Полный текст (663 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
شيئان لا ينقطعان أبداً المصائب والحاجات. النمام يخرج منك الكلام بالمنقاش. الرشوة في السر طرف من السحر. من عادى من دونه هبت هيبته. من عادى من فوقه غلب. ومن عادى مثله ندم. صاح رجل بالمأمون يا عبد الله يا عبد الله فغضب وقال تدعوني اسمي، فقال الرجل: نحن ندعو الله باسمه، فسكت المأمون وعفى وأنعم عليه انتهى.
قال الصلاح الصفدي:
ما هذه الدنيا وإن أقبلت ... عليك أو ولت بدار المقام
فسام لمن سام فيها البقاء ... دار به صرف المنايا وحام
قال محمد بن عبد الرحيم بن نباتة لما مات أبو القاسم المغربي رجم الناس ظنونهم فيه متذكرين ما كان يقدم عليه من المعاصي، فرأيته في النوم، فقلت: إن الناس قد أكثروا فيك فأخذ بيدي وأنشدني:
قد كان أمن لك فيما مضى ... واليوم أضحى لك أمنان
والعفو لا يحسن عن محسن ... وإنما يحسن عن جان برهان للسيد السمرقندي على امتناع اللاتناهي في جهة: يخرج من نقه اء الغير المتناهي يفصل منه خط اب ويرسم عليه مثلث اب ج المتساوي الأضلاع، ويصل بين ح وكل من النقاط الغير المتناهية المروضة في خط اء الغير المتناهي بخط، فكل من تلك الخطوط وتر منفرجة وهي زوايا ح ب ح هـ رح رء) فح ر أعظم من ب ر، وح هـ أعظم من ب هـ إذ وتر المنفرجة أعظم من وتر الحادة فلو ذهب بء إلى غير النهاية كان الانفراج بين خط ح ر والخط المتناهي أطول من غير المتناهي مع انه محصور بين حاصرين. هذا آخر كلامه.
واعترض عليه بعض الأعلام بأنه لا حاجة إلى رسم المثلث، بل يكفي إخراج عمود من نقطه اإلى ح ونسوق البرهان إلى آخره. ولجامع الكتاب في هذا الاعتراض نظر، إذ السيد المذكور من أهل الهندسة، وقد تكرر أن كل مطلب يمكن إثباته بشكل سابق لا
стр. 492
يجوز التعويل على إثباته بالشكل اللاحق، ورسم المثلث المتساوي الأضلاع هو الشكل الأول من المقالة الأولى، وهو من أجلى المطالب الهندسية. وأما إخراج العمود فموقوف على أشكال كثيرة، ورسم المثلث المتساوي الأضلاع واحد منها، فهذا هو الباعث على التعويل على رسم المثلث وصاحب الاعتراض لما لم يكن مطلعا على حقيقة الحال وقال ما قال
الجفر والجامعة
قال المحقق السيد الشريف في بحث العلم من شرح المواقف: الجفر والجامعة كتابان لعلي كرم الله وجهه، قد ذكر فيهما على طريقة علم الحروف الحوادث التي تحدث إلى انقراض العالم، وكان الأئمة المعرفون من ولده يعرفونهما، ويحكمون بهما وفي كتاب قبول العهد الذي كتبه علي بن موسى الرضا ﵁ إلى المأمون إنك قد عرفت من حقوقنا ما لم يعرفه آباؤك فقبلت منك ولاية العهد، إلا أن الجفر والجامعة يدلان على أنه لا يتم.
ولمشايخ المغاربة نصيب من علم الحروف، ينتسبون فيه إلى أهل البيت ورأيت بالشام نظماً أشير فيه بالرمز إلى ملوك مصر، وسمعت أنه مستخرج من ذينك الكتابين انتهى. للأمير أبو فراس
أراك عصي الدمع شيمتك الصبر ... أما للهوى نهي عليك ولا أمر
بلى أنا مشتاق وعندي لوعة ... ولكن مثلي لا يذاع له سر
إذا الليل أضواني بسطت يد النوى ... وأدللت دمعاً من خلايقه الكبر
تكاد تضيء النار بين جوانحي ... إذا هي أذكتها الصبابة والهجر
معللتي بالوصل والموت دونه ... إذا مت عطشاناً فلا نزل القطر
стр. 493
بدوت وأهلي حاضرون لأنني ... أرى أن داراً لست من أهلها قفر
وحاربت أهلي في هواك وإنهم ... وأياي لولا حبك الماء والخمر
وفيت وفي بعض الوفاء مذلة ... لإنسانة في الحي شيمتها الغدر
وقور وريعان الصبا يستفزها ... فتأرن أحياناً كما أرن المهر
فإن كان ما قال الوشاة ولم يكن ... فقد يهدم الإيمان ما شيد الكفر
تسائلني من أنت وهي عليمة ... وهل للفتى مثلي على حاله نكر
فقلت كما شاءت وشاء لها الهوى ... قتيلك قالت أيهم وهم كثر
فأيقنت أن لا عز بعدي لعاشق ... وأن يدي مما علقت به صفر
فلا تنكريني يا ابنة العم إنني ... ليعرف ما أنكرته البدو والحضر
وقلبت أمري لا أرى لي راحة ... إذا البين أنساني ألح بي الهجر
فعدت إلى حكم الزمان وحكمها ... لها الذنب لا تجزي به ولي الغدر
وإني لحراب نزال بكل مخوفة ... كثير إلى نزالها النظر الشزر
فأظمأ حتى يرتوي البيض والقنا ... وأسغب حتى يشبع الذئب والنسر
ويا رب دار لم تخفني منيعة ... طلعت عليها بالردى أنا والفجر
وحين ملكت الخيل حتى رددته ... هزيماً فردتني البراقع والخمر
وما حاجتي بالمال أبغي وفوره ... إذا لم أفر عرضي فلا وفر الوفر
أسرت وما صحبي بعزل لدى الوغى ... ولا فرسي مهر ولا ربه عمرو
ولكن إذا جم القضاء على امرىء ... فليس له برتقيه ولا بحر
هو الموت فاختر ما علالك ذكره ... ولم يمت الإنسان ما حيي الذكر
ولا خير في دفع الردى بذلة ... كما ردها يوماً بسوأته عمرو
فإن عشت فالطعن الذي يعرفونه ... وتلك القنا والبيض والضمر والشقر
وإن مت فالإنسان لابد ميت ... وإن طالت الأيام وانفسح العمر
تمنون أن خلوا ثيابي وإنما ... علي ثياب من دمائهم حمر
وقائم سيفي فيهم دق نصله ... وأعقاب رمحي منهم حطم الصدر
ستذكرني قومي إذا جد جدها ... وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر
ولو سد غيري ما سددت اكتفوا به ... وما كان يغلو التبر لو نفق الصفر
ونحن أناس لا توسط بيننا ... لنا الصدر دون العالمين أو القبر
تهون علينا في المعالي نفوسنا ... ومن خطب الحسنان لم يغله المهر
هذا آخر ما اخترته منها وهي طويلة عذبة جيدة رائقة المعاني جزلة الألفاظ.
سمع بعض الحكماء رجلاً يقول: قلب الله الدنيا فقال: إذن تستوي لأنها مقلوبة.
ومن كلامهم: الابتلاء بمجنون كامل أهون من الابتلاء بنصف مجنون.
ومن كلامهم: عداوة العاقل أقل ضرراً من صداقة الأحمق.
стр. 494
قيل لبعض الحكماء: من أسوأ الناس حالاً قال: من بعدت همته واتسعت أمنيته وقصرت مقدرته وقد لمح هذا المعنى أبو الطيب فقال:
وأتعب خلق الله من زاد همه ... وقصر عما تشتهي النفس وجده
وقال أيضاً وإذا كانت النفوس كباراً ... تعبت في مرادها الأجسام
قال أبو حازم: نحن لا نريد أن نموت حتى نتوب ونحن لا نتوب حتى نموت.
حكي أن بعض الزهاد نظر إلى رجل واقف على باب سلطان وفي وجهه سجادة كبيرة فقال له: مثل هذا الدرهم بين عينيك وأنت تقف هيهنا، وكان بعض الزهاد حاضراً فقال: يا هذا إنه ضرب على غير السكة.
أسفار التوراة
التوراة خمسة أسفار السفر الأول يذكر فيه بدء الخلق والتاريخ من آدم إلى يوسف ﵇. السفر الثاني فيه استخدام المصريين لبني إسرائيل وظهور موسى ﵇، وهلاك فرعون، وإمامة هارون، ونزول الكلمات العشر، وسماع القوم كلام الله تعالى.
السفر الثالث يذكر فيه تعليم القرابين بالإجمال. والسفر الرابع يذكر فيه عدد القوم وتقسيم الأرض عليهم، وأحوال الرسل التي بعثها موسى ﵇ إلى الشام، وأخبار المن والسلوى والغمام. والسفر الخامس يذكر فيه الأحكام وفاة هارون، وخلافة يوشع ﵇.
والربانيون والقرائون ينفردون عن بقية اليهود بالقول بنبوة أنبياء أخر غير موسى وهارون ويوشع، وينقلون منهم تسعة عشر كتاباً ويضيفونها إلى خمسة أسفار التوراة ومجموع كتابهم على أربعة مراتب.
المرتبة الأولى التوراة وقد ذكرناها.
стр. 495
المرتبة الثانية أربعة أسفار يسمونها الأول أولها ليوشع ﵇ يذكر فيه ارتفاع المن ومحاربة يوشع وفتحه البلاد وقسمتها بالقرعة وثانيها يدعى سفر الحكام فيه أخبار قضاة بني إسرائيل وثالثها لصموئل فيه نبوته وملك طالوت وقتل داود جالوت رابعها سفر الملوك فيه أخبار هلك داود وسليمان وغيرهما، والملاحم ومجيء بخت نصر وخراب بيت المقدس.
المرتبة الثالثة أربعة أسفار تسمى الأخيرة، أولها لشعيا فيه توبيخ بني إسرائيل وإنذار بما وقع وبشارة للصابرين وثانيها لأرميا ﵇ ويذكر فيه خراب بيت المقدس والهبوط إلى مصر. وثالثها لحزقيل يذكر فيه حكم طبيعية وفلكية مرموزة، وأخبار يأجوج ومأجوج. ورابعها اثني عشر سفراً: فيه إنذارات بزلازل وجراد وغيرها، وإشارة إلى المنتظر والمحشر، ونبوة يونس ﵇ وابتلاع الحوت له وتوبته، ونبوة زكريا ﵇ وبشارة بورود الخضر ﵇.
المرتبة الرابعة عن الكتب وهي إحدى عشر سفراً الأول تاريخ نسب الأسباط وغيرهم. وثانيها مزامير داود مائة وخمسون مزمار كلها طلبات وأدعية. وثالثها قصة أيوب وفيه مباحث كلامية. ورابعها آثار حكمية عن سليمان ﵇، وخامسها أحكام الأحبار، وسادسها أناشيد عبرانية لسليمان ﵇ في مخاطبة النفس والعقل، وسابعها يدعى جامع الحكمة لسليمان ﵇ فيه الحث على طلب اللذات العقلية الباقية، وتحقير اللذات الجسمية الفانية وتعظيم الله تعالى والتخويف ومنه وثامنها يدعى النواح لأرميا ﵇ فيه خمس مقالات على حروف المعجم يذب على البيت.
стр. 496
وتاسعها فيه ملك أردشير. وعاشرها لدانيال فيه تفسير منامات وحال البعث والنشور. والحادي عشر لعزير ﵇ فيه صفة عود القوم من أرض بابل إلى البيت وبناءه.
اعلم أن الأنس والخوف والشوق من آثار المحبة، إلا أن هذه الآثار يختلف على المحب بحسب نظره، وما يغلب عليه في وقته فإذا غلب عليه التطلع من وراء حجب الغيب إلى منتهى الجمال، واستشعر قصوره من الاطلاع على كنه الجلال، انبعث القلب إلى الطلب وانزعج له وهاج إليه فيسمى هذه الحالة شوقاً بالإضافة إلى أمر غائب وإذا غلب عليه الفرح بالقرب ومشاهدة الحضور بما هو حاصل من الكشف وكان نظره مقصوراً على مطالعة الجمال الحاضر المكشوف، غير ملتفت إلى ما لم يدركه بعد، استبشر القلب بما يلاحظ فيسمى استبشاره أنساً وإن كان نظره مقصوراً إلى صفات العز والاستغناء وعدم المبالات وخطر إمكان الزوال والبعد، وتألم قلبه بهذه الاستشعار فيسمى تألمه خوفاً، وهذه الأفعال تابعة لهذه الملاحظات.
