الغرض، وكذلك الإقامة نقول: من فروض الكفايات وكذلك تغسيل الميت قال ﷺ : «اغسلوه بماءٍ وسدر» (١) كما في حديث ابن عباس ﵄ في الصحيحين فتغسيل الميت هنا لم يلاحظ فيه العامل، وإنما لوحظ فيه العمل، وكذلك تكفين الميت والصلاة عليه.
قوله: [وذاك الفاضل]: في هذا بيان أن فرض العين أفضل من فرض الكفاية ووجه ذلك: قوله ﷺ «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه» (٢) ولأن الله أمر به جميع الناس فدل ذلك على فضله، وكذلك سنة العين أفضل من سنة الكفاية.
• • •
стр. 142
٤٤ - والأمرُ بعدَ النَّهيِ للحِلّ وَفيِ … قولٍ لِرفعِ النهي خُذْ بِه تَفِي
الأوامر بعد النواهي هل تدل على الإباحة، أو أن الأمر يعود على ما كان عليه قبل النهي؟ هذا موضع خلاف.
ففي ذلك رأيان للأصوليين:
الرأي الأول: أن الأمر بعد النهي يفيد الإباحة.
الرأي الثاني: أن الأمر بعد النهي يعود إلى ما كان عليه قبل النهي، فإذا كان قبل النهي واجبًا فإنه الآن يكون واجبًا، وإن كان مستحبًا فإنه الآن يكون مستحبًا، وإن كان مباحًا فإنه يكون الآن مباحًا … وهكذا وهذا القول هو الصحيح: ولهذا أمثلة:
المثال الأول: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] المسلم محرَّم عليه الصيد حال إحرامه، ثم بعد ذلك أُمر به، فالأمر هنا بعد الحظر يفيد الإباحة؛ لأن الصيد قبل النهي للإباحة.
المثال الثاني: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩، ١٠].
هنا الأمر بعد النهي يقتضي الإباحة؛ لأن البيع قبل النهي مباح، ثم أُمر به بعد النهي فيقتضي الإباحة.
المثال الثالث: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥].
نُهي عن قتل المشركين في الأشهر الحرم، ثم بعد ذلك أُمِر به بعد انسلاخ الأشهر الحرم، الأمر هنا بعد الحظر يفيد الوجوب؛ لأن قتل المشركين قبل الأشهر الحرم واجب كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦].
المثال الرابع: التطوع في وقت النهي ممنوع، لكن بعد وقت النهي
стр. 143
مأمور به فيقتضي الاستحباب؛ لأنه قبل وقت النهي هذا التطوع مستحب لقوله ﷺ : «فأعنِيِّ على نفسك بكثرة السجود». (١)
• • •
стр. 144
٤٥ - وافْعَلْ عَبادةً إذا تَنَوَّعَتْ … وُجُوهُهَا بِكلِّ مَا قَدْ وَرَدَتْ
٤٦ - لِتَفْعَلَ السُّنَّةَ في الوَجْهَيْنِ … وتحفظَ الشَّرْعَ بِذِي النّوعَيْنِ
هذه قاعدة ذكرها ابن رجب ﵀ في قواعده: وذلك أنه إذا وردت العبادة على وجوه متنوعة، فاختلف أهل العلم ﵏: هل يخصص نوع من هذه الأنواع، أو أن هذه الأنواع تفعل كلها؟
الرأي الأول: أنه يخصص نوع من الأنواع، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، فمثلا في الاستفتاحات يستحب أن يستفتح (بسبحانك اللهم وبحمدك .. ) (١) وفي التشهدات يقولون: يُستحب أن يتشهد بتشهد ابن مسعود ﵁ … إلخ (٢)، وهذا قول كثير من أهل العلم ﵏: أنه يخصص نوع من هذه الأنواع، إما لمعنى فيه، أو لكثرته، أو لكونه أصح من غيره، أو لغير ذلك.
الرأي الثاني: أن العبادات الواردة على وجوه متنوعة لا يخصص شيء منها، بل تفعل هذه العبادات كلها، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فمثلًا ورد استفتاحات عن النبي ﷺ كثيرة منها: ما ورد في حديث أبي سعيد الخدري ﵁: «سبحانك اللهم وبحمدك … » (٣)، وحديث أبي هريرة «اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب … » (٤)، وحديث عائشة ﵂ «اللهم رب جبرائيل، وميكائيل،
стр. 145
وإسرافيل … » (١) وحديث علي ﵁ «وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض … » (٢). وحديث ابن عباس ﵄ «اللهم لك الحمد أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن … » (٣) وغير ذلك مما صح عن النبي ﷺ . وأيضًا التشهدات الثابتة عن النبي ﷺ منها: تشهد ابن مسعود «التحيات لله والصلوات والطيبات … » (٤) وتشهد ابن عباس «التحيات المباركات الصلوات الطيبات … » (٥) وتشهد أبي موسى ﵁ «التحيات الطيبات الصلوات لله … » (٦) وتشهد عمر (٧).
стр. 146
وتشهد ابن عمر (١)، وتشهد عائشة (٢) ﵃، وغير ذلك مما صح عن النبي ﷺ فإن الإنسان يفعلها كلها، يفعل هذا تارة، وهذا تارة أخرى، وأيضًا التسبيح بعد الصلاة، يسبح، ويحمد، ويكبر ثلاثًا وثلاثين، ثم يقول في تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. (٣)
أو يسبح ثلاثا وثلاثين، ويحمد ثلاثا وثلاثين، ويكبر ثلاثًا وثلاثين ويقول في تمام المائة: الله أكبر (٤).
стр. 147
أو يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر خمسًا وعشرين مرة. (١)
أو يسبح عشرًا، ويحمد عشرًا، ويكبر عشرًا (٢) فيفعلها كلها، تارة يفعل هذا، وتارة يفعل هذا، وذكر الشيخ ﵀ من الفوائد:
أولًا: فعل السنة كلها.
ثانيًا: [وتحفظ الشرع بذي النوعين]: أي: أنك تحفظ العلم لا تنساه، أما إذا داوم الإنسان على عبادة واحدة فإنه ينسى بقية العبادات.
ثالثًا: أن الإنسان إذا كان ينوع فإن هذا أدعى إلى حضور القلب وخشوعه، لكن إذا كان مصِّرا على نوع فإن هذا أبعد عن الخشوع.
رابعًا: أن الإنسان قد يكون مشغولًا لا يتمكن الإتيان من الذكر الطويل، وإنما يتمكن من الذكر القصير فيأتي به وتحصل له السنة.
• • •
стр. 148
٤٧ - والْزَمْ طرِيقَةَ النَّبِيِّ المُصْطفَى … وَخُذْ بِقَوْلِ الرَّاشِدِين الخُلَفَا
قوله: [والزم طريقة النبي المصطفى]: الطريقة: السيرة، والسنة، ونحوذلك.
وقوله: [النبي المصطفى]: النبي المراد به محمد ﷺ .
و (أل) هنا للعهد الذهني، وليست للعهد الذكري، ولا للعهد الحضوري.
والنبي: من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتاب النبوات: (أن النبي ينبئه الله، وهو ينبئ بما أنبأ الله، فإن أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله فهو رسول. وأما إذا كان إنما يعمل بالشريعة قبله ولم يرسل إلى أحد يبلغه عن الله رسالة فهو نبي وليس برسول) اه.
