← Каваид фикха

Каваид фикха · id 1573

العقد الثمين في شرح منظومة الشيخ ابن عثيمين

خالد المشيقح

Полный текст (304 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

بخبز مثل الذي أكله لا يلزمه أن يقبل؛ لأن هذا الخبز لما دخلته الصناعة المباحة أصبح قيميًا ولم يكن مثليًا. وقولهم: (الصناعة المباحة) يخرج الصناعة المحرمة، فإنه لا يخرج عن كونه مثليًا. مثال ذلك: الحديد مثلي؛ لأنه موزون فإذا جعله صاحبه على شكل تمثال، فجاء شخص فأتلف هذا التمثال فإنه يضمن بجنسه وزنًا. يعني الصورة المحرمة لا أثر لها شرعًا لا تضمن، لكن يضمن الحديد، وكونه دخلته صناعة محرمة وجعله على صورة، فهذا لا يخرجه عن كونه مثليًا فيضمن بالمثل؛ لأن الموزون والمكيل نشترط لكي يكون مثليًا أن لا تدخله صناعة مباحة، فإن دخلته صناعة محرمة فإنه لازال مثليًا؛ لأن المحرم لا عبرة به. فالخلاصة في ذلك: أن المثلي عندهم هو كل مكيل، أو موزون يصح السلم فيه لم تدخله الصناعة المباحة، وما عدا ذلك قيمي؛ فعندهم الثياب، والقطن، والأقلام، والسيارات، والآلات، وأشياء كثيرة هذه كلها قيمية إذا أتلفت، أو أخذها الإنسان قرضًا فإن تنازعا فإن المرجع إلى القيمة. المكيل مثل: الشعير، والأرز، وسائر الحبوب، والمائعات. والموزون مثل: الحديد، والرصاص، والنحاس، وسائر المعادن، والشعر، والصوف، والحرير، والقطن. الرأي الثاني: أن المثلي: ماله مثل في الأسواق، والقيمي: ما ليس له مثل في الأسواق وهو رأي الحنفية ﵏ وهذا القول هو الصواب في الجملة، واختيار شيخ الإسلام ﵀ ونصره ابن القيم ﵀ في (أعلام الموقعين) وقاله جمع من أهل العلم، وهذا القول هو الذي يدل عليه القرآن والسنة والآثار عن الصحابة ﵃، والقياس الصحيح.

стр. 212

أما القرآن: فقول الله ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] فأوجب الله على من قتل صيدًا مثله من النعم مع أنه ليس مكيلًا ولا موزونًا. وأما السنة: فحديث عائشة: لما ضربت يد الخادم فسقط الإناء وانتثر الطعام قال ﵊: «طعام بطعام، وإناء بإناء» (١) فقضى النبي ﷺ بالمثل مع أن الصناعة المباحة دخلتها. ومن ذلك: أن النبي ﷺ : «استسلف بكرًا ورد رباعيًا» (٢) والحيوان عند الشافعية والحنابلة قيمي؛ لأنه ليس مكيلًا ولا موزونًا، ومع ذلك رد النبي ﷺ المثل فدل على أن المثل أوسع من المكيلات والموزونات. وأما آثار الصحابة: فالمحْرِم يضمن الصيد إذا أتلفه بمثله، أو ما يقاربه، فقضى الصحابة ﵃ في البعير بالنعامة مع أن الفرق بينهما كبير لكنها تشابهها في بعض الأشياء، مثل طول الرقبة، والجسم، وقضوا في الشاة بحمامة مع الفرق بينهما لكن لأنها تشبهها من جهة مص الماء - والله أعلم - والصحابة ﵃ هم أفقه الأمة وأعلمها ومع هذا قضوا في مثل هذا بالمثل بما يشابهه من بعض الوجوه، مع أنها ليست مكيلة ولا موزونة، وعلى هذا يكون المثلي أوسع من القيمي فكل شيء له مثل في الأسواق نقول: بأنه مثلي (البر، والشعير، والكتب، والثياب … إلخ) هذه الأشياء كلها لها مثل، وعلى هذا لو أتلف له ثوبًا وطالبه بالقيمة هل يلزمه أن يدفع له ثوبًا آخر أو يدفع له القيمة؟ نقول: يدفع له ثوبًا آخر لا يدفع له قيمته؛ لأن هذا هو المثلي. وكذلك لو أتلف برًا، أو كتابًا، أو قلمًا فالمتلِف يأتيه بالمثل، بمثل هذا البر أو الكتاب أو القلم … إلخ ولا يلزمه أن يأتيه بالقيمة. أما الذي ليس له مثل فتجب قيمته.