كل مربع فالفضل بينه وبين أقرب المربعات التي تحته إليه: يساوي مجموع جذريهما، والفضل بينه وبين أقرب المربعات التي فوقه إليه يساوي مجموع جذريهما. من كتاب نهج البلاغة أنه كرم الله وجهه قال لقائل قال بحضرته: أستغفر الله: ثكلتك أمك أتدري ما الإستغفار؟ ! الإستغفار درجة العليين، وهو إسم واقع على ستة معان أولها الندم على ما مضى والثاني العزم على ترك العود إليه أبداً والثالث أن تؤدي إلى المخلوقين حقوقهم حتى أن تلقى الله سبحانه أملس ليس لك تبعة. والرابع أن تعمد إلى كل فريضة ضيعتها فتؤدي حقها. الخامس أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السحت فتذيبه بالأحزان حتى يلصق الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم جديد. والسادس أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية فعند ذلك تقول أستغفر الله. وفيه إن القلوب تمل كما تمل الأبدان فابتغوا لها طرائف الحكمة.
стр. 497
قال الإمام الرازي في قوله تعاى: ﴿هو الذي خلقكم من طين﴾ إن غلإنسان مخلوق من المنى ودم الطمث، وهما يتوالدان من الدم، والدم إنما يتولد من الأغذية، والأغذية إما حيوانية أو نباتية فإن كانت حيوانية فالحال في تولد ذلك الحيوان كالحال في تولد الإنسان، فبقى أن تكون نباتية، فإنسان مخلوق من الأغذية النباتية، ولا شك أنها متولدة من الطين، فيكون هو أيضا متولدا من الطين.
من النهج من أواخر الكتاب الذي كتب إلى سهل بن حنيف: إليك عني يا دنيا، فحبلك على غاربك، ولقد انسللت من مخالبك، وأفلت من حبائلك، وأحببت الذهاب من مداحضك. أين القرون الذين غررتهم بمداعبتك؟ أين الأمم الذين فتنتهم بزخارفك. ها هم رهائن القبور، ومضامين اللحود. والله لو كنت شخصا مرئيا، وقالبا حسيا لأقمت عليك حدود الله في عباد غررتهم بالأماني، وأمم ألقيتهم في المهاوي، وملوك أسلمتهم إلى التلف، واوردتهم موارد البلاء، اغربي عني، فوالله لا أذل لك فتذليني، ولا أسلس لك فتقوديني، وايم والله يمينا لا أستثنى فيها لأروض نفسي رياضة تهش معها إلى القرض إذا قدرت عليه مطعوما، وتقنع بالملح مأدوما، ولأدعن مقلتي كعين ماء نضب معينها مستفرغة دموعها، أتمتلئ السائمة من رعيها فتبرك وتشبع الربيضة من عشبها فتربض، ويأكل علي من زاده فيهجع، قرت إذا عينه إذا اقتدى بعد السنين المتطاولة بالبهيمة الهاملة، والسائمة المرعية، طوبى لنفس أدت لربها فرضه وعركت بجنبها بؤسها وهجرت في الليل غمضها حتى إذا الكرى غلبها افترشت أرضها وتوسدت كفها في معشر أسهر عيونهم خوف معادهم، وتجافت عن مضاجعهم جنوبهم، وهمهمت بذكر ربهم شفاهم وتقشعت لطول استغفارهم ذنوبهم. اهـ.
من التائية الصغرى للشيخ عمر بن الفارض رحمه الله تعالى:
نعنم بالصبا قلبي صبا لأحبتي ... فيا حبذا ذاك الشذى حين هبت
سرت فأسرت للفؤاد غدية ... أحاديث جيران العذيب فسرت
تذكرني العهد القديم لأنها ... حديثة عهد من أهيل مودتي
أيا زاجرا حمر الأوارك تارك الموارك ... وجبت فيافي خبت آرام وجرة
ونكبت عن كثب العريض معارضا ... حزونا لحزوي سائقا لسويقتي
стр. 498
(وباينت بانات كذا عن طويلع ... بسلع فسل عن حلة فيه حلت)
(وعرج لذياك الفريق مبلغا ... سلمت عربيا ثم عني - تحيتي)
(فلي بين هاتيك الخيام ضنينة ... علي بشملي سمحة بتشتتي)
(محجبة بين الأسنة والظبا ... إليها انثنت ألبابنا إذ تثنت)
(ممنعة خلع العذار نقابها ... مسربلة بردين قلبي ومهجتي)
(تتيح المنايا إذ تبيح لي المنى وذاك رخيص منيتي بمنيتي ... )
(وما غدرت في الحب إذ هدرت دمي ... بشرع الهوى لكن وفت إذ توفت)
(متى أوعدت أولت وإن عدت لوت ... وإن أقسمت لا تبرئ السقم برت)
(وإن عرضت أطرق حياء وهيبة ... وإن أعرضت أطرق ولا لتلفت)
(هي البدر أوصافا وذاتي سماؤه ... سمت بي إليها همت حين همت)
(منازلها مني الذراع توسدا ... وقلبي وطرفي أوطنت إذ تجلت)
(منعمه أحشاي كانت قبيل ما ... دعها لتشقى بالغرام فلبت)
(فلا دعا لي ذاك النعيم ولا أرى ... من العيش إلا أن أعيش بشقوتي)
(ألا في سبيل الله حالي وما عسى ... بكم أن ألاقي لو دريتهم أحبتي)
(أخذتم فؤادي وهو بعضي عندكم ... فما ضركم أن تتبعوه بجملتي)
(وجدت بكم وجدا قوى كل عاشق ... لو احتملت من عبئه البعض كلت)
(كأني هلال الشك لولا تأوهي ... خفيت فلم تهد العيون لرؤيتي)
(وقالوا جرت حمرا دموعك قلت من ... أمور جرت في كثرة الشوق قلت)
(نحرت لضيف السهد في جفني الكرى ... قرى فجرى دمعي دما فوق وجنتي)
(كأني هلال الشك لولا تأوهي ... خفيت فلم تهد العيون لرؤيتي)
(وقالوا جرت حمرا دموعك قلت من ... أمور جرت في كثرة الشوق قلت)
(نحرت لضيف السهد في جفني الكرى ... قرى فجرى دمعي دما فوق وجنتي)
(ولما توافينا عشاء وضمنا ... سواء سبيلي ذي طوى والثنية)
(ومنت وما ضنت علي بوقفة ... تعادل عندي بالمعروف وقفتي)
(عتبت فلم تعتب كأن لم يكن لقا ... وما كان إلا أن أشرت وأومت)
(ايا كعبة الحسن التي لجمالها ... قلوب أولى الألباب لبت وحجت)
(بريق الثنايا منك أهدى لنا سنا ... بريق الثنايا وهو خير هدية)
(ولوحي لقلبي إن قلبي مجاور ... حماك فتاقت للجمال وحنت)
.
стр. 499
(ولولاك ما استهديت برقا ولا شجت ... فؤادي فأشجت إذ شدت أيكة)
(فذاك هدى أهدى إليك وهذه ... على العود إذ غنت عن العود أغنت)
(أروم وقد طال المدى منك نظرة ... وكم من دماء دون مرماي طلت)
(أمالك عن صد أمالك عن صد ... لظلمك منك ميلا لعطفه)
(جمال محياك المصون لثامة ... من اللثم فيه عدت حيا كميت)
(وجنبني حبيك وصل معاشري ... وحببني ما عشت قطع عشيرتي)
(وأبعدني عن أربع بعد أربع ... شبابي وعقلي وارتياحي وصحتي)
(فلي بعد أوطاني سكون إلى الفلا ... وبالأنس وحشي إذ من الأنس وحشتي)
(إبائي أبي إلا خلافي ناصحا ... يحاول مني شيمة غير شيمتي)
(يلذ له عذلي عليك كأنما ... يرى منه مني وسلواه سلوتي)
(سقى بالصفا الربعي ربعا به الصفا ... وحيا بأجياد منه ثروتي)
(مخيم آمالي وسوق مآربي ... وقبلة آمالي وموطن صبوتي)
(منازل أنس كن لم أنس ذكرها ... فمن بعدها والقرب ناري وجنتي)
(غرامي أقم صبري انصرم دمعي انسجم ... عدوي انتقم دهري احتكم حاسدي اشمت)
(ويا جلدي بعد النقا لست مسعدي ... ويا كبدي عز اللقا فتفتت)
(سلام على تلك المعاهد من فتى ... على حفظ عهد العامرية ما فتى)
لبعضهم:
(أعلل القلب بذكراكم ... والقلب يأبي غير لقياكم)
(حللتم قلبي وبنتم فما ... أدناكم مني وأقصاكم)
(يا حبذا ريح الصبا إنها ... تروح القلب برياكم)
قطب الفلك الأعلى
ربما يتوهم كثير من الناس أن قطب الفلك الأعلى داخل في الشكل الإهليلجي الملقب بالسمكة في لسان الهند، وبفأس الرحى عند العرب، وأنه في وسط الحقيقي وهذا توهم باطل وإنما قطب المعدل على حد القوس الذي من جملة كواكبه كوكبات من بدن الدب وقد صرح بهذا جهابذة الفن.
стр. 500
قال الفاضل عبد الرحمن الصوفي صاحب صور الكواكب أقرب كوكب إلى القطب الشمالي كوكب الدب الأصغر وكواكبه من نفس الصور سبعة، ثلاثة: منها على ذنبها وهي الأول والثاني والثالث: أولها الأنوار وهو على طرف الذنب من القدر الثالث والباقيان من الرابع والأربعة على مربع مستطيل على بدنه الإثنان اللذان يليان الذنب الأخفى وهما الرابع والخامس واثنان التاليان لهما وهو السادس والسابع أنور.
والعرب تسمي السبعة على الجملة بنات نعش الصغرى، وتسمى النيرين الذين على المربع الفرقدين والنير الذي طرف الذنو الجدي وهو الذ ي به يتوخى القبلة وبقرب الأنور من الفرقدين، وهو السادس كوكب أخفى منه على استقامة الفرقدين، ليس من الصورة وقد ذكره بطليموس وسماه خارج الصورة من القدر الرابع، ويتصل هذا الكوكب الذي على طرف الذنب بسطر من الكواكب خفية، فيه تقويس أيضاً مثل تقويس السطر الأول، وقد أحاط القوسان بسطح شبيه بحلقة السمكة يسمى الفاس تشبيهاً لها بفاس الرحى التي يكون القطب في وسطها، وقطب معدل النهار على حدبة القوس الثانية السابقة عند أقرب كوكب من السطر إلى الجدي إنتهى كلامه.
ومثل ذلك قاله العلامة في كتابه الموسوم بنهاية الإدراك في دراية الأفلاك. وكذا غيره من النقاد.
انطباع الصور في الحواس
انكر محققو الإشراقيين انطباع الصور في الحواس مطلقا، لأن المدرك ربما يزداد مقداره على مقدار محل الحس بالأضعاف. قالوات وما يقال من أن النفس تستدل بالصورة وإن كانت أصغر من المرئي على ما عليه المرئي في نفسه، بمعنى أن ما مقدار صورته هذا كم يكون أصل مقداره باطل؛ لأن إدراك مقدار الشيء بالمشساهدة لا بالاستدلال. وكذا يستحيل عندهم انطباع الصورة غائرة في عمق المرآة بحسب بعد ذي الصورة الخيالية وصور المرآة أنها صياصي معلقة لا في مكان، بل هي موجودة في عالم آخر متوسط بين التجرد التام والتعلق التام يسمى عالم المثال، والنفس تشاهدها هناك، ولها مظاهر كالمرآة والخيال. وأنكروا انخفاظ المعاني الجزئية في المحافظة، إذ ربما يجتهد الإنسان جهدا عظيما في تذكر شيء منها فلا يتأتى له، ثم يتفق له أن يتذكره بعينه، فلو كان محفوظا في بعض قوى بدنه لما غاب عنه مع الفحص الشديد، بل المعاني عندهم محفوظة في النفس المنطبعة
стр. 501
السماوية، كما أن الكليات محفوظة في المجردات، نعم، جوزوا أن يتعلق بالحافظة استعداد استفادتها من الخزانة. وحقيقة الإدراك عندهم: إضافة إشراقية النفس بالنسة إلى المدرك وتلك الإضافة ربما تترتب على استعمال الحواس، وربما تتحقق بدونه، فإن النفوس المنسلخة عن الأبدان ربما تشاهد أمورا يتيقن أنها ليست نقوشا في بعض القوى البدنية، والمشاهدة باقية مع النفس ما بقيت. اهـ.
