← Адаб

Адаб · id 1571

الكشكول

البهاء العاملي

Полный текст (663 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

فلم تك تصلح إلا له ... ولم يك يصلح إلا لها أبو الطيب وكل امرىء يولي الجميل محبب ... وكل مكان ينبت العز طيب وأنت مع الله في جانب ... قليل الرقاد كثير التعب كأنك وحدك وحدته ... وأن البرايا با أبن وأب قال مسلم بن الوليد يمدح ابن مزيد الشيباني شعراًك تراه في الأمن في درع مضاعفة ... لا يؤمن الدهر إن يدع على عجل لا يعبق الطيب خديه ومفرقه ... ولا يمسح عينيه من الكحل يقال: إن هارون الرشيد لما سمع هذا البيت وفهم أنه لمن وفيمن، طلب ابن مزيد فأحضر وعليه ثياب ملونة ممصرة فلما نظره الرشيد في تلك الحال قال: أكذبت شاعرك يا ابن مزيد؟ قال: فيم يا أمير المؤمنين؟ قال في قوله: تراه في الأمن الخ، فقال: لا والله ما أكذبته، وإن الدرع علي، ما فارقني، وكشف ثيابه فإذا عليه درع. فأمر الرشيد بحمل خمسين ألف دينار إلى مزيد وخمسة آلاف دينار إلى مسلم، ويقال: إنه لما سمع البيت قال: منعي من الطيب وأرهقني باقي عمري، فما رؤي بعد ذلك ظاهر الطيب ولا مكتحلاً: ويقال إنه كان أعطر الناس في زمانه، وكان يقول: الله بيني وبين مسلم، احرمني أحب الأشياء.

стр. 317

من محاسن المتخلصات قول أبو الطيب نودعهم والبين فينا كأنه ... قنا بن أبي الهيجاء في صدر فيلق وليلة كحلت بالسهد مقلتها ... ألقت قناع الدجى في كل أخدود قد كان تفرقني أمواج ظلمتها ... لولا اقتباسي سناً من وجه داود آخر أتتنا بها ريح الصبا فكأنها ... فتاة تزجيها فتاة تقودها فما برحت بغداد حتى تفجرت ... بأودية ما تستفيق مدودها فما قضت حق العراق وأهله ... أتاها من الريح الشمال بريدها فمرت تفوت الطرف سعياً كأنها ... جنود عبيد الله ولت بنودها لا يرجع الكلف الدليل عن الهوى ... أو يرجع الملك العزيز عن الندى فالوجد لي وحدي دون الورى ... والملك لله وللظاهر لأبي الحسين الجزار يمدح فخر القضاة نصر الله ابن قصافة: وكم ليلة قد بتها معسر ولي ... بزخرف آمالي كنوز من اليسر أقول لقلبي كلما اشتقت للغنى ... إذا جاء نصر الله تبت يد الفقر للأرجاني في كثرة أسفاره وأخو الليالي ما يزول مراوحاً ... ما بين أدهم خيلها والأشهب والأرض لي كرة أواصل ضربها ... وصوالجي أيدي المطايا اللعب فيه لغيره ألف النوى حتى كأن رحيله ... للبين رحلته إلى الأوطان للأمير علاء الدين

стр. 318

ردفه زاد في الثقالة حتى ... أقعد الخصر والقوام السويا نهض الخصر والقوام وقاما ... وضعيفان يغلبان قويا جمال الدين محمد بن بنانة ومليح قد أخجل الغصن والبدر ... قواماً رطباً ووجهاً جليا غلب الصبر في لقانا ظريه ... وضعيفان يغلبان قويا لأبي الطيب في بعض أسفاره أهم بشيءٍ والليالي كأنها ... تطاردني من كونه وأطارد وحيداً من الخلان في كل بلدة ... إذا عظم المطلوب قل المساعد وتسعدني في غمرة بعد غمرة ... سبوح لها منها عليها شواهد خليلي إني لا أرى غير شاعر ... فلم منهم الدعوى ومني القصائد فلا تعجبوا أن السيوف كثيرة ... ولكن سيف الدولة اليوم واحد من أبيات وقعت فيها ألفاظ مكررة لأبي الطيب: ولم أر مثل جيراني ومثلي ... لمثلي عند مثلهم مقام أسد فرايسه الأسود يقودها ... أسد تصير له الأسود ثعالبا وقال الأصمعي لمن أنشده فما للنوى جد النوى قطع النوى ... كذاك النوى قطاعة لوصاله لو تسلط على هذا البيت شاة لأكلته.

стр. 319

أبونواس أقمنا بها يوماً ويوماً وثالثاً ... ويوماً له يوم الترحل خامس قال: ابن الأثير: في المثل السائر مرادهم من ذلك أنهم أقاموا أربعة أيام ويا عجباً له يأتي بمثل هذا البيت السخيف على المعنى الفاحش. قال الصفدي: أبو نؤاس أجل قدراً من أن يأتي بمثل هذه العبارة لغير معنى طائل، وهو له مقاصد يراعيها، ومذاهب يسلكها فإن المفهوم منه أن المقام كان سبعة أيام، لأنه قال وثالثاً ويوماً آخر له اليوم الذي رحلنا فيه خامس، وابن الأثير لو أمعن الفكر في هذا ربما كان يظهر له. للازري قسماً بها ما شاق قلبي بعدها ... مغنى سوى مغنى بأطراف القرى مغنى حوى قبراً حوى جسداً حوى ... صدراً حوى علم النبي الأطهر أسماء الشهور عند العرب العرب كانت تسمي المحرم المؤتمر وصفر ناجرا وربيع الأول خوانا وربيع الثاني وبصاناً وجمادى الأولى الحنين وجمادى الاخرى الرنى ورجب الأصم وشعبان العاذل ورمضان الناتق والشوال وعلا واغلا وذو العقدة هواعاً وورنة وذو الحجة بركا وقد نظمها الصاحب إسماعيل بن عباد: أردت شهور العرب في جاهلية ... فخذها على سرد المحرم تشترك فمؤتمر يأتي ومن بعد ناجر ... وخوان مع وبصان تجمع في شرك حنين ورني والأصم وعاذل ... وناتق مع وعل وورنة مع برك وما أحسن قول الشاعر وشادن مبتسم عن حبب ... مورد الخلد مليح الشنب يلومني العاذل في حبه ... وما درى شعبان أني رجب لمجير الدين محمد بن تميم وكأنما النار التي قد أوقدت ... ما بيننا ولهيبها المتضرم سوداء أحرق قلبها فلسانها ... بسفاهة للناظرين تكلم وله أيضاً كأنما نارنا وقد خمدت ... جمرها بالرماد مستور دم جرى من فواخت ذبحت ... من فوقها ريشهن مشهور لشرف الدين محمد بن موسى القدسي: اليوم يوم سرور لا شرور به ... فزوج ابن سحاب بابنة العنب ما أنصف الكأس من أيدي القطوب بها ... ثغرها باسم عن لؤلؤ الحبب كأنما النار في تلهبها ... والفحم من فوقها يغطيها زنجية شبكت أناملها ... من فوق نارنجة ليخفيها

стр. 320

أزهر اللوز أنت لكل زهر ... من الأوهار يأتينات إمام لقد حسنت بك الأيام حتى ... كأنك في فم الدنيا ابتسام شرف الدين ابن الوكيل وإن أقطب وجهي حين تبسم لي ... فعند بسط الموالي يحفظ الأدب ما أحسن قول من قال: ما أنصفتها تضحك في وجهك وتعبس في وجهها حكي أن عند الرشيد ذكر قول أبي نؤاس: فاسقني البكر التي اعتجرت ... بخمار الشيب في الرحم فقال لمن حضر: ما معناه؟ فقال أحدهم: إن الخمرة، إذا كانت في دنها كان عليها شيء من الزبد وهو الذي أراده. وكان الأصمعي حاضراً فقال: يا أمير المؤمنين إن أبا علي أجل خطراً، وإن معانيه لخفية فاسألوه عن ذلك، فأحضر وسئل فقال: إن الكرم أول آن يخرج العنقود في الزرجون يكون عليه شيء شبيه بالقطن، فقال الأصمعي: ألم أقل لكم إن أبا نواس أدق نظراً مما قلتم؟ ! . مسألة قوله تعالى: " كيف نكلم من كان في المهد صبياً " قال ابن الأبناري في أسرار العربية: كان هنا تامة، وصبياً منصوب على الحال، ولا يجوز أن تكون ناقصة لأنه لا اختصاص بعيسى ﵇ في ذلك، ولأنه كان في المهد صبياً، ولا عجب في تكليم من كان في ما مضى في حال الصبى إنتهى، وقال أبو البقا: كان زائدة، أي هو في المهد وصبياً حال من الضمير في الجار والمجرور، والضمير المنفصل المقدر كان متصلاً لكان، وقيل: كان الزائدة لا يستتر فيها ضمير، فعلى هذا لا يحتاج إلى تقدير هو بل يكون الظرف صلة من، وقيل: لست زائدة، بل هي كقوله: " وكان الله غفوراً رحيماً " وقيل: بمعنىصار وقيل: هي تامة إنتهى. يقال: أهجى بيت قالته العرب قول الأخطل: قوم إذا استنج الأضياف كلبهم ... قالوا لأمهم بولي على النار ضيقت فرجها بخلاً ببولتها ... ولم تبل لهم إلا بمقدار

стр. 321

قال الصفدي: اشتمل قوله قوم إلى آخره على معايب: أولها أنهم لا يعطون للضيف شيئاً حتى يرضى بنباح كلابهم فيستنج منها، وثانيها إن لهم نار قليلة لفقرهم تطفى ببول امرأة، وثالثها أن أمهم تخدمهم فليس لهم خدم غيرها، ورابعها أنهم كسالى عن مباشرة أمورهم حتى تقوم بها أمهم، وخامسها أنهم عاقون لوالدتهم بحيث أنهم يمتهنونها في الخدمة وسادسها عدم أدبهم لأنهم يخاطبون أمهم هذه المخاطبة التي تستحي الكرام الإلتفات بها، وثامنها أنهم جبناء لا يرقدون لأنهم مستيقظون يسمعون الحس الخفي من البعد وتاسعها قذارتهم لأنهم لا يتألمون بما يصعد من رائحة البول إذا وقع في النار، وعاشرها إلزام والدتهم بأن لا تبول لهم إلا بمقدار وتدخر ذلك لوقت الحاجة إليه وإلا فما كل وقت يطلب الإنسان الإراقة يجدها فتجد لذلك ألماً ومشقة من احتباس البول، حادي عشرها إفراطهم في البخل إلى غاية يشفقون معها على الماء أن تطفي به النار، وثاني عشرها أنها تأكد بهذا القول عداوة المجوس للعرب لأن الفرس يعبدونها وأولئك يبولون عليها فيؤكد الحقد. حكي أن بعض الأطباء كان في خدمة بعض الملوك في غزوة لم يكن معه وقت النصرة كاتب يرسل، فتقدم للطبيب أن يكتب إلى الوزير يعلمه بذلك، فكتب إليه: أما بعد فإن كنا مع العدو في حلقة كدائرة البيمارستان حتى لو رميت بصاقة لما وقعت إلا علي فيقال: فلم تكن إلا كنبضة أو نبضتين حتى لحق العدو بحران عظيم، فهلك الجميع بسعادتك يا معتدل المزاج. قريب من هذا قول من كان يعرف الرياضي حين احتضر: اللهم يا من يعلم قطر الدائرة، ونهاية العدد، والجذر الأصم، أقبضني إليك على زاوية قائمة، واحشرني على خط مستقيم

стр. 322

للشيخ فتح الدين بن سيد الناس الحافظ في جماعة، كانوا شبيهين بالنبي ﷺ لخمسة شبه المختار من مضر ... يا حسن ما خؤلوا من شبه الحسن كجعفر وابن عم مصطفى قثم ... وسائب وأبي سفيان والحسن ومن جملة التطيرات ما جرى لجرير عند عبد الملك لما أنشد قوله أتصحو أم فؤادك غير صاح؟ فتشاءم به عبد الملك، وقال: يا ابن الفاعلة بل فؤادك، وكذلك لما أنشده ذو الرمة ما بال عينيك منها الماء ينسكب وكان بعين عبد الملك مرض لا يزال تدمع منه، فقال له: وما سؤالك عن هذا يا جاهل؟ وأمر بإخراجه. وكذلك ما وقع لأبي نواس لما هنى جعفر بن يحيى بانتقاله إلى قصر جديد بناه بقصيدة وختمها بقوله: سلام على الدنيا إذا ما فقدتم ... بني برمك من رائحين وغاديا فتطير يحيى وقال نعينا لأنفسنا، وبعد أيام أوقع بهم الرشيد. وقيل: إن أبا نؤاس قصد التشاؤم لهم، وكان في نفسه من جعفر شيء. لابن القيرواني وأجاد وأسرى بناس يمموا كعبة الندى ... فهم سجد فوق المذاكي وركع على كل نشوان العنان كأنما ... جرى في وريديه الرحيق المشعشع شكائمها معقودة بسياطها ... تخال بأيدينا أراقم تلسع للأرجاني كنا جميعاً والدار تجمعنا ... مثل حروف الجميع ملتصقة واليوم جاء الوداع يجعلنا ... مثل حروف الوداع مفترقة. لابن إسرائيل وأسمر عسجدي اللون يحكي ... معاطف فده السمر العوالي يدير على الشقيق عذار آس ... ويبسم بالعقيق عن اللئالي لمرة بن يحكان، يخاطب امرأته وقد نزل به ضيف.

