرع إلى الأصل بعلة تجمعهما في الحكم، كقياس الأرز على البر في الربا بجامع الطعم. [الشرح والإيضاح] تعريف القياس لغة واصطلاحاً، وبيان أقسامه، وأركانه وشرط كل ركن بما يناسب المقام . وفيه مسائل: الأولى: تعريفه لغة واصطلاحا: عبارة عن التقدير، ومنه قست الأرض بالمتر، وقست الثوب بالذراع أي قدرته بذلك (١). أما تعريفه اصطلاحا: فهو رد الفرع، وهو المسألة الحادثة والنازلة المستجدة التي لا نص فيها. والمراد إلحاقها بالأصل المنصوص عليه بالكتاب والسنة، أو المجمع عليها. إلى الأصل: وهو ما نص عليه، أو أجمع عليه؛ لعلة تجمعهما: أي بوصف موجود في الأصل والفرع. وعرفه في جمع الجوامع: حمل معلوم على معلوم لمساواته في علة حكمه عند الحامل (٢) وثم تعاريف أخرى، قال إمام الحرمين: أقرب العبارات ما ذكره القاضي إذ قال: "القياس حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما، أو نفيه عنهما بأمر يجمع بينهما من

стр. 280

إثبات حكم أو صفة أو نفيهما" (١). وقد ذكر ابن السمعاني أن هذا تعريف المتكلمين، أما الفقهاء فقالوا: "حمل فرع على أصل في بعض أحكامه بمعنى يجمع بينهما" (٢)، فعلى هذا يكون تعريف المصنف راجعاً إلى الطريقة الفقهية. الثانية: العلة: هي وصف ظاهر منضبط يوجد الحكم بوجوده وينتفي بانتفائه. وقولهم ظاهر: احتراز عن الأوصاف الخفية، فإنه لا يعلل بها ولا تناط بها الأحكام، فالشريعة لا تحيل على علة خفية، بل على علة ظاهرة. مثال ذلك: من قتل شخصاً عمداً عدواناً وجب فيه القصاص، والعمد العدوان أمر خفي في القلب لا يطلع عليه، فأحلنا معرفته إلى أمر ظاهر وهي الآلة، فالقاتل بآلة حادة قاتلة، دال على ما خفي في باطنه وهو العمد العدوان، فاستدللنا بالآلة الظاهرة على الحالة الباطنة وهي العمد العدوان. وكذلك الأمر في الأنساب: إذ علق الشرع ثبوت النسب على أمر ظاهر هو العقد لا على الوطء؛ لأنه خفي لا يُطلَّع عليه. وقولهم: منضبط في تعريف العلة: احتراز عن الأوصاف غير المنضبطة فلا يحصل بها التعليل في الأحكام، مثاله: المشقة لو جعلناها علة للقصر والجمع والفطر في السفر، لما انضبط الأمر لاختلاف أحوال الناس، فمنهم من يشق عليه السفر، ومنهم من لا يشق

стр. 281

عليه، ومنهم من يشق عليه مشقة خفيفة أو متوسطة. وكذلك من عمل الأعمال الشاقة في الحضر، كعمال الحفريات، والبناء، والطرقات، والمناجم ونحوها، فلو جعلنا علة جواز الإفطار المشقة؛ لجاز لهؤلاء وهم في الحضر أن يترخصوا بالفطر والجمع والقصر ونحو ذلك. فلما كانت هذه المشقة غير منضبطة لم تعلق عليها الأحكام، بل علقت بأمر منضبط هو حصول السفر، فكل من سمى مسافراً في العرف ترخص، وهذا الوصف أعني السفر وصف منضبط فأنيطت به الأحكام. الثالثة قوله: كقياس الأرز على البر في الربا بجامع الطعم . وعليه فالأصل المقيس عليه البر، وهو منصوص عليه في قوله ﷺ : (والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء) (١). والفرع: الأرز وهو غير منصوص عليه. والعلة الجامعة: هي الطُّعم بالضم على مذهب الشافعي، وكونه مقتاتاً مدخراً على مذهب مالك، وكونه مكيلاً أو موزوناً على مذهب أبي حنيفة وأحمد. والحكم: هو حرمة ربا الفضل والنسيئة في الأرز.

стр. 282

وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام: إلى قياس علة، وقياس دلالة، وقياس شبه. [الشرح والإيضاح] أقسام القياس باعتبارات عديدة، وفيه مسائل: (١) الأولى: تقسيمه من حيث إيجاب الحكم. يقسم إلى: قياس علة ودلالة، وقياس في معنى الأصل وشبه. فمثال الأول: ما كان منصوصا على العلة، كقوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧]، أو كان من باب الأولى، كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، أو كانت العلة مجمعاً عليها؛ لأن "كل ما استنبط من العلل وأجمع المسلمون عليها فهو جلي، كإجماعهم على أن الحد للردع والزجر عن ارتكاب المعاصي". (٢) ومثال الثاني: استنباط العلة من خلال الحكم، فجواز صلاة الوتر على الراحلة هذا حكم، وهو يدل على العلة وهي كون الوتر نافلة وليس واجبا، فهذا قياس دلالة كما سيأتي الكلام عليه وشرحه. ومثال الثالث: وهو قياس الشبه وسيأتي. وأما الرابع وهو القياس في معنى الأصل: فهو ما ليس فيه فارق كقياس حرق مال اليتيم على أكله؛ لأنه مساو له ولا فرق.