الحب القاتل
كان بعض الأعراب يهوى جارية وكانت تتجنى عليه ولا تكلمه، فأدنفه الهوى إلى أن حضرت الوفاة، فقيل لها إنه أتلفه حبك فهلا زريته وفيه رمق؟ فأتت إليه وقبضت بعضاده الباب وقالت: كيف حالك؟ فأنشد:
(ولما دنا مني السياق تعطفت ... علي وعندي من تعطفها شغل)
(أتت وحياض الموت بيني وبينها ... وجادت بوصل حين لا ينفع الوصل)
ثم نظر إليها نظرة تحسر، وتنفس الصعداء ومات. رحمه الله تعالى.
تشريح القدم
قال الشيخ الرئيس في القانون في تشريح القدم: وخلق له أخمص تلي الجانب الإنسي ليكون ميل القدم عند الانتصاب - وخصوصا لدى المثنى - هو إلى الجهة المضادة لجهة الرجل المشيلة؛ ليقاوم بما يجب أن يشتد من الاعتماد على جهته، لاستقلال الرجل المشيلة للنقل، فيعتدل القوام. قال الشارح القرشي في شرح هذا الكلام: إن المشي إنما يتم رفع إحدى الرجلين، ووضعها حيث يراد الانتقال، ولا بد من ثبات الرجل الأخرى ليمكن بقاؤه منتصبا، وعند رفع إحدى الرجلين لا بد وأن يميل البدن إلى ضد جهة ذلك الجانب، وتقعير الأخمص يوجب ميل البدن إلى جهته وهي جهة الرجل المرفوعة فيتقاوم الميلان لا محالة مشيه عند رفع كل رجل إلى ضد جهتها. ولقائل أن يقول: إنما يلزم الميل إلى ضد جهة المشيل إذا كان ذلك المشيل بحيث لا تكون حركته بانفراده، كطرف الخشبة مثلا، وأما إذا لم يكن كذلك، بل كان المشيل له انفصال عن الباقي حتى تمكن حركته كما في الرجل فإنه إنما يلزم من رفعه ميل الباقي إلى
стр. 502
تلك الجهة بعينها كما لو أزلنا إحدى الدعامتين فإن الجسم المدعوم إنما يميل حينئذ إلى جهة المزيلة. وجوابه أن الميل بعد إزالة الدعامة لا شك إنه إنما يحصل غلى جهة المزيلة، ولكن في حال إزالتها إنما يكون الميل إلى ضد تلك الجهة؛ لأن هذه لإزالة إنما تكون بعد رفع جزء من الباقي حتى يزول الثقل عن الدعامة فتزول، ويلزم ذلك ميل كل الجسم إلى ضد جهتها، وليس لكم أن تقولوا إن الدعامة قد يمكن إزالتها بدون ذلك، بأن تجر مثلا؛ لأنا نقول: الحال في رفع الرجل عند المشي ليس كذلك؛ لأن الرجل إنما ترتفع بتقلص العضلة الرافعة لها تقلصا إلى فوق، ويلزم ذلك رفع بعض أجزاء البدن، وذلك كما قلنا يلزمه ميله إلى ضد جهة تلك الرجل. اهـ كلام القرشي. قال جامع الكتاب هذا الشارح غير منطبق على كلام الشيخ الرئيس؛ فإن كلام الشيخ ظاهر في أن تقعير الأخمص يوجب الميل إلى الجهة المضادة لجهة الرجل المشيلة، وكلام هذا الشارح صريح في أن ذلك يوجب الميل إلى جهة الرجل المشيلة، ودليله على ذلك إلى آخر كلامه لا بأس به، وإن أمكن خدشه فليتأمل. من كلام عبد الله بن المعتز لا يزال الإخوان يسافرون في المودة حتى يبلغوا الثقة، فإذا بلغوها أقوا عصى التسيار، واطمأنت بهم الدار، وأقبلت وفود النصائح، وأمنت خبايا الضمائر، وحلوا عقدة التحفظ، ونزعوا ملابس التخلق. ومن كلامه: تجاوز عن مذنب لم يسلك من الإقرار طريقا، حتى اتخذ من رجاء عفوك رفيقا.
في علم الفلك
إذا أردت معرفة تقويم أحد السيارة فاستعلم ارتفاعه، ثم ارتفاع أحد الثوابت المرسومة في العنكبوت، وضع شظية الثابت على ميل ارتفاعه من المقنطرات، فأعلى ميل ارتفاع السيارة من منطقة البروج هو درجة ذلك السيار. معرفة ارتفاع قطب البروج أن تضع طالع الوقت على الأفق وتعد منه إلى تسعين، فالباقي ارتفاع قطب البروج ذلك الوقت. انتهى. انظر رجل إلى امرأة في رجلها خف مخرق، فقال لها: يا هذه خفك يضحك،
стр. 503
فقالت: نعم إنه يسيء الأدب، ومن عادته إذا رى كشخانا لم يملك نفسه أن يضحك، فقال الرجل: هذا جزاء من يمزح. تاسع الأولى من كتاب الأصول. نريد أن ننصف زواية كزاوية ب اح فلنعين علم ب نقطة ونفصل من اح اهـ مثل اء ونصلء هـ ونرسم عليه مثلثء هـ ر المتساوي الأضلاع، ونصل ار فهو ينصف الزاوية. وذلك لأن أضلاع مثلثيء ارا هـ ار متساوية بالتناظر، فزاويتا راء را هـ متساويتان وذلك ما أردناه. انتهى كلام اقليدس.
ولجامع الكتاب وجه آخر: نعين على اء ح كيف اتفق، ونجعل ار مثل احء ر هر ح متقاطعين على ر ط، ونصل اط ففي مثلثيء ار هـ اح ضلعاء اار وزاوية امساوية لضلعي اب اح، وزاوية فيتساوى المثلثان فيلزم تساوي مثلثيء ط ح هـ ط ر هـ متساوية كل لنظيره فزواياهما كذلك، وذلك ما أردناه. انتهى. لبعضهم:
(لما نظر العذال حالي بهتوا ... في الحال وقالوا لوم هذا عنت)
(ما نفرض إلا أننا نعذله ... من يسمع من يعقل من يلتفت)
لبعضهم:
(على بعدك لا يصبر ... من عادته القرب)
(ولا يقوى على هجرك ... من تيمه الحب)
(إذا لم ترك العين ... فقد أبصرك القلب)
ذهب بعضهم إلى أن بين العبادة المجزئة والمقبولة عموما مطلقا، فكل عبادة مقبولة مجزئة ولا عكس. وحاصله عدم التلازم بين القبول والإجزاء، فالمجزئ ما يخرج به
стр. 504
المكلف من العهدة، والمقبول ما يترتب على فعله الثواب. واستدلوا بوجوه: الأول سؤال ابرهيم واسماعيل عليهما وعلى نبينا السلام التقبل، مع أنهما لا يفعلان إلا صحيحا. الثاني: قوله تعالى: ﴿فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر ". الثالث: الحديث: " إن من الصلاة لما يقبل ثلثها ونصفها وربعها " الحديث. الرابع: أن الناس مجمعون على الدعاء بقبول الأعمال، وهو يعطى عدم التلازم. الخامس: قوله تعالى: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾ مع أن عبادة الفاسق مجزئة. وقد تكلف بعضهم في الجواب عن هذه الوجوه بما لا يخلو عن خدش. الكسوف: إن كان غير تام والباقي من الشمس هلاليا فالضوء الخارج منهما النافذ في ثقب ضيق مستدير إلى سطح مواز مقابل للثقب يكون هلاليا، وليس ضوء القمر وقد انخسف بعضه، ولا أوائل الشهر وأواخره، مع أن المستنير منه في الأحوال هلالي إذا نفذ من الثقب إلى السطح الموازي هلاليا، بل مستدير وإن كان الثقب واسعا والسطح الموازي له كان الضوء الخارج من النيرين وقت انخسافهما على هيئة أشكال الثقوب، أعنى مستديرا إن كان الثقب مستديرا، أو مربعا إن كان مربعا إلى غير ذلك، وسببه مذكور في النهاية فليراجعها من أراد الاطلاع عليه.
متى يقرأ المنطق
قال العلامة في شرح حكمه الإشراق: اعلم أن مرتبة المنطق أن يقرأ بعد تهذيب الأخلاق وتقويم الفكر ببعض العلوم الرياضية من الهندسة والحساب. أما الأول فلما قال أبقراط في كتاب الفصول: البدن الذي ليس بالنقي كلما غذيته إنما تزيده شرا ووبالا، ألا ترى أن من لم تتهذب أخلاقهم، ولم تطهر أعراقهم، إذا شرعوا في المنطق سلكوا نهج الضلال، وانخرطوا في سلك الجهال، وأنفوا أن يكونوا مع الجماعة وأن يتقلدوا ذل الطاعة، فجعلوا الأعمال الظاهرة والأقوال الظاهرة التي وردت بها الشرائع دبر آذانهم، والحق تحت أقدامهم متمحلين لطريقهم حجة، ومتطلبين لضلالهم محجة، وهي أن الحكمة ترك الصور وإنكار الظواهر، إذ فيها يتحقق معاني الأشياء دون صورها، وبممارستها يطلع على حقائق الأمر دون ظواهرها ولم يخطر لهم بالبال أن الصورة مرتبطة بمعانيها، وظواهر الأشياء منبئة عن حقائقها، وأن الحقيقة ترك ملاحظة العمل لا ترك العمل كما ظنوا الطوائف عن الحكماء عقيدة، وأظهر المعاندين لهم سريرة. وأما الثاني فلتستأنس طباعهم إلى البرهان.
стр. 505
قال بعضهم: إن الأمل رفيق مؤنس، إن لم يبلغك فقد ألهاك.
مجنون ليلى:
(أماني من ليلى حسان كأنما ... سقتني بها ليلى على ظلما بردا)
(منى إن تكن حقا غاية المنى ... وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا)
لبعضهم:
(أعلل بالمنى قلبي لأني ... أذود الهم بالتعليل عني)
(وأعلم أن وصلك لا يرجى ... ولكن لا أقل من التمني)
قيل لأعرابي: ما لذة الدنيا؟ فقال في ثلاث: ممازحة الحبيب، ومحادثة الصديق، وأماني تقطع بها أيامك:
ابن أبي حازم:
(طب عن الأمة نفسا ... وارض بالوحدة أنسا)
(ما عليها أحد يسوى ... على الخبرة فلسا)
محمود الوراق:
(أظهروا للناس دينا ... وعلى المنقوش داروا)
(وله صلوا وصاموا ... وله حجوا وزاروا)
(لو علا فوق الثريا ... ولهم ريش لطاروا)
تركان: اسم امرأة فصيحة، جيدة الشعر، فمن شعرها إلى رجل خاشنها في كتابه كتبها إليها:
(قد راينا تنكرا ... وسمعنا تنقصا)
(وأتانا كتابكم ... أمس في كفه عصا)
(وتخرصتم الذنوب ... علينا تخرصا)
(فعلمنا بأنكم ... تشتهون التخلصا)
أمر بعض الخلفاء لبعض الفقهاء بكيس فيه دراهم، فقال: يا أمير المؤمنين آخذ الخيط؟ فقال له الخليفة: ضع الكيس.
стр. 506
حكم
من كلام بعض العارفين: سيئة تسؤوك خير من حسنة تعجبك. من غاب نفسه فقد ذكاها.
مما أوحى الله إلى بعض أنبياءه: هب لي من قلبك الخشوع، ومن نفسك الخضوع ومن عينك الدموع، وسلني فإنه قريب مجيب.
كن في الدنيا وحيداً فريداً مهموماً حزيناً، كالطائر الواحد الذي يظل بأرض الفلاة، يروى من ماء العيون ويأكل من أطراف الشجر فإذا جن عليه الليل آوى وحده استيحاشاً من الطير واستيناساً بربه.