стр. 323

يا ربة البيت قومي غير صاغرة ... ضمي إليك رحال القوم والسلبا في ليلة من جمادي ذات أندية ... لا يبصر الكلب من ظلمائها الطنبا لا ينبح الكلب فيها غير واحدة ... حتى يلف على خيشومه الذنبا قوله أندية: جمع ندى شاذ إذ القياس في جمع المقصور أن يكون على أفعال مثل حشى وأحشاء وقفا وأقفاء، وفي الممدود أن يكون على أفعله مثل غطاء وأغطية، وهواء وأهوية كما في الجوار شاء وأرشية وثبت أن ندى جمعه أنداء وتأوله بعضهم فقال: أندية جمع ناد وهو المجلس يعني أنهم كانوا يجلسون في الأندية يصطلون وليس بشيء. قال الصفدي: ذكرت بالأبيات هنا، ما حكاه الشيخ محمد بن محمد بن محمد سيد الناس العمري قال اجتمع تاج الدين الأثير وفخر الدين بن لقمان وكان لتاج الدين مملوك يدعى الطنبا فجعل يدعوه باسمه والطنبا بجنبه، وهو لا يراه ويكرره نداءه ويقول: أين أنت يا الطنبا فإني لا أراك، فقال فخر الدين: في ليلة من جمادي ذات أندية ... لا يبصر الكلب في ظلمائها الطنبا الليل طويل فلا تقصره بمنامك، والنهار مضى فلا تكدره بآثامك. لغات لعل لعل كلمة ترج، وفيها لغات: لعل، وعل، ولعن وعن بالنون، ولان بفتح اللام، وان، ورعن، ورغن بالغين المعجمة، ولغن باللام، والغين المعجمة، ولعلت بزيادة التا في آخر لعل وقال الصفدي: لعل تكون حرف جر في لغة بني عقيل، كما تكون متى حرف جر في لغة بني هذيل. لأبي نواس فتمشت في مفاصلهم ... كتمشي البرء في السقم حكى الأصمعي قال: حضرت مجلس الرشيد وعنده مسلم بن الوليد، إذ دخل أبو نواس فقال له: ما أحدثت بعدنا يا أبا نواس؟ فقال: يا أمير المؤمنين ولو في الخمر قال قاتلك الله ولو في الخمر، فأنشده. يا شقيق النفس من حكم ... نمت عن ليلى ولم أنم حتى أتى على آخرها، فقال: أحسنت يا غلام أعطه عشرة آلاف درهم، وعشر خلع فأخذها وخرج؛ فلما خرجنا من عنده قال لي مسلم بن الوليد: ألم تريا أبا سعيد

стр. 324

إلى الحسن بن هاني كيف سرق شعري وأخذ به مالاً وخلعاً؟ فقلت: وأي معنى سرق؟ وقال: قوله فتمشت في مفاصلهم إلى آخره فقلت: وأي شيء قلت؟ قال قلت: غراء في فرعها الليل على قمر ... على قضيب على دعص القنا الدهس أذكى من المسك أنفاساً وبهجتها ... وقلبها في الصمت والخرس كأن قلبي وشاحاً إذا خطرت ... وقلبها قلبها في الصمت والخرس تجري محبتها في قلب وامقها ... جرى السلامة في أعضاء منتكس فقلت: ممن سرقت هذا المعنى؟ فقال: لا أعلم أخذته من أحد، فقلت بلى من عمرو بن أبي ربيعة حيث يقول: أما والراقصات بذات عرق ... ورب البيت والركن العتيق وزمزم والطواف ومشعريها ... ومشتاق يحن إلى مشوق لقد دب الهوى لك في فؤادي ... دبيب دم الحياة إلى العروق فقال: ممن سرق عمرو بن ربيعة هذا المعنى؟ قلت: من بعض البدويين. حيث يقول: وأشرب قلبي حبها ومشى به ... كمشي حميا الكأس في عقل شارب ودب هواها في عظامي وحبها ... كما دب في الملسوع سم العقارب فقال لي: ممن أخذ هذا البدوي؟ قلت: من أسقف نجران حيث يقول: منع البقاء تقلب الشمس ... وطلوعها من حيث لا تمسي وطلوعها حمراء صافية ... وغروبها صفراء كالورس تجري على كبد السماء كما ... يجري حمام الموت في النفس انتهى ما حكى الأصمعي: قال الصفدي: وقد أخذه أبو نواس برمته من بعض الهذليين، يصف قانصاً تحبل صيداً بسرعته مشى حيث يقول: فتمشى لا تحس بها ... كتمشي النار في الفحم أقول: وقال أبو طيب: قريباً من هذه المعاني: جرى حبها مجرى دمي في مفاصلي ... فأصبح لي عن كل شغل بها شغلي

стр. 325

وأتى عبد الله بن الحجاج بهذا المعنى من غير تشبيه، فقال: فبت أسقاها سلافاً مدامة ... لها في عظام الشاربين دبيب ولمسلم بن الوليد موف على مهج في يوم ذي رهج ... كأنه أجل يسعى إلى أمل آخر كنت مثل النسيم عند دبيب ... سحراً عند تل ردف حبيبي فلهذا فتحت زهرة ورد ... بقضيب عند الهبوب رطيب مسألة قوله تعالى: " ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ". قاعدة لو قال الشيخ شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي ﵀: قاعدة لو أنها إذا دخلت على ثبوتيين كانتا منفيين، أو على نفيين كانتا ثوبتيين، أو نفي وثبوت فالثبوت نفي وبالعكس وإذا تقررت هذه القاعدة، فيلزم أن يكون كلمات الله قد نفدت وليس كذلك. ونظير هذه الآية قول النبي ﷺ : " نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه " يقتضي أنه خاف وعصى مع الخوف وهو أقبح، وذكر الفضلاء في الحديث وجوهاً. أما الآية فلم أر لأحد فيها كلاماً، ويمكن تخريجها على ما قالوه في الحديث غير أني ظهر لي جواب عن الحديث والآية جميعاً سأذكره، قال ابن عصفور: لو في الحديث بمعنى إن لمطلق الشرط وأن لا يكون كذلك، وقال شمس الدين الخسر وشاهي: لو في أصل اللغة لمطلق الربط وإنما اشتهرت في العرف بما مر، والحديث إنما ورد بالمعنى اللغوي لها. وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: الشيء الواحد قد يكون له سببان فلم يلزم من عدم أحدهما عدمه، وكذلك هيهنا الناس في الغالب إنما لم يعصوا لأجل الخوف، فإذا ذهب الخوف عصوا فأخبر ﷺ أن صهيباً اجتمع له سببان يمنعان عن المعصية الخوف والإجلال. وأجاب غيرهم بأن الجواب محذوف: تقديره لو لم يخف الله عصمه الله. والذي ظهر لي أن لو أصلها تستعمل للربط بين شيئين كما تقدم، ثم إنها أيضاً تستعمل لقطع الربط، تقول لو لم يكن زيد عالماً لا كرم أي لشجاعته جواباً لسؤال سائل يقول: إنه إذا لم يكن عالماً لم يكرم؟ فربط بين عدم العلم وعدم الإكرام فتقطع أنت ذلك الربط، وليس مقصودك أن

стр. 326

تربط بين عدم العلم والإكرام، لأن ذلك ليس بمناسب، وكذلك الحديث، وكذلك الآية، لما كان الغالب على الناس أن يرتبط عدم عصيانهم بخوف الله، فقطع رسول الله ﷺ ذلك الربط، وقال لو لم يخف الله لم يعصه، ولما كان الغالب على الأوهام أن الأشجار كلها إذا صارت أقلاماً والبحر مداداً مع غيره يكتب به الجميع فيقول الوهم: ما يكتب بهذا الشيء إلا نفد، قطع الله تعالى هذا الربط، وقال: ما نفدت، إنتهى كلامه. قال علي بن البسام البغدادي: كنت أتعشق غلاماً لخالي ابن حمدون، فنمت ليلة عنده وقمت لأدب عليه فلسعتني عقرب، فقلت آه، فانتبه خالي وقال ما أتى بك إلى هيهنا؟ فقلت قمت لأبول؟ فقال: صدقت ولكن في است غلامي، فحضرني إذ ذاك هذه الأبيات: ولقد سريت مع الظلام لموعد ... حصلته من غادر كذاب فإذا على ظهر الطريق معدة ... سوداء قد علمت أوان ذهابي لا بارك الرحمن فيها إنها ... دبابة دبت إلى دباب آخر ولقد هممت بقتل نفسي بعده ... أسفاً عليه فخفت أن لا نلتقي قال أبو سعيد الرستمي في الحق أن يعطى ثلاثون شاعراً ... ويحرم ما دون الرضا شاعر مثلي كما سامحو عمراً: بواو مزيدة ... وضويق بسم الله في ألف الوصل ابن قلاقس قرنت بواو الصدغ صاد مقبل ... وأبديت لاماً في عذار مسلسل

стр. 327

فإن لم يكن وصل لديك لعاشق ... فماذا الذي أبديت للمتأمل لبعضهم غير المقول عيوبه كالواو من ... عمرو ترى واللفظ منه قصير كالنون من زيد يقال مديحه ... باللفظ لكن لا يراه بصير قال التهامي لغو كحرف زيد لا معنى له ... أو واو عمرو فقدها كوجودها قال صلاح الدين الصفدي: بعد إيراد هذه الأشعار وكان الجاحظ يزعم أن عمراً أرشق الأسماء، وأخفها، وأزهرها وأسهلها، وكان يسميه الاسم المظلوم ويعني بذلك: إلزاقهم به الواو التي ليست من جنسه ولا فيه دليل عليها ولا إشارة لها. قال نامق هذا السطور: لو وجه كلام الجاحظ في تسميته الاسم المذكور بما سماه بأنه يقع في أكثر الأمثلة لاسيما في العلوم الأدبية مضروباً أو مقتولاً كما لا يحجب على من له أدنى اطلاع عليها لكان أظهر، ومن أمثال العرب قولهم وقع رمضان في الواوات، يريدون أنه جاوز العشرين فلا يذكر إلا بواو العطف، ويشهد بذلك قول محمد بن علي بن منصور بن بسام. قد قرب الله منا كلما شسعا ... كأنني لهلال العيد قد طلعا فخذ للهوك في شوا أهبته ... فإن شهرك في الواوات قد وقعا وكذا في قولهم وقع الشهر في الأنين مرادهم إنهم يقولون: فيه أحد وعشرين وثاني وعشرين، فيكون الأنين فيه. وفي أمثال العوام: إذا وقع رمضان في الأنين، خرج شوال من الكمين. لأبي الطيب الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أول وهي المحل الثاني فإذا هما اجتمعا لنفس مرة ... بلغت من العلياء كل مكان ولربما طعن الفتى أقرانه ... بالرأي قبل تطاعن الأقران لولا العقول لكان أدنى ضيغم ... أدنى إلى شرف من الإنسان ما قيل في جمع اليد قال الصفدي الأيدي جمع اليد وهي