стр. 213

مثال ذلك: عندنا صناعة وانقطعت، مثل صناعة لقلمٍ من الأقلام، أو ثوب من الثياب ثم بعد ذلك لم يكن لهذا الثوب، أو لهذا القلم … إلخ وجود في الأسواق، فأتلفها شخص أو استقرضها فإن عليه القيمة، ومثل ذلك الجواهر الطبيعية التي ليس لها مثل. وقد ذكر الله عن داود ﵇ قال: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨، ٧٩] فداود ﵇ قضى بحكم، وخالفه ابنه سليمان، وذلك بأن قومًا لهم غنم، وقومًا لهم بستان فنفشت هذه الغنم بالبستان - والنفش: هو الإفساد ليلًا - فقضى سليمان لأهل الزرع بأن يقوم أهل الغنم بإصلاح البستان كما كان - وهذا لا شك أنه ليس مثليًا - فلما قضى بهذا أثنى الله تعالى عليه بالفهم. وهذا هو ظاهر اختيار البخاري ﵀ في صحيحه وقد بوّب بابًا في صحيحه وقال: (باب من هدم جدارًا بنى مثله)، وهذا يلزم إذا اختلفوا لكن لو تراضوا على شيء جاز. • • •

стр. 214

٦١ - وما على المُحسنِ مِنْ سبيلِ … وعكسُهُ الظالمُ فاسْمَع قِيْلِي قوله: [المحسن]: من تبرع وفعل المعروف. قوله: [الظالم]: المعتدي. وقوله: [قيلي]: أي قولي. دليل ذلك: قوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى: ٤٢] وقوله تعالى: ﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣] أي أن المحسن ليس عليه ضمان ولا إثم، ويدخل في هذه القاعدة أمران: الأمر الأول: الأُمَناء كلهم لا ضمان عليهم إلا بالتعدي، أو التفريط؛ لأنهم محسنون والأمين كما تقدم: هو كل من قبض المال بإذن الشارع، أو بإذن المالك، فهؤلاء إذا تلف المال تحت أيديهم فلا ضمان عليهم ولا إثم إلا بالتعدي أو التفريط كالمستعير، والمودَع، والمستأجر، والملتقط، والشريك، والمضارب، وكذلك الحاكم إذا أخذ مال شخص عنده لمصلحة، فإنه محسن لا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط. الأمر الثاني: من عمل عملًا أراد به صلاح الناس ونفعهم فتلف بذلك العمل أحد، فإنه لا ضمان عليه ولا إثم ما دام أنه لم يتعدَّ ولم يفرط. مثال ذلك: شخص وضع حجارة، أو أخشابًا على الطين في المطر لكيلا يزلق الناس في الوحل فجاء شخص وتلف بهذه الحجارة أو تلف بهذه الأخشاب، فلا ضمان عليه؛ لأنه محسن وما على المحسنين من سبيل إلا إذا كان هناك تعد أو تفريط. مثال آخر: وضع حجرًا كبيرًا يُتلف الناس، أو أشياء يزلق بها الناس، فإنه هنا غير محسن بل هو ظالم. وقوله: [وعكسه الظالم]: هذا يدخل تحته أمور منها: الأمر الأول: من أخذ مال غيره بغير إذنه ورضاه كالغاصب،

