وما أوجبه من الواجبات فعجز عنه العبد: سقط عنه، وإذا قدر بعضه، وجب عليه ما يقدر عليه، وسقط عنه ما يعجز عنه وأمثلتها كثيرة جداً.
وكذلك ما احتاج الخلق إليه لم يحرمه عليهم.
ومنها في زكاة الفطر: يجب على المسلم أن يؤدي صاعاً، فإذا لم يجد إلا نصف صاع فإنه يؤديه.
ومنها في الحج: فالأصل أن الإنسان يحج بماله وبدنه، فإذا لم يستطع أن يحج ببدنه فإنه ينيب من يحج عنه.
قوله: (وما أوجبه من الواجبات فعجز عنه العبد: سقط عنه).
يسقط الواجب في حالتين:
* الحال الأولى: مع العجز.
ودليل ذلك: قول النبي ﷺ : «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ».
* الحال الثانية: حال الحرج والمشقة الظاهرة.
ودليل ذلك: قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
قوله: (وإذا قدر بعضه، وجب عليه ما يقدر عليه، وسقط عنه ما يعجز عنه) أي: إذا قدر على بعض المأمور وعجز عن بعضه، فتحته أقسام:
الأول: أن يكون المقدور عليه وسيلة محضة؛ فلا يجب الإتيان به.
مثاله: لو قدر على الذهاب إلى المسجد، لكن عجز عن الصلاة مع الجماعة.
стр. 212
والخبائث التي حرمها إذا اضطر إليها العبد: فلا إثم عليه، فالضرورات تبيح المحظورات الراتبة، والمحظورات العارضة، والضرورة تقدر بقدرها، تخفيفاً للشر، فالضرورة تبيح المحرمات من المآكل والمشارب والملابس وغيرها.
الثاني: أن يكون المقدور عليه عبادة لو انفرد؛ فيجب الإتيان به.
مثاله: لو قدر على نصف صاع من زكاة الفطر، وجب عليه أن يخرجه.
الثالث: أن يكون غير عبادة لو انفرد، فلا يجب الإتيان به.
مثاله: لو قدر على الصيام إلى نصف النهار فلا يجب عليه الصيام.
* القاعدة الثانية قوله:
(والخبائث أي المحرمات التي حرمها الله إذا اضطر إليها العبد: فلا إثم عليه، فالضرورات تبيح المحظورات الراتبة أي المستمرة والمحظورات العارضة الطارئة) أي: «لا محرم مع الضرورة».
قوله: (تبيح المحظورات الراتبة) أي: المستمرة: كالميتة والخمر والماء النجس ونحو ذلك.
قوله: (والمحظورات العارضة) أي: الطارئة: أي التي يكون تحريمها عارضاً بسبب.
مثل: محظورات الإحرام، كأن يحتاج لحلق الرأس لجرح مثلاً فله أن يحلق رأسه ويفدي.
والدليل على هذه القاعدة: قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩].
стр. 213
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال رسول الله ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (١).
وهذه القاعدة تابعة للقاعدة السابقة: (المشقة تجلب التيسير).
فدل ذلك على أن المحرم تبيحه الضرورة، لكن يشترط لذلك شروط:
* الشرط الأول: أن تكون الضرورة واقعة، فإن كانت منتظرة فإن المحرم لا يباح.
مثال ذلك: إنسان وقع في مخمصة وأصابه الجوع جاز له الأكل من الميتة، أما إذا لم يصبه الجوع، وإنما يخشى الجوع فليس له أن يأكل من الميتة.
* الشرط الثاني: أن لا يكون هناك وسيلة أخرى غير المحرم، فإن كان هناك وسيلة مباحة فإنه لا يجوز؛ ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣].
والباغي: هو الذي يبغي الحرام مع قدرته على الحلال.
والعادي: هو الذي يأخذ من الضرورة أكثر من حاجته.
* الشرط الثالث: أن يكون الأخذ من المحرم بقدره، وعبّر عنه بعض العلماء بقوله: «الضرورة تُقَدَّر بقَدْرِها»، فيأخذ من المحرّم بقدر ضرورته.
ودليل ذلك:
قول الله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، والباغي:
стр. 214
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هو الذي يبغي الحرام مع قدرته على الحلال، والعادي: هو الذي يأخذ من الضرورة أكثر من حاجته.
مثال ذلك: نظر الطبيب للمريضة، أو عورة المريض للضرورة؛ لا يبيح النظر مطلقاً، بل بالقدر الذي تندفع به الضرورة.
ومثال ذلك أيضاً: في أكل الميتة، فإنه يأكل منها بقدر ما يمسك حياته، وليس له أن يشبع، لكن كما قال الإمام مالك: له أن يتزيد إن خاف مسغبة.
ومما يقارب هذه القاعدة قاعدة أخرى، وهي قولهم: «ما جاز لعذر بطل بزواله».
ومعناها: أن المحرم إذا أبيح للضرورة، فإنه لا يأخذ صفة الاستمرار بالإباحة، بل متى زالت الضرورة رجع الحكم إلى أصله وهو الحرمة.
ودليل هذه القاعدة:
١ قوله تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٣].
٢ وعن عمرو بن العاص ﵁: عن رسول الله ﷺ أنه سئل عن الثمر المعلق؟ فقال: «من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه» (١).
* الشرط الرابع: أن تندفع الضرورة بهذا المحرم، فإذا لم تندفع به فإنه لا يجوز، وإذا شككنا هل تندفع الضرورة بهذا المحرم أو لا؟
стр. 215
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فالأصل عدم الحل؛ لأن ارتكاب المحظور مفسدة متيقنة، واندفاع الضرورة مشكوك فيه، واليقين مُقدم على الشك.
* الشرط الخامس: أن يكون المحظور أنقص من الضرورة.
مثال ذلك: إذا أُجبر إنسان وهُدِّد على أن يقتل إنساناً، فقيل له: اقتل هذا الرجل وإلا قتلناك، ففي هذه الحال لا يجوز أن يقتله؛ لأن هذا المحظور ليس أنقص بل مساوٍ.
مسألة: إذا حصل للإنسان عجز، فله حالتان:
* الحالة الأولى: أن يسقط عنه إلى بدل.
مثاله: عجز عن استعمال الماء، فيسقط عنه إلى التيمم.
ومثال ذلك أيضا: من كان عليه كفارة ظهار، فلم يستطع العتق، فيسقط عنه إلى صيام شهرين، فإن عجز أطعم ستين مسكيناً.
* الحالة الثانية: أن يسقط عنه إلى غير بدل.
مثاله: إذا لم يجد عنده الماء والصعيد، فإنه تسقط عنه الطهارة فيصلي الصلاة في وقتها.
مسألة: الفرق بين الضرورة والحاجة من وجوه:
الوجه الأول: أن الضرورة: ما يضطره الإنسان للمحافظة على نفسه، ومنافعه، وأطرافه.
