← Каваид фикха

Каваид фикха · id 1573

العقد الثمين في شرح منظومة الشيخ ابن عثيمين

خالد المشيقح

Полный текст (304 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

[آل عمران: ١٣٢] وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] وأيضًا قول النبي ﷺ في خطبة الجمعة: «فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ». (١) فالأشياء التي لم يقم دليل على أن النبي ﷺ اختص بها فالأصل عدم الخصوصية ومن ادعى الخصوصية فعليه الدليل. ومن الأمثلة على ذلك: ما ثبت في صحيح مسلم عن شريح بن هاني قال: «قلت لعائشة ﵂ بأي شيء كان يبدأ النبي ﷺ إذا دخل بيته؟ فقالت: بالسواك» (٢) هذا الفعل فَعَلَه النبي ﷺ على وجه القربة والطاعة ولم يقم دليل على اختصاص النبي ﷺ فما دام كذلك فالأصل التأسي. - القسم الثاني: ما فعله النبي ﷺ لا على وجه القربة والطاعة وهذا تحته أقسام: القسم الأول: ما فعله النبي ﷺ بمقتضى الجِبِلَّة والطبيعة فهذا في حد ذاته لا يتعلق به أمر ولا نهي، فلا نقول للإنسان إنك تفعل كذا أولا تفعل كذا .. إلخ. مثال ذلك: نوم النبي ﷺ وأكله وشربه ونكاحه … إلخ. هذه لا يتعلق بها أمر ولا نهي، لكن هيئات مثل هذه الأشياء قد يتعلق بها أمر أو نهي فالأكل قد يتعلق به أمر وقد يتعلق به نهي كالأكل باليمين، والشرب باليمين، والتسمية، والحمدلة، ولا يأكل ما يضره … إلخ وكذلك النوم فإنه ينام على طهارة، وعلى جنبه الأيمن، ويأتي بأذكار النوم … إلخ وأما ذات

стр. 107

النوم، وذات الأكل والشرب … إلخ فهذه الأشياء فعلها النبي ﷺ جبلة فلا يتعلق بها أمر ولا نهي. القسم الثاني: ما فعله النبي ﷺ على وجه العادة فهذا أيضًا مباح مثل: كيفية الأكل، والشرب، واللباس هذه من قبيل العادات لكن الشارع قد يأمر ببعض الكيفيات وينهى عن بعض، مثل أن يأكل كذا، أو يشرب كذا، أو يأكل على هذه الهيئة أو ينام على هذه الهيئة .... إلخ فما فعله النبي ﷺ على سبيل العادة هذا لا نقول بأن الإنسان مأمور أن يتابع النبي ﷺ في هذه الأشياء فإنه لا يتعلق بها أمر ولا نهي، بل السنة للإنسان أن يفعل العادة في المكان والزمان الذي هو فيه ما لم يخالف الشرع. يعني يوافق أهل بلده في عادتهم. مثال ذلك: النبي ﷺ لبس عمامة لكن عادة الناس في مثل هذا البلد أنهم لا يلبسون عمامة، والسنة أن الإنسان يوافق الزمان، والمكان الذي هو موجود فيه كلبس الشماغ أو الغترة … إلخ فيوافقهم في ذلك ما لم يخالف الشرع؛ لأنه لو خالف الناس لأصبح لباسه لباس شهرة. وأيضًا: النبي ﷺ ركب الخيل والحمار والناس الآن في هذا البلد لا يركبون الخيل والحمار … إلخ فهل نقول: بأنك توافق النبي ﷺ في عادته، أو نقول: له اركب السيارة مثل فعل الناس؟ السنة أن يترك مثل هذه الأشياء ويفعل ما يفعله الناس؛ لأن كونه يوافق الناس هذا يبعده عن الشهرة وكونه يركب الخيل، ويقول أريد أن أقتدي بالنبي ﷺ نقول: هذا من قبيل العادات والنبي ﷺ فعل ما يوافق أهل بلده وزمانه وأنت السنة أن توافق زمانك ومكانك. القسم الثالث: ما تردد بين العادة والمشروعية، قد يوجد أفعال للنبي ﷺ يتردد أمرها بين العادة وبين المشروعية فهل فعلها من السنة أو لا؟ الضابط في ذلك: أن ما تردد بين العادة والمشروعية: إن قَدّرْت أن

стр. 108

لنبي ﷺ فعله مُوافَقةً لزمانه ومكانه فليس من قبيل السنة وإنما هو من قبيل العادة، وإن قَدَّرْت أن النبي ﷺ خالف فيه زمانه ومكانه فهو من قبيل السنة. مثال ذلك: اتخاذ الشعر فعله النبي ﷺ (١) موافقًا لأهل زمانه ومكانه؛ لأن العرب كانوا في عهد النبي ﷺ يتخذون الشعور ففعله النبي ﷺ موافقًا لأهل زمانه ومكانه فلا نقول: بأنه سنة بل هو من قبيل العادات، وأيضًا لما خرج النبي ﷺ من عرفة إلى مزدلفة وقف وبال وتوضأ وضوءًا خفيفًا … (٢) إلخ فهل هو من قبيل السنة أو العادة؟ الأقرب أنه من قبيل العادة ولهذا لا يطلب من الإنسان أن يفعل مثل هذه الأشياء. - القسم الثالث: ما كان بيانًا لأمر فحكمه حكم ذلك الأمر وهذا أفاده الشيخ ﵀ بقوله: ٢٨ - وإِنْ يكنْ مُبيِّنًا لأمرِ … فالحُكْمُ فيه حُكمُ ذاكَ الأمْرِ فما فعله النبي ﷺ بيانًا لأمر فهذا حكمه حكم ذلك الأمر، فإن كان الأمر يقتضي الوجوب فهذا الفعل حكمه حكم ذلك الأمر وهو الوجوب، وإن كان يقتضي الاستحباب فحكمه حكم ذلك الأمر وهو الاستحباب. مثال الوجوب: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] فقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ هذا أمر والأمر يقتضي الوجوب بيّنه النبي ﷺ بفعله فالنبي ﷺ مسح كل رأسه ولم يقتصر على مسح بعض الرأس «بدأ بمقدم رأسه إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه» (٣) فمسح كل رأسه. مثال الاستحباب: قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾

стр. 109

[البقرة: ١٢٥] هذا أمر بيّنه النبي ﷺ في حديث جابر ﵁ في صفة حج النبي ﷺ لما أتى المقام قرأ قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ وصلى خلف المقام ركعتين (١) وحكم ركعتي الطواف خلف المقام السنية بالإجماع فالعلماء مجمعون على أن صلاة ركعتي الطواف خلف المقام سنة فهذا الأمر مصروف عن الوجوب بالإجماع، فيكون فعل النبي ﷺ مبيّنًا لهذا الأمر، وهذا الأمر، للاستحباب فيأخذ حكمه وهو الاستحباب. • • •