стр. 215

والسارق، والمنتهب، والمختلس. فالغاصب: قبض المال بغير إذن المالك، وبغير إذن الشارع، فكل من قبض مالًا بغير إذن الشارع وبغير رضى المالك، فهو ظالم فلو غصب سيارة وتلفت تحت يده ضمن مطلقًا؛ لأنه بغصبه تعدى حتى لو حفظها ثم احترقت، أو حفظ النقود في الصندوق ثم سرقت، فإنه يضمن؛ لأنه بغصبه قد تعدى. ومثل ذلك: السارق، والمنتهب، والمختلس … إلخ هؤلاء كلهم يضمنون ما يتلف تحت أيديهم مطلقًا. الأمر الثاني: المحسن إذا تعدى، أو فرط فإنه ظالم ويضمن كما سبق في الأمثلة السابقة. • • •

стр. 216

٦٢ - ثمَّ العُقودُ إنْ تَكُنْ مُعاوضَهْ … فَحَرِّرَنْهَا ودَعِ المخَاطَرَهْ ٦٣ - وإنْ تكُنْ تَبَرُّعًا أو تَوْثِقهْ … فأمْرُها أخفُّ فادْرِ التفرِقَهْ ٦٤ - لأنَّ ذِي إنْ حَصَلَتْ فَمَغْنَمْ … وإنْ تَفُتْ فَلَيس فِيها مَغْرَمْ قوله: [معاوضة، وتبرعًا، وتوثقه]: تأتي إن شاء الله. قوله: [فحررنها]: أي اضبطها بالعلم، والقدرة عليها. قوله: [المخاطرة]: المجازفة، وعدم ضبطها بالعلم وغير ذلك من شروط المعاوضات. قوله: [فادر التفرقة]: أي اعلم الفرق بين عقود المعاوضات، والتوثقات، والتبرعات كما سيأتي إن شاء الله. قوله: [لأن ذي إن حصلت فمغنم]: أي فائدة وربح بلا مقابل. قوله: [وإن تفت فليس فيها مغرم]: أي غرامة وخسارة في ماله. العقود تنقسم إلى أقسام منها ما ذكره الشيخ ﵀: عقود معاوضة، وعقود توثقة، وعقود تبرعات. وفي هذه الأبيات الثلاثة ذكر الشيخ ﵀ فرقًا بين عقود المعاوضات، وعقود التوثقات، وعقود التبرعات. عقود المعاوضات: هي كل عقد قائم على التبادل، وقُصِد منه العوض، والربح، والكسب. عقود التبرعات: هي كل عقد قُصِد منه الإحسان والإرفاق. عقود التوثقات: هي العقود التي تكون وثيقة لعقود أخرى. مثال عقود المعاوضات: البيع، والشراء، والإجارة، والسلم، والمساقاة، والمزراعة، والشركة … إلخ. مثال عقود التبرعات: الهبة، والوصية، والعتق، والوقف، والعارية. مثال عقود التوثقات: الرهن، والكفالة، والضمان.

стр. 217

فأشار الشيخ ﵀ إلى أن هذه العقود ترتب على مراتب: المرتبة الأولى: عقود المعاوضات وهذه يطلب فيها من العلم والتحرير ما لا يطلب في عقود التوثقات. أي يُحتاط فيها، ويُشترط فيها من العلم والتحرير مالا يُشترط في عقود التوثقات. المرتبة الثانية: عقود التوثقات وهي أوسع من عقود المعاوضات ويشترط فيها من العلم والتحرير مالا يشترط في عقود التبرعات. المرتبة الثالثة: عقود التبرعات وهي أوسع من عقود المعاوضات وأوسع من عقود التوثقات، ودليل ذلك أدلة كثيرة منها: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠]. فقال تعالى: ﴿وَالْمَيْسِرُ﴾ والميسر كل معاملة يدخل فيها الإنسان وهو إما غانم أو غارم، وهذا يكون في عقود المعاوضات. مثال ذلك: إذا بعت الكتاب بثمن مجهول فالمشتري الآن يدخل وهو إما غانم، أو غارم؛ لأن الثمن إن كان أقل من قيمة الكتاب يكون غانمًا، وإن كان أكثر من قيمة الكتاب يكون غارمًا، فهو الآن دخل في المخاطرة، أيضًا المُثمن إذا اشتراه شخص وهو مجهول يدخل في هذه المعاملة وهو إما غانم أو غارم، وكذلك البائع يدخل في هذه المعاملة وهو إما غانم أو غارم إذا كان المثمن مجهولًا، فإذا كان الثمن أكثر بالنسبة للمشتري فهو غارم، وإن كان الثمن أقل فهو غانم وهكذا. ويدل لذلك: حديث أبي هريرة ﵁ في صحيح مسلم أن النبي ﷺ «نهى عن بيع الغرر» (١). والغرر لغة: يطلق على معان منها: النقصان، والخطر، والجهل.