قوله: [وخذ بقول الراشدين الخلفا] الراشد: اسم فاعل من رشد يرشد رشدًا، والرشد نقيض الضلال، وهو إصابة وجه الأمر؛ أي: خذ بقول الخلفاء الراشدين.
ودليل ذلك: حديث العرباض بن سارية ﵁ أن النبي ﷺ قال: «عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ … ». (١)
وقوله ﷺ : «إن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا» (٢).
وقوله ﷺ : «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» (٣)
стр. 149
وقوله ﷺ : «إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه». (١)
فنأخذ بسنة النبي ﷺ ونأخذ أيضًا بسنة الخلفاء الراشدين من بعده أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵃، فإذا ورد عن هؤلاء سنة لم تخالف الكتاب والسنة كما سيأتينا في شروط قبول قول الصحابي فإننا نأخذ بها.
• • •
стр. 150
٤٨ - قولُ الصَّحابِيْ حُجَّةٌ على الأصَحْ … ما لمْ يُخالِفْ مِثلَه فمَا رَجَحْ
قوله: [قول الصحابي] هو ما أثر عن أحد من أصحاب النبي ﷺ من قول، أو فعل، أو تقرير في أمر من أمور الدين. والصحابي: هو من صحب النبي ﷺ ولو ساعة، أو رآه مؤمنًا ومات على ذلك.
وقول الصحابي ينقسم إلى أقسام:
القسم الأول: قوله فيما لا مجال للرأي فيه فهذا حجة.
القسم الثاني: إذا قال قولًا وخالفه غيره من الصحابة، فليس حجة.
وقد نقل الآمدي، وابن الحاجب، والأسنوي، والفتوحي وغيرهم: الإجماع على أن قول الصحابي في مسائل الاجتهاد ليس حجة على صحابي آخر؛ ولهذا قال المؤلف: (ما يخالف مثله فما رجح) لكن ما موقفنا من أقوال الصحابة ﵃؟
نقول: موقفنا من أقوالهم أننا نتخير من أقوالهم ما كان أقرب إلى الدليل، وقواعد الشرع وأصوله.
القسم الثالث: إذا قال الصحابي قولًا وانتشر ولم يظهر له مخالف، فجمهور أهل العلم على أنه حجة، وهذا هو الإجماع السكوتي.
القسم الرابع: ما عدا هذه الأقسام، اختلف أهل العلم ﵏ هل قول الصحابي حجة أو ليس بحجة؟
الرأي الأول: أنه حجة بشرطين وهو قول جمهور أهل العلم:
الشرط الأول: أن لا يخالف النص؛ أي: الدليل من الكتاب والسنة، وأضاف بعض العلماء شرطًا ثانيًا وهو أن لا يخالف القياس، فإن خالف القياس فالأكثر أنه يحمل على التوقيف؛ لأنه لا يمكن أن يخالف القياس باجتهاد من عنده.
وقال بعض العلماء: لا يكون حجة؛ لأنه خالفه دليل شرعي، أما إن خالف قول صحابي آخر فهذا تقدم بيانه.
стр. 151
واستدلوا على أنه حجة: أولًا: بقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠].
ثانيًا: قوله ﷺ : «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه». (١)
ثالثًا: أن فتواه لا تخرج عن ستة أمور: إما أنه سمعها من النبي ﷺ ، أو سمعها ممن سمع النبي ﷺ ، أو فهمها من كتاب الله فهمًا خفي علينا، أو أن ملأهم اتفقوا عليها ولم يبلغنا إلا قول المفتي، أو أن يكون ذلك لكمال علمه باللغة ودلالة اللفظ، أو لقرائن حالية اقترنت بالخطاب، ففي كل ما تقدم حجة، وإن فهم ما لم يرده النبي ﷺ فليس بحجة.
رابعًا: سلامة عقيدتهم وأنهم أعلم بحال النبي ﷺ من غيرهم؛ لأنهم عاصروه، وعاصروا التنزيل، وأيضًا لم تظهر في عهدهم الآراء والأهواء … إلخ.
الرأي الثاني: أن قول الصحابي ليس بحجة، وهذا نسبه صاحب الورقات أبو المعالي الجويني ﵀ للشافعي في قوله الجديد، وقد نفى ابن القيم أن الشافعي في الجديد يقول بعدم حجية قول الصحابي كما في إعلام الموقعين.
وممن قال بعدم حجية قول الصحابي أيضًا: الغزالي، ومال إليه أبو المعالي الجويني كما في كتابه التلخيص، وأما في كتابه البرهان فمال إلى أن قول الصحابي حجة إذا خالف القياس.
واستدل من قال بعدم حجيته: أن الصحابة ﵃ غير معصومين، ولهذا اختلف الصحابة ﵃ في مسائل كثيرة منها: العول، والجد، والإخوة، وأمهات الأولاد وغير ذلك.
стр. 152
الرأي الثالث: أن الحجة قول أبي بكر وعمر ﵄؛ لقول النبي ﷺ «إن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا». (١) وقوله ﷺ : «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» (٢) وقوله ﷺ «إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه». (٣)
الرأي الرابع: أن الحجة قول الخلفاء الراشدين؛ لما تقدم من حديث العرباض بن سارية ﵁ (٤)، والراجح: أن قول الصحابي حجة.
• • •
стр. 153
٤٩ - وحجَّةُ التّكْلِيفِ خُذهَا أربعَهْ … قرآنُنَا وَسُنَّةٌ مُثَبَّتَهْ
٥٠ - مِنْ بَعدِها إجماعُ هذِي الأُمَّهْ … والرَّابعُ القياسُ فَافْهَمَنَّهْ
قوله: [التكليف]: هو ما كلف المخاطب بمقتضاه فعلًا، أو تركًا.
والمكلف هو: البالغ العاقل.
في هذين الشطرين تكلم المؤلف ﵀ عن أدلة التشريع.
واعلم أن أدلة التشريع تنقسم قسمين:
القسم الأول: أدلة متفق عليها.
القسم الثاني: أدلة مختلف فيها، وسنتعرض إن شاء الله لبيان هذه الأدلة وذكر ما يتعلق بها.
فالأدلة المتفق عليها:
أولًا: القرآن: وهو كلام الله المنزل على نبينا محمد ﷺ ، المعجز بنفسه، المتعبّد بتلاوته، والقرآن حجة بإجماع المسلمين، وقد دل على ذلك أدلة كثيرة، فالقرآن كله دليل على أن القرآن حجة، ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس: ٥٧] وأيضا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤] فقال: (برهان) يعني حجة.
هل في القرآن لفظ غير عربي؟
ذهب الإمام الشافعي إلى أن القرآن محض بلسان العرب، لا يخلطه فيه غيره.
واستدل على ذلك بأدلة منها:
أولًا: قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤].
стр. 154
ثانيًا: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥].
ثالثًا: أنه نفى عنه كل لسان غير لسان العرب في آيتين من كتابه:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣].