стр. 328

النعمة، وهذا هو الصحيح وقد أخرجها عوام العلماء باللغة عن أصل وضعها فاستعملوا الأيادي في جمع يد الجارحة، ونجد أكثر الناس يكتب إلى صاحبه المملوك يقبل الأيادي الكريمة وهي لحن، وإنما الثواب الأيدي الكريمة. قيل لبعض الأعراب وقد أسن، كيف أنت اليوم؟ فقال: ذهب مني الأطيبان: الأكل والنكاح، وبقي الأرطبان: السعال والضراط. قال الصفدي: ورأيت غير مرة بدمشق سنة سبعمائة وواحد وثلاثين شخاً يعرف بالنظام العجمي وهو يلعب الشطرنج غائباً في مجلس الصاحب شمس الدين وأول ما رأيته لعب مع الشيخ أمين الدين سليمان رئيس الأطباء، فغلبه مستديراً ولم يشعر به حتى ضرب شاه مات بالفيل. وحكى له عنه، أنه يلعب غائباً على رقعتين، وقدامه رقعة يلعب فيها حاضراً ويغلب في الثلاث، وكان الصاحب يدعه في وسط الدست ويقول له: عدلنا قطعك، وقطع غريمك، فيسردها جميعاً كأنه يراها. واضع الشطرنج الناس كثير منهم يخلط في الصولي وهو أبو بكر محمد بن يحيى بن صول تكين الكاتب وتزعم أنه واضع الشطرينج، لما ضرب المثل به فيه، والصحيح أن واضعه صصه بن داهر الهندي. ما قيل في النرد وقال الصفدي: أردشير بن بابك أول ملوك الفرس الأخيرة، قد وضع النرد ولذلك قيل له: نردشير، وجعله مثالاً للدنيا وأهلها. فرتب الرقعة اثني عشر بيتاً بعدد شهور السنة، والمهارك ثلاثين قطعة بعدد أيام الشهر، والفصوص مثل الأفلاك، ورميها مثل تقبلها ودورانها والنقط فيها بعدد الكواكب السيارة كل وجهين منها سبعة: الشش ويقابله اليك، والبنج ويقالبه الدو، والجهار، ويقابله السه، وجعل ما يأتي به اللاعب من لنقفوش كالقضاء والقدر تارة له وتارة عليه، وهو يصرف المهارك على ما جاءت به النقوش لكنه إذا كان عنده حسن نظر كيف يتأتى وكيف يتحيل على الغلبة قهر خصمه مع الوقوف عندما حكمت به الفصوص؛ وهذا مذهب الأشاعرة. لجميل أريد لا نسي ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل أقسام الواوات: قد جمع السراج أقسام الواوات وأحسن:

стр. 329

مالي أرا عمراً اني استجرت به ... قد صار عمرواً بواو فيه وانصرفا ونام عن حاجة نبهته غلطا ... لها فألقيت منه السهد والأسفا والمستجير بعمرو قد سمعت به ... فما أزيدك تعريفاً بما عرفا المستجير بعمرو عند كربته ... كالمستجير من الرمضاء بالنار وتلك واو ولا والله ما عطفت ... ولو أتت واو عطف ما أتت طرفا ولو غدت واو حال لم تسر ولو ... أتى بها قسماً ما بر إذ خلفا أو واو رب لما جرت سدى أسف ... وكثرته خلافاً للذي الفا أو واو مع لم أجد خيراً أتى معها ... أو واو جمع غدا من فرقه نيفا وليت صدعاً بها قد شبهوه غدا ... يكوي بناري وهذا في السلو كفى والله يطمسها واواً ذكرت بها ... دالاً بوسطي وكانت قبل ذا ألفا تلفا لمحمد بن إبراهيم الساعدي الأنصاري بيت واحد لضبط عدد بيوت الشطرنج. إن رمت تضعيف شطرنج بجملته ... ها واوه طفجز مد زود دحا تصبر للعواقب واحتسبها ... فأنت من الحوادث في اثنين تريحك بالمنا أو بالمنايا ... فإن الموت إحدى الراحتين لأبي عثمان سعيد بن الحميد لامت قبلك بل أحيا وأنت معاً ... ولا أعيش إلى يوم تموتينا لكن تعيش لما نهوى ونأمله ... ويرغم الله فينا وأنف واشينا حتى إذا قدر الرحمن ميتتنا ... وحال من أمرنا ما ليس يغنينا متنا جميعاً كغصني بانة ذبلا ... من بعد ما نضرا واستسقيا حينا في مثل طرفة عين لا أذوق شجى ... من الممات ولا أيضاً تذوقينا لابن التلعفري يا شيب كيف وما انقضى زمن الصبا ... عاجلت مني اللمة السوداء لا تعجلن فوالذي جعل الدجى ... من ليل طرتي البهيم ضياء

стр. 330

لو أنها يوم المعاد صحيفتي ... ما سر قلبي كونها بيضاء لشرف الدين شيخ الشيوخ نجماة بحماة إن تدعني خالياً من لوعتي فلقد ... أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل عاتبت إنسان عيني في تسرعه ... فقال لي خلق الإنسان من عجل حكي أن كثيراً أتى الفرزدق، فقال له الفرزدق: يا أبا صخر أنت أنسب العرب حيث تقول: أريد لانسى ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل فقال كثير وأنت أفخر العرب حيث تقول: ترى الناس إن سرنا يسيرون خلفنا ... وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا والبيتان لجميل، وكان كثير سرق الأول، والفرزدق سرق الثاني. للنور الأسعردي أعييت إذ لاعبت بالشطرنج من ... أهوى فأبدى خده التوريدا وغدا لفرط الفكر يضرب أرضه ... بقطاعه لما انثنى مجهودا وطفقت أنشده هناك معرضاً ... وجوانحي فيه تذوب صدودا رفقاً بهن فما خلفن جدائداً ... أو ما تراها أعظماً وجلودا ابن قلاقس لا أقتضيك لتقديم وعدت به ... من عادة الغيث أن يأتي بلا طلب عيون جاهك عني غير نائمة ... وإنما أنا أخشى حرفة الأدب لشهاب الدين التلعفري وإذا الثنية أشرقت وشمت من ... أرجالها أرجاً كنشر عبير سل هضبها المنصوب أين حديثه ... المرفوع عن ذيل الصبا المجرور لابن مياده أماني من ليلى حساناً كأنما ... سقتني بها ليلى على ظمأ بردا منى إن تكن حقاً تكن أحسن المنى ... وإلا فقد عشنا بها زمناً رغدا

стр. 331

لأبي دلف أطيب الطيبات قتل الأعادي ... واختيالي على متون الجياد ورسول يأتي بوعد حبيب ... وحبيب يأتي بلا ميعاد قيل لبعض العشاق: ما تتمنى؟ فقال: أعين الرقبا، وألسن الوشاة، وأكباد الحساد. وقيل لبعض الأعراب: ما أمتع لذات الدنيا؟ فقال ممازحة الحبيب وغيبة الرقيب. قال بعض المحققين: النفوس جواهر روحانية، ليست بجسم ولا جسمانية لا داخلة البدن ولا خارجة عنه، لها تعلق بالأجساد وتشبه علاقة العاشق بالمعشوق، وهذا القول ذهب إليه الغزالي أبو حامد في بعض كتبه. ونقل عن أمير المؤمنين ﵁ أنه قال: الروح في الجسد كالمعنى في اللفظ. قال الصفدي وما رأيت مثالاً أحسن من هذا. سئل بعض المتكلمين عن الروح والنفس فقال: الروح هو الريح والنفس هو النفس فقال السائل: فحينئذ إذا تنفس الإنسان خرجت نفسه وإذا ضرط خرجت روحه، فانقلب المجلس ضحكاً. النشر للدواب كالعطاس لنا وانثر فلان أخرج ما في أنفه. يقال فضائل الهند ثلاثة كليلة ودمنة، ولعب الشطرنج وتسعة أحرف التي يجمع أنواع الحساب. قال محمد بن شرف القيرواني في مدح الشطرنج: حرب سجال، وخيل عجال وفرسان ورجال، قريبة الآجال، سريعة عوده المحال، تستغرق الفكرة، وتسلب اللب استلاب السكرة، ويترك اللسان أو الإنسان وما أراد، أساء أو أجاد، إلا أنها تدني مجلس الصعلوك من أشرف الملوك حتى لا يكون بينهما في أقرب بقعة إلا قدر الرقعة فربما التقت بنانهما في بيت الرقعة، ولسانهما في بيت القطعة، لعب أصولي وقريب صولي فخر لجاجي ولعب لجلاجي مظفر الفئة يراها من مأة بيوته حصينة وشياهه مصونة ودوابه مجتمعة وشياهه أو سباعه مختبئة، جيد النظر شديد الحضر لا يبقي ولا يذر، عينه تغلي فكرته تملي ويده تبلي من بلوت بمعنى استخبرت لكن هذا من باب الأفعال بمعنى تختبر. حكي أن الرشيد سأل جعفراً عن جواريه فقال: يا أمير المؤمنين كنت في الليلة الماضية مضطجعاً وعندي جاريتان، وهما يكسباني فتناومت عليهما لأنظر صنيعهما

стр. 332

واحداهما مكية والأخرى مدنية، فمدت المدينة يدها إلى ذلك الشيء، فلعبت به فانتصب قائماًن فوثبت المكية فقعدت عليه، فقالت المدنية أنا أحق لأني حدثت عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: من أحيى أرضاً ميتة فهي له، فقالت المكية أنا حق به لأني؟ حدثت عن معمر عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال ليس الصيد لمن أثاره إنما الصيد لمن قبضه، فضحك الرشيد حتى استلقى على ظهره، وقال: من تسلو عنهما فقال: جعفرهما ومولاهما بحكمك يا أمير المؤمنين وحملهما إليه. أنشد الشيخ جمال الدين ابن مالك على مجيء لفظة أو للإضراب قول جرير. ماذا ترى في عيال قد برمت بهم ... لم أحص عدتهم إلا بعداد كانوا ثمانين أو زادوا ثمانية ... لولا رجاؤك قد قتلت أولادي ومن هذا القبيل قوله تعالى: " وأرسلناه إلى مائة غلف أو يزيدون " لابن أبي الصقر الواسطي: كل رزق ترجوه من مخلوق ... يعتريه ضرب من التعويق وأنا قائل وأستغفر الله ... مقال المجاز لا التحقيق لست أرضى من فعل إبليس شيئاً ... غير ترك السجود للمخلوق. يقال: إن بعض السؤال اجتاز بقوم يأكلون، فقال: اتلسلان عليكم يا بخلاء، فقالوا له: أتقول إنا بخلاء. قال كذبوني بكسرة. الفرق بين الرؤيا الرؤية . قد فرق: أهل العربية بين الرؤيا والرؤية، فقالوا الرؤيا مصدر رأي الحلم والرؤية مصدر رأت العين، وغلطوا أبا الطيب في قوله: (مضى الليل والفضل لك لا يمضي ... ورؤياك أحلى في العيون من الغمض) ابن المعتز: (ألست أرى النجم الذي هو طالع ... عليك فهذا للمحبين نافع) (عسى يلتقي في الأفق لحظي ولحظها ... فيجمعنا إذ ليس في الأرض جامع) حكى أبو الفرج المعافى في الكتاب الجليس والأنيس قال: بينا أبو إسحق مزيد ذات

стр. 333

يوم جالس إذ جاءه أصحابه فقالوا له يا أبا إسحق هل لك في الخروج بنا إلى العقيق وإلى قبا وإلى أحد ناحية قبور الشهداء؟ فإن هذا يوم كما ترى طيب، فقال: اليوم يوم أربعاء ولست أبرح من معزلي فقالوا وما تكره من يوم الأربعاء وهو يوم ولد فيه يونس بن متى، فقال بأبي وأمي صلوات الله عليه قد التقمه الحوت فقالوا يوم نصر فيه رسول الله ﷺ يوم الأحزاب فقال: أجل بعد ما زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر. من مواضع نزع الخافض قوله تعالى: " واختار موسى قومه " الآية أي من قومه وقوله جل وعلا " إلا من سفه " أي في نفسه وقول الشاعر: أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ... وقد تركتك ذا مال وذا نسب أي أمرتك بالخير. ابن اللبانة إن ضعت بالشعر مما قد علمت به ... ونال جودك أقوام وما شعروا فالجود كالمزن قد يسقى بصيبه ... شوك القتاد ولا يسقى به الزهر إن لم تكن أهل نعمي أرتجيك بها ... فالسلك خيط وفيه ينظم الدرر قد فرق أهل العربية بين الربيا والرؤية فقالوا الرؤيا مصدر رأي الحلم، والرؤية مصدر رأت العين وغلطوا أبا الطيب في قوله: مضى الليل والفضل الذي لك لا يمضي ... ورؤياك أحلى في العيون من الغمض ابن المعتز ألست أرى النجم الذي هو طالع ... عليك فهذا للمحبين نافع عسى يلتقي في الأفق لحظي ولحظها ... فيجمعها إذ ليس في الأرض جامع آخر لئن رحت مع فضلي عن الحظ خالياً ... وغيري على نقض به قد عدى حالي فإني كشهر الصوم أصبح عاطلاً ... وطوق هلال العيد في جيد شوال ابن سناء الملك ورب مليح لا يحب وضده ... يقبل منه العين والخد والفم هو الجد خذه إن أردت مسلماً ... ولا تطلب التعليل فالأمر منهم الشافعي لو أن بالحيل الغنى لوجدتني ... بنجوم أفلاك السماء تعلقي لكن من رزق الحجى حر العنى ... ضدان مفترقان أي تفرق فإذا سمعت بأن محروماً أتى ... ماء ليشربه فغاض فصدق أو أن محظوظاً غدا في كفه ... عود فأورق في يديه فحقق