стр. 218

وفي الاصطلاح: ماجهلت عاقبته، ولا تعرف حقيقته ومقداره. وأيضًا حديث ابن عباس ﵄ في الصحيحين أن النبي ﷺ «قدم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة، والسنتين، والثلاث فقال ﷺ : «من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم». (١) فدل ذلك على أن عقود المعاوضات لابد فيها من العلم والتحرير، وأن يكون الثمن والمثمن معلومًا. بعد ذلك عقود التوثقات يخفف فيها، فهي أوسع من عقود المعاوضات. مثال ذلك: يصح ضمان المجهول إذا آل إلى العلم مع أنه في البيع لا يصح بيع المجهول، فيصح أن تقول للبقَّال: بع على هذا الشخص وأنا ضامن، مع أنك لا تدري قد يأخذ بمائة أو مائتين فالمضمون الآن مجهول، لكنه يؤول إلى العلم، بعد أن ينتهي ستعلم بكم اشترى. أو مثلًا: تقول: بعه السيارة وأنا ضامن ثمنها لك، وأنت لا تدري بكم يبيعها قد يبيعها بعشرة آلاف، أو بأحد عشر ألفًا، أو باثني عشر ألفًا، فضمان المجهول يصح إذا آل إلى العلم. كذلك المضمون، والمضمون له لا يشترط رضاهما عند طوائف من العلماء. مثال ذلك: أقول أقرض زيدًا وأنا ضامن لك، فأنا الآن أضمن زيدًا حتى لو لم يرضَ؛ لأن هذا من عقود التوثقة لكن في عقد البيع لابد أن يكون المتعاقدان متراضيين جميعًا. مثال آخر: أقول أقرض زيدًا وأنا ضامن، ولو لم يرض المضمون له، فإن الضمان يصح. وأيضًا لو جهلت المضمون والمضمون له، فإن الضمان يصح عند بعض العلماء ومنهم الحنابلة ﵏. وكذلك في

стр. 219

الكفالة أكفل زيدًا وهو لم يرضَ، وأكفل زيدًا وهو مجهول لا أعرفه، يصح ذلك. وكذلك المكفول له إذا لم يرض، أو كان مجهولًا تصح الكفالة. وكذلك أيضًا الرهن من عقود التوثقة، يصح أن أرهن الثمرة قبل بدو صلاحها. مثال ذلك: اقترضت من زيد ألف ريال وأنا عندي نخل لم يبدُ صلاح الثمر فيه حتى الآن مازال أخضر لم يحمر أو يصفر في مثل هذا الوقت، يصح أن أعطيه هذا الثمر رهنًا، مع أن البيع لا يصح لكن يصح أن أرهن هذه الثمرة قبل بدو صلاحها؛ لأن هذا من عقود التوثقة. أيضًا الزرع قبل اشتداد حبه لا يصح بيعه لكن يصح رهنه. وكذلك الأَمَة لا يصح أن تفرق بينها وبين ولدها في البيع، لكن يصح أن ترهن الأَمَة دون ولدها، فدل ذلك على أن عقود التوثقة أخف من عقود المعاوضة. أيضًا عقود التبرعات أخف وأوسع، ففي عقود التبرعات يصح أن تهب المجهول والمعدوم، فلو قلت لك: وهبتك ما في جيبي من النقود صح ذلك، لكن في البيع لا يصح أن أبيع المجهول ويصح أن أهبه ما تحمل شاتي أو شجرتي. أيضًا يصح في عقود التبرعات أن أهبك غير المقدور عليه. مثال ذلك: عندي جمل شارد فقلت: وهبتك جملي الشارد، صح ذلك، لكن بيع الجمل الشارد على من لا يقدر على تحصيله ولا يظن ذلك لا يصح لكن هبته تصح مطلقًا. أيضًا لو أن لي سيارة مسروقة، أو مغصوبة، أو منتهبة، أو مختلسة يصح هبتها لكن لا يصح بيعها على شخص لا يقدر على تحصيلها ولا يظن ذلك، فدل ذلك على أن عقود التبرعات أوسع من عقود المعاوضات ولهذا قال الشيخ ﵀: لأن ذي إن حصلت فمغنم … وإن تفت فليس فيها مغرم