стр. 110

٢٩ - وقدِّم الأعلَى لدَى التَّزاحُمِ … في صَالحٍ والعَكسُ في المظالِمِ ٣٠ - وادفعْ خفيفَ الضَّرَرَيْنِ بالأخفْ … وخذْ بعالِي الفاضَليْنِ لا تَخَفْ عندنا هنا تزاحم المصالح، وتزاحم المفاسد. فالمصالح: هي أوامر الشرع. والمفاسد: هي نواهي الشرع. فعندنا في هذا الشطر قاعدتان: [أنه عند تزاحم المصالح نقدم الأعلى منها] و [وعند تزاحم المفاسد نقدم الأخف منها] ويقول السعدي ﵀: فإن تزاحم عدد المصالح وضده تزاحم المفاسد … يُقدم الأعلى من المصالح (١) يرتكب الأدنى من المفاسد (٢) وتزاحم المصالح لا يخلو من أمرين: الأمر الأول: إمكانية الجمع بين هذه المصالح، بحيث يستطيع أن يأتي بها كلها فنقول يأتي بها جميعًا. الأمر الثاني: عدم إمكانية الجمع بين هذه المصالح بحيث لا يستطيع أن يفعل إلا إحدى المصلحتين وهذا هو المراد هنا فأيهما يقدم؟ هذا تحته أقسام: القسم الأول: أن تتزاحم الواجبات، فإذا تزاحمت فإننا نقدم آكد الواجبين، ولذلك أمثلة: المثال الأول: إنسان عنده ماء وحضر وقت الصلاة، وهذا الماء يحتاجه للشرب ويحتاجه للوضوء فالوضوء واجب، وإبقاء النفس، والمحافظة عليها واجب فأيهما آكد؟ نقول: إبقاء النفس آكد فيقدم الشرب على الوضوء. المثال الثاني: إنسان عليه فائتة وعليه حاضرة، عليه فائتة صلاة الفجر،

стр. 111

وعليه صلاة الظهر وهي صلاة حاضرة فنسي أن يصليها حتى تضايق وقتها لم يببقَ إلا عشر دقائق لفعل صلاة الظهر فنقول: ابدأ بالحاضرة؛ لأن الحاضرة هنا آكد إذْ لو فعلها يكون أداء في وقتها وعلى هذا فقس. القسم الثاني: تعارض واجب ومستحب، فالأمر في ذلك ظاهر، فإنه يُقدم الواجب على المستحب. ولذلك أمثلة: المثال الأول: إنسان عنده دراهم وعليه زكاة، إما أن يخرجها صدقة، وإما أن يخرجها زكاة فنقول: يبدأ بالزكاة. المثال الثاني: إنسان عنده دراهم، إما أن يتصدق بها، أو ينفقها على أهله ونفسه فإنه يبدأ بالنفس والأهل؛ لأن الواجب مقدم على المستحب. المثال الثالث: لو تعارضت نوافل الصلاة مع الواجب … إلخ فيقدم الواجب وعلى هذا فقس. القسم الثالث: إذا تعارض عنده مستحبان، أو سنتان فيقدم أفضل السنتين، أو المستحبين. والتفضيل ذكر العلماء له أسبابًا منها: السبب الأول: التفضيل للآكدية مثاله: إنسان إما أن يصلي الوتر، أو يصلي النافلة المطلقة قبيل طلوع الفجر. يعني بقي ثلاث دقائق على طلوعه، فإنه يقدم الآكد وهو الوتر. السبب الثاني: كون إحدى السنتين أنفع للقلب، وأصلح له مثال ذلك: إنسان تعارض عنده إما أن يقرأ القرآن بلا صلاة، أو يصلي فإنه يفعل ما هو أصلح للقلب سواء قراءة القرآن أو الصلاة. السبب الثالث: كون إحدى السنتين نفعها متعد. مثال ذلك: تعارض عنده في هذه الساعة إما أن يحضر الدرس، أو يقوم يصلي فنقول يحضر الدرس؛ لأن كونه يتعلم هذا نفع متعد؛ لأنه إذا تعلم فإنه سيُعلِّم … إلخ. السبب الرابع: كون السنة مشروعة في هذا الحال، أو في هذا

стр. 112

الزمان، أو هذا المكان فإنها تقدم على غيرها. مثال ذلك: بعد انتهاء الصلاة المكتوبة فإن السنة أن يأتي بالأذكار من تهليل، وتسبيح … إلخ، والقرآن أشرف الذكر فإذا انتهت الصلاة، إما أن يذكر الله ، أو يقرأ القرآن، فالسنة أن يقدم الذكر هنا على قراءة القرآن. السبب الخامس: كون هذا التقديم يؤدي إلى العمل بالسنة كلها. مثال ذلك: بعد الانتهاء من الصلاة إما أن يسبح المصلي ثلاثًا وثلاثين مرة ويحمد الله ثلاثًا وثلاثين مرة ويكبر الله ثلاثًا وثلاثين مرة، ويقول في تمام المائة: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)، أو أن يسبح عشرًا ويحمد عشرًا ويكبر عشرًا … إلخ تزاحم ذلك عنده فنقول: يقدم العمل بالسنة كلها بأن يأتي بهذا تارة، ويأتي بهذا تارة أخرى ليعمل بالسنة كلها. السبب السادس: دفع المفسدة: مثال ذلك: الإسرار بالصدقة أفضل من الجهر بها، لكن إذا كان في جهره دفع مفسدة حيث إن هذا الشخص مُتهم بأنه لا يتصدق وأراد أن يدفع المفسدة عن نفسه، أو أن هذا العمل غير مشروع، بأن يُظن أن الصدقة في هذا المكان غير مشروعة فأراد أن يدفع هذه المفسدة فأظهر الصدقة فهذا أفضل. قال ابن القيم ﵀: (إن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح بحسب الإمكان، وأن لا يفوت منها شيء فإن أمكن تحصيلها كلها حصلت، وإن تزاحمت ولم يكن تحصيل بعضها إلا بتفويت البعض قدم أكملها وأهمها وأشدها طلبًا للشارع). ومما يدل لهذه القاعدة قوله ﷺ : «الإيمان بضع وسبعون شعبة فأعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق». (١) وأيضًا الأمر بالأخذ بالأحسن كما في قوله:

стр. 113

﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٥] وقوله: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف: ١٤٥] وقوله: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٧، ١٨]. كذلك تزاحم المفاسد، إذا تزاحمت المفاسد فإنه يرتكب الأدنى منها وتزاحم المفاسد تحته أقسام: القسم الأول: أن يتزاحم عنده محرمان فإنه يقدم أخف المحرمين. مثال ذلك: إنسان في مخمصة أي: في شدة جوع إما أن يأكل من الميتة التي ماتت حتف أنفها، أو يأكل من شاة اشتبه عليه هل ذكر اسم الله عليها أو لم يذكر فيقدم المشتبه فيها على الميتة؛ لأن الميتة أشد تحريمًا. القسم الثاني: تزاحم المكروهات، إذا تزاحم مكروهان من المكروهات فإنه يقدم أخفهما. مثال ذلك: تعارض عنده إما أن يأكل من البصل، أو يأكل من الثوم، فإنه يقدم أقلهما كراهة وهو البصل؛ لأن البصل أقل رائحة. القسم الثالث: أن يتعارض عنده محرم، ومكروه فيقدم المكروه على المحرم. مثال ذلك: عنده بصل، وعنده ميتة، وهو في مخمصة فإنه يبدأ بالبصل ويأكل منه. وأما قوله: [وادفع خفيف الضررين بالأخف … إلخ] فتقدم بيانه وشرحه فيما سبق وذكرنا الأمثلة عليه وأنه إذا تعارض ضرران يُقدم الأخف وإذا تزاحمت المصالح يأخذ بالأعلى منها … إلخ. (١)

стр. 114

٣١ - إنْ يَجْتَمِعْ معَ مُبِيحٍ ما مُنِعْ … فَقَدِّمَنْ تغليبًا الذي مُنِعْ قوله: [مبيح]: أ ي المباح. قوله: [منع]: أي المحرم. [إذا اجتمع حاظر ومبيح فإننا نغلّب جانب الحظر] ولهذا أمثلة منها: المثال الأول: البغل متولد من الحمار والفرس فنقول: بأنه محرم؛ لأنه اجتمع عندنا حاظر وهو أكل الحمار، ومبيح وهو أكل الفرس فنغلِّب جانب الحظر. المثال الثاني: السِّمْع متولد من الضبع والذئب، الضبع حلال والذئب حرام، فنقول: بأنه محرم تغليبًا لجانب الحظر. المثال الثالث: رجل عنده امرأتان اشتبهتا عليه إحداهما حلال والأخرى حرام، إحداهما رضعت من أمه والأخرى لم ترضع منها فهنا اشتبهتا فنقول: اجتنب المرأتين كلتيهما تغليبًا لجانب الحظر، ودليل هذه القاعدة، قوله ﷺ لعدي ﵁: «فإن وجدت مع كلبك كلبًا آخر، فلا تأكل فإنما سميت على كلبك، ولم تسمِّ على الكلب الآخر» (١) وأيضًا قوله ﷺ : «فإن وجدته في الماء فلا تأكل فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك». (٢) • • •