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: ٤٤] وهذا هو مذهب جمهور أهل العلم. ولا يُشكل على كون القرآن عربيًا وجود بعض الكلمات الأعجمية فيه، مثل: المشكاة، والإستبرق؛ إذ يمكن حمل هذه الألفاظ التي يقال: إنها أعجمية على واحدٍ مما يلي:
الأول: أن هذه الألفاظ إنما هي عربية لكن قد يجهل بعض الناس كون هذه الألفاظ عربية، ذلك أن لسان العرب أوسع الألسنة مذهبًا وأكثرها ألفاظًا، ولا يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي، ولا يمتنع أن يوافق لسان العجم أو بعضها قليلًا من لسان العرب.
الثاني: أن هذه الألفاظ أصلها غير عربي ثم عربتها العرب واستعملتها؛ فصارت من لسانها وإن كان أصلها أعجميًا.
المحكم والمتشابه في القرآن الكريم:
وسيكون الكلام عن هذا المبحث من خلال الأمور الآتية:
الأمر الأول: معنى المحكم والمتشابه بالاعتبار العام الكلي:
ورد وصف القرآن كله بأنه محكم فقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١]، بمعنى: أنه متقن غاية الإتقان في أحكامه وألفاظه ومعانيه، فهو غاية في الفصاحة والإعجاز.
стр. 155
وورد وصف القرآن كله بأنه متشابه، فقال تعالى: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣]، بمعنى: أن آياته يشبه بعضها بعضًا في الإعجاز والصدق والعدل.
الأمر الثاني: معنى المحكم والمتشابه بالاعتبار الخاص النسبي:
ورد أيضًا أن من القرآن ما هو محكم ومنه ما هو متشابه:
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧].
وقد اختلف العلماء في تفسير المحكم والمتشابه والأظهر أن المحكم:
هو ما اتضح معناه، والمتشابه، هو ما لم يتضح معناه، إما لاشتراك أو إجمال.
الأمر الثالث: طريقة السلف في التعامل مع المحكم والمتشابه:
الواجب على كل أحد أن يعمل بما استبان له، وأن يؤمن بما اشتبه عليه، وأن يرد المتشابه إلى المحكم، ويأخذ من المحكم ما يفسر له المتشابه ويبينه، فتتفق دلالته مع دلالة المحكم.
هذه طريقة الصحابة والتابعين في التعامل مع المحكم والمتشابه.
стр. 156
وهنا أمور:
اتفق العلماء على أن ليس في القرآن ما لا معنى له.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (الله تعالى قد أمر بتدبر القرآن مطلقًا، ولم يستثن منه شيئًا لا يتدبر، ولا قال: لا تدبروا المتشابه …
وأيضًا فالكلام إنما المقصود به الإفهام؛ فإذا لم يقصد به ذلك كان عبثًا وباطلًا، والله تعالى قد نزه نفسه عن فعل الباطل والعبث … ).
واتفق السلف على أن في القرآن ما لا يعلم تأويله إلا الله، كالروح، ووقت الساعة، والآجال، وهذا قد يسمى بالمتشابه.
وأن أسماء الله تعالى وصفاته تكون من المتشابه باعتبار كيفيتها، وليست من المتشابه باعتبار معناها.
مسألة: قد اختلف في الأحرف السبعة على أقوال كثيرة:
فقيل: إنها من المشكل المتشابه، وقيل: سبعة أصناف من الحلال والحرام والأمر والنهي … ، وقيل: سبع لغات من لغات العرب، وقيل: إن حقيقة العدد ليست مرادة وإنما المراد التسهيل وأن يقرأ كل صحابي بلغته، وقيل: إن هذه اللغات تكون في الكلمة الواحدة باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني.
والأقرب: أنها وجوه متعددة متغايرة منزلة من وجوه القراءة يمكنك أن تقرأ بأي وجه منها، وأقصى حد يمكن أن تبلغه الوجوه القرآنية المنزلة سبعة أوجه.
القراءة الصحيحة والقراءة الشاذة:
القراءة الصحيحة: هي ما صح سندها، ووافقت اللغة ولو من وجه، ووافقت رسم المصحف العثماني.
والقراءة الشاذة: ما صح سندها ووافقت اللغة ولو من وجه، وخالفت رسم المصحف العثماني.
والمخالفة قد تكون بزيادة كلمة أو تغييرها ونحو ذلك، ومثالها قراءة ابن مسعود: «فصيام ثلاثة أيام متتابعات»، فكلمة (متتابعات) غير موجودة في المصحف العثماني، ولهذا أطلق عليها بعض العلماء اسم القراءة
стр. 157
الشاذة أو الآحادية.
ولما كان رسم المصحف العثماني متواترًا، عدوا ما خرج عنه آحادا أو شاذا.
واختلفوا في القراءة الشاذة أو الآحادية هل تجوز القراءة بها في الصلاة؟
فذهب الجمهور إلى عدم صحة القراءة بها؛ لأنها ليست قرآنا؛ إذ القرآن متواتر وهي ليست متواترة.
وذهب بعض العلماء إلى صحة القراءة بها في الصلاة إذا صح سندها، واستدل بأن ابن مسعود وأبي بن كعب وغيرهما كانوا يقرأون بها ولا يمكن أن نقول ببطلان صلاة هؤلاء وأمثالهم.
وهذا القول إحدى الروايتين عن مالك وإحدى الروايتيتن عن أحمد واختاره ابن القيم ﵀، ومذهب الجمهور أحوط. وكون القراءة نقلت عن أحد الصحابة بطريق الآحاد لا يلزم منه كونها قرآنا، ولا يلزم أنه كان يقرأ بها في الصلاة؛ لاحتمال أنه كان يقولها تفسيرًا لما في القرآن من إجمال، وتقييدا لما فيه من إطلاق.
حجية القراءة الشاذة:
اختلف العلماء في حجية القراءة الشاذة (الآحادية) على قولين:
القول الأول: أنها حجة، وهو منسوب لأبي حنيفة وأحمد، وأكثر أصحابهم، وحكاه البويطي عن الشافعي.
ودليل هذا القول: أن هذه القراءة نقلت عن الرسول ﷺ بسند صحيح فهي لا تخلو إما أن تكون قرآنا أو سنة، وعلى كلا الاحتمالين فهي حجة.
القول الثاني: أنها ليست بحجة، وهو المشهور عن الشافعي ﵀.
والدليل على ذلك: أن الصحابي نقلها على أنها قرآن، لا على أنها
стр. 158
سنة، وهي لا يمكن أن تكون قرآنًا؛ لأن القرآن متواتر وهي غير متواترة، ولأن الظاهر أنها تفسير من الصحابي نفسه، ومذهب الصحابي ليس حجة عند الشافعي، والراجح هو القول الأول.
وأما السنة: فالأدلة أيضًا كثيرة: فكل السنة دليل على وجوب طاعة الله ، ومن طاعة الله الأخذ بما جاء في كتاب الله .
وقوله ﷺ : «إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ». (١)
ثانيًا: السنة كما ذكر الشيخ ﵀ [وسنة مثبتة].
والسنة في اللغة: الطريقة والسيرة، سواء أكانت حميدة، أم غير حميدة.
وأما في الاصطلاح: فهي قول النبي ﷺ ، وفعله، وتقريره، والسنة أيضًا حجة بالإجماع.
والدليل على حُجية السنة أدلة كثيرة: من ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] وقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦].