стр. 334

قال الصفدي: ولم يزل مذهب الاعتزال يبدو شيئاً فشيئاً إلى أيام الرشيد وظهور بشر المريسي، وإظهار الشافعي مقيداً في الحديد، وسؤال بشر له قال: ما تقول يا قرشي في القرآن؟ فقال: إياي تعني؟ قال: نعم، قال: مخلوق وخلى عنه، وواقعته بين يدي الرشيد مشهورة فأحس الشافعي بالشر وأن الفتنة تشتد في إظهار القول بخلق القرآن فهرب من بغداد إلى مصر ولم يقل الرشيد بخلق القرآن، وكان الأمر بين أخذ وترك إلى أن ولي المأمون وبقي يقدم رجلاً ويؤخر أخرى في دعوة الناس إلى ذلك إلى أن قوي عزمه في السنة التي مات فيها، وطلب أحمد بن حنبل فأخبر في الطريق أنه توفي فبقي أحمد محبوساً في الرقة حتى بويع المعتصم، فأحضر إلى بغداد وعقد مجلس المناظرة، وفيه عبد الرحمن بن إسحاق والقاضي أحمد بن أبي داود وغيرهما فناظروه ثلاثة أيام فأمر به فضرب بالسياط إلى أن أغمي عليه ثم حمل وصار إلى منزله ولم يقلق بخلق القرآن وكان مدة مكثه في السجن الثمانية وعشرون شهراً ولم يزل يحضر الجمعة بعد ذلك والجماعة، ويفتي ويحدث حتى مات المعتصم وولي الواثق، فأظهر ما أظهر من المحنة، وقال لأحمد بن حنبل: لا تجمعن إليك أحداً ولا تساكن بلداً أنا فيه فاختفى الإمام أحمد لا يخرج إلى صلاة ولا إلى غيرها حتى مات الواثق وولي المتوكل، فأحضره وأكرمه وأطلق له مالاً، فلم يقبله ففرقه وأجرى على أهله وولده في كل شهر أربعة آلاف ولم تزل عليهم جارية إلى أن مات المتوكل وفي أيام المتوكل ظهرت السنة، وكتب إلى الآفاق برفع المحنة وإظهار السنة، وبسط أهلها، ونصرهم وتكلم في مجلسه بالسنة، ولم يزالوا أعني المعتزلة في قوة ونماء إلى أيام المتوكل، فخمدوا، ولم يكن في هذه الملة الإسلامية أكثر بدعة منهم. مشاهير المعتزلة ومن مشاهير المعتزلة الجاحظ وأبو الهذيل العلاف وإبراهيم النظام وواصل بن عطاء وأحمد بن حائط حابط وبشر بن المعتمر ومعمر بن عباد السلمي وأبو موسى عيسى الملقب بالمزداد، ويعرف براهب المعتزلة، وثمامة بن أشرس وهشام بن عمر الفوطي وأبو الحسن بن أبي عمر والخياط أستاذ الكعبي وأبو علي الجبائي أستاذ الشيخ أبي الحسن الأشعري أولاً وابنه أبو هاشم عبد السلام، هؤلاء هم رؤوس مذهب الاعتزال وغالب الشافعية أشاعرة، والغالب في الحنفية معتزلة؛ والغالب في المالكية قدرية، والغالب في الحنابلة الحشوية، ومن المعتزلة الصاحب بن عباد والزمخشري والفراء النحوي والسيرافي.

стр. 335

حكي أن بعض المطربين غنى في جماعة عند بعض الأمراء الأعاجم، فلما أطربه قال لغلامه: هات قباء لهذا المغني ولم يفهم المغني ما يقول الأمير، فقام إلى بيت الخلاؤ، وفي غيبته جاء المملوك بالقبا، فوجد المغني غائباً وقد حصل في المجلس عربدة وأمر الأمير بإخراج الجميع فقيل للمغني بعد ما أخرج؛ وهو في أثناء الطريق أن الأمير أمر لك بقباء ولم تلحقه فلما كان بعد أيام حضر عند ذلك الأمير وغنى: إذا أنت أعطيت السعادة لم تبل بضم الباء فأنكروا عليه ذلك؛ فقال في ذلك اليوم لما بلت فأتتني السعادة من الأمير فأوضحوا القضية فأعجبه ذلك وأمر له به. من لهم شهرة بين المحدثين قال الصفدي: مما له شهرة بين المحدثين غسيل الملائكة وهو حنظلة بن أبي عامر الأنصاري، خرج يوم أحد فأصيب، فقال رسول الله ﷺ : هذا صاحبك قد غسلته الملائكة، وقتيل الجن، سعد بن عبادة، وذو الشهادتين هو خزيمة بن ثابت الأنصاري، وهو شهد لرسول الله ﷺ في قضاء دين اليهودي، وذا العينين هو قتادة بن النعمان أصيبت عينيه يوم أحد، فردها رسول الله ﷺ وذو اليدين هو عبيد بن عمر الخزاعي كان يعمل بيديه معاً وذو الثدية كان باب الخوارج وكبيرهم، وجد بين القتلى يوم النهر وإن كانت إحدى يديه مخدجة كالثدي وعليها شعيرات، وذو الثفنات كان يقال ذلك لعلي بن الحسين ولعلي بن عبد الله بن عباس، لما على أعضاء السجدات منها من شبه ثفنات البعير؛ وذو السيفين هو أبو الهيثم بن التيهان لتقلده في الحرب بسيفين؛ وذات النطاقين هي أسماء بنت أبي بكر لأنها شقت نطاقها للسفرة ليلة خرج أبوها والنبي ﷺ مهاجراً إلى المدينة وسيف الله هو خالد بن الوليد ومصافح الملائكة هو عمران بن الحصين؛ وذو العمامة هو أبو أحيحة سعيد بن العاص بن أمية كان إذا لبس عمامته لم يلبس قرشي عمامته حتى ينزعها. اجتمعت بنات حبي المدينة عندها: فقالت للكبرى يا ابنة كيف تحبين أن يأخذك زوجك، فقالت: يا أم أن يقدم زوجي من سفر؛ فيدخل الحمام ثم يأتيه زواره المسلمون عليه؛ فإذا فرغ أغلق الباب وأرخى الستر فحينئذ أتى ما أرومه؛ فقالت: اسكتي ما صنعت شيئاً؛ فقالت للوسطى: فقالت: أن يقدم زوجي من سفر فيضع ثيابه وأتاه جيرانه فلما جاء الليل تطيبت له وتهيأت له ثم أخذني على ذلك فقالت: ما صنعت شيئاً فقالت للصغرى فقالت: أن يقدم زوجي من سفر وكان قد دخل الحمام وأطلى

стр. 336

ثم قدم وقد تسوك فيدخل علي ويغلق الباب ويرخي الستر فيدخل ايره في حري ولسانه في فمي واصبعه في استي فناكني في ثلاثة مواضع، فقالت اسكتي فأمك تبول الساعة من الشهوة. وله أيضاً فيم الإقامة بالزوراء لا سكني ... بها ولا ناقتي فيها ولا جمل السكن: ما يسكن إليه الإنسان، من زوج وغيره. وبقية البيت مثل من أمثال العرب، والأصل أن الصدوق العدوية كانت تحت زيد بن أخنس العدوي، وكان له بنت من غرها، تسمى القارعة، تسكن بمعزل منها في خباء آخر فغاب زيد غيبة فلهج بالقارعة رجل عدوي يدعى شبيباً فدعا لها فطاوعته وكانت تركب كل عشية جملاً لأبيها، وينطلق معه إلى بيته يبيتان فيه، فرجع زيد عن وجهته فعرج على كاهنة إسمها ظريفة. فأخبرته بريبة في بيته فأقبل سايراً لا يلوي على أحد، وإنما تخوف على امرأته حتى دخل عليها، فلما رأته عرفت الشر في وجهه، فقالت: لا تعجل واقف الأثر لا ناقة لي في هذا ولا جمل فصار ذلك مثلاً يضرب في التبري عن الشيء، قال الراعي ولا هجرتك حتى قلت معلنة: لا ناقة لي في هذا ولا جمل. لأبي مسلم الرخاساني يقال إنه رأى في حايط مسجد في بلاد الصعيد سب الثلاثة فقال: ما هذه بلاد إسلام ونظم في الوقت: ذرني وأشياء في نفسي مخبأة ... لألبسن لها درعاً وجلبابا والله لو ظفرت نفسي ببغيتها ... ما كنت عن ضرب أعناق الورى آبا حتى أطهر هذا الدين من دنسٍ ... وأوجب الحق للسادات إيجابا وأملا الأرض عدلاً بعد ما ملئت ... جوراً وأفتح للخيرات أبوابا مر الحجاج متنكراً فرأته امرأة فقالت الأمير ورب الكعبة فقال: كيف عرفتني؟ فقالت لشمائلك فقال: هل عندك ممن قرى؟ قالت نعم خبز فطير وماء نمير، فأحضرته وأكل وقال: هل لك أن تصاحبيني فتصلحي ما بيني وبين امرأتي: فقالت: هل عندك من جماع يغني؟ قال: نعم قالت: فلا حاجة لك إلى أحد يصلح بينكما؛ وقال رجل للشعبي ما تقول في رجل إذا وطىء امرأته تقول قتلتني وأوجعتني؟ فقال: أقتلها ودمها في عنقي.

стр. 337

روى الكلبي في حديث طويل عن أبي جعفر ﵁ قال السائل: يا ابن رسول الله كيف يعرف أن ليلة القدر تكون في كل سنة؟ قال إذا أترى شهر رمضان فأقرأ سورة الدخان في كل ليلة مأة مرة فإذا أتت ليلة ثلاث وعشرين، فإنك ناظر إلى تصديق الذي سألت عنه. لمؤيد الدين الطغرائي فصبراً أمين الملك إن عن حادث ... فعاقبة الصبر الجميل جميل ولا تيئسن من صنع ربك إنني ... ضمين بأن الله سوف يزيل ألم تر أن الليل بعد ظلامه ... علينا لأسفار الصباح دليل وإن الهلال النضو يقمر بعدما ... بدا؟ وهو شخت الجانبين ضئيل ولا تحسبن السيف يقصر كلما ... تعاوده بعد المضاء كلول ولا تحسبن الدوح يقلع كلما ... تمر به نفح الصبا فيميل فقد يعطف الدهر الأبي عنانه ... فيشفى عليل أو يبل غليل ويرتاش مقصوص الجناحين بعدما ... تساقط ريش واستطار نسيل ويستأنف الغصن السليب نضارة ... فيورق ما لم يعتوره ذبول وللنجم من بعد الرجوع استقامة ... وللحظ من بعد الذهاب قفول بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بحوث علمية الحمد لله الذي أطلع أنوار القرآن، فأنار أعيان الأكوان، وأظهر ببدايع البيان قواطع البرهان، فأضاء صحائف الزمان وصفائح المكان، والصلاة على الرسول المنزل عليه، والنبي الموحى إليه، الذي نزلت لتصديق قوله، وتبين فضله، " وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله " محمد المؤيد ببينات وحجج " قرآناً عررياً غير ذي عوج " وعلى آله العظام، وصحبه الكرام، ما اشتمل الكتاب على الخطاب، ورتبت الأحكام في الأبواب

стр. 338

بينما الخاطر يقتطف من أزهار أشجار الحقايق رياها ويرتشف من نقاوة سلافة كؤوس الدقائق حمياها، ما كان يقنع باقتناء اللطائف، بل كان يجتهد في التقاط النواظر من عيون الطرايف، إذا انفتحت عين النظر على غرائب سور القرآن، وانطبعت في بصر الفكر بدايع صور الفرقان، فكنت لالتقاط الدرر أغوص في لجج المعاني، وطفقت في اقتناص الغرر أعوم في بحار المباني إذ وقع المحط على آية هي معترك أنظار الأفاضل والأعالي، ومزدحم أفكار أرباب الفضائل والمعاني كل رفع في مضمارها راية، ونصب لاثبات ما سنح له فيها آية، فرأيت أن قد وقع التخالف والتشاجر والمناقشة في التعاظم والتفاخر، حتى إن بعضاً من سوابق فرسان هذا الميدان قد تناصلوا عن سهام الشتم والهذيان، فما وقفوا في موقف من المواقف أبداً وما وافق في سلوك هذا السلك أحد أحداً. ثم إني ظفرت على ما جرى بينهم من الرسائل، واطلعت على ما أوردوا في الكتب في تحقيقات الأفاضل، فاكتحلت عين الفكر من سواد أرقامهم وانفتحت حدقة النظر على عرائس نتايج أفهامهم، وكنت ناظراً بعين التأمل في تلك الأقوال إذ وقع سبوح الذهن في عقال الإشكال فأخذت أحل عقدها بأنامل الأفكار، واعتبروا دورها بمعيار الإعتبار، فرأيت أن الأسرار قد خفيت تحت الأستار، وأن الأجلة ما اعتنقوها بأيدي الأفكار، فما زلت في بساط الفكر أجول وما زال ذهني عن سمت التأمل لا يزول حتى آنست أنوار المقصود قد تلألأت عن أفق اليقين وشهدت بصحتها لسان الحجج والبراهين فرغبت أحقق المرام، وأحرر الكلام، في فناء بيت الله الحرام، راجياً منه أن لا أزل عن الصواب وأن لا أمل عن الإجتهاد في فتح هذا الباب، سائلاً منه الفوز بالاستبصار عمن لا يفتر عين فهمه عن الإكتحال بنور التحقيق، ولا يقصر شأو ذهنه عن العروج إلى معارج التدقيق فوجدت بعون الله لكشف كنوز الحقايق معيناً، ولتوضيح رموز الدقائق نوراً مبيناً، ثم جعلت كسوة المقصود مطرزاً بطراز التحرير، ليكون في معرض العرض على كل عالم نحرير مورداً ما جرى بين الأجلة عند الطراد في مضمار المناظرة، وما أفادوا بعد الإختيار بمسبار المفاكرة، مذيلاً بما سنح لي في الخاطر الفاطر، وذهني القاصر. متوكلاً على الصمد المعبود، فإنه محقق المقصود. ولما انتظم درره في سلك الإنتظام، ووسمت عليه بختم الاختتام، جعلت غرته مستنيرة بدعاء حضرت هي مقبل الأكاسرة والخواقين، ومعفر جباه أساطين السلاطين الذي خصه الله من البرايا بجميع المزايا، وأفاض عليه من سجال إفضاله أنواع العطايا جعل وفود الظفر في ركاب ركائبه، وجنود النصر مع جانب جنائبه، عم الأنام بغمام الإنعام، ومحى سواد الظلم عن بياض الأيام، وهو السلطان الأعظم والخاقان الأعدل الأكرم مالك رقاب سلاطين الأمم، خليفة الله في بلاده، وظل الله على عباده، حامي حوزة الملة الزهراء، الماحي سواد الكفر بإقامة الشريعة السمحة البيضاء، المجاهد المرابط في سبيل الله، المجتهد في إعلاء سنة رسول الله، المؤيد بلطف ال عباس بادشاه