стр. 220

مثال ذلك: قال: وهبتك الرقيق الآبق فإن هذه الهبة صحيحة، إن حصلت عليه فأنت غانم وإن لم تحصل عليه لم يفتك شيء، وكذا لو وهبت السيارة المغصوبة، أو المسروقة، أو المنتهبة صح؛ ففرق بين عقود المعاوضة، وعقود التبرعات، فعقود المعاوضات يدخل فيها الإنسان وهو مغامر -مخاطر- إما غانم أو غارم، أما بالنسبة لعقود التبرعات فيدخل الإنسان فيها وهو إما غانم أو سالم ففرق بين البابين. واعلم أن الأبواب في الموضوع الواحد تتفاوت، فمثلًا في التبرعات باب الوصايا أوسع من أبواب الهبات فتجد أن الفقهاء ﵏ يتوسعون في باب الوصايا مالا يتوسعون في أبواب الهبات. مثال ذلك: تصح الوصية من الصبي المميز فلو أنه أوصى بثلث ماله، كأن يكون عنده ثلاثة ملايين وأوصى بمليون يصح ذلك لكن لو أنه باع سيارة بعشرة آلاف ريال أو وهبها فلا يصح؛ لأن الوصية هنا ليس فيها ضرر، وإنما تبرع بالمال بعد الموت، إن احتاج إليه له أن يبطل الوصية، وإن لم يحتج إليه لا يزداد إلا خيرا فلو مات كان خيرًا له. • • •

стр. 221

٦٥ - وكُلُّ ما أَتَى وَلمْ يُحَدَّدِ … بالشَّرِع كالحرْزِ فبالعُرفِ احْدُدِ العرف في اللغة: يرجع إلى معنيين، قاله ابن فارس. الأول: هو إدراك الشيء على حقيقته وهو ما يقال له: المعرفة، فتقول: عرفت الشيء، وهو أخص من العلم، على ما ذكره عدد من فقهاء اللغة. الثاني: هو تتابع الشيء كما يقال للضَّبُع: عرفاء لتتابع شعر رقبتها مع طولها. وأما في الاصطلاح: هو كل قول، وفعل، وترك اعتاد عليه الناس. وقيل: بأنه ما يتكرر بين الناس ويقبلونه من الأقوال والأفعال. وعرفه شيخ الإسلام ﵀: بأنه ما تعارف عليه الناس من أمور دنياهم. و الفرق بين العرف والعادة: قيل: إن العُرف ما يختص بالأقوال. والعادة: تختص بالأفعال. وقيل: إن العادة: أعم من العُرف. والعُرف أخص من العادة. وهذا أظهر أنها أعم، فعلى هذا يكون كل عُرف عادة وليس كل عادة عُرفًا. فالعُرف: هو ما يعتاده جماعة الناس ويتعارفونه فيما بينهم من البيع، والشراء، والنكاح، وما أشبه ذلك. والعادة: هي الأمر المتكرر سواء أكان لجماعة أم لفرد، فالعُرف لا يكون عادة لفرد بل يكون عادة للجماعة فقط. يقول ﵀ في هذه القاعدة: كل ما أتى على لسان الشارع مطلقًا ولم يحده بشيء بزمان ولا مكان ولا عدد … إلخ فإننا نرجع إلى تحديده بالعُرف، وهذا يدل على اعتبار العُرف، والرجوع إلى العُرف واعتباره إحدى القواعد الخمس الكلية. ودليل هذه القاعدة قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾

стр. 222

[البقرة: ٢٢٨] وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] وقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧] وقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] وقوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]. وقال ﷺ لهند بنت عتبة ﵂: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف». (١) وأيضًا ما رواه أحمد في مسنده عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «ما رآه المسلمون حسنًا فهو حسن» قال الحاكم: إسناده صحيح ووافقه الذهبي (٢) وهذا يدخل تحته أمثلة كثيرة في العبادات والمعاملات والأنكحة … إلخ. فمن الأمثلة الداخلة على ذلك: إدراك تكبيرة الإحرام فإنه لم يحدها الشارع بشيء فنرجع فيها إلى العُرف، فإن كان هناك فاصل كثير بحيث لا يعتبر عُرفًا أنه مدرك فلا يكون مُدركًا وإن كان الفاصل يسيرًا بحيث يعتبر عُرفًا أنه مدرك فإنه يكون مُدركًا. مثال ثان: الأصل أنه يتوضأ بالماء لكن إذا كان الماء بعيدًا عُرفًا على الإنسان، فإنه يتيمم وإن كان الماء قريبًا عُرفًا فإنه لا يتيمم. مثال ثالث: إذا كان يجهل القبلة وحوله البلد نقول: إن كان قريبًا عُرفًا، فإنه لابد أن يذهب وينظر إلى القبلة، وإن كان غير قريب عُرفًا فإنه يصلي، وعلى هذا فقس. مثال رابع: في المعاملات: العيب في السلعة يُرجع فيه للعرف إذا قال أهل العُرف: إن هذا عيب يفسخ به العقد أو يؤخذ فيه الأرش فهو عيب معتبر، أما إذا قالوا: بأنه عيب يسير لا يوجب الفسخ ولا يوجب أخذ

стр. 223

الأرش فإنه لا فسخ ولا أرش. مثال خامس: الغبن. إذا غبن نرجع في ذلك إلى العرف إذا دل العُرف على أنه غبن فله الخيار، أما إذا دل العُرف على أنه ليس غبنًا وأنه يسير فلا خيار. مثال سادس: التدليس أيضًا نرجع في ذلك إلى العُرف. مثال سابع: القبض في المبيع لابد للمشتري من القبض، وأن لا يبيع حتى يقبضه، وضابط القبض يُرجع فيه إلى العُرف، والعُرف يختلف باختلاف السلع. مثال ثامن: في الحدود إذا سرق السارق فإنه تقطع يده لكن يشترط أن يسرق من حرز، وضابط الحرز يرجع فيه إلى العُرف فحرز السيارة ليس مثل حرز الدراهم، والذهب، والماشية، فالماشية حرزها في الأحواش، والخضروات حرزها وراء الشرائج، والذهب والفضة والنقود حرزها في صناديق الحديد يقفل عليها، فالحرز يختلف باختلاف الأموال، والزمان، والمكان، فيرجع في ذلك إلى العُرف. مثال تاسع: في باب الأنكحة المرأة هل يجب عليها أن تخدم زوجها أو لا؟ نرجع في ذلك إلى العرف إن كانت من نساء يخدمن أزواجهن فإنه يجب عليها أن تخدمه تغسل ملابسه، وتطبخ طعامه … إلخ، وإن كانت من نساء لا يخدمن أزواجهن فلا يجب عليها أن تخدم زوجها. مثال عاشر: نفقة الزوجة يُرجع فيها إلى العُرف. مسألة: والعُرف له شروط فليس كل عرف مقبولًا: الشرط الأول: أن يكون العرف مطردًا: أي ظاهرًا ومتكررًا بين الناس. قال ابن نُجيم في الأشباه والنظائر: (فلا عبرة بالعُرف غير المطرد، أو الأغلبي).