وأما الأدلة من السنة على حجية السنة فمنها:
حديث العرباض بن سارية ﵁ أن النبي ﷺ قال: «عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» (٢) الحديث.
стр. 159
ومنها ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁: «إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء، فأتوا منه ما استطعتم». (١)
وقوله ﷺ : «فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ » (٢)، وكذلك الإجماع منعقد على حجية السنة إذا ثبتت عن النبي ﷺ .
فيشترط لحجية السنة أن تكون ثابتة عن النبي ﷺ .
مسألة: ما المقصود بتقريره ﷺ ؟ وهل هو حجة؟
المقصود بتقريره ﷺ أن يفعل أحدُ الصحابة بحضرته فعلًا أو يقول قولًا فيمسك ﷺ عن الإنكار ويسكت، كإقراره ﷺ إنشاد الشعر المباح (٣).
والأصل في حجية إقراره ﷺ هو أنه لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة، إذ سكوته يدل على جواز ذلك الفعل أو القول، بخلاف سكوت غيره.
وكذلك من خصائصه ﷺ أن وجوب إنكار المنكر لا يسقط عنه بالخوف على نفسه لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧].
وإنما يكون سكوته ﷺ وعدم إنكاره حجة فيدل على الجواز بشرطين:
الشرط الأول: أن يعلم ﷺ بوقوع الفعل أو القول، فإما أن يقع ذلك بحضرته، أو في غيبته لكن ينقل إليه، أو في زمنه وهو عالم به لانتشاره انتشارًا يبعد معه ألا يعلمه ﷺ .
الشرط الثاني: ألا يكون الفعل الذي سكت عنه ﷺ صادرًا من كافر، لأن إنكاره ﷺ لما يفعله الكفار معلوم ضرورة، فالعبرة في فعل أحد المسلمين.
стр. 160
مسألة: حجية تركه ﷺ :
والمقصود بالترك: تركه ﷺ فعل أمر من الأمور.
وهو نوعان بالنسبة لنقل الصحابة ﵃ له:
النوع الأول: التصريح بأنه ﷺ ترك كذا وكذا ولم يفعله، كقول الصحابي في صلاة العيد: «إن رسول الله ﷺ صلى العيد بلا أذان ولا إقامة» (١).
النوع الثاني: عدم نقل الصحابة للفعل الذي لو فعله ﷺ لتوفرت هممهم ودواعيهم أو أكثرهم أو واحدٍ منهم على نقله للأمة، فحيث لم ينقله واحد منهم ألبتة ولا حدث به في مجمع أبدًا عُلم أنه لم يكن.
وذلك كتركه ﷺ التلفظ بالنية عند دخوله في الصلاة، وتركه الدعاء بعد الصلاة مستقبل المأمومين وهم يؤمنون على دعائه.
وتركه ﷺ لفعل من الأفعال يكون حجة، فيجب ترك ما ترك كما يجب ما فعل بشرطين:
الشرط الأول: أن يوجد السبب المقتضي لهذا الفعل في عهده ﷺ وأن تقوم الحاجة إلى فعله، فإذا كان الحال كذلك وتركه ﷺ ولم يفعله كان تركه لهذا الفعل سنة (٢) يجب الأخذ بها ومتابعته في ترك هذا الفعل. أما إن انتفى المقتضي ولم يوجد السبب الموجب لهذا الفعل فإن ترك النبي ﷺ حينئذ لا يكون سنة؛ لأن تركه كان بسبب عدم وجود المقتضي إذ لو وجد المقتضي لفعله ﷺ وذلك كتركه ﷺ قتال مانعي الزكاة فقط؛ إذ إن هذا الترك كان لعدم وجود السبب وعدم قيام المقتضي، فلما فعل أبو بكر ﵁ ذلك وقاتل مانعي الزكاة فقط (٣) لم يكن مخالفًا لسنة رسول الله ﷺ
стр. 161
الشرط الثاني: انتفاء الموانع وعدم العوارض؛ لأنه ﷺ قد يترك فعلًا من الأفعال - مع وجود المقتضي له- بسبب وجود مانع يمنع من فعله.
وذلك كتركه ﷺ قيام رمضان مع أصحابه في جماعة -بعد ليالٍ- وعلل ذلك بخشيته
أن يُفرض عليهم، فلما كان في عهد عمر ﵁ جمعهم على قارئ واحد (١)، ولم يكن هذا الاجتماع بهذه الهيئة مخالفًا لسنة رسول الله ﷺ وهكذا جَمْع القرآن (٢)، فإن المانع من جمعه كان على عهد رسول الله ﷺ أن الوحي لا يزال ينزل فيغير الله ما يشاء ويُحكم ما يريد، فلو جُمع في مصحف واحد لتعسر أو تعذر تغييره كل وقت، فلما استقر القرآن بموته أمن الناس من زيادة القرآن ونقصه.
أما تركه ﷺ للأذان في العيدين فلم يكن لوجود مانع، لذا كان هذا الترك سنة نبوية يجب اتباعه فيها ﵊.
وكذا يشترط أن لا يكون الترك لحق الغير خبر الآحاد (٣) والكلام عنه من وجوه:
الوجه الأول: تعريف خبر الآحاد:
الآحاد: جمع أحد بمعنى واحد، والواحد هو الفرد.
وفي اصطلاح الأصوليين هو: ما عدا المتواتر.
فيشمل كل خبر لم تتوفر فيه شروط المتواتر.
стр. 162
الوجه الثاني: حجية خبر الواحد:
قال الخطيب البغدادي: «وعلى العمل بخبر الواحد كان كافة التابعين، ومن بعدهم من الفقهاء الخالفين في سائر أمصار المسلمين إلى وقتنا هذا، ولم يبلغنا عن أحد منهم إنكار لذلك، ولا اعتراض عليه.
فثبت أن من دين جميعهم وجوبه، إذ لو كان فيهم من كان لا يرى العمل به لنقل إلينا الخبر عنه بمذهبه فيه».
الأدلة على وجوب العمل بخبر الواحد:
أولًا: ما تواتر عنه ﷺ من إنفاذه أمراءَه ورسله وقضاته وسعاته إلى الأطراف لتبليغ الأحكام وأخذ الصدقات ودعوة الناس.
ثانيًا: إجماع الصحابة ﵃ على قبول خبر الواحد عن رسول الله ﷺ واشتهار ذلك عنهم في وقائع كثيرة ومن ذلك تحول أهل قباء إلى القبلة بخبر واحد.
ثالثًا: قوله ﷺ «نضر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها، وحفظها، وبلغها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه».
رابعًا: أن خبر الواحد حجة في الأحكام والعقائد، دون تفريق بينهما:
وهذا أمر مجمع عليه عند السلف.
والدليل على وجوب قبول خبر الواحد في أبواب الاعتقاد: الأدلة الموجبة للعمل بخبر الواحد؛ فإنها عامة مطلقة، لم تفرق بين باب وباب ومسألة وأخرى، ثم إنه يترتب على القول برد خبر الواحد في العقائد رد كثير من العقائد الإسلامية الصحيحة.