стр. 115

٣٢ - وكلُّ حكمٍ فَلِعِلَّةٍ تَبِعْ … إِنْ وُجِدَتْ يُوجَدْ وإلا يَمْتَنِعْ قوله: [وكل حكم]: تقدم الكلام على الحكم. (١) قوله: [فلعلة تبع]: العلة في اللغة: المرض، سمي المرض علة؛ لأنه يعل البدن أي يغيره ويخرجه عن طبيعته. قال الفيومي في المصباح العلة: (هي المرض المشغل). اصطلاحًا: هي المعنى الذي من أجله شرع الحكم، أي شرع لوجود هذا المعنى فيه، فالإسكار علة تحريم الخمر؛ إذا وجد الإسكار حرم الشرب. وعرّفها الإمام مالك ﵀ بقوله: (العلة هي الصفة التي يتعلق الحكم الشرعي بها) وعرّفها الشاطبي ﵀ بقوله: (الحِكَمُ والمصالح التي تعلقت بها الأوامر أو الإباحة، أو المفاسد التي تعلقت بها النواهي). وقال الباجي في (الحدود) وبه قطع الآمدي وابن الحاجب ﵏ بأن العلة في الاصطلاح: الوصف المشتمل على الحكمة الباعثة على تشريع الحكم. وهذه القاعدة أغلبية لا مطّردة، وقد اتفق عليها الفقهاء قاله ابن النجار في (شرح مختصر التحرير). وبنحوه قال الشاطبي (في الموافقات) ومثالها ما جاء في الصحيحين قال ﷺ : «إنما نهيتكم من أجل الدَافَّة التي دفَّت فكلوا وادخروا وتصدقوا». (٢) والدَافَّة: هم الأعراب الفقراء الذين دفَّوا - والدف نوع من أنواع المشي - إلى المدينة وقت عيد الأضحى، فنهى النبي ﷺ الصحابة عن

стр. 116

ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث حتى يتصدقوا على هؤلاء الفقراء. وإنما قيل: إن القاعدة السابقة أغلبية؛ لأن لها استثناءات. وهي ترجع إلى مجموعة أمور: أولها: ما كان له - يعني الحكم - أكثر من علة فإن انتفاء بعض العلل لا يوجب انتفاء الحكم، كالحدث ببول وغائط فإنه يوجب عدم الصلاة حتى يرتفع الحدث، فلو انتفت علة البول فلا يعني جواز مباشرة الصلاة وصحتها؛ لأنه قد يوجد علة أخرى وهي الغائط مثلًا تمنع الصلاة. ثانيها: الحكم الذي بقي مع انتفاء علته مثل الرَّمَل (١)، فإن العلة انتفت وهي إظهار النشاط للكفار (٢) وبقي الحكم لفعل النبي ﷺ ذلك في حجة الوداع. (٣) ثالثها: ما كان الحكم مبنيًا على علة ظنية، مثل الرخص المتعلقة بالسفر لمظنة المشقة، فإن أحكام الرخص تستمر ولو لم توجد تلك العلة، وهي المشقة؛ لكونها ظنية قاله شيخ الإسلام ﵀ في (مجموع الفتاوى). العلة: وصف مناسب للحكم، والأحكام الشرعية كلها معللة؛ أي: مبنية على أوصاف ومعاني مناسبة للحكم، والعلل في الأحكام الشرعية تنقسم قسمين: - القسم الأول: علل معلومة وهي تنقسم إلى قسمين كذلك: القسم الأول: علل منصوصة أي نص عليها الشارع. القسم الثاني: علل مستنبطة أي لم ينص عليها الشارع.

стр. 117

- القسم الثاني: علل غير معلومة وهي التي يعبر عنها الفقهاء ﵏: [بأن الحكم تعبدي] يعني غير معلل. قوله: [إن وجدت]: (إن) شرطية، و (وجدت) فعل الشرط، و (يوجد) جواب الشرط. معنى ذلك: أن الحكم يتبع علته وجودًا وعدمًا فإذا وجِدت العلة وجد الحكم وإذا لم توجد العلة لم يوجد الحكم. واعلم أن العلة من حيث وجود الحكم وعدمه تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: علة منصوصة، فإذا كانت العلة منصوصة، فإنه يوجد الحكم، ولذلك أمثلة: المثال الأول: قوله ﷺ : «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث حتى تختلطوا بالناس من أجل أن ذلك يحزنه» (١) فقوله: (من أجل أن ذلك يحزنه) هذه علة منصوصة يوجد الحكم إذا وجد التناجي من ثلاثة؛ لأن ذلك يحزنه. فإن تناجى ثلاثة دون الرابع فإنه لا يجوز؛ لأن العلة موجودة الآن (من أجل أن ذلك يحزنه) وكذلك لو تكلم اثنان بلغة أجنبية دون الثالث وهو لم يفهم ولم يتناجيا، فإنه لا يجوز؛ لأن العلة هنا موجودة (من أجل أن ذلك يحزنه). ولو تناجى صبيان دون رجل كبير جاز، لأن ذلك لا يحزنه. المثال الثاني: قول النبي ﷺ : «ما أنهر الدم وذُكر اسم الله عليه فكلوه ليس السن والظُّفُر» قال: «أما السن فعظم». (٢) فالعلة الآن موجودة، لو ذبحت بعظم آخر غير السن فإنه لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ علّل فقال: (أما

стр. 118

السن فعظم) فلا يجوز التذكية بسائر العظام؛ لأن النبي ﷺ علل وهكذا. القسم الثاني: أن تكون العلة مستنبطة وهي قريبة فحكمها كالقسم السابق مثال ذلك: حديث عائشة ﵂ في صحيح مسلم قال ﷺ : «لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان» (١) العلة في ذلك: هي التشويش وإشغال الذهن، فلو صلى في حر شديد، أوبرد شديد فإنه يأخذ الحكم؛ لأن المقصود الإشغال وهو موجود سواء أكان بحضرة طعام، أم وهو يدافعه الأخبثان، أم غير ذلك، وكذلك لو صلى وهناك شيء يلهيه عن صلاته يأخذ الحكم وهو الكراهة. القسم الثالث: أن تكون العلة مستنبطة، وهي بعيدة فالحكم لا يتبعها. مثال ذلك: ما ورد في حديث عبادة وحديث أبي سعيد ﵄ قال ﷺ : «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، سواء بسواء مثلًا بمثل» (٢). ما هي العلة في الذهب والفضة؟ الحنابلة ﵏ قالوا: بأن العلة في الذهب والفضة هي الوزن، فيجري الربا في كل الموزونات من ذهب، وفضة، وحديد، ورصاص، ونحاس، وصُفْر، وشعر، وحرير، وقطن وغير ذلك. فإذا بادلت ذهبًا بذهب لابد أن يكون مثلًا بمثل سواء بسواء، وإذا بادلت فضة بفضة لابد أن يكون مثلًا بمثل سواء بسواء، وكذلك في بقية الموزونات الحديد بالحديد، والنحاس بالنحاس، والرصاص بالرصاص مثلًا بمثل سواء بسواء، وهذه العلة بعيدة. والصواب: أن العلة في الذهب والفضة ليست الوزن، وإنما هي غلبة