стр. 224

الشرط الثاني: أن يكون عامًا: فلا يكون في حي من أحياء البلد. الشرط الثالث: أن لا يخالف نصًا شرعيًا: فإذا كان كذلك فإنه يكون عُرفًا فاسدًا كالتعارف على الأمور المحرمة. الشرط الرابع: أن لا يكون طارئًا؛ أي: أنه لم يحدث إلا منذ فترة يسيرة ولم يشتهر بعد. فالعُرف ما تألفه النفوس وهذا غير معروف، وفي هذه الحال لا يكون مقبولًا قال ابن نجيم في الأشباه والنظائر: (فلا عبرة بالعرف الطارئ) وحكى الشاطبي: (الاتفاق على هذا في الموافقات). الشرط الخامس: أن لا يعارضه تصريح؛ كأن يصرح الزوج أنه سيعطي نصف المهر والباقي يكون مؤجلًا، فإنه يُعمل بهذا التصريح ويكون مخالفًا للعُرف وهو تعجيل المهر. الشرط السادس: أن يكون ظاهرًا غير خفي لتنقاس عليه المسائل، كما ذكره القرافي ﵀. مسألة: يقسم جمهور الأصوليين والفقهاء العُرف إلى قسمين: الأول: عرف قولي: كأن يعتاد الناس في بيعهم وشرائهم على صيغة معينة يعتادونها في الإيجاب والقبول، مثل أن يقول: الله يربحك أو يقول: نصيبك، أو ما أشبه ذلك. الثاني: عرف فعلي: وهو ما يعتاده الناس بينهم عن طريق العادة المتكررة، أو عن طريق العمل. ويقسمونه أيضًا إلى: عُرف عام: يعمل به أهل البلاد كلها ويتوارثه الناس في كل البلاد. وعُرف خاص: يعمل به مجموعة من الناس ويكون في بلد معين. • • •

стр. 225

٦٦ - منْ ذاكَ صِيغاتُ العُقُودِ مُطلقًا … ونحوُها في قَولِ مَنْ قَدْ حَقَّقَا قوله: [صيغات العقود]: جمع صيغة، يقال صاغ شعرًا أو كلامًا: أي وضعه. وفي الاصطلاح: ما دل على انعقاد العقد من قول، أو فعل يرجع فيها إلى العُرف. وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (أن العقود تنعقد بكل ما دل عليه العُرف من قول، أو فعل متعاقب، أو متراخ). فالبيع ليس له صيغة خاصة بل ينعقد بأي صيغة دل عليها العُرف. إذا قال: بعتك السيارة بألف ريال، أو ملكتك السيارة بألف ريال، أو وهبتك السيارة بألف ريال فإنه ينعقد ليس له صيغة محددة. وكذلك الشركة ليس لها صيغة محددة والإجارة، والمساقاة، والمزارعة … إلخ من صيغ العقود وأيضًا النكاح هل له صيغة محددة أو لا؟. المشهور من المذهب ومذهب الشافعية: أنه لابد أن يكون بلفظ الإنكاح أو التزويج قالوا: لأن هذين اللفظين هما اللذان وردا في الكتاب والسنة قال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢]. وقال ﷺ في حديث ابن مسعود ﵁ في الصحيحين: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج» (١) وقال ﷺ : «تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم» (٢). والصواب أن النكاح كغيره ولهذا أشار الشيخ ﵀ بقوله: [مطلقًا]

стр. 226

يعني النكاح، وغير النكاح لا نستثني شيئًا. قوله: [في قول من قد حققا]: يعني من أصاب في هذه المسألة وبلغ التحقيق فيها كشيخ الإسلام ﵀. ويدل لذلك: حديث سهل بن سعد ﵁ أن النبي ﷺ : قال للرجل في قصة الواهبة: «ملكتكها بما معك من القرآن». (١) فالصواب: لا نستثني شيئًا النكاح أو غيره، فسائر العقود تنعقد بما يدل عليه العُرف؛ لأن هذا مطلق على لسان الشارع ولم يقل النبي ﷺ : بيعوا واشتروا بلفظ كذا، وأيضًا لم يرد في الكتاب بيعوا أو أجروا بلفظ كذا وكذا، ولم يرد ذلك في سنة النبي ﷺ . • • •