والتفريق بين أحاديث الأحكام والعقائد أمر حادث فهو بدعة في دين الله؛ لأن هذا الفرق لا يعرف عن أحد من الصحابة ﵃ ولا عن أحد من التابعين ولا عن تابعيهم، ولا عن أحد من أئمة الإسلام، وإنما يعرف عن رؤوس أهل البدع ومن تبعهم.
стр. 163
قوله: [من بعدها إجماع هذي الأمة]: هذا الدليل الثالث: من أدلة التشريع، وهو دليل الإجماع.
والإجماع في اللغة: يطلق على العزم والاتفاق، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾.
أما في الاصطلاح: فهو اتفاق مجتهدي أمة محمد ﷺ في عصر من العصور بعد وفاته على أمر ديني.
قولنا: (اتفاق): يخرج وجود خلاف، ولو كان المخالف واحدًا فلا إجماع.
قولنا: (مجتهدي): أي من توفرت فيه شروط الاجتهاد، ويخرج المقلدين والعوام فلا عبرة وفاقًا وخلافًا.
قولنا: (أمة محمد ﷺ : يخرج الأمم السابقة فلا يعتد بإجماعهم.
قولنا: (في عصر من العصور): يخرج من مات، ومن لم يولد.
قولنا: (بعد وفاته): يخرج الاتفاق في حياته ﷺ .
قولنا: (أمر ديني): يخرج الأمور الدنيوية، والعقلية، واللغوية.
والإجماع حجة، وقد دل على حجيته القرآن، والسنة، أما القرآن: فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] مفهوم هذه الآية أننا إذا لم نتنازع في شيء فإنه حجة بذاته.
وأيضًا: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
فقال تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فإذا أجمع المؤمنون على شيء فهذا سبيلهم، فإذا اتبع غير السبيل فهو ضال.
وأيضًا: قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أي عدولًا خيارًا ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] ومقتضى الشهادة
стр. 164
على الناس: أنهم عصموا من الخطأ فيما أجمعوا عليه قولًا وفعلًا.
وأما السنة: فما يُروى عن النبي ﷺ وإن كان فيه ضعف - «لا تجتمع أمتي على ضلالة». (١)
وكذلك ما ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ مُرّ عليه بجنازة فأثنى عليها الصحابة ﵃ خيرًا فقال النبي ﷺ : «وجَبَتْ» ثم مروا عليه بجنازة فأثنوا عليها شرًا فقال النبي ﷺ : «وجبت» ثم قال: «أنتم شهداء الله في الأرض» (٢) وقال ابن مسعود ﵁: «ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن». (٣)
و الإجماع يشترط لحجيته شروط:
الشرط الأول: أن يكون الإجماع من العلماء المجتهدين فلا عبرة
стр. 165
بإجماع العوام، ويكفي الاجتهاد الجزئي؛ لأن اشتراط الاجتهاد المطلق يؤدي إلى تعذر الاجتهاد.
الشرط الثاني: الإسلام، وهذا ظاهر لكن يذكره الأصوليون.
الشرط الثالث: أن يكون الإجماع من جميع العلماء المجتهدين، وعند ابن جرير ﵀ لا عبرة بمخالفة الواحد والاثنين.
الشرط الرابع: أن يكون المجمعون أحياء موجودين.
الشرط الخامس: العدالة، وهو قول جمهور الأصوليين، وعند بعضهم لا يشترط؛ لعدم ما يدل على ذلك.
الشرط السادس: اختلف الأصوليون في انقراض عصر المجتهدين هل هو شرط أو ليس شرطًا لصحة الإجماع.
يعني لو أن الصحابة ﵃ أجمعوا على مسألة من المسائل هل يشترط أن ينقرضوا لكي يكون إجماعهم حجة أو ليس شرطًا؟
جمهور الأصوليين: على أن انقراض عصر المجتهدين ليس شرطًا؛ لأن أدلة الإجماع لا توجب انقراض العصر؛ ولأن التابعين احتجوا بإجماع الصحابة.
وقال بعض الشافعية - وهو رواية عن الإمام أحمد ﵀ أنه يشترط انقراض العصر؛ لاحتمال رجوع بعضهم.
يترتب على الإجماع:
أولًا: وجوب اتباعه، وحرمة مخالفته من أهله، ومن غيرهم.
ثانيًا: لا يقع إجماع على خلاف نص؛ لأن الأمة لا تجتمع على خطأ.
ثالثًا: لا يقع إجماع على خلاف إجماع لاسْتِلزامه تعارض قطعيين.
رابعًا: لا يجوز ردة هذه الأمة.
خامسًا: لا يمكن للأمة تضييع نص تحتاج إليه، لكن قد يجهله البعض دون الكل.
стр. 166
سادسًا: الإجماع المعلوم يكفر مخالفه، وغير المعلوم يمتنع تكفيره.
مسألة: جمهور الأصوليين: إذا اختلف الصحابة على قولين لا يجوز لمن بعدهم إحداث قول ثالث؛ لاتفاقهم على عدم القول الثالث، لكن يجوز إحداث تفصيل؛ لأنه لا يرفع القولين.
وإذا كان لا يجوز إحداث قول ثالث فيما إذا اختلفت الأمة على قولين، فإنه يجوز إحداث تأويل ثالث في معنى آية أو حديث فيما إذا اختلفت الأمة في تأويلها أو تأويله على قولين أولى.
إذ تجويز ذلك معناه أن الأمة كانت مجتمعة على الضلال في تفسير القرآن والحديث
مسألة: إذا اختلف الصحابة في مسألة على قولين، لم يجز للتابعين الإجماع على أحدهما؛ لأن في انعقاد هذا الإجماع نسبة الأمة إلى تضييع الحق والغفلة عن الدليل الذي أوجب الإجماع.
قال ابن تيمية: «والتحقيق أن الإجماع المعلوم يكفر مخالفه، كما يكفر مخالف النص بتركه، ........... وأما غير المعلوم فيمتنع تكفيره».
مسألة: لا يعتبر قول العامي في الإجماع؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ وقوله ﷺ : «ألا سألوا إذا لم يعلموا فإن شفاء العيِّ السؤال» (١). فقد تبين هنا أن العامي يلزمه المصير إلى أقوال العلماء، فلا تعتبر مخالفته فيما يجب عليه التقليد فيه.
ولأن المجتهدين إنما كان قولهم حجة؛ لأنه مستند إلى دليل؛ حيث لا يجوز إثبات الأحكام بلا دليل، والعامي ليس أهلًا للاستدلال والنظر
стр. 167
في الأدلة، فلا يكون قوله معتبرًا لذلك.
قوله: [والرابع القياس فافهمنه]: هذا الدليل الرابع من الأدلة المتفق عليها؛ وهو القياس وهو في اللغة: التقدير.
وفي الاصطلاح: إلحاق فرع بأصل في حكم لعلة جامعه. ويتبين من هذا التعريف أركان القياس، فأركان القياس أربعة:
الركن الأول: الأصل: وهو المقيس عليه.
الركن الثاني: الفرع: وهو المقيس.
الركن الثالث: العلة الجامعة: وهي الوصف الجامع بين الفرع والأصل لإثبات الحكم.
الركن الرابع: الحكم: وهو محل القياس.