стр. 119

الثمنية؛ أي: كون هذه الأشياء ثمنًا للمبيعات، أما التعليل بالوزن فضعيف، ولهذا رده ابن القيم ﵀ من وجوه: منها أن الشارع رخص في السلم في الموزونات لما قَدِم النبي ﷺ المدينة كما في حديث ابن عباس ﵄ في الصحيحين وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين فقال النبي ﷺ : «من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم» (١) وأنت إذا أسلفت في الوزن سُتعطي ذهبًا موزونًا بحديد موزون، فالشارع جوز في السلّم تأخير القبض، وإذا قلنا بأن العلة الوزن يؤدي إلى إغلاق باب السلم في الموزونات. والصواب في ذلك: أن العلة ليست هي الوزن، وإنما هي الثمنية، فكل ما اتخذه الناس ثمنًا هو الذي يجري فيه الربا، أما التعليل بالوزن هذا ضعيف. • • •

стр. 120

٣٣ - وأَلْغِ كلَّ سابقٍ لسببِهْ … لا شرطِهِ فادْرِ الفروقَ وانتبهْ السبب لغة: كل ما يتوصل به إلى الغير، ومنه الحبل. وفي الاصطلاح: ما يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم لذاته. والشرط لغة: إلْزام الشيء والتزامه. وفي الاصطلاح: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، عندنا سبب، وعندنا شرط، وهذا البيت قاعدة ذكرها ابن رجب ﵀ بقوله: (العبادات كلها بدنية، أو مالية، أو مركبة من البدن والمال لا يجوز تقديمها على سبب وجوبها، ويجوز تقديمها بعد السبب وقبل شرط الوجوب). فالأحول ثلاثة: الحال الأولى: أن يكون قبل السبب وقبل الشرط، فهذه الحال لا تصح عند الجميع. مثال: لو قال إنسان سأُكفِّر كفارة، إذْ يمكن أن أحلف في يوم من الأيام، فلا تجزئ وتكون صدقة؛ لأن سبب الوجوب لم يوجد وهو الحلف. الحال الثانية: أن يكون بعد سبب الوجوب، وقبل شرط الوجوب فهذا مجزئ عند جماهير العلماء لظاهر ما في الصحيحين. (١) وهذا له أمثلة منها: المثال الأول: كفارة اليمين يجوز لك أن تقدم الكفارة بعد اليمين وقبل الحنث. مثال ذلك: إنسان قال: والله لا أسافر اليوم إلى مكة. الحنث السفر، يجوز له أنه يقدم الكفارة قبل السفر، لكن هل يجوز أن يقدم الكفارة قبل

стр. 121

اليمين؟ لا يجوز؛ لأن هذا تقديم للعبادة على سببها، لكن تقديم الكفارة بعد السبب يجوز. يعني السبب هو اليمين، واليمين وجد الآن فتجوز الكفارة قبل الحنث قال ﷺ : «وإني والله - إن شاء الله - لا أحلف على يمين، ثم أرى غيرها خيرًا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير». (١) المثال الثاني: الزكاة يجوز أن تُقدمها بعد السبب، وهو بلوغ النصاب، وقبل الحول؛ أي: قبل شرط الوجوب على الصحيح كما هو عند أحمد وجماعة من أهل العلم؛ لحديث العباس (٢) وجاء في معناه حديث علي ﵁ (٣). فإذا اكتمل النصاب أربعون شاة يجوز لك أن تقدم الزكاة بعد تمام النصاب، وقبل شرط الوجوب؛ أي قبل الحول. المثال الثالث: قتل الخطأ فيه كفارة، فكونه يُقدم الكفارة قبلأن يجرحه لا يجوز. مثال ذلك: إنسان قال: أنا أخشى أن أقتل شخصًا خطًا، فسأعتق رقبة الآن لا يجوز؛ لأنه تقديم على السبب، لكن لو أن إنسانًا جنى على شخص خطأ، وقبل أن يموت قام وأخرج الكفارة فإن هذا يصح. المثال الرابع: فدية الأذى مثال: إنسان مُحرِم احتاج إلى أن يفعل محظورًا من محظورات الإحرام مثل كعب بن عجرة ﵁ احتاج إلى أن يحلق رأسه (٤)، فإنه لا بأس أن يخرج الكفارة ثم يفعل المحظور وعلى

стр. 122

هذا فقس. فتقديم الشيء على السبب لا يجوز، وتقديمه بعد السبب وقبل الشرط - شرط الوجوب - جائز. الحال الثالثة: أن يكون بعدهما جميعًا، فهذا مجزئ بلا خلاف. قوله: [فادر الفروق وانتبه]: يعني ينبغي للمتعلم أن يعرف الفروق. والفروق: هو العلم الذي يبحث في المسائل المشتبهة في الصورة، المختلفة في الحكم، والدليل، والعلة. وقد عني العلماء ﵏ بالفروق وجعلوا لها كتبًا خاصة وذكروها أيضًا في ثنايا بحوثهم فإذا عرف الإنسان الفروق لا تشتبه عليه المسائل، يستطيع أن يفرق بين هذه المسألة وبين المسائل الأخرى فالفائدة من ذلك: أولا: لا تشتبه عليه المسائل. ثانيًا: يحفظ هذه المسائل ويُلم بها. ثالثًا: معرفة شيء من حِكَم الشريعة وأسرارها، ومقاصدها.

стр. 123

٣٤ - والشَيءُ لا يَتِمُّ إلا أنْ تَتِمْ … شُروطُه ومَانِعٌ مِنهُ عُدِمْ قوله: [الشيء] يشمل العبادات، والمعاملات، والتبرعات، والأنكحة، والحدود، والقصاص … إلخ. قوله: [مانع]: المانع اسم فاعل من المنع. وأما في الاصطلاح: فله تعريفات منها: ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته، كالحيض مع الصلاة فإنه مانع من صحتها. وحاصل كلام الناظم: أن الحكم الشرعي لا يتم إلا باستكمال شروطه وانتفاء موانعه، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (اتفق على ذلك أهل العلم، ولا خلاف بينهم في ذلك؛ ولكنهم اختلفوا في تنزيلها على بعض القضايا الشرعية والعقلية). وحكى الاتفاق غير واحد كالغزالي في (المستصفى) والآمدي في (الأحكام). وهذه القاعدة لابد من مراعاتها عند تنزيل الأحكام الشرعية كالتكفير مثلًا، فلا يكفر المعين حتى تتوفر الشروط: منها كونه مكلفًا، عالمًا بالحكم، مختارًا، وانتفت الموانع ومنها: التأويل السائغ، والجهل، والإكراه. قال شيخ الإسلام: (اتفق على ذلك عامة السلف، وفقهاء الملة). والحكم الشرعي هو المقصود، سواء أكان تكليفيًا، أم وضعيًا. حتى في باب العقائد لا يتم الحكم، ولا يترتب الأثر إلا بهذين الأمرين: الأمر الأول: توفر الشروط. الأمر الثاني: انتفاء الموانع. مثال ذلك: الوضوء لا يتم ولا يترتب عليه أثره، فيرتفع بذلك الحدث،