وقيل: الضرورة حالة تطرأ يخاف معها فوت شيء من مصالح الدين
стр. 216
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أو الدنيا، بحيث لا تندفع إلا بارتكاب محرم أو ترك واجب، وتقدم.
والحاجة: ما يلحق الحرج والمشقة بعدمها.
وقيل: الضرورة ما لحق المكلَّف ضرر بعدم فعله ولا يقوم غيره مقامه، بخلاف الحاجة فإن الحاجة هي ما يلحق المكلَّف ضرر بتركه، لكنه قد يقوم غيره مقامه.
مثال ذلك: أكل البصل والثوم مكروه، ويجوز له أن يأكل منه إذا احتاج إليه وإن لم يكن مضطراً، حتى وإن كان هناك شيء آخر يستطيع أن يدفع به حاجته غير هذا الثوم أو البصل.
مثال آخر: سفر الإنسان وحده مكروه، لكن قد يحتاج إلى السفر وحده ولا يضطر فيباح.
وكذلك الالتفات في الصلاة مكروه، لكن الحاجة تبيحه، فإذا احتاج الإنسان أن يبصق فإنه يلتفت ويتفل عن يساره.
الوجه الثاني: أن الضرورة في الغالب تكون إباحة لمحظور ممنوع بنص شرعي، وتكون هذه الإباحة مؤقتة حيث تنتهي بزوال الاضطرار، وتتقيد بالشخص المضطر.
أما الإباحة الاستثنائية الثابتة بالحاجة فهي غالباً لا تخالف نصاً صريحاً، لكن تخالف القواعد العامة في الشرع، والحكم في الغالب يكون بصورة ثابتة.
الوجه الثالث: أن الضرورة تبيح المحظورات، سواء أكان الاضطرار
стр. 217
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حاصلاً للفرد أم للجماعة، أما الحاجة فتبيح المكروه.
فرع:
يظهر والله أعلم: أن تقسيم المحرم إلى تحريم وسائل وتحريم مقاصد فيه نظر، وأنّ ما ورد الدليل على تحريمه فإنه لا يباح إلا لضرورة، إلا لدليل يدل على خلاف ذلك.
* القاعدة الثالثة: قوله: (الضرورة تقدر بقدرها):
هذه قاعدة أخرى وهي: كالقيد لما قبلها.
ومعناها: أن الاضطرار يبيح المحظور بقدر ما يدفع الخطر، ولا يجوز الاسترسال، ومتى زال الخطر عاد الحظر.
ودليلها: قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ومعنى ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾: أي غير طالب للمحرم مع قدرته على الحلال، أو مع عدم جوعه، ﴿وَلَا عَادٍ﴾: أي: متجاوز الحد في تناول ما أبيح له اضطراراً.
ومن أمثلة ذلك: أن المضطر إلى أكل الميتة لا يأكل منها إلا بقدر ما يدفع عن نفسه الهلاك.
ومن ذلك: جواز كشف الطبيب عورات الأشخاص، إذا توقف على هذا الكشف مداواتهم، ويكشف من عورته بقدر ما يحتاجه للمداواة ولا يزيد على ذلك.
ويذكر العلماء ﵏ على قاعدة الضرورات تبيح المحظورات قواعد
стр. 218
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كثيرة متفرعة عنها ومنها:
١ قاعدة: الاضطرار لا يبطل بها حق الغير:
وعلى هذا إذا اضطر الإنسان إلى طعام غيره: فهل يضمن إذا أكله؟
هذا موضع خلاف:
القول الأول: يضمن مطلقاً وهو المشهور من المذهب.
القول الثاني: إن كان غنياً معه مال فإنه يضمن، وإن كان فقيراً ليس معه مال فإنه لا ضمان عليه، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
والقول الثاني هو الصواب.
٢ قاعدة: ما أبيح شرعاً انتفى ضرره قدراً:
وهذه القاعدة ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، حيث إن الشارع إنما حرم الميتة لما فيها من احتقان الرطوبات وعدم إسالة الدم الذي يؤدي إلى تطهيرها وتطييبها، فلما أبيحت للمضطر بإذن الله فإنه يرتفع عنها الضرر.
стр. 219
القاعدة الرابعة
ومنها: «الأمور بمقاصدها» فيدخل في ذلك: العبادات والمعاملات
قوله: «الأمور» جمع أمر، وهو لفظ عام للأفعال والأقوال كلها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود: ١٢٣]، ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧]، وهو هنا بمعنى: الشيء، والشأن.
قوله: (بمقاصدها): المقاصد جمع مقْصَد، أو مقصِد وهو: مصدر ميمي للفعل قَصَد، والقصد يطلق في اللغة بمعنى الأمّ وإتيان الشيء، ويطلق بمعنى: التوسط بين الإفراط والتفريط، وبمعنى: استقامة الطريق، ومعان أخرى والمراد هنا المعنى الأول، فالقصد هنا بمعنى النية فكأن الناوي يؤّم بقلبه الشيء ويتوجه إليه للإتيان به.
وهذه هي قاعدة النية، والنية في اللغة: العزم والقصد، ونوى الشيء: (قصده واعتقده) (١).
وفي الاصطلاح: عزم القلب على الفعل تقرباً لله .
وقد ذكر الشافعي أنها تدخل في سبعين باباً من أبواب الفقه، وهذا من قبيل التمثيل وإلا فإنها تدخل في جُل مسائل الفقه، ما من باب من أبواب الفقه إلا وتدخله هذه القاعدة، فهي ليست خاصة بالفقه، بل في العقائد والعمليات، كما سيأتي إن شاء الله.
стр. 220
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النية لها معنيان:
المعنى الأول: انبعاث القلب نحو قول أو عمل يراه، موافقاً لغرض صالح له من جلب مصلحة أو دفع مضرة، وهذا المعنى عام للأمور الدينية والدنيوية.
المعنى الثاني: قصد الطاعات والتقرب إلى الله تعالى، بفعل المأمور به وترك المنهي عنه، وهذا المعنى أخص من الأول؛ لأنه لا يكون إلا في الأمور الشرعية.
وهذه القاعدة من أجمع قواعد الدين وأشملها وأعظمها منزلة، قال ابن القيم ﵀: (وأما النية فهي رأس الأمر وعموده وأساسه، وأصله الذي يبنى عليه) (١).
ومعنى القاعدة إجمالاً: أن جميع أقوال المكلف وأفعاله تختلف نتائجها وثمارها وأحكامها الشرعية باختلاف قصد الإنسان وغايته من هذه الأقوال والأفعال.
والأدلة على هذه القاعدة كثيرة من القرآن والسُنّة:
١ قوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤].
стр. 221
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
٢ - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٠].
٣ قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥].
٤ قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢].
٥ قوله ﷺ في حديث عمر: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (١).
قال أبو عبيد: «ليس في أخبار النبي ﷺ شيء أجمع، وأغنى، وأكثر فائدة منه»، وقد جعله بعض الأئمة ثلث العلم، كالشافعي، وأحمد بن حنبل، وأبي داود، وغيرهم.