والقياس حجة باتفاق الأئمة الأربعة، فهم يتفقون على أن القياس حجة، وخالف في ذلك الظاهرية ومع ذلك فإنهم يقولون بالقياس. يعني إذا قرأت في كتبهم تجد أنهم يلتزمون بالقياس أحيانًا.
وقد دل على حجية القياس: الكتاب، والسنة، وإجماع الصحابة ﵃.
أما الكتاب فالأدلة على ذلك كثيرة: فكل الأدلة التي ورد فيها الأمر بالاعتبار، والتفكر والتي فيها ضرب الأمثال دالة على إثبات القياس ومن ذلك:
أولًا: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد: ٢٥] والميزان: ما توزن به الأمور ويقاس بينها.
ثانيًا: قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [فصلت: ٣٩].
فهنا فيه قياس، قياس إحياء الموتى على إحياء الأرض.
ثالثًا: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] هنا قياس الإعادة على البدء فإعادة الخلق هنا قيست
стр. 168
على بدء خلقهم، بل أهون فاستدل الله على وجود البعث بخلق الناس أول مرة.
رابعًا: قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨، ٧٩].
خامسًا: كل الأدلة التي فيها الأمر بالاعتبار والتفكر كما في قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢].
وغير ذلك من الأدلة.
وأما السنة فالأدلة أيضًا كثيرة من ذلك:
أولًا: حديث أبي هريرة ﵁ في الصحيحين في قصة الرجل الذي جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن امرأتي ولدت غلامًا أسود. فقال النبي ﷺ : «هل لك إبل؟» قال: «نعم» قال ﷺ : «فما ألوانها؟» قال: حمر قال: «هل فيها من أورق»؟ قال: إن فيها لوُرْقا قال: «فأنى أتاها ذلك» قال: عسى أن يكون نزعه عِرْق قال: «وهذا عسى أن يكون نزعه عِرْق». (١)
فهنا قاس النبي ﷺ لون هذا الولد على ألوان هذه الإبل.
ثانيًا: حديث ابن عباس ﵄ في المرأة التي قالت للنبي ﷺ : «إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ فقال النبي ﷺ : «نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله؛ فالله أحق بالوفاء». (٢)
فهنا قاس النبي ﷺ دَين الله على دَين المخلوق، فكما أنه يجب قضاء دَين المخلوق فكذلك أيضًا يجب قضاءُ دَين النذر.
وكذلك من الأدلة: إجماع الصحابة ﵃ على استخدام القياس في
стр. 169
وقائع كثيرة من هذه الوقائع: قياسهم مانع الزكاة على مانع الصلاة في قتاله، وقولهم في خلافة أبي بكر: «رضيه لديننا أفلا نرضاه لدنيانا!؟». (١) ومن ذلك قول علي ﵁: «اجتمع رأيي ورأي عمر ﵁ في أمهات الأولاد - أن لا يبعن كالحرائر، أما الآن فقد رأيت بيعهن كالإماء» (٢).
و القياس يشترط لحجيته شروط:
الشرط الأول: أن يكون حكم الأصل المقيس عليه ثابتًا بنص، أو إجماع، أو اتفاق الخصمين عليه ولا يكون منسوخًا.
الشرط الثاني: أن يكون المقيس عليه معقول المعنى.
الشرط الثالث: أن توجد العلة بتمامها في الفرع الذي يطلب إلحاقه بالأصل، أو يغلب الظن على وجودها، وأن لا يكون حكم الفرع منصوصًا عليه بنص يخالف حكم الأصل.
الشرط الرابع: أن يكون حكم الفرع مساويًا لحكم الأصل.
الشرط الخامس: أن تكون العلة متعدية.
الشرط السادس: أن تكون العلة ثابتة بنص، أو إجماع، أو استنباط.
الشرط السابع: أن لا تخالف العلة نصًا، أو إجماعًا.
الشرط الثامن: إذا كانت العلة مستنبطة، فلابد أن تكون وصفًا مناسبًا صالحًا لترتب الحكم.
الشرط التاسع: أن يكون القياس في الأحكام الشرعية العملية، ولا يجري القياس في العقائد والتوحيد إذا أدى ذلك إلى البدعة.
ويفهم من هذه الشروط أن القياس لا يكون في المقدّرات، وكذلك
стр. 170
لا يكون في العلة إذا كانت تعبدية ليست معقولة المعنى.
ومن أمثلة القياس: ما سبقت الإشارة إليه من حديث عبادة ﵁ قال ﷺ : «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، سواء بسواء» (١) فالشارع نص على الذهب والفضة وأنه يجري فيهما الربا، فقاس العلماء ﵏ على الذهب والفضة: كل ما كان ثمنًا للأشياء مثال ذلك: الريالات والجنيهات والدينارات … إلخ. هذه يجري فيها الربا قياسا على الذهب والفضة، فالذهب والفضة: أصل، وهذه الريالات: فرع، والعلة: الثمنية، والحكم: جريان الربا.
المثال الثاني: «البر بالبر … إلخ» قاس العلماء ﵏: الأرز على البر في جريان الربا، فالأصل المقيس عليه هو البر، والفرع المقيس هو الأرز، والعلة هي الطعم والكيل، والحكم: جريان الربا، وعلى هذا فقس.
والعلة: هي مناط القياس الشرعي، وهي أحد أركانه الأربعة:
الأصل، والفرع، وحكم الأصل، والعلة.
فلا يصح القياس الشرعي إلا بعلة صحيحة مثال ذلك: منع القاضي من القضاء حال الغضب، لقوله ﷺ : «لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان» (٢) فقرر العلماء أن المنع هنا إنما هو لتشويش ذهن القاضي بالغضب الذي منعه من النظر الصحيح، فقاسوا عليه كل ما يشوش الذهن كالفرح الشديد، والجوع الشديد، ونحوه.
ولذلك فإن بحث العلة وأحكامها بحث مهم لطالب العلم؛ لأنه هو الطريق الصحيح لتطبيق القياس الشرعي باعتباره دليلًا من أدلة الشريعة.
стр. 171
قال ابن القيم ﵀: ولهذا يذكر الشارع العلل، والأوصاف المؤثرة، والمعاني المعتبرة في الأحكام القدرية والشرعية والجزائية كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ١٣] وقوله: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ [غافر: ١٢].
والعلة التي يصح القياس بها لها شروط كثيرة من أهمها:
الشرط الأول: أن يكون المعنى الذي عُلل به مشتملًا على جلب منفعة، أو دفع مفسدة مثل: تحريم الخمرة لعلة الإسكار لدفع مفسدة إذهاب العقل.
الشرط الثاني: أن تكون العلة ظاهرة فإن كانت خفية لم يصح التعليل بها مثل تعليل صحة البيع بالرضا؛ لأن الرضا معنى قلبي لا يُطلع عليه، ولذلك علل بالإيجاب والقبول.
الشرط الثالث: أن لا تخالف العلة نصًا ولا إجماعًا؛ لأنهما مقدمان عليها.
الشرط الرابع: أن توجد كلما وجد الحكم وتتخلف كلما تخلف الحكم، وهذا في الجملة.
والعرب وضعت ألفاظًا تدل على التعليل منها:
اللفظ الأول: (من أجل) قال تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة: ٣٢] وقوله ﷺ : «إنما جعل الاستئذان من أجل البصر». (١)
اللفظ الثاني: (إذًا) كقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء: ٧٤، ٧٥].