من كلام أمير المؤمنين ﵁ من أراد الغنى بغير مال، والكثرة بغير عشيرة، فليتحول من ذل المعصية إلى عز الطاعة.
من أصلح ما بينه وبين الله تعالى، أصلح الله ما بينه وبين الناس.
قال بعض الحكماء: لا تكرهوا أولادكم على أخلاقكم، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم.
أبو إسحاق الصابي: هو إبراهيم بن هلال أوحد الزمن في البلاغة وفريد الدهر في الكتابة بلغ التسعين في خدمة الخلفاء، وتقلد الأعمال الجلائل ومع ديوان الرسائل وذاق حلو الدهر ومره ولابس خيره وشره ومدحه شعراء العراق وسار ذكره في الآفاق،
стр. 507
راوده الخلفاء على الإسلام بكل حيلة، وتوسلوا إلى ذلك بكل وسيلة، فلم يسلم، وعرض عليه السلطان بختيار الوزارة إن أسلم، وكان يعاشر المسلمين أحسن عشيرة ويساعدهم على صيام شهر رمضان، ويحفظ القرآن حفظاً يدور على طرف لسانه، وكان في زمن شبابه أرخى بالأمنة في زمن كبره. وإلى ذلك أشار في قصيدة كتب بها إلى الصاحب يستمطر سحابه ويستدر أخلاف جوده، بعد أن كان يخاطبه بالكاف ويعده من جملة الأكفاء فمن أبياتها:
عجباً لخطي إذا رآه مصاحبي ... عصر الشباب وفي المشيب معاصي
أمن الغواني كان حلي خانني؟ ... شيباً وكان له الشبيبة صاحبي
وعزل في آخر عمره واعتقل وقيد، وكان يقوم ويقع إن تهتك ستره ورخت حاله، وكان الصاحب يحبه أشد الحب ويتعصب له ويتعهده على بعد الدار بالمنج وهو يخدم الصاحب بالمدح.
قال المحقق التفتازاني في المختصر: اختلف في التفضيل بين الصحاب والصابئ، والحق أن الصاحب كان يكتب ما يريد، والصابئ يكتب ما يؤمر، وبين المقامين بون بعيد. ومات سنة ٣٨٤ على كفره، وكذا ابنه المحسن ورثاه الشريف الرضي بقصيدة طويلة جيدة.
حكم
من كلامهم: من تاجر الله لم يوكس بيعه، ولم يبخس ريعة. لا ينال ما عند الله إلا بعين ساهدة، ونفس مجاهدة. الكريم سلس القياد واللئيم عسر الانقياد، ويل لمن كان بين عز النفس وذل الحاجة. ويل لمن كان بين سخط الخالق وشماتة المخلوق. الآمال متعلقة بالأموال. الأريب لا يجالس من لا يجانس. رب ذئاب في أهب نعاج، وصقور في صور دجاج. رب رقعة تفصح عن رقاعة كاتبها. ربما تطيب الغموم بالعموم. إذا نابتك النائبة ولا حيلة لها فلا تجزعن، وإن كان لها حيلة فلا تعجزن. أدوية الدنيا تقصر عن سمومها وتسميتها لا يفي بسمومها. شر النوائب ما وقع من حيث لا يتوقع. قال بعض الأعراب: أفرش طعامك اسم الله، وألحفه حمد لله. لا يطيب حضور الخوان إلا مع الإخوان. رب أكله منعت أكلات. شكا رجل إلى بعض الزهاد كثرة عياله، فقال له الزاهد: انظر من كان منهم ليس رزقه على الله فحوله إلى منزلي ...
стр. 508
قال ابن سيرين لرجل كان يأتيه على دابة، فأتاه يوما راجلا: ما فعلت بدابتك؟ فقال قد اشتدت علي مؤنتها فبعتها، فقال ابن سيرين: أفتراه خلف رزقها عندك. سئل أنو شروان: ما أعظم المصائب؟ فقال: أن تقدر على المعروف فلا تصنعه حتى يفوت. . كان عمر بن عبد العزيز واقفا مع سليمان بن عبد الملك أيام خلافته، فسمع صوت رعد ففزع منه ووضع صدره على مقدم رحل، فقال له عمر: هذا صوت ورحمته، فكيف صوت عذابة! قال بعض العارفين: إذا قيل لك هل تخاف الله فاسكت، لأنك إن قلت لا فقد كفرت، وإن قلت نعم فقد كذبت. من الإحياء - في كتاب آداب الصحبة - قال علي بن الحسين ﵄: هل يدخل أحدكم يده في كم أخيه أو كيسه فيأخذ منه ما يريد من غير إذن؟ فقيل لا، فقال: اذهبوا فلستم باخوان. وقال أبو سليمان الداراني: إني لألقم اللقمة أخا من أخواني فأجد طعمها في فمي. جاء رجل إلى إبراهيم بن أدهم، وهو يريد بيت المقدس، فقال له: إني أريد أن أرافقك، فقال له إبراهيم: علي أن أكون أملك لشيئك منك. قال لا، فقال إبراهيم: أعجبني صدقك.
بيان اختلاف الخلق في لذاتهم
انظر إلى صبي في أول حركته وتمييزه، فإنه تظهر فيه غريزة بها يستلذ اللعب، حتى يكون ذلك عنده ألذ من سائر الأشياء، ثم يظهر فيه بعد ذلك استلذاذ اللهو، ولبس الثياب الملونة، وركوب الدواب الفرهة، فيستخف معه اللعب، بل يستهجنه، ثم تظهر فيه بعد ذلك لذة الزينة بالنساء والمنزل والخدم فيحتقر ما سواها لها. ثم تظهر فيه بعد ذلك لذة الجاه والرياسة، والتكاثر من المال، والتفاخر بالأعوان. والأتباع والأولاد. وهذه آخر لذات الدنيا، وإلى هذه المراتب أشار بقوله عز من قائل: ﴿إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر﴾ الآية. ثم بعد ذلك فقد تظهر لذة العلم بالله تعالى، والقرب منه، والمحبة له، والقيام بوظائف عباداته، وترويح الروح بمناجاته، فيستحقر معها جميع اللذات السابقة، ويتعجب من المنهمكين فيها. وكما أن طالب الجاه والمال يضحك من لذة الصبى باللعب بالجوز مثلا، كذلك صاحب المعرفة والمحبة يضحك من لذة الطالب الجاه والمال، وانتهى بوصوله إلى ذلك.
стр. 509
ولما كانت الجنة دار اللذات، وكانت اللذات مختلفة باختلاف أصناف الناس، لا جرم كانت لذات الجنة على أنواع شتى على ما جاءت به الكتب السماوية، ونطق به أصحاب الشرائع صلوات الله عليهم، ليعطي كل صنف ما يليق بحالهم منها. فإن كل حزب بما لديهم فرحون، والناس أعداء لما يجهلون. ورد في بعض الكتب السماوية: يا ابن آدم، لو كانت الدنيا كلها لك، لم يكن لك منها إلا القوت، فإذا أنا أعطيتك منها القوت، وجعلت حسابها على غيرك فأنا إليك محسن أم لا؟ من الإحياء: لما ولى عثمان بن عفان ﵁ ابن عباس ﵄ أتاه أصحاب رسول الله ﷺ يهنئونه، وأبطأ عنه أبو ذر، وكان له صديقا، فعاتبه ابن عباس، فقال أبو ذر ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الرجل إذا ولى ولاية تباعد الله عنه ". قال بعض العارفين: رأيت الفضيل يوم عرفة والناس يدعون وهو يبكى بكاء الثكلى الحزينة، حتى إذا كادت الشمس تغرب رفع رأسه إلى السماء قابضا على لحيته وقال: واسوأتاه منك وإن غفرت، ثم انقلب مع الناس. ورد في بعض التفاسير: في تفسير قوله تعلى: ﴿إنه كان للأوابين غفورا﴾ أن الأواب هو الرجل يذب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب. ابن مسعود إن للجنة ثمانية أبواب كلها تفتح وتغلق، إلا باب التوبة فإن عليه ملكا موكلا لا يغلق. من الإحياء: قدم هشام بن عبد الملك حاجا أيام خلافته، فقال ائتوني برجل من الصحابة فقيل قد تفانوا، قال فمن التابعين، فأتى بطاوس اليماني، فلما دخل عليعه خلع نعله بحاشية بساطه ولم يسلم عليه بأمرة المؤمنين، بل قال: السلام عليك ولم يكنه، ولكن جلس بإزائه وقال: كيف أنت يا هشام؟ فغضب هشام غضبا شديدا وقال: يا طاوس ما الذي حملك على ما صنعت؟ فقال وما صعنت؟ فغزداد غضبه وقال: خلعت نعلك بحاشية بساطي، ولم تسلم علي بأمره المؤمنين ولم تكنني، وجلست بازائي، وقلت كيف أنت يا هشام. فقال طاوس: أما خلع نعلي بحاشبة بساطك فإني أخلعها بين يدي رب العزة كل يوم خمس مرات فلا يغضب علي لذلك، وأما قولك لم تسلم علي بأمرة المؤمنين فليس كل الناس راضين بأمرتك فكرهت أن أكذب. وأما قولك لم تكنني فإن الله تعالى سمى أولياءه فقال يا داود يا يحيى يا عيسى، وكنى أعداءه، فقال: تبت يدا أبي لهب. وأما قولك
стр. 510
جلست بازائي فإني سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه يقول: إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النار فانظر إلى رجل جالس حوله قوم قيام. فقال هشام عظني. فقال طاوس: سمعت من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: إن في جهنم حيات كالتلال، وعقارب كبالبغال تلدغ كل أمير لا يعدل في رعيته، ثم قام وهرب. قيل لبعض الزهاد: إلى أي شيء أفضت بكم الخلوة؟ فقال: إلى الأنس بالله تعالى. قال سفيان بن عيينة: رأيت إبراهيم بن أدهم في جبال الشام، فقلت: يا إبراهيم تركت خراسان؟ فقال: ما تهنأت بعيشي إلا هنا، أفر يديني من شاهق إلى شاهق. لبعضهم في العزلة:
(من حمد الناس ولم يبلهم ... ثم بلاهم ذم من يحمد)
(وصار بالوحدة مستأنسا ... يوحشه الأقرب والأبعد)
وقيل لقرواش الرقاشي: مالك لا تجالس أخوانك؟ فقال: إني أصبت راحة قلبي في مجالسة من عنده حاجتي. وكان الفضيل إذا رأى الليل مقبلا فرح به، وقال: أخلو فيه بربي وإذا أصبح استرجع كراهة لقاء الناس. وجاء رجل إلى مالك بن دينار فإذا هو جالس وكلب قد وضع رأسه على ركبته، قال فذهبت أطرده، فقال دعه يا هذا لا يضر ولا يؤذي، وهو خير من جليس السوء. وقيل لبعضهم ما حملك أن تعتزل عن الناس. فقال خشيت أن اسلب ديني ولا أشعر. وهذا إشارة منه إلى مسارقة الطبع واكتسابه الصفات الذميمة من قرناء السوء. مما ينسب إن المجنون، وعليه نفحة معنوية وهو قوله:
(وإني لاستغفي وما بي غفوة ... لعل خيالا منك يلقى خياليا)
(وأخرج من بين البيوت لعلني ... أحدث عنك النفس بالليل خاليا)
للسودي:
(لقد غنى الحبيب لكل صب ... فأين الراقصون على الغناء)
أبو إسحق الصابي:
(إذا جمعت بين امرئين صناعة ... وأحببت أن تدري الذي هو أحذق)
стр. 511
(فلا تتفقد منهما غير ما جرت ... به لهما الأرزاق حيث تفرق)
(فحيث يكون الجهل فالرزق واسع ... وحيث يكون الفضل فالرزق ضيق)
وجدت في بعض الكتب المعتمد عليها: أن أفلاطون كان يقول في صلاته هذه الكلمات: يا روحانيتي المتصلة بالروح الإعلى تضرعي إلى العلة التي أنت معلولة من جهتها لتتضرع إلى العقل الفعال ليحفظ علي صحتي النفسانية، ما دمت في عالم التركيب ودار التكليف. ابن الفارض:
(يا محيى مهجتي ويا متلفها ... شكوى كلفي عسك أن تكشفها)
(عين نظرت إليك ما أشرفها ... روح عرفت هواك ما ألطفها)
سئل اسطرخس الصامت عن علة لزومه الصمت فقال: إني لن أندم عليه قط، وكم ندمت على الكلام. قال بعض الحكماء: ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من الحاسد. كان الحارث بن عبد الله منفاقا، فقيل له في ولده، فقال إني لأستحيي من الله أن أدع لهم ثقة غيره. قال بزرجمهر: من أعيب عيوب الدنيا أنها لا تعطي أحدا ما يستحقه، إما أن تزيده وأما أن تنقصه. أعجز الناس من عجز عن اكتساب اتلإخوان، وأعجز منه من ضيع من ظفر به منهم وقع بين الحسن ﵇ وأخيه محمد بن الحنفية لحاء، ومشى الناس بينهما، تفضلي ولا أفضلك، وأمي امرأة من بني حنيفة، وأمك فاطمة الزهراء ﵂ بنت رسول الله ﷺ ، فلو ملئت الأرض بمثل أمي لكانت أمك خيرا منها، فإذا قرأت كتابي هذا فأقدم حتى تترضاني، فإنك أحق بالفضل مني. والسلام. قد يرضى الرب على العبد بما يغضب به على غيره إذا اختلف مقامهما. وفي الذكر الحكيم تنبيه على ذلك، ألا ترى إلى قصة إبليس وىدم كيف تراهما اشتراكا في اسم المعصية والمخالفة عند من يقول به، ثم تباينا في الاجتباء والعصمة، أما إبليس فأبلس عن رحمة الله، وقيل إنه من المبعدين، وأما آدم فقيل فيه " ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى ".