٦ حديث أبي مسعود البدري قال ﷺ : «إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها فهو له صدقة» (٢).
قال القرطبي: «أفاد منطوقه أن الأجر في الإنفاق إنما يحصل بقصد القربة، سواء أكانت واجبة، أم مباحة، وأفاد مفهومه أن من لم يقصد القربة لم يؤجر، لكن تبرأ ذمته من النفقة الواجبة».
стр. 222
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
٧ - حديث عائشة ﵂، وفيه قوله ﷺ : «ثم يُبعثون على نياتهم» (١).
٨ حديث عقبة بن عامر قال ﷺ : «إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة»، وذكر منهم: «وصانعه يحتسب في صنعته الأجر» (٢).
٩ قول النبي ﷺ في حديث سعد: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها … » الحديث (٣).
١٠ وفي حديث ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ولكن جهاد ونية» (٤).
١١ والإجماع قائم على اعتبار هذه القاعدة.
شروط النية:
اشترط العلماء للنية شروطاً:
* الشرط الأول: الإسلام، فالكافر لا تصح نيته، فلا تصح عباداته كالوضوء والصلاة، ونحو ذلك.
وهذا في الجملة؛ لأن الكافر تصح نيته في بعض الأمور، مثل: الكفارة
стр. 223
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المالية، كما لو ظاهر من زوجته، وكطلاقه، وبيعه، ونذره، ويمينه، فدل ذلك على أن النية معتبرة من الكافر، وأن النية تصح وإن كانت من غير المسلم.
* الشرط الثاني: العقل، فالمجنون لا تصح نيته، فلو نوى المجنون أنه يصلي لم تصح نيته؛ لأنه لا قصد له معتبر.
* الشرط الثالث: التمييز؛ والمميز: هو الذي يفهم الخطاب، ويرد الجواب.
فغير المميز لا تصح نيته، فلو نوى طفل له سنتان، أو ثلاث سنوات أن يتوضأ، أو نوى أن يصلي فلا تصح نيته.
واعلم أن الحج والعمرة يختلفان في بعض المسائل فيما يتعلق بالنية عن كثير من أبواب الفقه، فالحج والعمرة لا يشترط لهما التمييز، فيصح الحج والعمرة من الصبي الذي لم يميز.
ويدل لذلك: حديث ابن عباس ﵄ أن امرأة رفعت صبياً للنبي ﷺ فقالت: ألهذا حج؟ قال: «نعم ولك أجر» (١)، قال العلماء ﵏: ولو كان ابن ساعة، يعني لو ولد الآن فيصح حجه وعمرته وينوي عنه وليه.
* الشرط الرابع: العلم بالمنوي، بأن يعلم المكلف حكم الذي يُعمل من وجوب، أو ندب، عبادة أو غير عبادة، والعلم بصفته؛ إذْ لا يتصور قصد الشيء إلا بعد العلم به.
* الشرط الخامس: أن لا يأتي بمناف بين النية والمنوي، والمنافي
стр. 224
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قطعها، أو الردة، والعياذ بالله.
فوائد النية:
* الفائدة الأولى: تمييز العبادات بعضها عن بعض، فالإنسان يُصلي ركعتين، قد يقصد بهما الفرض، وقد يقصد بهما السنة الراتبة، أو تحية المسجد، كذلك قد يصلي ركعتين وينوي بهما نفلاً مطلقاً، أو سنة مقيدة، فيميز الإنسان الفروض عن النوافل، والنوافل المعيَّنة عن المطلقة.
* الفائدة الثانية: تمييز العبادات عن العادات، فالإنسان ينغمس في الماء، قد ينوي بذلك أن ينظف بدنه وقد ينوي رفع الحدث الأكبر عنه.
* الفائدة الثالثة: الإخلاص لله ، وسيأتي إن شاء الله الإشارة فيما يتعلق بالتشريك في النية، فقد يتصدق الإنسان وينوي بذلك وجه الله ، وقد ينوي بذلك الرياء والسمعة وعرض الدنيا.
* الفائدة الرابعة: فيما يتعلق بتداخل العبادات، فالضابط في ذلك: أنه إذا كانت العبادة ليست مقصودة لذاتها فإنها تدخل مع غيرها.
مثال ذلك: تحية المسجد ليست مقصودة لذاتها فإنها تدخل مع غيرها كالسنة الراتبة، فإذا دخلت المسجد لصلاة الظهر فإنك تصلي ركعتين، تنوي بهما السنة الراتبة وتحية المسجد.
فإذا نويت تحية المسجد والسنة الراتبة حصل لك صلاتان بركعتين، وإذا توضأت وأتيت المسجد تنوي السنة الراتبة، وتحية المسجد، وركعتي
стр. 225
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الوضوء، فيحصل لك ثلاث صلوات بركعتين، فهذه من فوائد النية، وكذلك إذا توضأ الإنسان للضحى وصلى ركعتين ينوي بهما ركعتي الوضوء وركعتي الضحى يحصل له صلاتان بركعتين.
ولو أن الإنسان عطس وهو يرفع من الركوع فقال بعد قوله سمع الله لمن حمده: ربنا ولك الحمد، ينوي بذلك التحميد، وأيضاً قول الحمد لله بعد العطاس فإنه يجزئ.
كذلك لو أن الإنسان لم يطف طواف الإفاضة، ثم أخره حتى خرج من مكة فإنه يطوف، وينوي بذلك طواف الإفاضة وطواف الوداع، ويجزئه ذلك.
* الفائدة الخامسة: حصول الثواب، فالنية شرط الإثابة، ويتوقف حصول الثواب على قصد التقرب إلى الله تعالى بهذا الفعل أو القول، فالمباح كالأكل والشرب ونحو ذلك إذا صحبه نية صالحة كالاستجابة لأمر الله وأمر رسوله ﷺ ، والاستعانة على طاعة الله تعالى بهذا المباح يكون عملاً صالحاً يثاب عليه المسلم.
* الفائدة السادسة: في ألفاظ المكلف، وتمييز المراد منها كما في الكنايات التي تحتمل معنيين.
محل النية:
محل النية القلب، قال النووي: «بلا خلاف»، وقال ابن تيمية وغيره: ولا يتلفظ بها أي بالنية.
стр. 226
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والتلفظ بالنية في رواية في مذهب الإمام أحمد وغيره: أنها مستحبة، واحتجوا بالأثر: «لبيك عمرة وحجاً» (١) وكذلك بالنظر قالوا: اجتماع جارحتين في عمل آكد وأولى، وعلى هذا فليست النية من أعمال الجوارح، وإنما هي من أعمال القلوب، فيكفي في ذلك قصد القلب وعزيمته، وأما التلفظ بها فهذا لم يكن عليه النبي ﷺ ولا صحابته؛ إذْ لم يرد عن النبي ﷺ أنه إذا أراد الصلاة أو الوضوء قال: نويت أن أصلي، أو أتوضأ أو أغتسل.