стр. 172
اللفظ الثالث: ذكر المفعول لأجله ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩].
اللفظ الرابع: ذكر لفظ الحكمة كقوله: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٥].
اللفظ الخامس: (إنّ) مكسورة الهمزة مشددة النون كقوله ﷺ : «إنها ليست بنجسة إنها من الطوافين عليكم والطوافات» (١).
أو كانت الألفاظ نصًا ظاهرًا وهي التي تدل على العلية وغيرها، وهي فيها أرجح، ومن ألفاظها:
اللفظ الأول: (اللام) كقوله:
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].
اللفظ الثاني: (الباء) كقوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٦٠].
اللفظ الثالث: (الفاء) كقوله: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٣].
اللفظ الرابع: (لعل) كقوله: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤].
اللفظ الخامس: (حتى) كقوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١].
والإجماع كأن ينعقد الإجماع على أن هذا الوصف علة لهذا الحكم.
стр. 173
كالصغر: ثبوت الولاية على الصغير، وعلة تحريم الخمر: الإسكار، والجهل بالعوض علة لفساد البيع.
وهناك مباحث تتعلق بالإجماع والقياس، والعلة تكلمنا عليها في شرح الورقات، وكذا بقية الأدلة.
ثانيًا: ينقسم القياس باعتبار علته إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: قياس العلة، وهو: ما صرح فيه بالعلة فيكون الجامع هو العلة، وذلك كقوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٧].
يعني: هم الأصل، وأنتم الفرع، والعلة الجامعة التكذيب، والحكم الهلاك.
والقسم الثاني: قياس الدلالة، وهو: ما لم تُذكر فيه العلة، وإنما ذُكر فيه لازم من لوازمها؛ كأثرها أو حكمها فيكون الجامع هو دليل العلة، وذلك كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩].
فالأصل القدرة على إحياء الأرض، والفرع القدرة على إحياء الموتى، والعلة هي عموم قدرته سبحانه وكمال حكمته، وإحياء الأرض دليل العلة.
والقسم الثالث: القياس في معنى الأصل، وهو: ما كان بإلغاء الفارق فلا يحتاج إلى التعرض إلى الجامع، وذلك كإلحاق الضرب بالتأفيف، وهذا القسم هو القياس الجلي؛ ويسمى: بمفهوم الموافقة.
ثالثًا: ينقسم القياس إلى: قياس طرد، وقياس عكس.
فقياس الطرد: ما اقتضى إثبات الحكم في الفرع لثبوت علة الأصل فيه.
وقياس العكس: ما اقتضى نفي الحكم عن الفرع لنفي علة الحكم فيه.
стр. 174
ومثال هذين القسمين:
«وما أمر الله به من الاعتبار في كتابه يتناول قياس الطرد وقياس العكس؛ فإنه لما أهلك المكذبين للرسل بتكذيبهم، كان من الاعتبار أن يُعلم أن من فعل مثل ما فعلوا، أصابه مثل ما أصابهم، فيتقي تكذيب الرسل حذرًا من العقوبة، وهذا قياس الطرد، ويعلم أن من لم يكذب الرسل لا يصيبه ذلك، وهذا قياس العكس».
والعلماء حين يعرفون القياس إنما يعرفون قياس الطرد لأنه الأصل، أما قياس العكس فقل من يراعيه عند تعريف القياس؛ إما لأنه لا يرى حجيته، وإما لقلة وروده في كلام الفقهاء، وإما لاختلاف الحقيقتين وتعذر الجمع بينهما في تعريف واحد.
والمراد بالطرد هنا: ثبوت الحكم لثبوت الوصف المدعى عليته.
والعكس: انتفاء الحكم لانتفاء الوصف المدعى عليته.
والأدلة المختلف فيها:
أولًا: قول الصحابي، وسبق هل هو حجة أو ليس حجة … إلخ؟ تقدم الكلام على ذلك (١).
ثانيًا: الإجماع السكوتي: وهو أن يشتهر القول، أو الفعل من البعض ويسكت الباقون عن إنكاره.
اختلف العلماء ﵏ في حجيته:
قال أكثر العلماء: إنه حجة تنزيلًا للسكوت منزلة الرضا، وقال الشافعي، وهو قول الظاهرية: ليس حجة.
والصواب: ما ذكر شيخ الإسلام ﵀: أنه يُنظر إلى قرائن الأحوال، وأحوال الساكتين، وملابسات المقام، فإن غلب على الظن اتفاق الجميع فهو حجة ظنية، وإن قطعنا باتفاقهم فهو حجة قطعية، وإن ترجحت
стр. 175
المخالفة فليس حجة.
ثالثًا: إجماع أهل المدينة، هل هو حجة أو ليس بحجة؟ لخص شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إجماع أهل المدينة، وأنه لا يخلو من أحوال:
الحال الأولى: ما يجري مجرى النقل عن النبي ﷺ ، مثل: نقلهم المد والصاع فهذا حجة بالاتفاق.
الحال الثانية: العمل القديم قبل مقتل عثمان ﵁، فهذا حجة عند جمهور أهل العلم، فالجمهور على أن سنة الخلفاء الراشدين حجة.
الحال الثالثة: أن يتعارض دليلان ونجهل أرجح الدليلين، وأحدهما يعمل به أهل المدينة، فهذا يُرجَّح بعمل أهل المدينة كما قال الإمام مالك والشافعي رحمهما الله وغيرهما، وعند أبي حنيفة ﵀ ليس حجة، وعن الإمام أحمد روايتان.
الحال الرابعة: العمل المتأخر لأهل المدينة، فالجمهور على أنه ليس بحجة، وقد كتب الليث بن سعد ﵀ إلى الإمام مالك ﵀ فيما يتعلق بعدم حجية عمل أهل المدينة يعني العمل المتأخر؛ لأن الصحابة اختلفوا، وتفرقوا في البلاد، وأيضا هم كغيرهم اختلفوا فيما بينهم فعملهم ليس حجة.
رابعًا: شرع من قبلنا هل هو حجة أو ليس بحجة؟ هذه المسألة تنقسم ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يوافق شرعنا شرع من قبلنا، فهذا حجة. يعني يكون شرعًا لنا، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] فالصيام مكتوب علينا ومكتوب عليهم.
القسم الثاني: أن يثبت أنه شرع لهم، ويثبت أنه ليس شرعًا لنا. يعني أن يخالف شرعنا شرعهم، فهذا ليس حجة بالاتفاق، ومن ذلك قوله
стр. 176
تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
القسم الثالث: ما سكت عنه. يعني ثبت بطريق صحيح أنه شرع لهم ولم يرد في شرعنا أنه شرع لنا، فموضع خلاف. والصواب: أنه حجة لنا لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾ [يوسف: ١١١] ولقوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨].
فالصواب: أنه حجة لنا إذا سكت عنه في شرعنا، لكن لابد من شرطين:
الشرط الأول: ثبوته.
الشرط الثاني: أن لا يكون من الإسرائيليات.
خامسًا: الاستصحاب، والاستصحاب في اللغة: طلب الصحبة وهي الملازمة.