стр. 124

وتصح به الصلاة إلا إذا توفرت شروطه، وانتفت موانعه. وشروطه: تكلم عليها العلماء ﵏ فذكروا: الإسلام، والعقل، والتمييز، وإزالة ما يمنع وصول الماء إلى البشرة … إلى غير ذلك من الشروط؛ فلابد من توفرها، وكذلك الموانع لابد من انتفائها، فلو توضأ المسلم فتمضمض، واستنشق وهو لا يزال يخرج منه الحدث، فإن وضوءه غير صحيح؛ لأن المانع لا يزال باقيًا فلا يترتب عليه أثر. المثال الثاني: الصلاة لابد من توفر شروطها، وانتفاء موانعها، فلو صلى الإنسان قبل الوقت فصلاته غير صحيحة؛ لتخلف شرط من شروط الصلاة، وكذا لو صلى ولم يستر عورته، أو عليه خبث، أو لم يرفع الحدث … إلخ، لابد من توفر الشروط التي ذكرها العلماء ﵏، وكذلك لابد من انتفاء الموانع التي تمنع من صحة الصلاة، فلو تنفل تنفلًا مطلقًا في وقت النهي، فصلاته غير صحيحة؛ لوجود المانع، وكذلك لو أكل في الصلاة، أو تكلم فيها … إلخ فصلاته غير صحيحة؛ لوجود المانع. المثال الثالث: المعاملات، لابد فيها من توفر الشروط وانتفاء الموانع، فلو أن شخصًا عَقَدَ عقْد بيع فلابد من العلم بالثمن، والعلم بالمثمن، وأن يكون البيع صادرًا من مالك، أو من يقوم مقامه، وأن يكون العاقد جائز التصرف … إلخ فلابد من توفر الشروط، وكذلك لابد من انتفاء الموانع، فلو باع أو اشترى بعد أن تضايق وقت المكتوبة فالبيع غير صحيح، أو باع واشترى بعد أذان الجمعة الثاني فهذا البيع غير صحيح؛ لأن الموانع ليست منتفية. وكذلك في الأنكحة: لو أن شخصًا عقد على امرأة فلابد من توفر الشروط وهي: رضا الزوجين، وتعيينهما، والإشهاد، والولي … إلخ. ولابد من انتفاء الموانع، فلو عقد على امرأة في عدتها، أو هي مُحْرِمة،

стр. 125

أو عقد على امرأة وأختها لازالت في عصمته لم يفارقها بطلاق، أو فسخ، فإن هذا العقد غير صحيح؛ لوجود المانع. وكذلك في التبرعات فإذا وقَّف الإنسان وقفًا، أو تصدق بصدقة، لابد أن تتوفر الشروط وتنتفي الموانع، وشروط الوقف ذكرها العلماء ﵏ وهي: أن يكون المسبِّل جائز التبرع، وأن يكون الوقف على بِر إلى آخر ما ذكر العلماء من الشروط، وكذلك لابد من انتفاء الموانع، فلو وقَّف وعليه ديون، أو تصدق وعليه ديون … إلخ فوقفه وصدقته لا تصح؛ لوجود المانع. وكذلك أيضًا في الوصايا لابد أن تتوفر الشروط، وتنتفي الموانع، فشروط الوصية التي ذكرها العلماء ﵏ منها: العقل، والتمييز، وأن يكون الموصى له أهلًا للتملك … إلخ. وكذلك لابد أن تنتفي الموانع، فلو وصّى بأكثر من الثلث، أو وصى لوارث … إلخ فوصيته لا تصح. فلابد فيها من توفر الشروط وانتفاء الموانع. المثال الرابع: آيات الوعيد هي في حق من ارتكب أمورًا محرمة، فهو أهل؛ لما جاء في النصوص من الوعيد، لكن قد يكون هناك مانع من العقاب، كالتوبة، أو استغفار المؤمنين له، أو المصائب. وقد توجد شروط الإرث ويكون هناك مانع من رق، أو قتل، أو اختلاف دِين … إلخ. والدليل على هذه القاعدة: أن الشارع اشترط اجتماع الشروط، وانتفاء الموانع: فالوقت شرط لصحة الصلاة قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] وقال عمر ﵁: «إن للصلاة وقتًا اشترطه الله لها لا تصلح إلا به» ودليل انتفاء المانع في الصلاة قوله

стр. 126

ﷺ «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ». (١) ودليل الشرط في البيوع: قوله ﷺ : «لا تبع ما ليس عندك» (٢). ودليل انتفاء المانع في البيع: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]. • • •

стр. 127

٣٥ - والظنُّ فِي العِبَادةِ المُعْتَبَرُ … ونَفسَ الامرِ في العُقُودِ اعتَبَرُوا يقول الشيخ ﵀: المعتبر في باب العبادات الظن، وأما المعتبر في باب المعاملات فنفس الأمر. قال ابن رجب ﵀ في القواعد في قاعدة ترجم لها بقوله: (من تصرف في شيء يظن أنه لا يملكه، ثم تبين له أنه يملكه). ودليل ذلك: حديث عائشة ﵂ في صفة غُسل النبي ﷺ قالت عائشة ﵂: «حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات» (١) فدل ذلك على أن العبادات يُكتفى فيها بالظن، فلو وقعت على ثوب إنسان نجاسة فنقول: يغسل حتى يظن أنها قد زالت فإذا ظن ذلك كفى، وكذلك إذا أصاب المسلم موجب من موجبات الغسل كجنابة، أو حيض، أو نفاس … إلخ فإنه يفيض الماء على بدنه حتى يظن أنه قد عمّ بدنه بالماء، فإذا ظن ذلك، فإنه كاف، وكذلك لو توضأ الإنسان فإنه يغسل أعضاءه الأربعة حتى إذا ظن أنه قد أسبغ كفى ذلك. وكذلك في الصيام له أن يأكل إذا ظن أن الشمس قد غربت؛ ولهذا في حديث أسماء ﵂ قالت: «أفطرنا على عهد الرسول ﷺ في يوم غيم، ثم طلعت الشمس». (٢) فهنا بنوا على الظن ولو بنوا على اليقين لما طلعت الشمس. وكذلك في الحج؛ إذا رمى الإنسان الجمار فظن أن الحصى وصلت المرمى، أو ظن أنه طاف سبعة أشواط فإن ذلك كاف … إلخ، وعلى هذا فقس، وأما في المعاملات فالعبرة بما في نفس الأمر، وذكر ابن رجب ﵀ وغيره صورًا وأمثلة لهذا:

стр. 128

المثال الأول: لو باع شخصٌ سلعة شخص، ولم يوَكّله هذا الشخص في بيعه، فالأصل أن العقد لا يصح؛ لأن العقد ليس من المالك ولا من يقوم مقام المالك، لكن إذا تبين أن المالك قد وكّله في البيع فإن البيع صحيح اعتبارًا بما في نفس الأمر. المثال الثاني: إنسان باع سلعة أبيه، وأبوه لم يوكله، ثم بعد ذلك تبين أن أباه قد مات وأنه ورث هذه السلعة ودخلت في ملكه، فإن العقد صحيح اعتبارًا بما في نفس الأمر، ونفس الأمر أنه يملك العقد على هذه السلعة، في المثال الأول يملك العقد على هذه السلعة نيابة، وأما في المثال الثاني فيملك العقد على هذه السلعة أصالة. المثال الثالث: لو أنه قال لامرأته: أنت طالق يظنها أجنبية وأنها ليست زوجته، ثم تبين بعد ذلك أن هذه المرأة التي واجهها بالطلاق هي زوجته فلا عبرة بالظن وإنما العبرة بما في نفس الأمر، ونفس الأمر هي زوجته وقد واجهها بالطلاق فيقع عليها الطلاق، ذكر ذلك الحنابلة ﵏. المثال الرابع: لو قال لرقيقه: أنت حر يظن أنه أجنبي ليس رقيقه، ثم بعد ذلك تبيّن أنه رقيقه فإنه يعتق عليه اعتبارًا بما في نفس الأمر … وهكذا. وقولهم: (العبرة في المعاملات بما في نفس الأمر) فيه نظر، لاشتراط الرضا في العقود. • • •