وأما بالنسبة للحج والعمرة فهو تصريح بالمنوي وليس بالنية، ولهذا لا يشرع للإنسان إذا أراد أن يحرم بالحج أو العمرة أن يقول: نويت العمرة، أو نويت الحج، وإنما يلبي بالمنوي إظهاراً لشعيرة الله ، فإذا أراد الحج قال: «لبيك حجاً»، وإذا أراد العمرة قال: «لبيك عمرة»، ولا يشرع أن يقول: نويت العمرة متمتعاً بها إلى الحج، أو قصدت الحج.
فالإيراد الذي يأتي في الحج نقول: بأنه إظهار للمنوي وليس إظهاراً للنية، فالتلبية شعيرة النسك وهي تحدث بعد نية العمل، وقد صح عن ابن عمر ﵄ أنه أنكر على رجل قال: «اللهم إني أريد حجاً أو عمرة» (٢)، قال ابن رجب: في شرح الأربعين: «هذا خبر صحيح عنه».
مسألة: هل النية شرط أو ركن في العبادات؟
هذا مما وقع الخلاف فيه، والفرق بين الشرط والركن: أن الشرط
стр. 227
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يكون سابقاً للمشروط، بينما الركن جزء من أجزائه.
وإذا تقرر لنا أن النية تسبق الفعل فإنها حينئذ تكون شرطاً، وأما النية المقارنة للفعل، فإنها ركن في العبادة، وهذا يجرنا إلى مبحث وهو:
ما هو وقت النية؟
الأصل في النية أن تكون مقارنة للفعل المنوي، أو قبله بيسير، هذا هو الأصل، إلا أن الشارع في بعض الأعمال صحح سبق النية للفعل، مثل: الصيام، فمن نوى الصيام من الليل صح صومه، ولو لم تكن نيته مقارنة لأول الصوم.
مسألة: ما لا تشترط له النية:
هناك أشياء لا تشترط لها النية منها:
* أولاً: التروك، كإزالة الخبث، فلا تشترط له نية، فلو أن الإنسان أصاب ثوبه بول، ثم وقع ثوبه في ماء، أو نزل عليه المطر ولم ينوِ إزالة الخبث من هذا الثوب فإنه يطهر؛ لأن المقصود إزالة الأذى وقد حصل، وسواء كان هذا الخبث على الثوب، أو البدن، أو البقعة التي يُصلى عليها.
* ثانياً: العبادة التي لا تكون عادة، قال العلماء ﵏:
لا تشترط لها النية مثل الخوف من الله ، والتوكل عليه، وكذلك قراءة القرآن، وغيرها من العبادات التي لا تكون عادات؛ لكونها لا تلتبس بغيرها.
стр. 228
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
* ثالثاً: ما كان نفعه متعدياً، مثال ذلك: قوله ﷺ : «ما من أحد يزرع زرعاً، أو يغرس غرساً، فيأكل منه طير، أو إنسان، أو حيوان إلا كُتب له بذلك أجر» (١) فهذا الرجل زرع زرعاً ولم يقصد بذلك إطعام الطير، بل أحياناً يضع في زرعه ما يدفع الطير ويمنعه من أكل الزرع، ومع ذلك إذا أكل الطير من هذا الزرع فإنه يكتب له الأجر عند الله .
* رابعاً: ما يغلب فيه حق المخلوق، كرد الودائع والمغصوب والنفقات الواجبة.
مسألة: مبطلات النية:
١ الردة: ودليل ذلك: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥].
٢ قطع حكم النية أو العزم على القطع: فإذا قطع حكم النية فإنها تبطل عبادته.
مثال ذلك: إذا كان يصلي ثم قطع نيته أو عزم على قطعها، أو يتوضأ ثم قطع نيته أو عزم على قطعها، فإن عبادته ونيته تبطل.
٣ التردد في القطع: يعني إذا تردد هل يبطل غسله أو صلاته أو لا؟ هل تبطل بذلك النية؟ هذا موضع خلاف بين أهل العلم.
والصواب: أنها لا تبطل عبادته؛ لأن أصل النية لا يزال باقياً، ويدل لذلك: حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «صليت مع النبي ﷺ ليلة، فلم
стр. 229
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يزل قائما حتى هممت بأمر سوء، قلنا: وما هممت؟ قال: هممت أن أقعد وأذر النبي ﷺ » (١).
فابن مسعود ﵁ لما أطال النبي ﷺ القيام قال: «هممت أن أجلس وأترك النبي ﷺ يصلي» فهو عزم على ذلك، ومع ذلك لم تبطل عبادته.
٤ العزم على فعل المحظور: فهذا لا يُبطل النية، فلو قام الإنسان يصلي ثم عزم على الأكل، أو الشرب، أو الكلام، أو غير ذلك من المبطلات فإن نيته لا تبطل.
مسألة: الانتقال بالنية من عبادة إلى عبادة له أربع صور:
* الصورة الأولى: أن ينتقل من عبادة معينة إلى عبادة معينة، فتبطل الأولى ولا تنعقد الثانية.
والمعين: هو المقيد بزمان أو مكان أو حال، أو كان واجباً، وما عداه المطلق.
ولذلك أمثلة، منها:
المثال الأول: إنسان شرع يصلي الظهر، ثم تذكر أنه صلى الفجر وهو محدث، فنوى أن هذه الصلاة هي صلاة الفجر، فنقول: بطلت الأولى وهي صلاة الظهر؛ لأنه قطع نيتها، ولم تنعقد الثانية وهي صلاة الفجر؛ لأن النية كما سبق لنا أن محلها مع الشروع في العبادة أو قبل الشروع بزمن يسير عند بعض العلماء، وقيل: ولو قبل الشروع بزمن كثير.
стр. 230
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المثال الثاني: إنسان يصلي الظهر ثم تذكر أنه لم يصلِّ راتبة الظهر القبلية، فنوى أنها راتبة الظهر القبلية، فالحكم هنا: بطلت صلاة الظهر؛ لأنه قطع نيتها، ولم تنعقد السُنة القبلية؛ لأنه لم ينوها قبل الدخول في الصلاة.
* الصورة الثانية: أن ينتقل بنيته من معين إلى مطلق فهذا لا بأس به.
مثال ذلك: إنسان يصلي الظهر، ثم نوى أنها نفل مطلق ليس معينا، فإذا انتقل من المعين إلى المطلق فلا بأس به؛ لأن الصلاة اشتملت على نيتين نية الإطلاق ونية التعيين، فالآن هو أبطل نية التعيين فبقيت نية الإطلاق.
* الصورة الثالثة: أن ينتقل بنيته من مطلق إلى معين فلا يصح.
مثال ذلك: إنسان صلى نافلة مطلقة ثم انتقل من هذه النافلة المطلقة إلى نافلة معينة؛ كأن ينوي بهذه النافلة المطلقة سنة راتبة، أو فريضة، فلا يصح هذا الانتقال.