стр. 339

الحسيني له خلد الله سبحانه على مفارق العالمين ظلال سلطنته القاهرة وشيد لإعلاء معالم الدين المتين أركان خلافته الباهرة ساطعاً عن ذروة الإقبال أشعة نيران حشمته وسطوته. صاعداً إلى أوج الجلال كواكب مواكب عظمته وشوكته. ولا زال شمس سعادته طالعة عن أفق المكرمات الإلهية مصونة عن الزوال، وبدر جلاله ثابتاً في أوج برج الشرف بالكمال، بالنبي وآله العظام وصحبه الكرام مدى الدهر والأعوام. والمسؤول من حضرته العليا ملاحظة تتضمن نيل المرام والله تعالى ولي الفضل والإنعام. قال صاحب الكشاف عند تفسير قول الله : " وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتو بسورة من مثله " متعلق بسورة صفة لها أي بسورة كائنة من مثله، والضمير لما نزلنا أو لعبدنا ويجوز أن يتعلق بقوله فأتوا والضمير للعبد إنتهى، وحاصله أن الجار والمجرور أعني من مثله، إما أن يتعلق بفأتوا على أنه ظرف لغو، أو صفة لسورة على أنه ظرف مستقر وعلى كلا التقديرين فالضمير في مثله إما عائد إلى ما نزلنا أو إلى عبدنا، فهذه صور أربع جوز ثلاثاً منها تصريحاً ومنع واحدة منها تلويحاً حيث سكت عنها وهي أن تكون الظرف متعلقاً بفأتوا والضمير لما نزلنا. ولما كانت علة عدم التجويز خفية استشكل خاتم المحققين عضد الملة والدين واستعلم عن علماء عصره بطريق الاستفتاء، وهذه عبارته نقلناها على ما هي عليه تبركاً بشريف كلامه: يا أدلاء الهدى ومصابيح الدجى، حياكم الله وبياكم وألهمنا بتحقيقه وإياكم ها أنا من نوركم مقتبس، وبضوء ناركم ملتبس، ممتحن بالقصور، لا ممتحن ذا غرور ينشد بأطلق لسان وأرق جنان. ألا قل لسكان وادي الحمى ... هنيئاً لكم في الجنان الخلود أفيضوا علينا من الماء فيضاً ... فنحن عطاش وأنتم ورود قد استبهم قول صاحب الكشاف أفيضت عليه سجائل الألطاف، من مثله متعلق بسورة صفة لها أي بسورة كائنة من مثله والضمير لما نزلنا أو لعبدنا، ويجوز أن يتعلق بقوله فأتوا والضمير للعبد، حيث جوز في الوجه الأول كون الضمير لما نزلنا تصريحاً وحصره في الوجه الثاني تلويحاً، فليت شعري ما الفرق بين فأتوا بسورة كائنة من مثل ما نزلنا وفأتوا من مثل ما نزلنا بسورة، وهل ثمة حكمة خفية؟ أو نكتة معنوية؟ أو هو تحكم بحت؟ بل هذا مستبعد من مثله، فإن رأيتم كشف الريبة وإحاطة الشبهة والإنعام بالجواب أثبتم أجزل الأجر والثواب.

стр. 340

ثم كتب الفاضل الجار بردي في جوابه كلاماً معقداً في غاية التعقيد، لا يظهر معناه ولا يطلع أحد على مغزاه، رأينا أن إيراده في أثناء البحث يشتت الكلام ويبعد المرام فأوردناه في ذيل المقصود مع ما رده خاتم المحققين. وقال العلامة التفتازاني في شرحه للكشاف، الجواب عن هذا أمر تعجيز باعتبار المأتي به والذوق شاهد بأن تعلق من مثله بالإتيان يقتضي وجود المثل ورجوع العجز إلى أن يؤتى منه بشيء، ومثل النبي في البشرية والعربية موجودة، بخلاف مثل القرآن في البلاغة والفصاحة، وأما إذا كان صفة السورة فالعجوز عنه هو الإتيان بالسورة الموصوفة ولا يقتضي وجود المثل بل ربما يقتضي انتفاؤه حيث يتعلق به أمر التعجيز، وحاصله أن قولنا إيت من مثل الحمساة ببيت يقتضي وجود المثل، بخلاف قولنا إيت ببيت من مثل الحماسة إنتهى كلامه. وأقول لا يخفى أن قوله يقتضي وجود المثل ورجوع العجز إلى أن يؤتى منه بشيء يفهم أنه اعتبر مثل القرآن كلاً له أجزاء، ورجع التعجيز إلى الإتيان بجزء منه، ولهذا مثل بقوله إيت من الحماة الحماسة ببيت فكان المثل كتاباً أمر بالإتيان ببيت منه على سبيل التعجيز وإذا كان الأمر على هذا النمط فلا شك أن الذوق يحكم بأن تعلق من مثله بالإتيان يقتضي وجود المثل ورجوع العجز إلى أن يؤتى بشيء منه، لأن الأمر بالإتيان بجزء الشي يقتضي وجود الشيء أولاً وهذا مما لا ينكر وأما إذا جعلنا مثل القرآن كلياً يصدق على كله وبعضه وعلى كل كلام يكون في طبقة البلاغة القرآنية فلا نسلم أن الذوق يشهد بوجود المثل ورجوع العجز إلى أن يؤتي بشيء منه بل الذوق يقتضي أن لا يكون لهذا الكلي فرد يتحقق والأمر راجع إلى الإتيان بفرد من هذا الكلي على سبيل التعجيز ومثل هذا يقع كثيراً في محاورات الناس مثلاً إذا كان عند رجل ياقوتة ثمينة في الغاية قل ما يوجد مثلها يقول في مقام التصلف من يأتي من مثل هذه الياقوتة بياقوتة أخرى؟ ويفهم الناس منه أنه لا يوجد فرد آخر من نوعه، فظهر أنه على هذا التقدير لا يلزم تعلق من مثله بقوله فأتوا أن يكون مثل القرآن موجوداً فلا محذور ألا ترى أنهم لو آتوا على سبيل الفرض بأدنى سورة متصفة بالبلاغة القرآنية لصدق أنهم آتوا بسورة من مثل القرآن مع عدم وجوب كتاب مثل القرآن، وأما المثال المقيس عليه أعني قوله إيت من مثل الحماسة ببيت فهذا لا يطابق الفرض إلا إذا جعل مثل القرآن كلا فإن الحماسة تطلق على مجموع الكتاب فلابد أن يكون مثله كتاباً آخر أيضاً وحينئذ يلزم المحذور وأما القرآن فإن له مفهوماً كلياً يصدق

стр. 341

على كل القرآن وأبعاضه وأبعاض أبعاضه إلى حد لا يزول عنه البلاغة القرآنية، وحينئذ يكون الغرض منه المفهوم الكلي وهو نوع من أنواع البليغ فرده القرآن أمر بإتيان فرد من هذا النوع فلا محذور. وقال في شرحه المختصر على التلخيص قلت: لأنه يقتضي ثبوت مثل القرآن في البلاغة وعلو الطبقة بشهادة الذوق، إذ العجز إنما يكون عن المأتي به فكان مثل القرآن ثابت لكنهم عجزوا من أن يأتوا منه بسورة، بخلاف ما إذا كان وصفاً للسورة فإن المعجوز عنه هو السورة الموصوفة باعتبار انتفاء الوصف، فإن قلت: فليكن العجز باعتبار انتفاء المأتي به قلت: احتمال عقلي لا يسبق إلى الفهم ولا يوجد له مساغ في اعتبارات البلغا واستعمالاتهم فلا اعتداد به إنتهى كلامه. وأقول: لا يخفى أن كلامه ها هنا مجمل ليس نصاً فيما قصد به في كلامه في شرح الكشاف، وحينئذ نقول إن أراد بقوله إذ العجز إنما يكون عن المأتي مستلزم فكان مثل القرآن أن العجز باعتبار المأتي به لأن يكون مثل القرآن موجوداً ويكون العجز عن الإتيان بسورة منه بشهادة الذوق مطلقاً فهو ممنوع لأنه إنما يشهد الذوق بلزوم ذلك إذا كان المأتي به أعني مثل القرآن كلاً له أجزاء والتعجيز باعتبار الإتيان بجزء منه كما قررنا سابقاً وإن أراد أنه إنما يلزم بشهادة الذوق إذا كان المأتي منه كلاً له أجزاء فهو مسلم لكن كونه مراد ها هنا ممنوع بل المراد ها هنا أن المأتي منه نوع من أنواع الكلام، والتعجيز راجع إليه باعتبار الأمر بإتيان فرد آخر منه، كما صورناه في مثال الياقوتة فتذكر. قال المدقق صاحب الكشف في شرحه على هذا الموضع من كلام الكشاف ويجوز أن يتعلق بفأتوا والضمير للعبد إما أن يتعلق بسورة صفة لها فالضمير للعبد، أو للمنزل على ما ذكره وهو ظاهر، ومن بيانية أو تبعيضية على الأول، لأن السورة المفروضة بعض المثل المفروض والأول أبلغ ولا يحمل على الإبتداء على غير التبعيضية أو البيان فإنهما أيضاً يرجعان إليه على ما أثر شيخنا الفاضل ﵀، وابتدائية على الثاني، وأما إذا تعلق بالأمر فهي ابتدائية والضمير للعبد، لأنه لا يتبين إذ لا مبهم قبله، وتقديره رجوع إلى الأول ولأن البيانية أبداً مستقر على ما سيجيء إن شاء الله فلا يمكن تعلقها بالأمر ولا تبعيض، إذا الفعل يكون واقعاً عليه كما في قولك أخذت من المال، وإتيان البعض لا معنى له بل الإتيان بالبعض فتعين الإبتداء ومثل السورة والسورة نفسها أن جعلا مقحمين لا يصلحان مبدءاً بوجه. أقول: فتعين أن يرجع الضمير إلى العبد، وذلك لأن المعتبر في هذا الفعل المبدأ الفاعلي المادي أو الغائي أو جهة تلبس بها ولا يصح واحد منها، فهذا ما لوح إليه العلامة وقد كفت بهذا البيان إتمامه انتهى كلامه.