стр. 512
في الحديث لو لم تذنبوا، لخلق الله تعالى خلقاً يذنبون، فيغفر لهم إنه هو الغفور الرحيم.
في الحديث لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو شر من الذنوب، قيل وما هو يا رسول الله؟ قال: العجب.
أعجز الناس من عجز عن اكتساب الإخوان، وأعجز منه من ضيع من ظفر به منهم.
في كتاب الرجاء من الأحياء قال إبراهيم المطاف خلالي ليلة، وكانت ليلة مظلمة مطيرة فوقفت الملتزم، وقلت: يا رب اعصمني حتى لا أعصيك أبداً فهتف بي هاتف من البيت: يا إبراهيم أنت تسألني العصمة وكل عبادي المؤمنين يطلبون ذلك فإذا عصمتهم فعلى من أتفضل ولمن أغفر؟ !
حوض أرسل إليه ثلاث أنابيب تملؤه إحداهما في ربع يوم، والأخرى في سدسه والأخرى في سبعه، وفي أسفله بالوعة تخليه في ثمن يوم ففي كم يمتلىء؟ .
طريقته: أن يستعلم ما تملؤه الجميع في يوم وهو سبعة عشر حوضاً، وما تفرغه البالوعة وهو ثمانية حياض فأنقصه من الأول يبقى تسعة، ففي اليوم الواحد يمتلىء تسع مرات فيمتلىء مرة في تسع النهار.
جمع الأعداد على النظم الطبيعي بزيادة واحد على الأخير وضرب المجموع في نصف الأخير وجمع الأزواج دون الأفراد بضرب نصف الزوج الأخير فيما يليه بواحد والعكس بزيادة واحد الفرد الأخير وتربيع الحاصل. وجمع المربعات المتوالية بزيادة واحد على ضعف العدد الأخير وبضرب ثلث المجموع في مجموع تلك الأعداد. وجمع المكعبات المتوالية بضرب مجموع تلك الأعداد المتوالية من الواحد في نفسه.
سئل سؤلون الحكيم أي شيء أصعب على الإنسان؟ فقال: معرفة عيب نفسه، والإمساك عن الكلام بما لا يعنيه.
طعن رجل على ديوجانس الحكيم في حسبه، فقال الحكيم: حسبي عيب علي عندك وأنت عيب على حسبك عندي.
ابن الفارض
أوميض برق بالأبيرق لاحا ... أم في ربي نجد أرى مصباحا
أم تلك ليلى العامرية أسفرت ... ليلى فصيرت المساء صباحا
يا راكب الوجنا بلغت المنى ... إن جئت حزناً أو طويت بطاحا
وسلكت نعمان الأراك فعج إلى ... واد هناك عهدته فياحا
стр. 513
فبايمن العلمين من شرقية ... عرج وأم أرينه الفياحا
فإذا وصلت إلى ثنيات اللوى ... فانشد فؤاداً بالأبيطح طاحا
واقرأ السلام عريبة عني وقل ... غادرته لجنابكم ملتاحا
يا ساكني نجد أما من رحمة ... لأسير ألف لا يريد سراحا
هلا بعثتم للمشوق تحية ... في طي صافية الرياح رواحا
يحمى بها من كان يحسب هجركم ... مزحاً ويعتقد المزاح مراحا
يا عاذل المشتاق جهلاً بالذي ... يلقى ملياً لأبلغت نجاحا
أتعبت نفسك في نصيحة من يرى ... أن لا يرى الإقبال وإلا فلاحا
أقصر عدمتك واطرح من أثخنت ... أحشاءه نجل العيون جراحا
كنت الصديق قبيل نصحك مغرماً ... أرأيت صباً يألف النصاحا
إن رمت إصلاحي فإني لم أرد ... لفساد قلبي في الهوى إصلاحا
ماذا يريد العاذلون بعذل من ... لبس الخلاعة واستراح رواحا
يا أهل ودي هل لراجي وصلكم ... طمع؟ فينعم باله استرواحا
مذ غبتم عن ناظري لي أنة ملأت نواحي أرض مصر نواحا
وإذا ذكرتكم أميل كأنني من طيب ذكركم سقيت الراحا
وإذا دعيت إلى تناسي عهدكم ألفيت أحشائي بذاك شحاحا
سقياً لأيام مضت مع جيرة كانت ليالينا بهم أفراحا
حيث الحمى وطني وسكان الفضا سكني وورد الماء فيه مباحا
وأحيله إربي وظل نخيله طربي ورملة وادييه مراحا
واحاً على ذاك الزمان وطيبه أيام كنت من اللغوب مراحا
قسماً بمكة والمقام ومن أتى البيت الحرام ملبياً سياحا
ما رنحت ريح الصبا شيح الربى إلا وأهدت منكم أرواحا من النهج من كتاب كتبه أمير المؤمنين كرم الله وجهه إلى الحارث الهمداني جد جامع
стр. 514
الكتاب: وتمسك بحبل القرآن وانتصحه وأحل حلاله وحرم حرامه وصدق بما سلف من الحق واعتبر بما مضى من الدنيا على ما بقي منها، فإن بعضها يشبه بعضاً وآخرها لاحق بأولها كلها حايل مفارق وعظم اسم الله أن تذكره إلا على حق وأكثر ذكر الموت وما بعد الموت، ولا تتمن الموت إلا بشرط وثيق، واحذر كل عمل يرضاه صاحبه لنفسه ويكرهه لعامة المسلمين واحذر كل عمل إذا سئل صاحبه عنه أنكره واعتذر منه. ولا تجعل عرضك عرضاً لنبال القوم. ولا تحدث الناس بكل ما سمعت فكفى بذلك كذباً. ولا ترد على الناس كلما حدثوك به، فكفى بذلك جهلاً واكظم الغيظ واحلم عند القدرة، واصفح مع الغضب وتجاوز عند الدولة تكن لك العاقبة واستصلح كل نعمة أنعم الله عليك، ولا تضيعن نعمة من نعم الله عندك وليكن عليك أثر ما أنعم الله به عليك.
واعلم أن أفضل المؤمنين أفضلهم تقدمة من نفسه وأهله وماله، وأنك ما تقدم من خير يبق لك ذخره، وما تؤخر يكن لغيرك خيره، واحذر صحابة من يفيل ريه أو ينكر عمله، فإن الصاحب معتبر بصاحبه واسكن الأمصار العظام فإنها جماع المسلمين، واحذر منازل الغفلة والجفا وقلة الأعوان على طاعة الله وأقصر رأيك على ما يعنيك وإياك ومقاعد الأسواق فإنها محاضر الشيطان، ومعاريض الفتن، وأكثر أن تنظر إلى من فضلت عليه فإن ذلك من أبواب الشكر. ولا تسافر في يوم جمعة حتى تشهد الصلاة إلا قاصداً في سبيل الله، أو في أمر تعذر به وأطع الله في جل أمورك فإن طاعة الله فاضلة على ما سواها، وخادع نفسك في العبادة، وارفق بها ولا تقهرها وخذ عفوها ونشاطها إلا ما كان مكتوباً عليك من الفريضة، فإنه لابد من قضائها، وتعدها عند محلها. وإياك أن ينزل بك الموت، وأنت آبق من ربك في طلب الدنيا. وإياك ومصاحبة الفساق فإن الشر بالشر ملحق، ووقر الله. وأحب أحباءه واحذر الغضب فإنه جند عظيم من جنود إبليس والسلام.
من الملل والنحل، بقراط واضع الطب قال بفضله الأوايل والأواخر ومن كلامه الأمن مع الفقر، خير من الخوف مع الغنى.
ودخل على عليل. فقال: أنا والعلة وأنت ثلثة، فإن اعنتني عليها بالقبول لما أقول صرنا اثنين، وانفردت العلة والاثنان إذا اجتمعا على واحد غلباه.
وسئل ما بال الانسان أثور ما يكون بدنه إذا شرب الدواء؟ فقال: كما أن البيت أكثر ما يكون غباراً إذا كنس.
وقال يداوي كل عليل بعقاقير أرضه. فإن الطبيعة متطلعة إلى هواها، نازعة إلى غذائها
стр. 515
منه: كان ثانينة نقاشا حاذقا فأتى ديمقراطيس وقال: جصص بيتك حتى انقشه وأصوره لك، فقال ديمقراطيس، صوره أولا حتى أجصصه.
من كلام بعض الحكماء: الموت كسهم مرسل عليك وعمرك بقدر مسيره إليك.
غيلان الاصفهان يهجو
رغيفك في الامن يا سيدي ... يحل محل حمام الحرم
فلله درك من ماجد ... حرام الرغيف حلال الحرم
ابن فارس
اسمع مقالة ناصح ... جمع النصيحة والمقة
اياك واحذران تبيت ... من الثقاة على ثقة
في أحاديث شريفة عن زرارة عن أبي جعفر عن النبي ﷺ قال: " إذا زالت الشمس فتحت أبواب السماء، وأبواب الجنان واستجيب الدعاء، فطوبى لمن رفع له عمل صالح "
السيد الرضي
أملتكم لدفاع كل ملمة ... عني فكنتم عون كل ملمة
فلأرحلن رحيل لا متلهف ... لفراقكم أبداً ولا متلفت
ولأنفضن يدي يأساً منكم ... نفض الأنامل من تراب الميت
وأقول للقلب المنازع نحوكم ... أقصر هواك لك اللتيا والتي
يا ضيعة الأمل الذي وجهته ... طمعاً إلى الأقوام بل يا ضيعتي
لبعضهم:
(كيف يرجى الصلاح من أمر قوم ... ضيعوا الحزم فيه أي ضياع)
(فمطاع المقال غير سديد ... وسديد المقال غير مطاع)
من النهج: إن الله فرض عليكم فروضاً، فلا تضيعوها، وحد لكم حدوداً، فلا تعتدوها، ونهاكم عن أشياء، فلا تهتكوها، وسكت لكم عن أشياء ولم يدعها نسياناً فلا تتكلفوها.
قال بعض العارفين: قد جمعت مكارم الخصال في أربع: قلة الكلام، وقلة الطعام وقلة المنام، والاعتزال عن الأنام.
стр. 516
ينسب إلى المجنون
تمنيت من ليلى على البعد نظرة ... ليطفي جوى بين الحشا والأضالع
فقالت نساء الحي تطمع أن ترى ... بعينيك ليلى مت بداء المطامع
وكيف ترى ليلى بعين ترى بها ... سواها وما طهرتها بالمدامع
وتلتذ منها بالحديث وقد جرى ... حديث سوا ما في خروق المسامع
من النهج خالطوا الناس مخالطة أن متم معها بكوا عليكم وان عشتم حنوا إليكم. أعمال العباد في عاجلهم نصب أعينهم في آجلهم.