* الصورة الرابعة: الانتقال من مطلق إلى مطلق، فهذا لا أثر له؛ لأنه لا يترتب عليه شيء.
مثال ذلك: إنسان نوى أن يصلي أربع ركعات نفلا مطلقاً ركعتين ركعتين، فشرع في الركعتين الأوليين، ثم نوى أن هاتين الركعتين الأوليين هما الركعتان الأخيرتان، فهذا لا يترتب عليه شيء.
مسألة: التشريك في النية، وإرادة العابد بعبادته حظاً من حظوظ الدنيا، على أقسام:
стр. 231
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القسم الأول: أن لا يريد بإسلامه إلا الدنيا، فهذا شرك ونفاق.
القسم الثاني: أن لا يريد بالعبادة إلا الدنيا وحدها، كمن يحج ليأخذ المال، وكمن يغزو من أجل الغنيمة وحدها، وكمن يطلب العلم الشرعي من أجل الوظيفة، ولا يريد بذلك كله وجه الله البتة، فلم يخطر بباله احتساب الأجر عند الله تعالى، فهذا القسم محرم وكبيرة من كبائر الذنوب، وهو من الشرك الأصغر، ويبطل العمل الذي يصاحبه، ويدل لذلك: قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ [هود: ١٥].
وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم، وعبد الخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع» (١).
القسم الثالث: أن يريد بالعبادة وجه الله والدنيا معاً، كمن يخرج لوجه الله والتجارة، وكمن يقاتل ابتغاء وجه الله والدنيا، وكمن يصوم لوجه الله والعلاج.
فمن العلماء من قال: ببطلان العمل لمنافاته الإخلاص.
ومنهم من قال: بصحته؛ لما يأتي في القسم الخامس.
стр. 232
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومنهم من قال: إن غلّب قصد العبادة صحت، وإن غلّب قصد الدنيا بطلت.
وعلى كل فأجره ناقص، ويدل لذلك: حديث عبد الله بن عمرو أن رسول الله قال: «ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة، إلا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة، ويبقى لهم الثلث، وإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم» (١).
القسم الرابع: أن يبتدئ العبادة مريداً للدنيا، ثم تطرأ إرادة الثواب، فإن كانت العبادة مرتبطاً آخرها بأولها كالصلاة لم يصح، وإن لم يكن؛ صح ما قصد به وجه الله .
القسم الخامس: أن يكون الدافع إرادة الثواب، وتكون إرادة الدنيا تابعة، فهذا مباح؛ بدليل أن الشارع رتب على العبادات، أو على بعضها ثواباً معجلا، قال تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٠: ١٢].
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد، والذهب، والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة» (٢).
القسم السادس: أن يعمل العبادة بإخلاص تام، ثم يريد بها
стр. 233
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أو بشيء منها، كحال الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار، فسألوا الله بخالص أعمالهم أن يفرج ما هم فيه، فالحديث يدل على جوازه.
مسألة: القواعد المندرجة تحت عموم هذه القاعدة:
١ قاعدة: «العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني، لا بالألفاظ والمباني».
فالقصد والنية إذا عارضت اللفظ كانت هي المعتبرة لا اللفظ، فعن ابن عباس ﵄ قال: سمعت عمر يقول: قاتل الله فلانا، ألم يعلم أن النبي ﷺ قال: «لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها، فباعوها» (١)، ولو كان التحريم معلقاً بمجرد اللفظ الظاهر دون مراعاة المقصود للشيء المحرم ومعناه وكيفيته لم يستحقوا اللعن.
٢ قاعدة: «الثواب لا يكون إلا بالنية».
لقوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤].
٣ قاعدة: «المقاصد معتبرة في التصرفات والعادات».
التصرفات: كل ما صدر عن الشخص بإرادته من قول أو فعل يرتب عليه الشرع أثراً من الآثار، سواء كان في صالح ذلك الشخص أو لا.
فمن أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد
стр. 234
وتحريم الحيل المحرمة مأخوذ من هذا الأصل.
إتلافها أتلفه الله، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله» (١).
٤ قاعدة: «من كان عازماً على الفعل عزماً جازماً، وفعل ما يقدر عليه منه، كان بمنزلة الفاعل».
٥ قاعدة: «من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه».
٦ قاعدة: «اللفظ الصريح لا يحتاج إلى نية».
٧ قاعدة: «الكناية مفتقرة إلى نية».
قوله: (وتحريم الحيل المحرمة مأخوذ من هذا الأصل).
أي: أن تحريم الحيل المحرمة داخل تحت هذه القاعدة؛ لأن الحيلة ظاهرها الجواز، ولكنها حرمت نظراً لقصد فاعلها.
والحيل: جمع حيلة، والحيلة في اللغة: الحذق في تدبير الأمور، وهو تقليب الفكر حتى يهتدي إلى المقصود، والحيلة والاحتيال: الحذق، وجودة النظر، والقدرة على دقة التصرف.
وأما في الاصطلاح: فهو عمل يتحول به فاعله من حال إلى حال.
والأدلة على الحيل كثيرة جدًا من ذلك: قوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٩٨].
стр. 235
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومن الأدلة ما ثبت في الصحيحين من حديث جابر ﵁ قال ﷺ : «قاتل الله اليهود إن الله لما حرم شحومها جملوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه» (١).
فاليهود احتالوا على تحريم الشحوم، لم يأكلوها مباشرة وإنما أكلوا أثمانها.
وأيضًا «لعن رسول الله ﷺ المُحِلَّ والمحلَّل له» (٢).
واعلم أن الحيل تنقسم إلى قسمين:
* القسم الأول: حيل شرعية.
* القسم الثاني: حيل غير شرعية محرمة.
الحيل الشرعية: هي التي يأتي بها الإنسان للتخلص من المأثم، أو التوصل إلى الحق، أو دفع باطل بطريق مشروع، وذلك مثل الأسباب التي نصَبَها الشارع مُفْضِية إلى مسبباتها، كالبيع سبب لتملك الرقبة، والإجارة سبب لتملك المنفعة، وكذلك المعاريض في الكلام عند المصلحة، أو عند دفع الظلم عنه؛ كأن يكون عنده وديعة لشخص فيأتي ظالم يريد أن يأخذ هذه الوديعة فيعرض له يقول: ما له عندي شيء ويقصد في جيبه مع أن الوديعة في البيت، أو ماله عندي شيء في بيتي مع أنها في مكان آخر، ومن ذلك أن
стр. 236
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النبي ﷺ أتي بتمر جنيب (جديد) فقال النبي ﷺ : «أكلُّ تمر خيبر هكذا؟ فقال: لا والله يا رسول الله إنا لنأخذ الصاع من هذا يعني (التمر الجنيب) بالصاعين يعني من التمر الرديء (الجَمْع) فقال النبي ﷺ : «فلا تفعل بع الجَمْعَ (التمر الرديء) بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبًا» (١) أي: تمرًا جديدًا؛ فهذا من باب الحيلة لا للوقوع في الحرام، وإنما لتوقي الحرام فبيّن النبي ﷺ الطريق الذي يستطيع به أن يتخلص من الوقوع في الحرام فبدلًا من أن يقع في ربا الفضل، مثل أن يأخذ الصاع بصاعين أرشده إلى أن يبيع الجمع (التمر الرديء) بالدراهم ويشتري بالدراهم جنيبًا.