стр. 342

أقول: حاصل كلامه أنه بسبيل السبر والتقسيم حكم بتعيين من للابتداء، ثم بين أن مبتدائية من لا يصلح ها هنا إلا للعبد، فتعين أن يكون الضمير راجعاً إليه ولا يخفى أن قوله ولا تبعيض إذا الفعل حينئذ يكون واقعاً عليه الخ محل تأمل، إذ وقوع الفعل عليه لا يلزم أن يكون بطريق الأصالة لم لا يجوز أن يكون بطريق التبعية؟ مثل أن يكون بدلاً فإنكم لما جوزتم أن يكون في المعنى مفعولاً صريحاً كما قررتم في أخذت من الدراهم، أنه أخذت بعض الدراهم، لم لا تجوزون أن يكون بدلاً عن المفعول؟ فكأنه قال بسورة بعض ما نزلنا، فيكون البعضية المستفادة من من ملحوظة على وجه البدلية، ويكون الفعل واقعاً عليه، فيكون في حيز الباء وإن لم يمكن تقدير الباء عليه، إذ قد يحتمل في التابعية ما لا يحتمل في المتبوعية، كما في قولهم رب شاة وسخلتها، لابد لنفي هذه من دليل. ثم على تقدير التسليم تقول: قوله: لأن المعتبر في مبدئية الفعل المبدء الفاعلي إلى آخره محل بحث، لأن التعميم الذي في قوله أو جهة يلتبس بها غي منضبط، لأن جهات التلبس أكثر من أن تحصى من جهة الكمية، ولا ينتهي إلى حد من الحدود من جهة الكمية، ولا ينتهي إلى حد من الحدود من جهة الكيفية: ولا يخفى أن كون مثل القرآن مبدءاً مادياً للسورة من جهة التلبس أمر يقبله الذهن السليم والطبع المستقيم. على أنك لو حققت معنى الإبتدائية يظهر لك أن ليس معناه إلا أن يتعلق به على وجه اعتبار المبدئية الأمر الذي اعتبر له ابتداء حقيقة أو توهماً، وقد ذكر العلامة التفتازاني كلام الكشف للرد وقال: في أثناء الرد على أن كون مثل القرآن مبدءاً مادياً للإتيان بالسورة ليس أبعد من كون مثل العبد مبدءاً فاعلياً انتهى. أقول: لا يخفى أن مثل العبد باعتبار الإتيان بالسورة منه هو مبدء فاعلي للسورة حقيقة لأنه لو فرض وقوعه لا يكون العبد إلا مؤلفاً لتلك السورة مخترعاً لها فيكون مبدءاً فاعلياً حقيقياً لها؛ وأما مثل القرآن فلا يكون مبدءاً مادياً للسورة إلا باعتبار التلبس المصحح للسببية، فهو أبعد منه غاية البعد؛ بل ليس بينهما نسبة فإن أحدهما بالحقيقة والآخر بالمجاز وأين هذا من ذاك؟ نعم كون مثل القرآن مبدءاً مادياً ليس بعيداً في نظر العقل باعبار التلبس؛ تأمل وأنصف. قال الفاضل الطيبي: لا يقال: إنه جعل من مثله صفة لسورة فإن كان الضمير للمنزل فهي للبيان، وإن كان للعبد فهي للابتداء وهو ظاهر، فعلى هذا إن تعلق قوله من مثله بقوله فأتوا فلا يكون الضمير للمنزل لأنه يستدعي كونه للبيان، والبيان يستدعي تقديم مبهم ولا تقديم فتعين أن يكون للابتداء لفظاً أو تقديراً أي اصدروا وأنشؤا واستخرجوا من مثل العبد بسورة لأن مدار الإستخراج هو العبد لا غير فلذلك تعين في الوجه الثاني عود الضمير إلى العبد لأن هذا وأمثاله ليس بوافٍ. ولذلك تصدى بعض الفضلاء وقال: قد

стр. 343

استبهم قول صاحب الكشاف حيث جوز في الوجه الأول كون الضمير لما نزلنا تصريحاً وبحصره في الوجه الثاني تلويحاً. فليت شعري ما الفرق بين فأتوا بسورة كائنة من مثل ما نزلناه وفأتوا من مثل ما نزلنا بسورة؟ وأجيب بأنك إذا اطلعت على فرق بين قولك لصاحبك ائت برجل من البصرة أي كائن منها وبين قولك أئت من البصرة برجل عثرت على الفرق بين المثالين وزال عنك التردد والإرتياب. ثم نقول: إن من إذا تعلق بالفعل يكون إما ظرفاً لغواً ومن للابتداء، أو مفعولاً به ومن للتبعيض، إذ لا يستقيم أن يكون بياناًن لاقتضائه أن يكون مستقراً ولمقدار خلافه وعلى تقدير أن يكون تبعيضياً فمعناه فأتوا بعض مثل المنزل بسورة وهو ظاهر البطلان، على تقدير أن يكون ابتداء لا يكون المطلوب بالتحدي الإتيان بالسورة فقط، بل بشرط أن يكون بعضاً من كلام مثل القرآن وهذا على تقرير استقامته بمعزل عن المقصود، واقتضاء المقام يقتضي التحدي على سبيل المبالغة، وأن القرآن بلغ في الإعجاز بحيث لا يوجد لأقله نظير فكيف للكل فالتحدي إذاً بالسورة المووفة بكونها من مثله في الإعجاز، وهذا إنما يتأتي إذا جعل الضمير لما نزلنا ومن مثله صفة لسورة ومن بيانية فلا يكون المأتي به مشرواً بذلك الشرط، لأن البيان والمبين كشيء واحد كقوله تعالى: " فاجتنبوا الرجس من الأوثان " ويعضده قول المصنف في سورة الفرقان إن تنزيله مفرقاً وتحديهم بأن يأتوا ببعض تلك التفاريق كما نزل شيء منها أدخل في الإعجاز وأنور للحجة من أن ينزل كله جملة واحدة فيقال لهم جيئوا بمثل هذا الكتاب في فصاحته مع بعد ما بين طرفيه أو طوله إنتهى. وأقول: هذا الكلام مع طول ذيله قاصر عن إقامة المرام كما لا يخفى على من له بالفنون أدنى إلمام فلا علينا أن نشير إلى بعض ما فيه، فنقول: قوله: وعلى تقدير أن يكون تبعيضياً فمعناه فأتوا بعض مثل المنزل بسورة وهو ظاهر البطلان فيه بحث، لأن بطلانه لا يظهر إلا على تقريره، حيث غير النظم بتقديم معنى من على قوله بسورة، وهذا فساد بلا ضرورة فلو قال: فأتوا بسورة مثل بعض المنزل على ما هو النظم القرآني فهو في غاية الصحة والمتانة وحينئذ يكون قول بعض مثل المنزل بدلاً فيكون معمولاً للفعل على ما حققناه سابقاً حيث قررنا على كلام صاحب الكشف فارجع وتأمل. ثم قوله وعلى تقدير أن يكون ابتداء لا يكون المطلوب بالتحدي الإتيان بسورة

стр. 344

فقط بل بشرط أن يكون بعضاً من كلام مثل القرآن فيه نظر، لأن الإتيان من المثل لا يقتضي أن يكون من الكلام مثل القرآن بل يكون المأتي جزءاً منه: بل يقتضي أن يكون من نوع من الكلام غالباً في البلاغة إلى حيث انتهى به البلاغة القرآنية، والمأتي به يكون فرداً من أفراده ولعمري إنه ما وقع في هذا إلا لأنه جعل المثل كلاً له أجزاء لا كلياً له أفراد كما فصلناه سابقاً في مثال الياقوتة حيث أوردنا الكلام على العلامة التفتازاني، فلا يحتاج إلى الإعادة، وظني أم منشأ كلام العلامة التفتازاني ليس إلا كلام الفاضل الطيبي تأمل وتدبر. وقد يجاب بوجوه آخر، في غاية الضعف ونهاية الزيف أوردها العلامة التفتازاني في شرح الكشاف وبين ما فيها رأينا أن في نقلها على ما هي عليها استيعاباً للأقوال وليكن للمتأمل في هذه الآية زيادة بصيرة. الأول: إنه إذا تعلق بفأتوا فمن للابتداء إذ لا مبهم تبين ولا سبيل إلى البعضية لأنه لا معنى لإتيان البعض ولا مجال لتقدير الباء مع من كيف وقد ذكر المأتي به صريحاً وهو الصورة، وإذا كانت من للابتداء تعين كون الضمير للعبد لأنه المبدأ للإتيان بالكلام في التكلم، على أنك إذا تأملت فالمتكلم ليس مبدأ للإتيان بكلام غيره بل بكلام نفسه، بل معناه أنه يتصل به الأمر الذي اعتبر له امتداد حقيقة أو توهماً كالبصيرة للخروج، والقرآن للإتيان بسورة منه. الثاني: إذا كان الضمير لما نزلنا ومن صلة فأتوا كان المعنى فأتوا من منزل مثله بسورة، فكان مماثلة ذلك المنزل بهذا المنزل هو المطلوب لا مماثلة سورة واحدة منه بسورة من هذا، وظاهر أن المقصود خلافه كما نطقت به الآي الأخر وفيه نظر، لأن إضافة المثل إلى المنزل لا يقتضي أن يعبر موصوفه منزلاً، ألا ترى أنه إذا جعل صفة سورة لم يكن المعنى من منزل مثل القرآن بل من كلام وكيف يتوهم ذلك؟ والمقصود تعجيزهم عن أن يأتوا من عند أنفسهم بكلام من مثل القرآن، ولو سلم فما ادعاه من لزوم خلاف المقصود غير بين ولا مبين. الثالث: أنها إذا كانت صلة فأتوا كان المعنى فأتوا من عند المثال كما يقال ائتوا من زيد بكتاب أي من عنده ولا يصح من مثل القرآن، بخلاف مثل العبد وهذا أيضاً بين الفساد إنتهى. وقد ألهمت لحل الكلام في فناء بيت الله الحرام ما إذا تأملت فيه عسى أن يتضح المرام فأقول: وبالله التوفيق، وبيده أزمة التحقيق،

стр. 345

إن الآية الكريمة ما أنزلت إلا للتحدي وحقيقة التحدي هو طلب المثل عمن لا يقدر على الإتيان به، فإذا قال المتحدي: فأتوا بسورة بدون قوله من مثله، كل أحد يفهم منه أنه يطلب سورة من مثل كل القرآن، وإذا قال: أيتوا من مثله بدون قوله بسورة كل أحد يفهم منه أنه يطلب من مثل القرآن ما يصدق عليه أنه مثل القرآن، أي قدر كان، سورة أو أقل منها أو أكثر، وإذا أراد المتحدي الجمع بين قوله بسورة وبين قوله من مثله فحق الكلام أن يقدم من مثله ويؤخر بسورة، ويقول: فأتوا من مثله بسورة، حتى يتعلق الأمر بالإتيان من المثل أولاً بطريق العموم وكان بحيث لو اكتفى به لكان المقصود حاصلاً، والكلام مفيداً لكن تبرع ببيان قدر المأتي به فقال بسورة فيكون من قبيل التخصيص بعد التعميم في الكلام والتبيين بعد الإبهام في المقام. وهذا الأسلوب مما يعني به البلغاء. وأما إذا قال فأتوا بسورة من مثله على أن يكون من مثله متعلقاً بفأتوا يكون في الكلام حشواًن وذلك لأنه لما قال بسورة: عرف أن المثل هو المأتي منه، فذكر من مثله على أن يكون متعلقاً بفأتوا يكون في الكلام حشواً وكلام الله منزه عن هذا. فلهذا حكم بأنه وصف للسورة. وتلخيص الكلام أن التحدي بمثل هذه العبارة يقع على أربعة أساليب: الأول تعيين المأتي فقط، الثاني تعيين المأتي منه فقط، الثالث الجمع بينهما على أن يكون المأتي منه مقدماً والمأتي به مؤخراً، والرابع العكس ولا يخفى على من له بصيرة في نقد الكلام أن الأساليب الثلاث الأول مقبولة عند البلغاء، والأخير مردود ويبقى ذكر المأتي منه بعد ذكر المأتي به حشواً هذا إذا جعل المأتي منه مفهوم المثل. وأما إذا كان المأتي منه مكاناً أو شخصاً أو شيئاً آخر مما لا يدل عليه التحدي فذكره مفيد قدم أو أخر، ولذلك جوز العلامة صاحب الكشاف أن يكون من مثله متعلقاً بفأتوا حيث كان الضمير راجعاً إلى عبدنا. والحاصل أنه إذا جعل المثل المأتي منه فإذا أريد الجمع بين المأتي منه والمأتي به فلا بد من تقديم المأتي منه على المأتي به، ولا يكون الكلام ركيكاً وأما إذا كان المأتي منه شيئاً آخر فالتقديم والتأخير سواء. وما يؤيد هذا المعنى ما أفاده المحققون في قول القائل عند خروجه من بستان المخاطب، أكلت من بستانك من العنب أنه لو: قال أكلت من العنب من بستانك، يكون الكلام ركيكاً بناء على أنه لما قال أكلت من العنب علم أنه أكل من البستان، فقوله من بستانك يبقى لغواً وأما إذا قال: أولاً من بستانك أفاد أنه أكل من البستان بعد أن لم يكن معلوماً ولكن بقي الإبهام في المأكول منه فلما قال من العنب