من كلامهم: لو صور الصدق لكان أسداً ولو صور الكذب لكان ثعلباً، للبستي
إذا صبحت الملوك فالبس ... من التوقى أعز ملبس
وادخل إذا ما دخلت أعمى ... وأخرج إذا ما خرجت أخرس
متاع التاجر في كسبه، ومتاع العالم في كراريسه.
قال يحيى بن معاذ: إنكسار العاصين أفضل عندنا من صولة المصلين.
من النهج: من أراد الغنى بلا مال، والعز بلا عشيرة، والطاعة بلا سلطان، فليخرج من ذل معصية الله إلى عز طاعة الله، فإنه واجد ذلك كله.
ومنه سئل ﵇ عن قول النبي ﷺ : غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود، فقال كرم الله وجهه: إنما قال ﷺ ذلك والدين قل، فأما الآن وقد اتسع نطاقه، وضرب بجرانه، فأمره وما اختار. انتهى.
لبعضهم:
(لله تحت قباب العز طائفة ... أخفاهم في لباس الفقر إجلالا)
تقويم الشمس
اذا أردت معرفة تقويم الشمس في بلد معلوم العرض، فاعرف الفصل الذي أنت فيه من فصول السنة، واستعلم غاية ارتفاع الشمس ذلك اليوم، وخذ التفاوت بينه وبين تمام العرض أعني ميلها وعد بقدره من أجزاء المقنطرات على خط وسط السماء، مبتدياً من مدار رأس الحمل إلى مدار رأس السرطان؛ إن كانت في ربع الربيعي أو الصيفي، وإلا
стр. 517
فإلى مدار رأس الجدي، وعلم ما انتهى إليه العدد، ثم امرر ربعها على خط وسط السماء، فما وقع من المنطقة على العلامة فهو موضعها.
قولهم هذا الأمر مما تركب له أعجاز الابل، أي مما يقاسي لأجله الذل، والأصل في هذا المثل، إن الرديف كالعبد والأسير، ومن يجري مجراهما يركب عجز البعير؛ قاله الرضي في النهج عند قول أمير المؤمنين ﵇ لنا حق فإن أعطيناه، وإلا ركبنا أعجاز الابل وإن طال السرى.
من شرح النهج لابن أبي الحديد في قوله: وطويت دونها كشحاً، قال الشارح أي قطعتها وصرمتها، وهو مثل قالوا لأن من كان إلى جنبك الأيمن مثلاً فطويت كشحك الأيسر، فقد ملت عنه؛ والكشح ما بين الخاصرة والجنب وعندي أنهم أرادوا غير ذلك وهو أن من أجاع نفسه، فقد طوى كشحه كما أن من أكل وشبع؛ فقد ملا كشحه، فكأنه قال كأني أجعت نفسي عنها، ولم اكتنفها
وقال الشيخ كمال الدين ابن ميثم البحراني: أنه ﵇ نزلها منزلة المأكول الذي منع نفسه من أكله، وقيل أراد به بطي الكشح التفاته عنها كما يفعله المعرض.
عنه صلى الله عليه وآله قال، " ليجيئن يوم القيامة أقوام لهم من الحسنات كأمثال جبال تهامة فيؤمر بهم إلى النار "، فقال يا نبي الله أمصلون فقال: " كانوا يصلون، ويصومون، ويأخذون وهنا من الليل، لكنهم كان إذا لاح لهم شيء من الدنيا وثبوا عليه ".
قال بعض السلف؛ كن وصي نفسك، ولا تجعل الناس أوصيائك، كيف تلومهم أن يضيعوا وصيتك؛ وقد ضيعتها في حياتك
طرق معرفة ارتفاع الأرض وانخفاضها
إذا أردت إنشاء نهر أو قناة، فأردت أن تعرف صعود مكان على مكان وانخفاضه عنه، فلك فيه طرق: أحدها أن تعمل صفحة من نحاس أو غيره من الأجسام الثقيلة مثلثة متساوي الساقين وتضع على طرفيها لبنتين كما في عضادتي الاسطرلاب، وفي موقع العمود منها خيط رقيق في طرفه ثقالة، فإذا أردت الوزن أدخلت الصفحة في خيط طوله خمسة عشر ذراعاً وليكن الصفحة في حاق الوسط منه، وطرفاه على خشبتين طول كل واحدة خمسة أشبار مقومتين غاية
стр. 518
التقويم بيدي رجلين كل منهما في جهة والبعد بينهما بقدر طول الخيط وأنت تنظر في لسان الميزان فإن انطبق على المنجم فالأرض معتدلة، وإن مال فالمائل عنها هي العليا. وتعرف كمية الزيادة في العلو بأن تحط الخيط عن رأس الخشبة إلى أن تطابق المنجم واللسان، ومقدار ما نزل من الخيط هو الزيادة ثم تنقل إحدى رجلي الميزان إلى الجهة التي تريد وزنها وتثبت الأخرى إلى أن يتم العمل وتحفظ مقدار الصعود بخيط على حدة، وكذا مقدار الهبوط ثم يلقى القليل من الكثير فالباقي هو تفاوت المكانين في الإرتفاع، وإن تساويا شق نقل الماء وإن نزلت ما وقع إليها الثقل سهل ذلك، وإن علت امتنع. وهذه صورة الميزان وآلات الوزن وقد يستغنى عن الصفحة بالأنبوبة التي يصب فيها الماء من منتصفها، فإن قطر من طرفيها على السواء أنبأ عن التعادل وإلا عمل كما عرفت.
هذه كتابة كتبها العارف الواصل الصمداني الشيخ محيي الدين ابن عربي
حشره الله مع محبيه إلى الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وعلى وليي في الله فخر الدين محمد أعلى الله همته، وأفاض عليه بركاته ورحمته، وبعد، فإن الله يقول: " وتواصوا بالحق " وقد وقفت على بعض تؤاليفك وما أيدك الله به من القوة المتخيلة والفكرة الجيدة، ومتى تغدت النفس كسب يديها فإنها لا تجد حلاوة الجود والوهب، وتكون ممن أكل من تحته، والرجل من يأكل من فوقه كما قال الله تعالى: " ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم " وليعلم وليي وفقه الله تعالى: أن الوراثة الكاملة هي التي تكون في كل الوجوه لا من بعضها، والعلماء ورثة الأنبياء. فينبغي للعاقل العالم أن يجتهد لأن يكون وارثاً من كل الوجوه، ولا يكون ناقص الهمة، وقد علم وليي وفقه الله تعالى أن حسن الطبيعة الإنسانية بما تحمله من المعارف الإلهية وقبحها بضد ذلك. فينبغي للعالي الهمة أن لا يقطع عمره في معرفة المحدثات وتفاصيلها، فيفوته حظه من ربه وينبغي له أيضاً أن يشرح نفسه من سلطان فكره فإن الفكر يعلم مأخذه، والحق المطلوب ليس ذلك والعلم بالله غير العلم بوجود الله، فينبغي للعاقل أن يخلي قلبه عن الفكر إذا أراد معرفة الله من حيث المشاهدة. وينبغي للعالي الهمة أن لا يكون تلقيه عند هذا من عالم الخيال، وهي الأنوار المتجسدة الدالة على معان وراءها، فإن الخيال ينزل المعاني العقلية في القوالب الحسية كالعلم في صورة اللبن، والقرآن في صورة الحبل، والدين في صورة القبة. وينبغي
стр. 519
للعالي الهمة أن لا يكون معلمه مؤنثاً كما لا ينبغي أن يأخذ من فقير أصلاً، وكل ما لا كمال له إلا بغيره فهو فقير. وهذا حال كل ما سوى الله تعالى. فارفع الهمة في أن لا تأخذ علماً إلا من الله سبحانه على الكشف واليقين.
واعلم أن أهل الأفكار إذا بلغوا فيه الغاية القصوى أداهم فكرهم إلى حال المقلد المصمم، فإن الأمر أجل وأعظم من أن يقف فيه الفكر، فما دام الفكر موجوداً فمن المحال أن يطمئن العقل ويسكن، وللعقول حد تقف عنده من حيث قوتها في التصرف الفكري ولها صفة القبول لما يهبه الله تعالى، فإذن ينبغي للعاقل أن يتعرض لنفحات الجود ولا يبغي ماسوراً في تقييد نظره وكسبه، وإنه على شبهة في ذلك. ولقد أخبرني من ألفت به من إخوانك من له فيك نية حسنة. أنه رآك وقد بكيت يوماً فسألك هو ومن حضر عن بكاءك؟ فقلت مسألة اعتقدتها منذ ثلاثين سنة تبين لي الساعة بدليل لاح لي أن الأمر على خلاف ما كان عندي، فبكيت وقلت، لعل الذي لاح لي أيضاً يكون مثل الأول، فهذا قولك. ومن المحال على الواقف بمرتبة العقل والفكر أن يسكن أو يستريح، ولاسيما في معرفة الله تعالى. فما لك يا أخي تبقى في هذه الورطة ولا تدخل طريق الرياضيات والمكاشفات والمجاهدات والخلوات التي شرعها رسول الله ﷺ فتنال ما نال من قال فيه : " عبداً من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علماً " ومثلك من يتعرض لهذه الخطة الشريفة والمرتبة العظيمة الرفيعة.
وليعلم وليي وفقه الله تعالى أن كل موجود عند سبب ذلك السبب محدث مثله، فإن له وجهين: وجه ينظر به إلى سببه، ووجه ينظر به إلى موجده. وهو الله تعالى، فالناس كلهم ناظرون إلى وجوه أسبابهم، والحكماء والفلاسفة كلهم وغيرهم إلا المحققين من أهل الله تعالى كالأنبياء والأولياء والملائكة عليهم الصلاة والسلام، فإنهم مع معرفتهم بالسبب ناظرون من الوجه الآخر إلى موجدهم، ومنهم من نظر إلى ربه من وجه سببه لا من وجهه. فقال: حدثني قلبي عن ربي وقال الآخر وهو الكامل: حدثني ربي ومن كان وجوده مستفاداً من غيره فإن حكمه عندنا لا شئيء فليس للعارف معول إلا الله سبحانه البتة وأعلم أن الوجه الإلهي الذي هو الله اسم لجميع الأسماء: مثل الرب والقدير والشكور، وجميعها كالذات الجامعة لما فيها من الصفات، فاسم الله مستغرق
стр. 520
لجميع الأسماء فتحفظ عند المشاهدة، فإنك لا تشاهده أصلاً، فإذا ناجاك به وهو الجامع فانظر ما يناجيك به وانظر المقام الذي تقتضيه تلك المناجاة، وتلك المشاهدة، وانظر أي اسم هو الذي خاطبك أو شاهدته فهو المعبر عنه بالتهول في الصورة كالغريق، إذا قال يا الله فمعناه: يا غياث أو يا منجي أو يا منقذ وصاحب الألم إذا قال يا الله فمعناه: يا شافي أو يا معافي وما أشبه ذلك.
وقولي لك التحول في الصورة ما رواه مسلم في صحيحه أن الباري تعالى يتجلى فينكر ويتعوذ منه فيتحول لهم في الصورة التي عرفوه فيها فيفترون بعد الإنكار، هذا هو معنى المشاهدة هيهنا والمناجاة والمخاطبات الربانية.
وينبغي للعاقل أن لا يطلب من العلوم إلا ما يكمل به ذاته، وينتقل معه حيث انتقل وليس ذلك إلا العلم بالله تعالى، فإن علمك بالطب إنما يحتاج إليه في عالم الأمراض والأسقام، فإذا انتقلت إلى عالم ما فيه السقم ولا المرض ممن تداوي بذلك العلم، وكذلك العلم بالهندسة إنما يحتاج إليه في عالم المساحة فإذا انتقلت تركته في عالمه ومضت النفس ساذجة ليس عندها شيء منه، وكذلك الاشتغال بكل علم تركته النفس عند انتقالها إلى اشتغال الآخرة.
فينبغي للعاقل أن لا يأخذ منه إلا ما مست إليه الحاجة والضرورة، وليجتهد في تحصيل ما ينتقل معه حيث انتقل وليس ذلك إلا علمان خاصة العلم بالله، والعلم بمواطن الآخرة ما يقتضيه مقاماتها حتى يمشي فيها كمشيه في منزله، فلا ينكر شيئاً أصلاً، فلا يكون من الطائفة التي قالت عندما تجلى لها ربها: نعوذ بالله منك لست ربنا. ها نحن منتظرون حتى يأتينا ربنا فلما جاءهم في الصورة التي عرفوها أقروا به فما أعظمها من حسرة، فينبغي للعاقل الكشف عن هذين العلمين بطريق الرياضة والمجاهدة والخلوة على الطريقة المشروطة.