стр. 283

المسألة الثانية: تقسيمه من حيث كون العلة جلية أو خفية . ففي الفرع قسموه إلى: جلي وخفي. - فالجلي: كقياس تأفيف على ضرب. - والخفي "ما كان معناه غامضا؛ لتقابل المعنيين أو لتقابل المعانى، مثل: تعليل الربا في البر المنصوص عليه إما بالطعم أو بالكيل أو القوت، ولابد من ترجيح أحد هذه المعانى على الآخر من طريق المعنى الذى يكون دالا على التحريم" (١). المسألة الثالثة: تقسيمه من حيث كون العلة أقوى أو مساوية أو أدنى . إلى قياس الأولى، والقياس المساوي: كقياس إحراق مال اليتيم على أكله في التحريم، وقياس الأدون وهو الخفي كما تقدم. المسألة الرابعة: تقسيمه من حيث مناسبة العلة للحكم . فقد قسم بهذا الاعتبار إلى: مؤثر وملائم. فالمؤثر ما كانت العلة فيه منصوصة أو مجمع عليها، وتقدم مثاله في الجلي. والملائم ما أثر جنس العلة في جنس الحكم: كجعل المشقة علة لجلب التيسير، أو جنس العلة في عين الحكم، كجعل دفع الحرج علة على الجمع في المطر. الخامسة: تقسيمه من حيث طريق استخراج العلة . إلى قياس طرد، وعكس، وشبه، وسبر، ومناسب، وهذا الأخير سمي قياس إخالة. فالطرد: وجود الحكم بوجود العلة، والعكس انتفاؤه، والشبه تقدم، والسبر هو من مسالك العلة، وهو أن يلجأ إلى معرفة العلة بحصر كل ما يمكن أن يعلل به، ثم

стр. 284

يحرر الصحيح منها. وأما المناسب: فهو الإخالة، وهو قياس العلة وهو مؤثر وملائم وتقدم. السادسة: تقسيمه من حيث إفادته لحكم مماثل أو مناقض أو لا مماثل ولا مناقض . - فالأول: قياس العلة، وهو المسمى بالقياس إذا أطلق. - والثاني: قياس العكس. - والثالث: قياس الدلالة. السابعة: رد التقاسيم إلى واحد . وجميع هذه الأقسام يدخل بعضها تحت بعض، كما رأيت في الأمثلة وقد تختلف أنظار العلماء في جعل المثال من هذا النوع أو ذاك. وبتأمل ما سطره علماء الفن فإن أعدل وأصح تقسيم هو: الأول، وهو ما ذكره المؤلف، وهو تقسيم القياس إلى قياس علة ودلالة وشبه، وجرى عليه جمع من الأصوليين كالشيرازي. وبيان دخول جميع الأقسام فيه: أن قياس العلة ينقسم إلى جلي وخفي، وإلى قياس الأولى والمساوي والأدنى، وإلى مؤثر وملائم، وطرد وعكس، وأن قياس الدلالة يوصف أحيانا بكونه جلياً وأحيانا بكونه خفياً. وأن قياس الشبه يوصف بكونه جلياً إذا كان الشبه واضحاً، وخفياً إن كان الشبه غير ظاهر، وسيأتي تفصيل كل نوع.

стр. 285

فقياس العلة ما كانت العلة فيه موجبة للحكم، بحيث لا يحسن عقلاً تخلفه عنها كقياس الضرب على التأفيف للوالدين في التحريم بعلة الإيذاء. [الشرح والإيضاح] النوع الأول: قياس العلة المسألة الأولى قوله: فقياس العلة ما كانت العلة فيه موجبة للحكم . العلة لا توجب الحكم إلا إذا كانت لا تتخلف، وهي نوعان: قياس الأولى، والقياس في معنى الأصل. ١ - فأما قياس الأولى: فهو ما كان الحكم فيه أولى من الأصل، كالنهي عن التأفيف يلزم قطعا النهي عن الضرب. فالعلة موجبة للحكم ولا يحسن عقلا أن يقال يجوز الضرب ويحرم التأفيف، وعبر بقوله ويحسن عقلا، حتى يبين أنها في الاحتمال العقلي قد لا توجب لكن لا يحسن ذلك؛ وذلك لأن الاستحالة العقلية هي ما لا يمكن للعقل أن يفرضه أو يتصوره مجرد تصور، مثاله: إن الثلاثة شفع أو تساوي واحدا. ٢ - والقياس في معنى الأصل: وهو القياس بنفي الفارق. المسألة الثانية: اقتصر المصنف في قياس العلة على هذا النوع فقط . ولكن غيره من أهل الأصول ذكروا أن "قياس العلة يكون الجامع فيه وصفا مناسبا كالإسكار بين الخمر والنبيذ، فإن فساد العقل مناسب للتحريم لعظم المفسدة "، (١) وأن
следующие страницы →