стр. 346

رفع الإبهام. هاذا وإن لم يكن مثالاً لما نحن فيه لكن تنظير، إذا تأملت فيه تأنست بالمطلوب، الذي نحن بصدده لا يقال، فعلى هذا جعله وصفاً أيضاً لغو بناء على أن التحدي يدل عليه. لأنا نقول: لاشك أن التحدي يدل على أن السورة المأتي بها هي السورة المماثلة، فإذا قيل من مثله مقدماً فيه إبهام وإجمال من حيث المقدار، فإذا قيل بسورة تعين المقدار المأتي به حينئذ وقوله بسورة لا يفيد إلا تعيين المقدار المبهم إذ بعد أن فهم المماثلة من صريح الكلام يضمحل دلالة السياق فلا يلاحظ قوله بسورة غلا من حيث أنه تفصيل بعد الإجمال، فلا يكون في الكلام حشو مستغنى عنه، وأما إذا قيل مؤخراً فإن جعلت وصفاً للسورة فقد جعلت ما كان مفهوماً بالسياق منطوقاً في الكلام بعينه وهذا في باب النعت إذا كان لفائدة لا تنكر كما في قولهم أمس الدابر وأمثاله، وأما إذا جعلت متعلقاً بفأتوا فدلالة السياق باقية على حالها إذ هي المقدمة على التصريح بالمماثل، ثم صرحت بذكر المماثلة فكأنك قلت فأتوا بسورة من مثله من مثله مرتين، على أن يكون الأول وصفاً والثاني ظرفاً لغواً وهو حشو في الكلام بلا شبهة. فإن قلت فما الفائدة إذا جعلناه وصفاً للسورة قلت: الفائدة جليلة وهي التصريح بمنشأ التعجيز فإنه ليس إلا وصف المماثلة، وعند ملاحظة منشأ التعجيز أعني المثلية يحصل الانتقال إلى أن القرآن معجز، والحاصل أن الغرض من إتيان الوصف تحقيق مناط عليه كون القرآن معجزاً حتى يتأملوا بنظر الاعتبار فيرتدعوا عماهم فيه من الريب والإنكار. هذا ما سنح في الخاطر الفاتر والمرجو من الأفاضل النظر بعين الإنصاف، والتجنب عن العناد والإعتساف، فلعمري إن الغور فيه لعميق، والمسلك إليه لدقيق، والله المستعان وعليه التكلان والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله أجمعين الطيبين الطاهرين. من تفسير الكبير للإمام الرازي: المسألة الخامسة: الضمير في مثله إلى ماذا يعود؟ فيه وجهان: أحدهما إنه عائد إلى ما في قوله مما نزلنا أي فأتوا بسورة مما هو على صفته في الفصاحة وحسن النظم، والثاني أنه عائد إلى عبدنا أي فأتوا ممن هو على حاله من كونه بشراً أمياً لم يقرأ الكتب، ولم يأخذ عن العلماء، والأول مروي عن عمرو بن مسعود وابن عباس والحسن وأكثر المحققين. ويدل عليه وجوه: أولها أن ذلك يطابق لساير الآيات الواردة في باب التحدي لاسيما ما ذكره في يونس فأتوا بسورة مثله.

стр. 347

والثاني أن البحث إنما في المنزل لأنه قال: وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فوجب صرف الضمير إليه، ألا ترى أن المعنى وإن ارتبتم في أن القرآن منزل من عند الله فهاتوا أنتم شيئاً مما يماثله، وقصة الترتيب لو كان الضمير مردوداً إلى رسول الله ﷺ أن يقال وإن ارتبتم في أن محمداً منزلاً عليه: فهاتوا قرآناً من مثله. وثالثها أن الضمير لو كان عائداً إلى القرآن لاقتضى كونهم عاجزين في الإتيان بمثله سواء اجتمعوا أو انفردوا وسواء كانوا أميين أو عالمين محصلين، أما لو كان عائداً إلى محمد ﷺ فذلك لا يقتضي إلا كون آحادهم من الأميين عاجزين عنه، لأنه لا يكون مثل محمد ﷺ إلا الشخص الواحد الأمي، فأما لو اجتمعوا أو كانوا قادرين مثل محمد ﷺ فذلك لا يقتضي إلا كون آحادهم من الأميين عاجزين عنه، لأنه لا يكون مثل الأمي ولا شك أن الإعجاز على الوجه الأول أقوى. ورابعها: إنا لو صرفنا الضمير إلى القرآن فكونه معجزاً إنما يحصل لكمال حاله في الفصاحة أما لو صرفنا إلى محمد ﷺ فكونه معجزاً إنما يكمل بتقدير كمال حاله في كونه أمياً بعيداً عن العلم، وهذا وإن كان معجزاً أيضاً إلا أنه لما كان لا يتم إلا بتقرير يوهم من النقصان في حق محمد ﷺ كان الأول أولى. وخامسها: إنا لو صرفنا الضمير إلى محمد ﷺ لكان ذلك يوهم أن صدور مثل القرآن عمن لم يكن مثل محمد ﷺ في كونه أمياً ليس ممتنعاً، ولو صرفناه إلى القرآن لدل ذلك على أن صدوره عن الأمي ممتنع وكان هذا أولى. منقول من حواشي الكشاف للقطب ﵀ إذا تعلق من مثله بسورة وقد تقدم أمران المنزل، والمنزل إليه جاز أن يرجع الضمير إلى المنزل ويكون من للتبيين وللتبعيض أي فأتوا بالسورة التي هي مثل المنزل أو بسورة بعض مثله وجاز أن يرجع إلى المنزل عليه وهو العبد وحينئذ تكون من للإبتداء لأن مثل العبد مبدأ للإتيان ومنشؤه، أما إذا تعلق بقوله: فأتوا فالضمير للعبد، لأن من، لا يجوز أن تكون للتبيين، لأن من البيانية تستدعي مبهماً تبينه فتكون صفة له فتكون ظرفاً مستقراً، وإذا تعلق بفأتوا تكون ظرفاً لغواً فيلزم أن تكون ظرفاً واحداً مستقراً ولغواً وإنه محال، ولا يجوز أن تكون من للتبعيض، وإلا لكان مفعول فأتوا لكن مفعول فأتوا لا يكون إلا بالباء، فلو كان مثل مفعول فأتوا لزم دخول الباء في من وإنه غير جائز، فعين أن تكون من للإبتداء فيكون الضمير راجعاً إلى العبد لأن مثل العبد هو مبدء الإتيان لا مثل القرآن، وبهذا يضمحل وهم من لم يفرق بين فأتوا بسورة من مثل ما نزلنا وبين فأتوا من مثل ما نزلنا بسورة.

стр. 348

لجامعه وثقت بعفو الله أعني في غد ... وإن كنت أدري أنني المذنب العاصي وأخلصت حبى في النبي وآله ... كفى في خلاصي يوم حشري إخلاصي هذا آخر مجلد الثاني من الكشكول على طبق النسخ التي طبعت من قبل. المجلد الثاني

стр. 349

بسم الله الرحمن الرحيم قال سيد البشر والشفيع المشفع في المحشر، صلوات اله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: الدنيا دار بلاء، ومنزلة بلغة وعناء، قد نزعت عنها نفوس السعداء، وانتزعت بالكره من أيدي الأشقياء، فأسعد الناس بها أرغبهم عنها، وأشقاهم بها أرغبهم فيها، فهي الغاشة لمن استنصحها، والمغوية لمن أطاعها، الفائز من أعرض عنها، والهالك من هوى فيها، طوبى لعبد اتقى فيها ربه، وقدم توبته وغلب شهوته، من قبل أن تليقيه الدنيا إلى الآخرة فيصبح في بطن موحشة غبراء مدلهمة ظلماء لا يستطيع أن يزيد في حسنة ولا ينقص من سيئة، ثم ينشر فيحشر إما جنة يدوم نعيمها أو إلى نار لا ينفذ عذابها. في الحديث عن النبي ﷺ : قال الله تعالى إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني أبو حمزة الثمالي: قال رأيت علي بن الحسينم ﵉ يصلي وقد سقط رداؤه عن منكبه، فلم يسوه حتى فرغ من صلاته، فقلت له في ذلك فقال ويحك أتدري بين يدي من كنت؟ إن العبد لا يقبل منه صلاة إلا ما أقبل فيها، فقلت: جعلت فداك، هلكنا إذن، فقال: كلا، إن الله يتم ذلك بالنوافل: لبعض الأعراب في تصميم العزائم: إذا هم ألقى بين عينيه عزمه ... ونكب عن ذكر العواقب جانبا ولم يستشر يفي أمره غير نفسه ... ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا ولبعضهم في هذا المعنى: سأغسل عن العار بالسيف جالبا ... علي قضاء الله ما كان جالبا وتصغر في عيني بلادي إذا انثنت ... يميني بإدراك الذي كنت طالبا من خط س عن عنوان البصري وكان شيخا فد أتى عليه أربع وتسعون سنة قال:

стр. 350

كنت أختلف إلى مالك بن أنس، فلما قدم جعفر بن محمد الصادق ﵉ اختلفت إليه وأحببت أن آخذ عنه كما أخذت عن مالك، فقال لي يوما، إني رجل مطلوب، ومع ذلك لي أوراد في كل ساعة في آناء الليل وأطراف النهار، فلا تشغلني عن وردي، وخذ عن مالك واختلف إليه كما كنت تختلف، فاغتممت من ذلك وخرجت من عنده وقلت في نفسي: لو تفرس في خيرا ما زجرني عن الاختلاف إليه والأخذ عنه، فدخلت مسجد الرسول ﷺ وسلمت عليه، ثم رجعت من الغد إلى الروضة وصليت فيها ركعتين وقلت: أسألك يالله يا الله أن تعطف علي قلب جعفر، وترزقني من عليه ما أهتدي به إلى صراطك المستقيم، ورجعت إلى داري مغتما، ولم أختلف إلى مالك بن أنس لما أشرب قلبي من حب جعفر، فما خرجت من داري إلا للصلاة المكتوبة، حتى عيل صبري فلما ضاق صدري تنعلت وترديت وقصدت جعفراً ﵁ وكان بعد ما صليت العصر فلما حضرت باب داره استأذنت عليه، فخرج خادم له فقال: ما حاجتك؟ فقلت: السلام على الشريف، فقال: هو قائم في مصلاه فجلست بحذاء بابه، فما لبثت إلا يسيراً إذا خرج خادم فقال: ادخل على بركة الله فدخلت وسلمت عليه، فرد علي السلام وقال: إجلس غفر الله لك فجلست فأطرق ملياً ثم رفع رأسه فقال: أبو من؟ قلت: أبو عبد الله، قال: ثبت الله كنيتك وفقك يا أبا عبد الله ما مسألتك؟ فقلت في نفسي: لو لم يكن في زيارته والتسليم عليه غير هذا الدعاء لكان كثيراً، ثم رفع رأسه فقال: ما مسألتك؟ قلت: سألت الله أن يعطف علي قلبك ويرزقني من علمك وأرجو أن الله تعالى أجابني في الشريف ما سألته. فقال: يا أبا عبد الله ليس العلم بالتعلم وإنما هو نور يقع على قلب من يريد الله ﵎ أن يهديه، فإن أردت العلم فاطلب أولاً في نفسك حقيقة العبودية، واطلب العلم باستعماله، واستفهم الله يفهمك. قلت: يا شريف: قال: قل: يا أبا عبد الله، قلت: يا أبا عبد الله ما حقيقة العبودية؟ قال: ثلاثة أشياء: أن لا يرى العبد لنفسه فيما خوله الله ملكاً، لأن العبيد لا يكون لهم ملك، يورن المال مال الله يضعونه حيث أمر الله به، ولا يدبر العبد لنفسه تدبيراً، وجعل اشتغاله فيما أمر الله تعالى به ونهاه عنه، فإذا لم ير العبد لنفسه فيما خوله الله ملكاً هان عليه الإنفاق فيما أمره الله تعالى أن ينفق فيه، وإذا فوض العبد تدبير نفسه إلى مدبره هان عليه مصايب الدنيا، وإذا اشتغل العبد بما أمره الله تعالى ونهاه لا يتفرغ منهما إلى المراء والمباهاة مع الناس وإذ أكرم الله العبد بهذه الثلاثة هان عليه الدنيا، وإبليس، والخلق، ولا يطلب الدنيا تكاثراً أو تفاخراً ولا يطلب ما عند الناس عزاً وعلواً ولا يدع أيامه باطلاً فهذا أول درجة التقى. قال الله تعالى: " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين "

стр. 351

قلت يا أبا عبد الله أوصني فقال: أوصيك بتسعة أشياء: فإنها وصيتي لمريدي الطريق إلى الله تعالى والله أسأل أن يوفقك لاستعماله، ثلاثة، منها في رياضة النفس، وثلاثة منها في الحلم، وثلاثة منها في العلم، فاحفظها وإياك والتهاون بها. قال عنوان: ففرغت قلبي له قال: أما اللواتي في الرياضة فإياك أن تأكل ما لا تشتهيه فإنه يورث الحماقة والبله، ولا تأكل إلا عند الجوع، وإذا أكلت فكل حلالاً، وسم الله، وذكر حديث الرسول: ما ملأ آدمي وعاء شراً من بطنه، فإن كان ولابد، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه. فأما اللواتي في الحلم، فمن قال لك إن قلت واحدة سمعت عشراً، فقل له: إن قلت عشراً لم تسمع واحدة. ومن شتمك فقل: إن كنت صادقاً فيما تقول فأسأل الله أن يغفر لي وإن كنت كاذباً فيما تقول فأسأل الله أن يغفر لك، ومن وعدك بالخنا فعده بالنصيحة والدعاء. وأما اللواتي في العلم فاسأل العلماء ما جهلت، وإياك أن تسألهم تعنتاً وتجربة وإياك أن تعمل برأيك شيئاً وخذ بالاحتياط في جميع ما تجد إليه سبيلاً، واهرب من الفتيا هربك من الأسد ولا تجعل رقبتك في الناس جسراً: قم عني يا أبا عبد الله فقد نصحت لك ولا تفسد علي وردي فإني امرؤ ضنين بنفسي، والسلام على من اتبع الهدى منقولة كله من خط س. إن أرباب الأرصاد الروحانية أعلى شأناً وأرفع مكاناً من أصحاب الأرصاد الجسمانية فصدق هؤلاء أيضاً فيما ألقوه إليك مما دلت عليه أرصادهم، وأدى إليه اجتهادهم، كما تصدق أولئك السيد الرضي. خذي نفسي يا ريح من جانب الحمى ... ولاقي بها ليلاً نسيم ربى نجد فإن بذاك الحي حبي عهدته ... وبالرغم من أن يطول به عهدي ولولا تداوي القلب من ألم الجوى ... بذكر تلاقينا قضيت من الوجد في الحديث لا يترك الناس شيئاً من أمر دينهم لاستصلاح دنياهم إلا فتح الله عليهم ما هو أضر منه. النفوس أربعة عن كميل بن زياد قال: سألت مولانا أمير المؤمنين ﵁ فقلت: يا أمير المؤمنين أريد أن تعرفني نفسي فقال: يا كميل وأي الأنفس تريد أن أعرفك؟ قلت: يا مولاي وهل هي إلا نفس واحدة؟ قال ﵁: يا كميل إنما هي أربعة: النامية النباتية، والحسية

стр. 352

الحيوانية والناطقة القدسية، والكلية الإلهية، ولكل واحدة من هذه خمس قوى وخاصيتان: فالنامية النباتية لها خمس قوى: ماسكة، وجاذبة، وهاضمة، ودافعة، ومربية، ولها خاصيتان الزيادة والنقصان، وانبعاثها من الكبد. والحسية الحيوانية لها خمس قوى: سمع، وبصر، وشم، وذوق، ولمس، ولها خاصيتان: الرضا والغضب وانبعاثها من القلب. والناطقة القدسية لها خمس قوى: فكر، وذكر وعلم، وحلم، ونابهة، وليس لها انبعاث وهي أشبه الأشياء بالنفوس الملكية ولها خاصيتان: النزاهة والحكمة. والكلية الإلهية لها خمس قوى؛ بقاء في فناء ونعيم في شقاء وعز في ذل وفقر في غناء وصبر في بلاء، ولها خاصيتان: الرضا والتسليم. وهذه هي التي مبدؤها من الله وإليه تعود قال الله تعالى: " ونفخت فيه من روحي " وقال الله تعالى: " يا أيتها النفس المطمئنة إرجعي إلى ربك راضية مرضية " والعقل وسط الكل. تعريف القدر في النهج إن أمير المؤمنين علياً ﵁ سئل عن القدر فقال: طريق مظلم فلا تسلكوه، ثم سئل ثانياً فقال: بحر عظيم فلا تلجوه، ثم سئل ثالثاً فقال: سر الله فلا تتكلفوه. سمع رجلان سلعة ينادي عليها فقال: أحدهما للآخر إن أعطيتني ثلث ما معك وضممته إلى ما معي تم لي ثمنها، وقال الآخر: إن ضممت ربع ما معك إلى ما معي تم لي ثمنها طريق هذه المسألة وأمثالها أن تضرب مخرج الثلث في مخرج الربع وتنقص من الحاصل واحداً فالباقي ثمنها، فينقص من الحاصل ثلثه يبقى ما مع أحدهما وهو ثمانية ثم ربعه يبقى ما مع الآخر وهو تسعة. مواعظ مؤثرة قال أمير المؤمنين ﵁ لرجل سأله أن يعظه: لم تكن ممن يرجو الآخرة بلا عمل ويرجو التوبة بطول الأمل، يقول في الدنيا بقول الزاهدين، ويعمل فيها بعمل الراغبين إن أعطي منها لم يشبع، وإن منع لم يقنع، ينهى ولا ينتهي ويأمر بما لا يأتي، يحب الصالحين ولا يعمل بعملهم، ويبغض المذنبين وهو أحدهم، يكره الموت لكثرة ذنوبه، إن سقم ظل نادماً وإن صح أمن لاهياً، يعجب بنفسه إذا عوفي، ويقنط إذا ابتلي، إن أصابه بلاء دعا مضطراً وإن ناله رخاء أعرض مغتراً، تغلبه نفسه على ما يظن، ولا يغلبها على ما يستيقن، يخاف على غيره بأدنى من ذنبه ويرجو لنفسه بأكثر من عمله، إن استغنى بطر وفتن، وإن افتقر قنط ووهن، يقصر إذا

стр. 353

عمل ويبالغ إذا سئل، إن عرضت له شهوة أسلف المعصية، وسوف التوبة وإن عرته محنة، انفرج عن شرايط الملة، يصف العبر ولا يعتبر، ويبالغ في الموعظة ولا يتعظ، فهو بالقول مدل ومن العمل مقل؛ معل ينافس فيما يفنى، ويسامح فيما يبقى، يرى الغنم مغرماً، والغرم مغنماً يخشى الموت ولا يبادر الفوت، يستعظم من معصية غيره ما يستقل أكثر منه من نفسه، ويستكثر من طاعته ما يحقره من طاعة غيره فهو على الناس طاعن، ولنفسه مداهن اللهو مع الأغنياء أحب إليه من الذكر مع الفقراء، يحكم على غيره لنفسه ولا يحكم عليها لغيره، يرشد غيره ويغوي نفسه، فهو يطاع ويعصي، ويستوفي ولا يوفي، ويخشى الخلق في غير ربه، ولا يخشى ربه في خلقه. قال جامع النهج كفى بهذا الكلام موعظة ناجعة، وحكمة بالغة، وبصيرة لمبصر، وعبرة لناظر مفكر. ومن كلامه ﷺ عاتب أخاك بالإحسان إليه، واردد شره بالإنعام عليه. قال يونس النحوي: الأيدي ثلاث: يد بيضاء، ويد خضراء، ويد سوداء، فاليد البيضاء هي الإبتداء بالمعروف، واليد الخضراء هي المكافآت على المعروف، واليد السوداء هي المن مع المعروف. قال بعض الحكماء: أحق من كان للكبر مجانباً وللإعجاب مبايناً من جل في الدنيا قدره، وعظم فيها خطره، لأنه يستقل بعالي همته كل كثير، ويستصغر معها كل كبير. وقال بعضهم: إسمان متضادان بمعنى واحد، التواضع والشرفإذا ضربت مخارج الكسور التي فيها حرف العين بعضها في بعض حصل المخرج المشترك للكسور التسعة، وهو ألفان وخمسمائة وعشرون. ويقال إنه سئل علي ﵁ عن مخرج الكسور التسعة: فقال: إضرب أيام سنتك في أيام أسبوعك. كل مربع، فهو يزيد على حاصل ضرب جذر كل من المربعين الذين هما حاشيتاه في جذر الآخر بواحد. أزجر المسيء بثواب المحسنين: إن للقلوب شهوة، وإقبالاً، إدباراً فأتوها من قبل شهوتها، فإن القلب إذا أكره عمي، على كل داخل في باطل إثمان إثم العمل به، وإثم الرضا به. من كتم سره كان الخير بيده، لم يذهب من مالك ما وعظك.

стр. 354

من النهج قد أحيى عقله وأمات نفسه حتى دق جليله ولطف غليظه وبرق له لامع كثير البرق، فأبان له الطريق، وسلك به السبيل، وتدافعه الأبواب إلى باب السلامة ودار الإقامة، وثبت رجلاه لطمأنينة بدنه في قرار الأمن والراحة بما استعمل قلبه، وأرضى ربه الاستغناء عن العذر أعز من الصدق به. من النهج إن للقلوب إقبالاً، وإدباراً، فإذا أقبلت فأحملوها على النوافل، وإذا أدبرت فاقتصروا بها على الفرائض، لو لم يتوعد الله سبحانه على معصيته لكان يجب أن لا يعصى شكراً لنعمه. في النهج قد كان لي فيما مضى أخ في الله وكان يعظمه في عيني صغر الدنيا في عينه وكان خارجاً من سلطان بطنه، فلا يشتهي ما لا يجد ولا يكثر إذا وجد، كان لا يلوم أحداً حتى لا يجد العذر في مثله، وكان لا يشكون وجعاً إلا عند برئه، وكان يفعل ما يقول، ولا يقول ما لا يفعل وكان إن غلب على الكلام لم يغلب على السكوت، وكان على أن يسمع أحرص منه على أن يتكلم، وكان إذا بدهه أمران نظر أيهما أقرب إلى الهوى فخالفه، فعليكم بهذه الخلايق فالزموها وتنافسوا فيها فإن لم تستطيعوا فاعلموا ان أخذ القليل خير من ترك الكثير. من كلام قاله ﵁ لكميل بن زياد، قال كميل أخذ بيدي أمير المؤمنين ﵁ فأخرجني إلى الجبانة فلما أصحر تنفس الصعداء ثم قال: يا كميل إن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها، والناس ثلاثة عالم رباني ومتعلم على سبيل النجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجوا إلى ركن وثيق، ها إن ها هنا لعلماً جماً وأشار بيده إلى صدره لو أصبت له حملة بلى أصبت لقناً غير مأمون عليه، مستعملاً آلة الدين للدنيا، ومستظهراً لنعم الله على عباده، وبحججه على أوليائه أو منقاداً لحملة الحق لا بصيرة له في إحيائه ينقدح الشك في قلبه لأول عارض من شبهة، ألا لاذا ولا ذلك، أو منهوماً باللذة سلسل القياد للشهوة، أو مغرماً بالجمع والإدخار وليسا من رعاة الدين في شيء أقرب شيء شبهاً بهما الأنعام السائمة كذلك يموت العلم بموت حامليه. اللهم بلى لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة، إما ظاهراً مشهوراً، وإما خافياً مغموراً لئلا تبطل حجج الله وبيناته، وكم ذا وأين أولئك؟ ! أولئك والله الأقلون عدداً الأعظمون عند الله قدراً بهم يحفظ الله حججه وبيناته، حتى يودعوها نظراءهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم، هج بهم العلم على حقيقة البصيرة، وباشروا روح اليقين، واستلانوا ما استوعره المترفون وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون،

стр. 355

وصحبوا الدنيا بأبدان وأرواحها معلقة بالمحل الأعلى، أولئك خلفاء الله في أرضه والدعاة إلى دينه آه آه شوقاً إلى رؤيتهم انصرف يا كميل إذا شئت. ة تعرقني عرق المدى مارست من لو هوت الأفلاك من ... جوانب الجو عليه ما شكا هرمس الحكيم واضع علم الهيئة والنجوم، ومستخرج القوانين الحسابية هو إدريس على نبينا وعليه السلام، وبذلك صرح الشهرستاني في كتاب الملل والنحل عند ذكر الصابئة، وبه صرح العلامة في شرح حكمة الإشراق أيضاً. وقال السهر وردي في حكمة الإشراق: إن هرمس من أساتذة أرسطو، وفي تفسير القاضي وغيره أن إدريس على نبينا وعليه السلام أول من تكلم في الهيئة والنجوم والحساب وهذا مما يؤيد أنه هرمس أيضاً. لبعضهم نسمات هواك لها أرج ... تحيي وتعيش بها المهج وبنشر حديثك يطوي الغم ... عن الأرواح ويندرج وببهجة وجه جلال جمال ... كمال صفاتك يبتهج ما الناس سوى قوم عرفوك ... وغيرهم همج همج قوم فعلوا خيراً فعلوا ... وعلى الدرج العليا درجوا شربوا بكؤوس تفكرهم ... من صرف هواك وما خرجوا دخلوا فقراء إلى الدنيا ... وكما دخلوا منها خرجوا يا مدعياً لطريقهم ... قوم فطريقك منعرج تهوى ليلى وتنام الليل ... وحقك ذا طلب سمج تمنت سليمى أن نموت بحبها ... وأهون شيء عندنا ما تمنت سمع رجل رجلاً يقول: أين الزاهدون في الدينا الراغبون في الآخرة فقال له: يا هذا اقلب كلامك وضع يدك على من شئت. بشار بن برد إذا كنت في كل الأمور معاتباً ... صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه وإن أنت لم تشرب مراراً على القذى ... ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه
следующие страницы →