وفي الاصطلاح: استدامة إثبات ما كان ثابتًا، ونفي ما كان منفيًا، حتى يأتي الدليل المغير.
ويستصحب الدليل الشرعي، فلا يترك حتى يأتي الناسخ، ويستصحب العموم والإطلاق حتى يأتي المخصص والمقيد، ويستصحب الوصف المثبت للحكم حتى يثبت خلافه.
والاستصحاب ينقسم إلى أقسام:
القسم الأول: استصحاب البراءة الأصلية، فهذا حجة بالاتفاق.
مثال ذلك: الصلوات خمس؛ فيُستدل على إيجاب نفي صلاة سادسة باستصحاب البراءة الأصلية، وأن الذمة بريئة من إيجاب صلاة سادسة.
أيضًا الذي يجب صومه شهر رمضان يُستصحب عدم وجوب صوم شهرٍ آخر بالبراءة الأصلية.
القسم الثاني: استصحاب دليل الشرع، وهذا أيضًا حجة، ويقسمه
стр. 177
العلماء ﵏ إلى أمرين:
الأمر الأول: استصحاب عموم النص حتى يرد المخصص.
مثال ذلك: قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] يشمل كل المشركين من أهل الكتاب ومن أهل الأوثان … إلخ فهذا عام حتى يرد المخصص.
الأمر الثاني: استصحاب العمل بالنص حتى يرد الناسخ أيضًا.
مثال ذلك: المثال السابق: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾. نعمل به حتى يرد ما يدل على النسخ.
القسم الثالث: استصحاب حكم الشرع، فإذا كان عندنا حكم دل الشرع على ثبوته لورود سببه، فالأصل ثبوت الحكم حتى يرد الناقل من ذلك.
مثال ذلك: في البيع: زيد اشترى سيارة فنحكم بملك زيد لهذه السيارة حتى يرد الناقل، إما أن يبيع، أو يهب، أو يوقف … إلخ؛ فالشرع حكم بملك زيد لهذه السيارة بالبيع فنستصحب حكم الشرع، وأنها لاتزال لزيد حتى يرد الدليل، أو يرد الناقل.
القسم الرابع: استصحاب حكم الإجماع: جمهور أهل العلم ﵏ على أنه ليس حجة.
سادسًا: الاستحسان وهو في اللغة: الحسن وهو الجمال والزينة.
واعلم أن الاستحسان كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ينقسم قسمين:
القسم الأول: ترجيح أحد الدليلين لمرجح، أو العمل بأقوى الدليلين، فهذا استحسان صحيح بالاتفاق. وهذا ما يعبر عنه ب «العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل شرعي خاص».
القسم الثاني: ما يستحسنه المجتهد بعقله. يعني يرى بعقله ورأيه أن
стр. 178
هذا هو الحسن فيقول به أو أنه غير حسن فلا يقول به فهذا باطل بالاتفاق. وقد قال الشافعي ﵀: (من استحسن فقد شرَّع) قال العلماء ﵏: (مراد الشافعي أن يقول بلا علم، بل يقول بالهوى والتشهي).
وما نُسب إلى أبي حنيفة ﵀ أنه يقول بالاستحسان - يعني كون الإنسان يستحسن بعقله - فهذا لا يصح؛ لأن العلماء ﵏ متفقون على أنه يحرم على الإنسان أن يقول على الله بغير علم؛ ولهذا أبو يوسف ﵀ صاحب أبي حنيفة ﵀ لما ذهب إلى المدينة، واطلع على بعض السنن التي كانت خافية عليه قال: (لو علم صاحبي - يعني أبا حنيفة ﵀ ما علمت لرجع كما رجعت).
فالصواب: أن الاستحسان ينقسم إلى هذين القسمين.
فالمعنى الصحيح باتفاق هو أن الاستحسان: ترجيح دليل على دليل، أو هو العمل بالدليل الأقوى أو الأحسن.
سابعًا: المصالح المرسلة، وقد تقدم تعريف المصالح.
وأما المرسلة بمعنى المطلقة، واعلم أن المصالح تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: مصالح اعتبرها الشارع يعني جاء بها الشرع، وهذا كما تقدم (١) أنه يشمل المصالح الضرورية، والمصالح الحاجية، والمصالح التحسينية.
القسم الثاني: المصالح الملغاة وهي: التي ألغى الشارع اعتبارها؛ لكونها مصادمة للدليل من النص، أو الإجماع.
مثال ذلك: كفارة الوطء في نهار رمضان: إعتاق رقبة، فإن لم يجد
стр. 179
فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، وهذا يشمل كل الناس، فكوننا نقول: إن الغني لا يكفِّر بالعتق، وإنما يكفِّر بالصيام؛ لأنه واجد الآن والمصلحة أن نردعه ونزجره فيكفِّر بالصيام، هذه المصلحة باطلة؛ لأن الشارع ألغى هذه المصلحة وجعل الحكم عامًا.
القسم الثالث: المصالح المرسلة. يعني المطلقة، وهي كل منفعة داخلة في مقاصد الشارع، ولم يشهد لها الشارع بإلغاء أو اعتبار، وإنما تستند إلى دليل كلي عام. فهل هذه معتبرة أو ليست معتبرة؟
هذا موضع خلاف بين أهل ا لعلم ﵏:
فبعض العلماء قال: بأنها معتبرة، منهم الإمام مالك، وأحمد رحمهما الله إلا أن تكون في العبادات، والمقدرات، والكفارات.
وبعضهم أنكر اعتبار هذه المصالح المرسلة.
والذين قالوا بعدم اعتبارها قالوا: هذا يؤدي إلى التلاعب بالشريعة، أو إدخال ما ليس فيها، فكل من أراد أن يثبت شيئًا قال المصلحة دلت على ذلك، والذين قالوا بأنها تعتبر قالوا: بأن هذا ورد عن الصحابة ﵃.
وقد ضرب الشاطبي (١) أمثلة لاجتهاداتٍ بنوْا أحكامها على المصلحة ومنها: (جمع القرآن في مصحف واحد (٢)، وحدهم شارب الخمر بثمانين (٣)، وقضاء الخلفاء الراشدين بتضمين الصناع) (٤)،
стр. 180
وعمر ﵁ اشترى دارًا للسجن (١)، وأيضًا جعل الدواوين (٢)، وألزم بالطلاق الثلاث (٣) … إلخ.
واشترط العلماء ﵏ شروطًا لإعمال المصلحة المرسلة:
الشرط الأول: أن يغلب على الظن وجود المصلحة، فلا تكون متوهمة، أو مشكوكًا فيها.
الشرط الثاني: أن تكون المصلحة في الكليات الخمس: الدين، والعقل، والنفس، والمال، والعرض.
الشرط الثالث: أن تتفق مع أصول وقواعد الشريعة ولا تصادم الدليل.
الشرط الرابع: أن لا تكون في العبادات، والمقدرات كالمواريث وأنصبة الزكاة.
الشرط الخامس: أن تكون مصلحة عامة لا خاصة ولا تعارضها مصلحة أرجح منها، فإذا اختل شرط من هذه الشروط لم يجز إعمال هذه المصلحة بل تنتقل إلى كونها بدعة.
ولهذا قال بعض العلماء: بأن الخلاف لفظي. يعني بناء على هذه الشروط.
• • •