стр. 129

٣٦ - لكنْ إذَا تَبَيَّنَ الظنُّ خَطَا … فأبْرِيءِ الذّمةَ صَحِّحِ الخَطَا يعني إذا تبيّن أن الظن قد أخطأ فيه الإنسان فإنه يستدرك؛ لأنه كما تقدم لنا في باب الأوامر أنه لا يعذر فيها بالجهل، والنسيان، والإكراه ما دام أنه يمكنه أن يستدرك، مثال ذلك قال: ٣٧ - كَرَجُلٍ صَلَّى قُبَيْلَ الوَقْتِ … فَلْيُعِدِ الصَّلاةَ بَعْدَ الوَقتِ إذا ظن الإنسان دخول الوقت فله أن يصلي، فإذا صلى لا يخلو من ثلاث حالات: الحال الأولى: أن يعلم أنه قد صلى بعد دخول الوقت، فصلاته صحيحة؛ لأنه أدى الصلاة في وقتها. الحال الثانية: أن يعلم أنه كبَّر قبل الوقت، فهنا يعيد الصلاة كما قال الشيخ ﵀: لكن إذا تبين الظن خطا .... فابرئ الذمة صحح الخطا فيعيد الصلاة الحال الثالثة: أن لا يتبين له شيء فالأصل صحة العبادة؛ لأن الإنسان مأمور بإعمال الظن في العبادات، وذكرنا الدليل على ذلك، وإنما يعيد إذا تبين الظن خطأ في باب الأوامر، أما إذا كان في باب النواهي فإنه لا يعيد؛ لأن النواهي يُعذر فيها بالجهل والنسيان والإكراه. مثال ذلك: إنسان ظن غروب الشمس فأفطر، فهذا لا يخلو من ثلاث حالات: الحال الأولى: أن يتبين أنه أفطر بعد غروب الشمس فصيامه صحيح، وهذا بالاتفاق. الحال الثانية: أن يتبين أنه أفطر قبل غروب الشمس كما في حديث أسماء (١) فصيامه صحيح وهو معذور لا يجب عليه أن يعيد الصيام؛ لأن

стр. 130

هذا من باب التروك والنواهي، لكن يمسك حتى تغرب الشمس. الحال الثالثة: أن لا يتبين له شيء فصيامه صحيح. ومثال ذلك: لو أن الإنسان يظن عدم طلوع الفجر فأكل، أو جامع على الصحيح فإن هذا لا يخلو من ثلاث حالات: الحال الأولى: أن يتبين أنه أكل قبل طلوع الفجر، فصيامه صحيح. الحال الثانية: أن يتبين أنه أكل بعد طلوع الفجر، فصيامه صحيح ولا شيء عليه، فما دام أنه من باب التروك والنواهي فإنه معذور. الحال الثالثة: أن لا يتبين له شيء فصيامه صحيح. • • •

стр. 131

٣٨ - والشَّكُّ بعدَ الفِعلِ لا يُؤثِّرُ … وهكذَا إذا الشُّكُوكُ تَكْثُرُ ٣٩ - أوْتَكُ وَهْمًا مِثلَ وَسْوَاسٍ فَدَعْ … لِكلِّ وَسْوَاسٍ يَجِي بِه لُكَعْ الشك: هو التردد بين الشيئين، وذكر الناظم ﵀ أنه لا يُنظر إليه في ثلاث حالات: الحال الأولى: بعد الفعل، إذا انتهى الإنسان من الفعل فإنه لا ينظر إلى الشك. ولذلك أمثلة: المثال الأول: إنسان توضأ وبعد أن انتهى من الوضوء شك هل تمضمض أو لا؟ نقول: لا ينظر إلى الشك؛ لأنه من الشيطان، والأصل وقوع العبادة صحيحة مادام أن العبادة قد انتهت. المثال الثاني: إنسان اغتسل، ثم شك هل استنشق، أو لم يستنشق فلا ينظر إلى ذلك. المثال الثالث: إنسان صلى ثم شك هل سبّح في الركوع، أو السجود أو لا؟ فلا ينظر إلى ذلك. المثال الرابع: إنسان ذبح الذبيحة ثم شك هل سمى، أو لم يسم نقول: لا تنظر إلى ذلك. المثال الخامس: إذا عَقَدَ عَقْد النكاح، ثم شك هل توفرت شروطه وأركانه أو شك في البيع هل توفرت شروطه أو لا … إلخ، فالأصل في ذلك وقوعه على وجه الصحة. الحال الثانية: إذا كثرت الشكوك مع الإنسان، يشك في الوضوء، والغسل، والصلاة، والصيام، والزكاة … إلخ، فإنه لا ينظر إلى هذه الشكوك؛ لأن هذه الشكوك من الشيطان ولهذا أخبر النبي ﷺ : «أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم». (١).

стр. 132

ويقول تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١٠] الآية. والنجوى: حديث النفس. وفي حديث عبد الله بن زيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا». (١) الحال الثالثة: إذا كان الشك مجرد وهم فإن الإنسان لا ينظر إليه. والشك: تساوي الأمرين، فإن ترجح أحدهما فالراجح ظن، والمرجوح وهم، فإذا كان الشك مجرد وهم؛ فإن الإنسان لا ينظر إليه؛ لأن هذه الخطرات لا حقيقة لها. قوله: [لكع]: بوزن عمر، يقال: رجل لكع: أي لئيم، وقيل: هو العبد الذليل النفس. والمراد به الشيطان، فالمسلم يترك مثل هذه الشكوك لا ينظر إليها في هذه المواضع؛ لأنها من الشيطان، وهذه الشكوك تولد الوسواس عند الإنسان فإذا حصل له الوسواس ثقلت عليه العبادات كالوضوء، والغسل، والصلاة، وإذا ثقلت عليه أدّى به ذلك إلى تركها نسأل الله السلامة، وأرشد النبي ﷺ إلى علاج مثل هذه الشكوك قال ﷺ : «لينته، وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم» (٢) فإذا فعل ذلك فإنها تزول عنه بإذن الله. وقوله: [لينته] أي ليعرض عن هذه الوساوس، ولا ينظر إليها. • • •

стр. 133

٤٠ - ثمَّ حديثُ النفسِ مَعْفُوٌّ فَلا … حُكمَ لهُ مَا لمْ يُؤَثِّرْ عَمَلا قوله: [حديث النفس]: هي النجوى التي تحدث للإنسان في قرارة نفسه؛ لأن الإنسان له نفس أمارة بالسوء، ونفس لوامة. فالنفس الأمارة بالسوء: تأمره وتحثه على الشر … إلخ. والنفس اللوامة: تلومه على فعل الشر وتحثّه على فعل الخير، فإذا حصل للإنسان حديث نفس؛ سواء أكان من النفس اللوامة، أم من النفس الأمارة فإنه معفو عن ذلك. وحديث النفس الأمارة بالسوء من الشيطان كما تقدم لنا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١٠] الآية وقوله ﷺ : «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» (١) فيقول الشيخ ﵀: إن هذا معفو عنه إلا إذا تحول هذا الحديث إلى عمل، سواء أكان هذا العمل قولًا أم فعلًا. والدليل على أنه معفو عنه: ما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل، أو تتكلم». (٢) مثال ذلك: لو أن إنسانًا في الصلاة حدث نفسه أنه سيذهب ويشتري … إلخ، فلا نقول بأن صلاته باطلة، أو حدث نفسه أنه سيعمل معصية كذا وكذا، فلا نقول بأنه يأثم لقوله ﷺ : «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل، أو تتكلم» إلا إذا كان عاجزًا عن الأسباب، فهذا عليه وزر النية، وعلى هذا نقول فيما يتعلق بفعل الطاعة بأنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يحدث نفسه بالطاعة مع فعل الأسباب لكن لا يتمكن منها، فهذا يكتب له أجر العمل، والأمثلة على ذلك كثيرة:

стр. 134

المثال الأول: إنسان نوى أن يصلي صلاة الضحى وقام يتوضأ، لكن قبل أن يشرع في صلاة الضحى حصل له عذر يمنعه من فعل الصلاة فما دام أنه فعل السبب لفعل هذه الصلاة، فإنه يكتب له أجر العمل كأنه صلى، ولله الحمد. المثال الثاني: إنسان أراد أن يحضر الدرس وفعل الأسباب، لكن حصل له عائق يعوقه عن الدرس، فإنه يكتب له أجر العمل، ويدل لذلك: ما ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار» فقالوا: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال ﷺ : «إنه كان حريصًا على قتل صاحبه» (١) فإنه لما أخذ السيف ورفعه في وجه صاحبه كُتب كأنه عمل ذلك؛ لأنه عمل السبب فيُكتب له كأنه قتل صاحبه في الإثم. القسم الثاني: أن ينوي فعل الطاعة، ولم يفعل السبب فهذا يكتب له أجر النية وليس أجر العمل. ويدل لذلك: ما في سنن الترمذي أن النبي ﷺ قال: «إنما الدنيا لأربعة نفر» وذكر منهم «رجلًا قال: لو أن لي مالًا لعملت بعمل فلان، فهو بنيته فأجرهما سواء». (٢) فأخبر النبي ﷺ أنه يكتب له أجر النية. القسم الثالث: أن لا تطرأ نية الطاعة على قلبه فهذا لا له ولا عليه. وأما ما يتعلق بالهم بفعل المعصية تحته أقسام: القسم الأول: أن تحدثه نفسه بفعل المعصية مع فعل الأسباب، فإنه يكتب عليه وزر العمل. مثال ذلك: إنسان أراد أن يشرب دخانًا فذهب وأحضر الدراهم، لكي يشتري الدخان، لكن لم يتمكن من ذلك حصل له عائق، فإنه يُكتب عليه

стр. 135

وزر العمل كأنه عمل العمل، ودليل ذلك: ما تقدم من قوله ﷺ : «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار» فقالوا: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ فقال ﷺ : «كان حريصًا على قتل صاحبه». (١) وقيل: وزر النية، والحديث خاص بالقتل. القسم الثاني: أن يحدث نفسه بفعل المعصية، لكنه يعجز عن فعل الأسباب. يعني لو أنه استطاع لاشترى الخمر وشربه، لكنه ليس عنده ولا يتمكن منه فيكتب عليه وزر النية وهذا دليله قوله ﷺ : «إنما الدنيا الأربعة نفر. وذكر منهم رجلًا قال: لو أن لي مالًا لعملت بعمل فلان في الشر فقال ﷺ : «فهو بنيته فوزرهما سواء» (٢) فهذا يكتب عليه وزر النية. القسم الثالث: أن لا تطرأ المعصية على قلبه فهذا لا له ولا عليه. القسم الرابع: أن يترك المعصية خوفًا من الله فهذا يكتب له أجر الترك. يعني لم يتركها عجزًا عن أسبابها، ولم يتركها بعد فعل الأسباب، وإنما تركها خوفًا من الله فهذا يُكتب له أجر الترك لقوله ﷺ : «إنما تركها من جَرَّائي» (٣) كما في الحديث القدسي. والإثم المرتب على الفعل المحرم أنواع منها: النوع الأول: إثم على ذات الفعل. النوع الثاني: إثم على النتائج والآثار المترتبة على الفعل، فمن زنى بأجنبية فإنه قد ترتب على ذلك آثار منها: إدخال الولد الأجنبي على غير والده، ومنها: إفساد المرأة على زوجها … إلخ. فالعبد يُعاقب بالفعل ذاته والآثار المترتبة عليه. ويدل لذلك قوله ﷺ : «ليس من نفس تقتل ظلمًا إلا كان على ابن آدم

стр. 136

الأول كفل منها». (١) وجاء في الحديث: «ومن سنَّ سيئة فعليه وزرها … » (٢) الحديث. • • •

стр. 137

٤١ - والأمرُ للفَورِ فَبَادِرِ الزَّمَنْ … إِلا إذَا دَلَّ دَليلٌ فاسْمَعَنْ هذه قاعدة أصولية: [أن أمر الله، وأمر رسوله ﷺ يقتضي الفورية] وتقدم أن الأصل في الأوامر أنها تقتضي الوجوب إلا إذا قام الصارف، وهنا نقول: [الأصل في الأوامر أنها تقتضي الفورية إلا إذا وجِد صارف] ويدل لذلك: أولًا: من السنة حديث المسور بن مخرمة ﵁: «لما أمر النبي ﷺ في صلح الحديبية الصحابة ﵃ أن يحلوا من إحرامهم، فتأخر الصحابة ﵃، فغضب النبي ﷺ ودخل على أم سلمة وأخبرها فأشارت إليه أن يخرج وأن يدعو الحلاق ويحلق رأسه، فلما رآه الناس فعلوا كما فعل النبي ﷺ ». (١) الشاهد أن النبي ﷺ لما تأخر الصحابة شق عليه وغضب فدل ذلك على أن الأمر يقتضي الفورية إذْ لو لم يقتضِ الفورية لمَا غضب النبي ﷺ . ثانيًا: حديث عائشة ﵂ (٢) في حجة الوداع «لما أمر النبي ﷺ الصحابة ﵃ كل من لم يسق الهدي أن يحل من إحرامه، وأن يجعلها عمرة لكي يكون متمتعًا فتأخر الصحابة ﵃ فغضب النبي ﷺ » فهذا يدل على أن الأمر يقتضي الفورية. ثالثًا: من حيث اللغة لو أن السيد قال لخادمه: أحضر كذا وكذا فتأخر فإنه يحسن لومه. رابعًا: فَهْم الصحابة ﵃ أنه يُراد بالأوامر الفورية، لشدة مبادرتهم بامتثال الأوامر، وهذا القول هو قول جمهور أهل العلم ﵏. الرأي الثاني: أن الأوامر لا تقتضي الفورية، وإنما هي على التراخي، وبه قال الشافعي ﵀ واحتجوا على ذلك بحجج منها: أولًا: أن النبي ﷺ لما نام عن صلاة الفجر تأخر حتى خرج من ذلك الوادي (٣)، ثم بعد ذلك صلى. ويجاب عن ذلك: بأن النبي ﷺ لم يتأخر، بل فعلها مباشرة، وإنما خرج من الوادي؛ لأنه كما قال ﷺ : «هذا وادٍ حضرنا فيه الشيطان». (٤) ثانيًا: أن النبي ﷺ فُرض عليه الحج في السنة السادسة، أو التاسعة ومع ذلك لم يحج النبي ﷺ إلا في السنة العاشرة. فيجاب عن ذلك بأن الصواب: أن النبي ﷺ فرض عليه الحج في السنة التاسعة للهجرة، لكن تأخر النبي ﷺ إلى السنة العاشرة، وقد ذكر العلماء ﵏

стр. 138

لتأخره أعذارًا كثيرة وأصح ما قيل في ذلك: أن مكة فُتحت في السنة الثامنة من الهجرة، فدخل الناس في دين الله أفواجًا، وأصبح الناس يقْدمون على النبي ﷺ لمبايعته، ولذلك سُمي العام التاسع بعام الوفود؛ لكثرة من يفد على النبي ﷺ فاحتاج النبي ﷺ أن يجلس في المدينة، لكي يُبايع الناس وأناب أبا بكر ﵁ على الموسم. أو يقال: إن النبي ﷺ تأخر إلى السنة العاشرة؛ لأن مكة كانت قبل السنة التاسعة في قبضة المشركين فتأخر ولم يحج في السنة التاسعة لكي لا يشارك الكفار المسلمين في حجهم ولهذا بعث أبا بكر ﵁ وأمره أن ينادي «ألا لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان» (١) فلكي لا يطوف بالبيت عريان، ولا يحج مشرك وتتمحض الحجة للمسلمين تأخر النبي ﷺ .