وكنت أريد أن أذكر الخلوة وشروطها، وما يتجلى فيه على الترتيب شيئاً بعد شيء لكن منع مني ذلك الوقت وأعني بالوقت علماء السوء الذين أنكروا ما جهلوا، وقيدهم التعصب وحب الظهور والرياسة عن الإذعان للحق والتسليم له إن لم يكن الإيمان به والله ولي الكفاية: كان توبة بن الصمة محاسباً لنفسه في أكثر أوقات ليله ونهاره، فحسب يوماً ما مضى من عمره فإذا هو ستون سنة، فحسب أيامها فكانت إحدى وعشرين ألف يوم وخمسمائة يوم، فقالت: يا ويلتا ألقى مالك بإحدى وعشرين ألف ذنب ثم صعق صعقة كانت فيها نفسه.
стр. 521
قال بوزرجمهر: من لم يكن له أخ يرجع إليه في أموره، ويبذل نفسه وما له في شدته فلا يعدن نفسه من الأحياء.
وقال بعض الحكماء: لا تساغ مرارة الحياة، إلا بحلاوة الإخوان الثقات. وقال بعضهم: من لقي الصديق الذي يفضي إليه بسره، فقد لقي السرور بأسره وخرج من عقال لهم بعمره.
وقيل: لقاء الخليل يفرج الكروب، وفراقه يقرح القلوب.
من كتاب أدب الكاتب يذهب الناس إلى أن الظل والفيء واحد، وليس كذلك: لأن الظل يكون من أول النهار إلى آخره ومعنى الظل الستر، والفيء لا يكون إلا بعد الزوال ولا يقال لما كان قبل الزوال فيء، وإنما سمي فيئاً: لأن الظل فاء من جانب إلى جانب: أي رجع من جانب المغرب إلى جانب المشرق، والفيء الرجوع قال الله تعالى: " حتى تفيء إلى أمر الله " أي ترجع.
قيل لأعرابي: كيف حالك؟ فقال: بخير أمزق ديني بالذنوب وأرقعه بالإستغفار وإليه ينظر قول الشاعر:
نرقع دنيانا بتمزيق ديننا فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع
فطوبى لعبد آثر الله ربه وجاد بدنياه لما يتوقع
لبعضهم
ولما توافينا بمنعرج اللوى بكيت إلى أن كدت بالدمع أشرق
فقالت أتبكي؟ ﴿والتواصل بيننا فقلت ألسنا بعده نتفرق؟﴾
قال بعضهم: عشيرتك من أحسن عشرتك، وعمك من عمك خيره، وقريبك من قرب منك نفعه.
قال ابن السكين: الشرف والمجد يكونان بالآباء، يقال رجل شريف ماجد أي له آباء متقدمون في النبالة والشأن، وأما الحسب والكرم فيكونان في الرجل وإن لم يكن له آباء ذو نبل وشرف.
لبعض الأعراب:
تسبق أموالنا مؤملنا ... لا يعترينا مطل ولا بخل
تسمح قبل السؤال أنفسنا ... بخلا على ماء وجه من يسل
стр. 522
لبعضهم:
إذا قال مال المرء قل بهاؤه ... وضاقت عليه أرضه وسملؤه
وأصبح لا يدري وإن كان حازما ... أقدامه خير له أم وراؤه
وإن غاب لم يشتق إليه خليله ... وإن عاش لم يسرر صديقا بقاؤه
وللموت خير لأمرئ خصاصة ... من العيش في ذل كثير عناؤه
ولبعضهم:
إنما الدنيا فناء ... ليس للدنيا ثبوت
إنما الدنيا كبيت ... نسجته العنكبوت
كل ما فيها لعمري ... عن قليل سيفوت
ولقد يكفيك منها ... أيها الطالب قوت
الابل اسم جمع لا واحد له من لفظه وهو مؤنث لأن اسم الجمع لغير العاقل يلزم التأنيث وإذا صغرت الإبل قلت أبيله بالهاء.
سئل بعض العارفين امرأة في البادية؛ ما الحب عندكم؟ فقال: جل فلا يخفى أو دق فلا يرى وهو كامن في الحشاكمون النار في الصفا، إن قدحته أورى، وإن تركته توارى.
من كتاب أنيس العقلاء اعلم أن النصر مع الصبر والفرج من الكرب واليسر مع العسر.
قال بعض الحكماء بمفتاح عزيمة الصبر تعالج مغاليق الأمور؛ وقال بعضهم عند انسداد الفرج تبدو مطالع الفرح.
ولله در من قال
الصبر مفتاح ما يرجى ... وكل صعب به يهون
فاصبروا إن طالت الليالي ... فربما أمكن الحزون
وربما نيل باصطبار ... ما قيل هيهات لا يكون
جار الله الزمخشري
وقائلة ما هذه الدرر التي ... تساقطها عيناك سمطين سمطين
فقلت هي الدرر التي قد حشى بها ... أبو مضر اذني تساقط من عيني
стр. 523
الصلاح الصفدي
نزهت طرفي في وجه ظبى ... كم نلت في الحب منه منة
لم أشق من بعدها لأني ... نعمت في وجنة وجنة
دخل بعضهم على المأمون في مرضه الذي مات فيه، فوجده قد أمر أن يفرش له جل الدابة، وبسط عليه الرماد وهو يتمرغ عليه ويقول: يا من لا يزول ملكه، ارحم من قد زال ملكه.
لغويات
من كتاب تقويم اللسان لابن الجوزي، جواب لا يجمع وقول العامة أجوبة كتبي وجوابات كتبي غلط والصحيح جواب كتبي.
حاجات وحاج جمع حاجة وحوائج غلط.
يقال حميت المريض لا أحميته.
يقال للقائم اقعد وللنائم اجلس، والعكس غلط، يقال الحمد لله كان كذا لا الذي كان كذا.
العروس يقال للرجل والمرأة لا للمرأة فقط، لا يقال كثرت عيلته، إنما يقال: كثرت عياله، والعيلة الفقر.
المصطكي بفتح الميم والضم غلط.
الصلاح الصفهدي:
قد أنزل الدهر حظي بالحضيض إلى ... أن اغتديت بما ألقاه منه لقا
يضوع عرف اصطباري إذ يضيعني ... والعود يزداد طيبا كلما حرقا
أبو الفتح البستي
تحمل أخاك على ما به ... فما في استقامته مطمع
وإني له خلق واحد ... وفيه طبايعه الأربع
محمد بن عبد العزيز النبلي:
وذي جدال لنا كشفت له ... عن خطأ كان قد تعسفه
فلم يجبني بغير ضحكته ... والضحك في غير موضع سفه
стр. 524
لبعضهم:
لسان من يعقل في قلبه ... وقلب من يجهل في فيه
يمكن استخراج خط نصف النهار من الارتفاع، بأن ترضد غاية الارتفاع للشمس في يوم مفروض، وتخرج من أصل المقياس في الأرض المستوية على منتصف عرض الظل خطا على استقامة الظل، وتمده في الجهتين فهو خط نصف النهار. انتهى.
خسر وفريدوزين جلال الدين يصف ناقته:
إذا برها السرى مالت نواظرها ... تشكو إلى الركب ما تلقاه في الركب
دعاء السمات
اللهم إني أسألك بإسمك العظيم الأعظم الأعظم الأعظم الأعز الأجل الأكرم الذي إذا دعيت به على مغالق أبواب السماء للفتح بالرحمة انفتحت وإذا دعيت به على مضائق أبواب الأرض للفرج انفرجت وإذا دعيت به على العسر لليسر تيسرت وإذا دعيت به على الأموات للنشور انتشرت وإذا دعيت به على كشف البأساء والضراء انكشفت وبجلال وجهك الكريم أكرم الوجوه وأعز الوجوه الذي عنت له الوجوه وخضعت له الرقاب وخشعت له الأصوات ووجلت له القلوب من مخافتك وبقوتك التي تمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنك وتمسك السماوات والأرض أن تزولا وبمشيئتك التي دان لها العالمون وبكلمتك التي خلقت بها السماوات والأرض وبحكمتك التي صنعت بها العجائب وخلقت به الظلمة الظلمات وجعلتها ليلاً وجعلت الليل سكناً وخلقت بها النور وجعلته نهاراً وجعلت النهار نشوراً مبصراً وخلقت بها الشمس ضياء وخلقت بها القمر وجعلت القمر نوراً وخلقت بها الكواكب وجعلتها نجوماً وبروجاً ومصابيح وزينة رجوماً وجعلت لها مشارق ومغابر وجعلت لها مطالع ومجاري وجعلت لها فلكاً ومسابح وقدرتها في السماء منازل فأحسنت تقديرها وصورتها فأحسنت تدبيرها وسخرتها بسلطان الليل وسلطان النهار والساعات وعدد السنين والحساب وجعلت رؤيتها لجميع الناس مرئى مراء واحداً وأسألك اللهم بمجدك الذي كلمت به عبدك ورسولك موسى بن عمران في المقدسين فوق إحساس الكروبين فوق غمائم النور فوق تابوت الشهادة في عمود النار في طور سيناء وفي جبل حوريث في الوادي المقدس في البقعة المباركة من جانب الطور الأيمن من الشجرة وفي أرض مصر بتسع آيات بينات ويوم فرقت لبني
стр. 525
إسرائيل وفي المنبجسات التي صنعت بها العجائب في بحر سوف وعقدت بها ماء البحر في قلب الغمر كالحجارة وجاوزت ببني إسرائيل البحر وتمت كلمتك الحسنى عليهم بما صبروا وأورثتهم مشارق الأرض ومغاربها التي باركت عليهم فيها للعالمين وأغرقت فرعون وجنوده ومراكبهم في اليم وباسمك العظيم الأعظم الأعظم الأجل الأكرم وبمجدك الذي تجليت به لموسى ﵇ كليمك في طور سيناء ولإبراهيم خليلك ﵇ من قبل في مسجد الخيف ولإسحاق صفيك في بئر شيع وليعقوب نبيك ﵇ في بيت إيل وأوفيت لإبراهيم ﵇ بميثاقك ولإسحاق بحلفك وليعقوب بشهادتك وللمؤمنين بوعدك وللداعين بأسماءك فأجبت وبمجدك الذي ظهر لموسى بن عمران ﵇ على قبة الرمان وبأيدك التي رفعت على أرض مصر بمجد العزة والغلبة بآيات عزيزة وبسلطان القوة وبعزة القدرة وبشأن الكلمة التامة وبكلماتك التي تفضلت بها على أهل السماوات والأرض وأهل الدنيا والآخرة وبرحمتك التي مننت بها على جميع خلقك وباستطاعتك التي أقمت بها على العالمين وبنورك الذي قد خر من فزعه طور سيناء وبعلمك وجلالك وكبرياءك وعزتك وجبروتك التي تستقلها الأرض وانخفضت لها السماوات وانزجر لها العمق الأكبر وركدت لها البحار والأنهار وخضعت لها الجبال وسكنت لها النيران في أوطانها وبسلطانك الذي عرفت لك به الغلبة دهر الدهور وخمدت به في السماوات والأرضين وبكلمتك كلمة الصدق التي سبقت لأبينا آدم وذريته بالرحمة وأسألك بكلمتك التي غلبت كل شيء وبنور وجهك الذي تجليت به للجبل فجعلته دكاً وخر موسى صعقاً وبمجدك الذي ظهر على طور سيناء فكلمت به عبدك ورسولك موسى بن عمران وبطلعتك في ساعير وظهورك في جبل فاران بربوات المقدسين وجنود الملائكة الصافين وخشوع الملائكة المسبحين وببركاتك التي باركت فيها لإبراهيم خليلك ﵇ في أمة محمد صلواتك عليه وآله وباركت لإسحاق صفيك في أمة عيسى ﵇ وباركت ليعقوب إسرائيلك في أمة موسى ﵇ وباركت لحبيبك محمد ﷺ في عترته وذريته وأمته اللهم وكما غبنا عن ذلك ولم نشهده وآمنا به ولم نره صدقاً وعدلاً أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تبارك على محمد وآل محمد وترحم على محمد وآل محمد كأفضل ما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد فعال لما تريد وأنت على كل شيء قدير شهيد ثم اذكر ما تريد. ثم قل يا الله يا حنان يا منان يا بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا أرحم الراحمين اللهم
стр. 526
بحق هذا الدعاء وبحق هذه الأسماء التي لا يعلم تفسيرها ولا يعلم ظاهرها ولا يعلم باطنها غيرك صل على محمد وآل محمد وافعل بي كذا وكذا وانتقم لي من فلان بن فلان واغفر لي ذنوبي ما تقدم منها وما تأخر ووسع علي من حلال رزقك واكفني مؤنة إنسان سوء وجار سوء وسلطان سوء إنك على كل شيء قدير وبكل شيء عليم آمين رب العالمين انتهى
قال في حكمة الإشراق عند ذكر الجن والشياطين: وقد شهد جمع لا يحصى عددهم من أهل دربند من مدن شيروان، وقوم لا يعدون من أهل ميانج من مدن آذربايجان أنهم شاهدوا هذه الصور كثيراً بحيث أكثر أهل المدينة كانوا يرونهم دفعة في مجمع عظيم على وجه ما أمكنهم دفعهم، وليس ذلك مرة أو مرتين بل كل وقت يظهرون ولا يصل إليهم أيدي الناس. انتهى.