والحيل المحرمة: وهي الحيل التي يتوصل بها إلى إبطال حق؛ أو إحقاق باطل، والأمثلة على ذلك كثيرة منها:
في باب العبادات:
صلاة الجماعة واجبة فلو أكل شخص بصلًا، أو ثومًا لكي يتحيل على ذلك بترك الجماعة لم يجز.
ومنها: الفطر في رمضان محرم، فيتحيل على ذلك بالسفر لكي يفطر، فإن هذه الحيلة محرمة.
ومن الأمثلة في المعاملات:
بيع العينة محرم؛ لأنه حيلة على ربا الفضل وربا النسيئة، بدلًا من أن يقرضه خمسين بستين إلى أجل، يسلك مسلك العينة فيشتري منه سلعة
стр. 237
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وانصراف ألفاظ الكنايات والمحتملات إلى الصرائح من هذا الأصل، وصورها كثيرة جداً.
بثمن مؤجل بستين ألفًا ثم يبيعها عليه بخمسين ألفًا، فأصبحت خمسين بستين.
ومن ذلك في باب الأنكحة:
نكاح التحليل فالنبي ﷺ : «لعن المحلِّل والمحلَّل له» (١) فيتزوج المرأة لا لقصد الزواج وإنما لقصد أن يحلها لمن طلقها ثلاثًا، فإذا كان ذلك عن مؤامرة واتفاق، أو لم يكن هناك اتفاق وإنما نوى التحليل للزوج ولم يقصد الاستمرار فهذا كله محرم ولا يجوز.
قوله: (وانصراف ألفاظ الكنايات والمحتملات إلى الصرائح مأخوذ من هذا الأصل).
الكنايات: جمع كناية وهي: اللفظ الذي استتر المعنى المراد به، فلا يفهم إلا بقرينة، مثل: كنايات الطلاق، وهي: الألفاظ التي لا تدل بلفظها على الطلاق، مثل: اذهبي لأهلك، اخرجي من المنزل، اعتزلي، ونحو ذلك.
والصرائح: جمع صريحة، واللفظ الصريح هو: اللفظ الذي ظهر معناه ظهوراً تاماً لكثرة استعماله.
فاللفظ الصريح لا يحتاج إلى نية، فلو قال لزوجته: أنت طالق حصل الطلاق بمجرد التلفظ به.
стр. 238
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأما الكناية كأن يقول لزوجته: اذهبي لأهلك، فإنه يختلف الحكم باختلاف قصد المتكلم ونيته، فإن نوى إيقاع الطلاق وقع، وإن قال: قصدت مجرد الزيارة ولم أقصد الطلاق فإنه يصدق بدعواه؛ لأن غير الصريح لا يعطى حكمه إلا بالقصد، فلا ينفصل الفعل عن النية.
وكذا لو قال لزوجته: أنت مثل أمي، فهذا اللفظ محتمل للظهار وغيره، فيرجع إلى النية في تحديد المراد، فإن نوى أنها مثل أمه في الكرامة فلا شيء عليه، وإن نوى أنها مثل أمه في حرمة وطئها والاستمتاع بها فهو مظاهر.
وكذا لو قال: تصدقت، وحرّمت، وأبدت، فإنها لا تفيد انعقاد الوقف إلا بالنية التي تحدد المراد؛ لأن هذه الألفاظ محتملة للوقف وغيره، والله تعالى أعلم.
стр. 239
القاعدة الخامسة
ومنها: «يختار أعلى المصلحتين، ويرتكب أخف المفسدتين عند التزاحم» وعلى هذا الأصل الكبير ينبني مسائل كثيرة، وعند التكافؤ فدرء المفاسد أولى من جلب المصالح.
قوله: (ومنها: يختار أعلى … ).
ذكر الشيخ هنا ما يتعلق بتزاحم المصالح، وتزاحم المفاسد.
فالمصالح: هي أوامر الشرع.
والمفاسد: هي نواهي الشرع.
وعبر عن الأوامر بالمصالح لأن الأوامر تنتج المصالح، وعبر عن النواهي بالمفاسد؛ لأن النواهي تنتج المفاسد.
* أدلة القاعدة:
١ الأمر بالأخذ بالأحسن كما في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٥٥].
٢ وقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٥].
٣ قوله ﷺ : «الإيمان بضع وسبعون شعبة فأعلاها قول لا إله إلا الله،
стр. 240
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» (١).
* المسألة الأولى: تزاحم المصالح لا يخلو من أمرين:
الأمر الأول: أن يمكن الجمع بين هذه المصالح، والإتيان بها كلها، فيأتي بها كلها.
الأمر الثاني: أن لا يمكن الجمع بين هذه المصالح، فلا يمكن أن تفعل إلا إحدى المصلحتين، وهذا هو المراد هنا فأيهما يقدم؟
هذا تحته أقسام:
١ أن تتزاحم الواجبات: فإذا تزاحمت فإننا نقدم آكد الواجبين، ولذلك أمثلة:
المثال الأول: إنسان عنده ماء وحضر وقت الصلاة، وهذا الماء يحتاجه للشرب ويحتاجه للوضوء، فالوضوء واجب، وإبقاء النفس والمحافظة عليها واجب، فأيهما آكد؟ نقول: إبقاء النفس آكد، فيقدم الشرب على الوضوء.
المثال الثاني: إنسان عليه فائتة: صلاة الفجر، وعليه حاضرة وهي صلاة الظهر، فنسي أن يصليها حتى تضايق وقتها ولم يبقَ إلا عشر دقائق لفعل صلاة الظهر، فنقول: ابدأ بالحاضرة؛ لأن الحاضرة هنا آكد؛ إذْ لو فعلها كانت أداء في وقتها.
المثال الثالث: طاعة الله واجبة، وطاعة الأب واجبة، فلو تزاحمتا
стр. 241
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عندك، فتقدم طاعة الله على طاعة الوالد؛ لأن طاعة الله آكد من طاعة الوالد.
المثال الرابع: إذا كان عند الإنسان دراهم، فإما أن يحج بهذه الدراهم في هذه السنة، وإما أن ينفقها على أهله، فتعارض واجبان، فنقول: يقدم النفقة؛ لأن النفقة آكد.
المثال الخامس: إذا كان عنده دراهم إما أن ينفقها على زوجته وأولاده، وإما أن ينفقها على أقاربه، فينفقها على زوجته؛ لأنها آكد.
المثال السادس: إذا كان عنده دراهم إما أن يحج بهذه الدراهم، وإما أن يقضي بها الدين، فصرف هذه الدراهم في قضاء الدين آكد.