стр. 139

فالصواب: أن الأمر يقتضي الفورية إلا إذا قام الدليل، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] فالأمر بقضاء رمضان على التراخي بدليل حديث عائشة ﵂ قالت: «كان يكون عليّ الصوم من رمضان فلا أستطيع أن أقضية إلا في شعبان لمكان الرسول ﷺ مني» (١). وأيضًا الصلاة وقتها موسع فلا بأس أن الإنسان يصلي أول الوقت، أو في وسطه، أو في آخره مالم يترك واجبًا كالجماعة، فإذا لم يقم دليل على صرف الأمر من الفورية إلى التراخي فالأصل في ذلك الفورية فمثلًا: الصلاة والزكاة، والحج، والكفارات قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وقوله: ﷺ : «فكفر عن يمينك» (٢) وقوله ﷺ : «يا أيها الناس إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا» (٣). وكذلك النذر لقوله ﷺ : «من نذر أن يطيع الله فليطعه» (٤) فيجب على الفور … إلخ. • • •

стр. 140

٤٢ - والأمرُ إنْ رُوعيَ فيهِ الفَاعلُ … فَذَاكَ ذُوعَيْنٍ وذَاكَ الفَاضِلُ ٤٣ - وإنْ يُرَاعَ الفِعْلُ معْ قطعِ النَّظَرْ … عنْ فاعلٍ فَذو كِفَايةٍ أُثِرْ هذان البيتان تكلم فيهما الناظم ﵀ عن الفرق بين فرض العين وفرض الكفاية؛ لأن الفروض تنقسم قسمين: القسم الأول: فروض الأعيان. القسم الثاني: فروض الكفايات. والفرق بينهما: أنه إن لوحظ العامل في الأمر فذاك فرض عين، وإن لوحظ في الأمر العمل دون العامل فذاك فرض كفاية. ففرض العين: هو الذي يطلب من كل شخص بعينه. وأما فرض الكفاية: هو الذي لا يطلب من كل شخص بعينه، وإنما يطلب العمل فقط. مثال ذلك: الأمر بالصلاة قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] الأمر هنا لوحظ فيه العامل، فهو فرض عين، فإقامة الصلاة مطلوبة من كل أحد. المثال الثاني: الأمر بالوضوء: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ … ﴾ [المائدة: ٦] الآية. الأمر هنا لوحظ فيه العامل فنقول: بأنه فرض عين؛ لأن الوضوء مطلوب من كل أحد، وكذلك الغسل فرض عين؛ لأنه مطلوب من كل أحد. المثال الثالث: صلاة الجمعة: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] … الآية؟. الأمر هنا لوحظ فيه العامل فنقول: بأنه فرض عين وهكذا. المثال الرابع: الأذان لم يلاحظ فيه العامل، وإنما لوحظ فيه العمل، المقصود إيجاد الفعل فسواء قام بالأذان زيد أو عمرو … إلخ حصل

стр. 141

الغرض، وكذلك الإقامة نقول: من فروض الكفايات وكذلك تغسيل الميت قال ﷺ : «اغسلوه بماءٍ وسدر» (١) كما في حديث ابن عباس ﵄ في الصحيحين فتغسيل الميت هنا لم يلاحظ فيه العامل، وإنما لوحظ فيه العمل، وكذلك تكفين الميت والصلاة عليه. قوله: [وذاك الفاضل]: في هذا بيان أن فرض العين أفضل من فرض الكفاية ووجه ذلك: قوله ﷺ «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه» (٢) ولأن الله أمر به جميع الناس فدل ذلك على فضله، وكذلك سنة العين أفضل من سنة الكفاية. • • •

стр. 142

٤٤ - والأمرُ بعدَ النَّهيِ للحِلّ وَفيِ … قولٍ لِرفعِ النهي خُذْ بِه تَفِي الأوامر بعد النواهي هل تدل على الإباحة، أو أن الأمر يعود على ما كان عليه قبل النهي؟ هذا موضع خلاف. ففي ذلك رأيان للأصوليين: الرأي الأول: أن الأمر بعد النهي يفيد الإباحة. الرأي الثاني: أن الأمر بعد النهي يعود إلى ما كان عليه قبل النهي، فإذا كان قبل النهي واجبًا فإنه الآن يكون واجبًا، وإن كان مستحبًا فإنه الآن يكون مستحبًا، وإن كان مباحًا فإنه يكون الآن مباحًا … وهكذا وهذا القول هو الصحيح: ولهذا أمثلة: المثال الأول: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] المسلم محرَّم عليه الصيد حال إحرامه، ثم بعد ذلك أُمر به، فالأمر هنا بعد الحظر يفيد الإباحة؛ لأن الصيد قبل النهي للإباحة. المثال الثاني: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩، ١٠]. هنا الأمر بعد النهي يقتضي الإباحة؛ لأن البيع قبل النهي مباح، ثم أُمر به بعد النهي فيقتضي الإباحة. المثال الثالث: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]. نُهي عن قتل المشركين في الأشهر الحرم، ثم بعد ذلك أُمِر به بعد انسلاخ الأشهر الحرم، الأمر هنا بعد الحظر يفيد الوجوب؛ لأن قتل المشركين قبل الأشهر الحرم واجب كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]. المثال الرابع: التطوع في وقت النهي ممنوع، لكن بعد وقت النهي

стр. 143

مأمور به فيقتضي الاستحباب؛ لأنه قبل وقت النهي هذا التطوع مستحب لقوله ﷺ : «فأعنِيِّ على نفسك بكثرة السجود». (١) • • •

стр. 144

٤٥ - وافْعَلْ عَبادةً إذا تَنَوَّعَتْ … وُجُوهُهَا بِكلِّ مَا قَدْ وَرَدَتْ ٤٦ - لِتَفْعَلَ السُّنَّةَ في الوَجْهَيْنِ … وتحفظَ الشَّرْعَ بِذِي النّوعَيْنِ هذه قاعدة ذكرها ابن رجب ﵀ في قواعده: وذلك أنه إذا وردت العبادة على وجوه متنوعة، فاختلف أهل العلم ﵏: هل يخصص نوع من هذه الأنواع، أو أن هذه الأنواع تفعل كلها؟ الرأي الأول: أنه يخصص نوع من الأنواع، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، فمثلا في الاستفتاحات يستحب أن يستفتح (بسبحانك اللهم وبحمدك .. ) (١) وفي التشهدات يقولون: يُستحب أن يتشهد بتشهد ابن مسعود ﵁ … إلخ (٢)، وهذا قول كثير من أهل العلم ﵏: أنه يخصص نوع من هذه الأنواع، إما لمعنى فيه، أو لكثرته، أو لكونه أصح من غيره، أو لغير ذلك. الرأي الثاني: أن العبادات الواردة على وجوه متنوعة لا يخصص شيء منها، بل تفعل هذه العبادات كلها، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فمثلًا ورد استفتاحات عن النبي ﷺ كثيرة منها: ما ورد في حديث أبي سعيد الخدري ﵁: «سبحانك اللهم وبحمدك … » (٣)، وحديث أبي هريرة «اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب … » (٤)، وحديث عائشة ﵂ «اللهم رب جبرائيل، وميكائيل،

стр. 145

وإسرافيل … » (١) وحديث علي ﵁ «وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض … » (٢). وحديث ابن عباس ﵄ «اللهم لك الحمد أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن … » (٣) وغير ذلك مما صح عن النبي ﷺ . وأيضًا التشهدات الثابتة عن النبي ﷺ منها: تشهد ابن مسعود «التحيات لله والصلوات والطيبات … » (٤) وتشهد ابن عباس «التحيات المباركات الصلوات الطيبات … » (٥) وتشهد أبي موسى ﵁ «التحيات الطيبات الصلوات لله … » (٦) وتشهد عمر (٧).
следующие страницы →