ولله در من قال
عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى ... وصوت انسان فكدت أطير
أسلك من الطرق المناهج ... وأصبر ولو حملت عالج
وسع همومك لا تضق ... ذرعاً بها فلها مخارج
إذا رأيت أموراً منها القلوب تفتت ... فتش عليها تجدها من النساء تأتت
ابن الفارض
قلبي يحدثني بأنك متلفي ... روحي فداك عرفت أم لم تعرفي
لم أقض حق هواك أن كنت الذي ... لم أقض فيه أسى ومثلي من يفي
ما لي سوى روحي وباذل نفسه ... في حب من يهواه ليس بمسرف
فلئن رضيت بها فقد أسعفتني ... يا خيبة المسعى إذا لم تسعف
يا مانعي طيب المنام ومانحي ... ثوب السقام به ووجدي المتلفي
عطفاً على رمقي وما أبقيت لي ... من جسمي المضني وقلبي المدنف
فالوجد باق والوصال مماطلي ... والصبر فان واللقاء مسوفي
стр. 527
لم أخل من حسد عليك فلا تضع ... سهري بتشييع الخيال المرجف
وأسأل نجوم الليل هل زار الكرى ... جفني وكيف يزور من لم يعرف
وبما جرا في موقف التوديع من ... ألم النوى شاهدت هول الموقف
إذ لم يكن وصل لديك فعد به ... أملي وماطل إن وعدت ولا تفي
فالمطل منك لدي إن عز اللقا ... يحلو كوصل من حبيب مسعف
اهفوا لأنفاس النسيم تعلة ... ولوجه من نقلت شذاه تشوفي
فلعل نار جوانحي بهبوبها ... أن تنطفي وأودان لا تنطفي
يا أهل ودي أنتم أملي ومن ... ناداكم يا أهل ودي قد كفي
عودوا لما كنتم عليه من الوفا ... كرما فإني ذلك الخل الوفي
وحياتكم وحياتكم قسماً وفي ... عمري بغير حياتكم لم أحلف
لو أن روحي في يدي ووهبتها ... لمبشري بقدومكم لم أنصف
لا تحسبوني في الهوى متصنعا ... كلفي بكم خلق بغير تكلف
أخفيت حبكم فأخفاني أسى ... حتى لعمري كدت عني أختفي
ولقد أقول لمن تحرش بالهوى ... عرضت نفسك للبلا فاستهدف
أنت القتيل بأي من أحببته ... فاختر لنفسك في الهوى من يصطفي
قل للعذول أطلت لومي طامعاً ... إن الملام عن الهوى مستوقفي
دع عنك تعنيفي وذق طعم الهوى ... فإذا عشقت فبعد ذلك عنف
برح الخفاء بحب من لو في الدجا ... سفر اللثام لقلت يا بدر اختفي
وكتمه عني لو ابديته ... لو جدته أخفى من اللطف الخفي
ولقد أقول لمن تحرش بالهوى ... عرضت نفسك للبلا فاستهدف
أنت القتيل بأي من أحببته ... فاختر لنفسك في الهوى من يصطفي
قل للعذول أطلت لومي طامعاً ... إن الملام عن الهوى مستوقفي
دع عنك تعنيفي وذق طعم الهوى ... فإذا عشقت فبعد ذلك عنف
برح الخفاء بحب من لو في الدجا ... سفر اللثام لقلت يا بدر اختفي
وإن اكتفى غيري بطيف خياله ... فأنا الذي بوصاله لا أكتفي
وقف عليه محبتي وبمحنتي ... بأقل من تلفى به لا أشتفي
وهواه وهو اليتي وكفى به ... قسماً أكاد أجله كالمصحف
لو قال تيهاً قف على جمر الغضاء ... لوقفت ممتثلاً ولم أتوقف
أو كان من يرضى بخدي موطئاً ... لوضعته أرضاً ولم أستنكف
стр. 528
غلب الهوى فأطعت أمر صبابتي ... من حيث فيه عصيت نهي معنفي
مني له ذل الخضوع ومنه لي ... غز المنوع وقوة المستضعفي
ألف الصدود ولي فؤاد لم يزل ... مذ كنت غير وداده لم يألف
يا ما أميلح كل ما يرضى به ... ورضا به ياما أحيلاه بفي
لو أسمعوا يعقوب بعض ملاحة ... في وهه نسى الجمال اليوسفي
أو لو رآه عائدا أيوب في ... سنة الكرى قدما من البلوى شفي
كل البدور إذا تجلى مقبلا ... تعنوا إليه وكل قد أهيف
إن قلت عندي فيك كل صبابه ... قال الملاحة لي وكل الحسن في
كملت محاسنه فلو أبدى السنا ... للبدر عند تمامه لم يخسف
وعلى تفنن واصفيه بحسنه ... يفنى الزمان وفيه ما لم يوصف
ولقد صرفت لحبه كلي على ... يد حسنه فحمدت حسن تصرفي
فالعين تهوى صورة الحسن التي ... روحي بها تصبو إلى معنى خفي
أسعد أخي وغن لي بحديثه ... وانثر على سمعي حلاه وشنف
لأرى بعين السمع شاهد حسنه ... معنى فاتحفني بذاك وشرف
يا أخت سعد من حبيبي جئتني ... برسالة أديتها بتلطف
فسمعت ما لم تسمعي ونظرت ما ... لم تنظري وعرفت ما لم تعرفي
إن زاد يوماً يا حشاي تقطعي ... كلفا به أو ساريا عين اذرفي
ما للنوى ذنب ومن أهوى معي ... إن غاب عن إنسان عيني فهو في
قال الشريف المرتضي ره، خطر ببالي إن أفرد ما قيل فيمن ضاجع محبوبته وهو مرتدء سيفاً في تلك الحال فاتكلم على محاسنه، فأنه معنى مثمر مقصود، ثم أنه أورد بعد كلام طويل هذه الأبيات الثلاثة لامرئ القيس:
فبتنا نذود الوحش عنا كأننا ... قتيلان لم يعرف لنا الناس مضجعا
تجافى عن المأثور بيني وبينها ... وترخي على السابري المضلعا
إذا أخذتها هزة الروع أمسكت ... بمنكب مقدام على الهول أروعا وقال رأيت قوماً من متعمقي أصحاب المعاني يقولون، أراد بالمأثور السيف وعني
стр. 529
أنه كان مقلداً حال مضاجعته لها سيفاً؛ وأنها كانت تتجافى عنه استثقالاً له ثم قال بعد كلام: والذي يقوي في نفسي أن امرأ القيس لم يعن هذا المعنى، وإنما عني أنها تتجافى عن الحديث المأثور بيني وبينها من الوشايات، والسعايات التي يقصد بها الوشاة تفريق الشمل وتقطيع الحبل، وإنها تعرض عن ذلك كله، وتطرحه، وتقبل على ضمي، واعتناقي وإدخالي معها في غطاء واحد، ثم قال، ولفظة مأثور تصلح للحديث وللسيف فمن أين لنا بغير دليل القطع على إحدى المعنيين؟ فالأولى التوقف عن القطع، ثم أنه طول الكلام ورجح في آخره إن إرادة الكلام أولى، ثم قال. ولم أحجد ما بين امرئ القيس: وبين أبي الطيب من ألم بهذا المعنى، ثم أورد لأبي الطيب قوله:
وقد طرقت فتاة الحي مرتدياً ... بصاحب غير عز هاة ولا عزل
فبات بين تراقينا ندفعه ... وليس يعلم بالشكوى ولا القبل
ثم أنه أورد بعد كلام طويل يستغرق بياض الصفحة أبياتاً لأخيه الشريف الرضي في هذا المضمون، وقال ما وجدت لأحد من الشعراء بين المتنبي وبين أخي الرضي شيئاً في هذا المعنى ووجدت له رحمة الله عليه، أبياتاً جيدة هي هذه:
تضاجعني الحسناء والسيف دونها ... ضجيعان لي والعضب أدناهما مني
إذا دنت البيضاء مني لحاجة ... أبى الأبيض الماضي فماطلها عني
وإن نام لي في الجفن انسان ناظر ... تيقظ مني ناظر لي في الجفن
أغرت فتاة الحي مما ألفتني ... أعلله بين الشعار من الظن
وقالوا هبوه ليلة الأمن ضمه ... فما عذره في ضمه ليلة الأمن
ثم قال وهذه الأبيات استوفت هذا المعنى واستوعبته واستغرقته، وطول الكلام في مدحها ثم قال في ديوان شعري نظم هذا المعنى في اقطاع، أنا أثبتها لتعلم زيادتها على ما تقدم ورجحانها فمن تلك الاقطاع قولي:
لما اعتنقنا ليلة الرمل ... ومضاجعي ما بيننا نصلي
قالت أما ترضي ضجيعك من ... جسمي الرطيب ومعصمي الطفل
ألا احتملت فراق نصلك ذا ... في هذه الظلماء من أجلي
انظر إلى ضيق العناق بنا ... تنظر إلى عقد بلا حل
لا بيننا يجري العقار ولا ... فصل به لمدبة النمل
стр. 530
فأجبتها أني أخاف إذا ... فطنوا بنا أهلوك أو أهلي
عديه مثل تميمة نصبت ... كيلا نصاب بأعين بخلي
إني أخاف العار يلصق بي ... يوماً ولا أخشى من القتل
ثم قال: ومن ذلك قولي أيضاً:
ولما تعانقنا ولم يك بيننا ... سوى صارم في جفنه لا من الجبن
كرهت عناق السيف من أجل جفنه ... فها عانقي مني حساماً بلا جفن
فما كنت إلا منه في قبضة الحمى ... ولا ذقت إلا عنده لذة الأمن
ويجني على من شئت منك غراره ... وأما عليك ساعة فهو لا يجني
ثم قال ولي مثله:
أنكرت ليلة اعتنقنا حسامي ... وهو ملقى بيني وبين الفتاة
إن يكن عائقاً يسيراً عن الضم ... فما زال واقياً من عداتي
هو قرب صفو ولا بدفي ... كل صفات تناله من قذاة
وانتفاع وما رأينا انتفاعاً ... أبد الدهر خالياً من قذاة
ثم قال ولي مثله أيضاً:
زرت هنداً ومن ظلام قميصي ... لا بوعد ومن نجاد ردائي
واعتنقنا وبيننا جفن ماض ... في فراش الرؤس أي مضاء
وتجافت عنه وليس لها أن ... أنصفت عن جواره من إباء
إنه حارس لنا غير أن ليس ... علينا من جملة الرقباء
لك في النحر من عيون تميم ... فاحسبيه نميمة الأعداء
هو ساه عن الذي نحن فيه ... من حديث وقيلة واشتكاء
ودعيني طوال هذا التداني ... ناعماً لا أخاف غير الثنائي
فلئن مس فبه بعض عناء ... فعناء مستثمر من عناء
ثم قال ومثل هذا المعنى قولي: ولما أردت طروق الفتاة ... وصاحبني صاحب لا يغار
следующие страницы →