٢ إذا تعارض واجب ومستحب: فالأمر في ذلك ظاهر، فإنه يُقدم الواجب على المستحب، ولذلك أمثلة:
المثال الأول: إنسان عنده دراهم إما أن يخرجها صدقة، وإما أن يخرجها زكاة، فيبدأ بالزكاة.
المثال الثاني: إنسان عنده دراهم، إما أن يتصدق بها، أو ينفقها على أهله ونفسه، فيبدأ بالنفس والأهل؛ لأن الواجب مقدم على المستحب.
المثال الثالث: لو تعارضت نوافل الصلاة مع الواجب، فيقدم الواجب.
٣ إذا تعارض عنده مستحبان، أو سنتان فيقدم أفضل السنتين، أو المستحبين، والتفضيل ذكر العلماء له أسباباً، منها:
стр. 242
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
* السبب الأول: التفضيل للآكدية.
مثاله: ما لو بقي ثلاث دقائق على طلوع الفجر، فإما أن يصلي ركعة الوتر، أو يصلي نافلة مطلقة، فيقدم الآكد وهو الوتر.
* السبب الثاني: كون إحدى السنتين أنفع للقلب وأصلح له.
مثاله: إنسان تعارض عنده إما أن يقرأ القرآن بلا صلاة أو يصلي، فإنه يفعل ما هو أصلح للقلب سواء كان ذلك قراءة القرآن أو الصلاة.
* السبب الثالث: كون إحدى السنتين نفعها متعد.
مثال ذلك: لو تعارض عنده في هذه الساعة إما أن يحضر الدرس، أو يقوم يصلي، فنقول: يحضر الدرس؛ لأن كونه يتعلم هذا نفع متعد.
وأيضاً: لو تعارض عنده إما أن يقوم يصلي ركعتين، أو يجلس يستمع إلى العلم، فالأفضل له أن يجلس ويستمع إلى العلم؛ لأن هذا نفعه متعد.
وأيضاً: لو تعارض عنده إما أن يدعو إلى الله ، أويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في هذه اللحظة، أو يقوم يصلي ركعتين، فالأفضل أن يدعو ويأمر؛ لأن هذا نفعه متعد.
* السبب الرابع: كون السنّة مشروعة في هذا الحال، أو في هذا الزمان، أو هذا المكان، فإنها تقدم على غيرها.
مثال ذلك: بعد انتهاء الصلاة المكتوبة يشرع للإنسان الذكر من تهليل، وتسبيح، هذه هي السنّة، والقرآن أشرف الذكر، فإذا انتهت الصلاة إما أن
стр. 243
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يذكر الله ، أو يقرأ القرآن، فالسنة أن يقدم الذكر هنا على قراءة القرآن.
* السبب الخامس: كون هذا التقديم يؤدي إلى العمل بالسنة كلها.
مثال ذلك: بعد الانتهاء من الصلاة إما أن يسبح المصلي ثلاثاً وثلاثين مرة، ويحمد الله ثلاثاً وثلاثين مرة، ويكبر الله ثلاثاً وثلاثين مرة، ويقول في تمام المائة: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)، أو أن يسبح عشراً ويحمد عشراً ويكبر عشراً، فتزاحم ذلك عنده، فنقول: يقدم العمل بالسنّة كلها، بأن يأتي بهذا تارة، ويأتي بهذا تارة ليعمل بالسنة كلها.
* السبب السادس: أن يكون أحد المستحبين يحصل به التأليف.
مثال ذلك: عيادة المريض، واتباع الجنازة، والصلاة على الميت، فهذه الأصل فيها أنها فرض كفاية: إذا قام بها من يكفي سقط الإثم عن الباقين، وصارت في حق الباقين سنة.
فإذا تعارض عند الإنسان: إما أن يقوم يصلي، وإما أن يتبع جنازة أو يعود مريضا، فالأفضل أن يفعل ما يحصل فيه التأليف وزيادة المحبة والأخوة بين المسلمين.
* السبب السابع: دفع المفسدة.
مثال ذلك: الإسرار بالصدقة أفضل من الجهر بها، لكن إذا كان في جهره دفع مفسدة؛ حيث إن هذا الشخص مُتهم بأنه لا يتصدق وأراد أن يدفع المفسدة عن نفسه، فأظهر الصدقة فهذا أفضل.
стр. 244
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال ابن القيم: «إن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح بحسب الإمكان، وأن لا يفوت منها شيء فإن أمكن تحصيلها كلها حصلت، وإن تزاحمت ولم يكن تحصيل بعضها إلا بتفويت البعض قدم أكملها وأهمها وأشدها طلباً للشارع».
القسم الثاني: تزاحم المفاسد: إذا تزاحمت المفاسد فإنه يرتكب الأدنى منها.
ومن أدلة هذه القاعدة في الشريعة:
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣]
فتعارضت هنا مفسدتان:
المفسدة الأولى: مفسدة النفس.
والمفسدة الثانية: الأكل من الميتة، فتُجُنِّبَت المفسدة الأشد، ولو كان في ذلك ارتكاب المفسدة الأقل بأكل الميتة.
وهنا أقسام:
* القسم الأول: أن يتزاحم عنده محرمان فإنه يقدم أخف المحرمين، وله أمثلة:
المثال الأول: إنسان في مخمصة أي: في جوع إما أن يأكل من الميتة التي ماتت حتف أنفها، أو يأكل من شاة اشتبه عليه هل ذكر اسم الله
стр. 245
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليها أو لم يذكر؟
فيقدم المشتبه فيها على الميتة؛ لأن الميتة أشد تحريماً.
المثال الثاني: لو تعارض عنده: إما أن يزني، وإما أن يحصل منه استمناء، فيقدم الاستمناء؛ لأنه أخف.
المثال الثالث: لو تعارض عنده: إما أن يطأ زوجته الحائض؛ لأن الإنسان قد يكون عنده شبق شدة شهوة ولا يزول هذا الشبق بمجرد الاستمناء، وإما أن يطأ زوجته الصائمة، فيقدم وطأ زوجته الصائمة، مع أن كلًّا منهما محرم.
* القسم الثاني: إذا تزاحم مكروهان فإنه يقدم أخفهما.
مثال ذلك: تعارض عنده إما أن يأكل من البصل، أو يأكل من الثوم، فإنه يقدم أقلهما كراهة وهو البصل؛ لأن البصل أقل رائحة.
* القسم الثالث: أن يتعارض عنده محرم، ومكروه فيقدم المكروه على المحرم.
مثال ذلك: لو كان عنده بصل، وعنده ميتة، وهو في مخمصة فإنه يبدأ بالبصل ويأكل منه.
стр. 246
القاعدة السادسة
ومن ذلك قولهم: «لا تتم الأحكام إلا بوجود شروطها وانتفاء موانعها»
قوله: «لا تتم الأحكام» الأحكام: جمع حكم.
والحكم في اللغة: القضاء والفصل.
وهو إضافة شيء إلى شيء أو نفيه عنه.
والمراد بالحكم الحكم الشرعي، وتقدم تعريفه عند الكلام على الأحكام التكليفية.
قوله: (إلا بوجود شروطها) الشروط: جمع شرط.
والشرط في اللغة: إلزام الشيء والتزامه.
والشرط في الاصطلاح: هو ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته.
فمثلا: الوضوء شرط لصحة الصلاة، يلزم من عدم الوضوء عدم الصحة لكن لا يلزم من وجود الوضوء أن تصح الصلاة فقد لا يطمئن الإنسان في صلاته، أو قد لا يستقبل القبلة، فقد يوجد الشرط ويتخلف شرط آخر أو ركن أو يوجد مانع.
قوله: (وانتفاء موانعها)
المانع لغة: اسم فاعل من المنع.
стр. 247
وهذا أصلٌ كبير بُني عليه من مسائل الأحكام وغيرها شيء كبير، فمتى فُقد شرط العبادة أو المعاملة، أو ثبوت الحقوق، لم تصح ولم تثبت، وكذلك إذا وُجد مانعها: لم تصح ولم تنفذ.
وشروط العبادات والمعاملات: كل ما تتوقف صحتها عليها، ويعرف ذلك بالتتبع والاستقراء الشرعي، وبأصل التتبع حصر الفقهاء فرائض العبادات وشروطها وواجباتها وكذلك شروط المعاملات وموانعها.
والحصر: إثبات الحكم في المذكور، ونفيه عما عداه، فيستفاد من حصر الفقهاء شروط الأشياء وأمورها: أن ما عداها لا يثبت له الحكم المذكور.
وأما في الاصطلاح: فله تعريفات منها: ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته، كالحيض مع الصلاة فإنه مانع من صحتها.
وحاصل كلام المؤلف: أن الحكم الشرعي لا يتم إلا باستكمال شروطه وانتفاء موانعه.
والدليل على هذه القاعدة:
١ أن الشارع اشترط اجتماع الشروط وانتفاء الموانع:
مثال ذلك: الوقت شرط لصحة الصلاة، قال تعالى ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، وقال عمر ﵁: «ألا وإن الصلاة لها وقت شرطه الله لا تصلح إلا به».
ودليل انتفاء المانع في الصلاة: قوله ﷺ : «لا يقبل الله صلاة أحدكم
стр. 248
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إذا أحدث حتى يتوضأ» (١).
وكذلك في البيوع يشترط أن يكون مالكاً للمعقود عليه، والدليل على ذلك: قوله ﷺ : «لا تبع ما ليس عندك» (٢).
ودليل انتفاء المانع: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩]
٢ ومن الأدلة على القاعدة: الإجماع، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «اتفق على ذلك أهل العلم، ولا خلاف بينهم في ذلك؛ ولكنهم اختلفوا في تنزيلها على بعض القضايا الشرعية والعقلية».
وحكى الاتفاق غير واحد كالغزالي في (المستصفى)، والآمدي في (الإحكام).
وهذه القاعدة لابد من مراعاتها عند تنزيل الأحكام الشرعية، سواء أكان تكليفياً، أم وضعياً، حتى في باب العقائد لا يتم الحكم، ولا يترتب الأثر إلا بهذين الأمرين:
الأمر الأول: توفر الشروط.
الأمر الثاني: انتفاء الموانع.
стр. 249
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أمثلة القاعدة:
المثال الأول: في التكفير: فلا يكفر المعين حتى تتوفر الشروط، ومنها: كونه مكلفاً، عالماً بالحكم، مختاراً، وتنتفي الموانع ومنها: التأويل السائغ، والجهل، والإكراه.
المثال الثاني: في الوضوء: فإنه لا يتم ولا يترتب عليه أثره، فيرتفع بذلك الحدث وتصح به الصلاة إلا إذا توفرت شروطه، وانتفت موانعه.
وشروطه: تكلم عليها العلماء ﵏ منها: الإسلام، والعقل، والتمييز، وإزالة ما يمنع وصول الماء إلى البشرة، إلى غير ذلك من الشروط الواجب توفرها.
والموانع: كما لو توضأ المسلم فتمضمض واستنشق وهو لا يزال يخرج منه الحدث، فإن وضوءه غير صحيح؛ لأن المانع لا يزال باقياً فلا يترتب عليه أثر.
المثال الثالث: في الصلاة: فلابد من توفر شروطها وانتفاء موانعها، فلو صلى الإنسان قبل الوقت فصلاته غير صحيحة؛ لتخلف شرط من شروط الصلاة، وكذا لو صلى ولم يستر عورته، أو عليه خبث، أو لم يرفع الحدث، لابد من توفر الشروط التي ذكرها العلماء ﵏.
وكذلك لابد من انتفاء الموانع التي تمنع من صحة الصلاة، فلو تنفل تنفلاً مطلقاً في وقت النهي، أو أكل في الصلاة، أو تكلم فيها، فصلاته غير صحيحة؛ لوجود المانع.
стр. 250
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المثال الرابع: في المعاملات: فلو أن شخصاً عَقَدَ عقْد بيع فلا بد من توفر الشروط: كالعلم بالثمن، والعلم بالمثمن، وأن يكون البيع صادراً من مالك أو من يقوم مقامه، وأن يكون العاقد جائز التصرف.
وكذلك لابد من انتفاء الموانع، فلو باع واشترى بعد أن تضايق وقت المكتوبة فالبيع غير صحيح، أو باع واشترى بعد أذان الجمعة الثاني، فهذا البيع غير صحيح؛ لأن الموانع ليست منتفية.
المثال الخامس: في الأنكحة: فلو أن شخصاً عقد على امرأة فلابد من توفر الشروط، وهي: رضا الزوجين، وتعيين الزوجين، والإشهاد، والولي.
وكذلك لابد من انتفاء الموانع، فلو عقد على امرأة في عدتها، أو وهي مُحْرِمة، أو عقد على امرأة وأختها لازالت في عصمته لم يفارقها بطلاق، أو فسخ، فإن هذا العقد غير صحيح؛ لوجود المانع.
المثال السادس: في التبرعات: فإذا وقَّف الإنسان وقفاً، أو تصدق بصدقة، فلابد أن تتوفر الشروط وتنتفي الموانع، وشروط الوقف ذكرها العلماء ﵏، ومنها: أن يكون المسبِّل جائز التبرع، وأن يكون الوقف على بِر، إلى آخر ما ذكر العلماء من الشروط.
وكذلك لابد من انتفاء الموانع، فلو وقَّف وعليه ديون، أو تصدق وعليه ديون، فوقفه وصدقته لا تصح؛ لوجود المانع.
المثال السابع: في الوصايا، فلابد أن تتوفر الشروط، وتنتفي الموانع، فشروط الوصية التي ذكرها العلماء ﵏، منها: العقل، والتمييز … إلخ.