стр. 227

٦٧ - واجْعَلْ كَلَفْظٍ كُلَّ عُرْفٍ مُطَّرِدْ … فَشَرطُنَا العُرفيُّ كَاللفْظِيْ يَرِدْ هذه أيضًا قاعدة في الشروط في العقود: [أن الشرط العُرفي كالشرط اللفظي] وسيأتي تعريف الشرط في العقد، والفرق بين شرط العقد، والشرط في العقد عند قول المؤلف ﵀: والشرط والصلح إذا ما حللا … محرمًا أو عكسه لن يقبلًا فيجب الوفاء به لعموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]. والأمر بإيفاء العقد يتضمن الأمر بإيفاء أصله ووصفه، ومن وصفه الشرط فيه لحديث أبي هريرة ﵁ في البخاري معلقًا بصيغة الجزم «المسلمون على شروطهم» (١) وحديث عقبة ﵁ «إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج» (٢) والشروط التي يشترطها أحد العاقدين إما أن تكون لفظية مثل أن يقول: «بعتك السيارة بشرط أن أستعملها يومًا أو يومين، وإما أن تكون عرفيه تعارف الناس على ذلك، فنقول: بأن الشرط العرفي كالشرط اللفظي في وجوب الوفاء به. ومن ذلك: أن علي بن أبي طالب ﵁ أراد أن يتزوج على فاطمة ﵂ فقال النبي ﷺ : «فاطمة بضعة مني يريبها ما يريبني» (٣) قال ابن القيم ﵀: «هذا دليل على أن الشرط العرفي كالشرط اللفظي؛ لأن الإنسان إذا تزوج من قوم لا يتزوج على نسائهم فإنه ليس له أن يتزوج على هذه

стр. 228

المرأة؛ لأنه دخل على بصيرة وشرط، وأن هذه المرأة لا يتزوج عليها فليس له أن يتزوج على امرأته». ومثل ذلك: كل من نصب نفسه للعمل للناس (سمسارًا) يبيع لهم وتعارف الناس على أنك إذا أعطيته السلعة فباعها فإن له كذا وكذا، فهذا شرط عرفي حتى وإن لم يقل: بشرط أن لي كذا وكذا، مادام أن الناس تعارفوا أنه يعمل بنسبة كذا وكذا، أو أنه يصنع هذا الطعام أو يغسل أو يخيط بكذا وكذا - فإنه وإن لم يشترطه عليك - له ذلك بناء على أن الشرط العرفي كالشرط اللفظي. • • •

стр. 229

٦٨ - وشَرْطُ عَقْدٍ كوْنُه منْ مَالكِ … وكلُّ ذِي ولايَةٍ كالمالكِ يشترط في العقود أن تكون من مالك أو من يقوم مقامه. والدليل على ذلك: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فقال «تداينتم» فهذا يدل على أنه لابد أن يكون العقد بين مالكين. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] ومن أَكْل أموال الناس بالباطل أن يبيع الشخص مال غيره، أو يؤجره، أو يعقد عليه عقد شركة، أو مساقاة، أو مزارعة بغير إذنه ورضاه … إلخ. هذا كله من أكل أموال الناس بالباطل. ولحديث حكيم بن حزام قال: قال النبي ﷺ : «لا تبع ما ليس عندك» (١) وإذا باع ملك غيره فإنه يبيع ما ليس عنده. قوله: [وكل ذي ولاية كالمالك]: أي يشترط في العقد أن يكون من مالك، أو من ينوب مناب المالك، والذي ينوب مناب المالك خمسة: الأول: الناظر: وهو الذي يلي أمر الوقف، فهذا قائم مقام المالك يبيع في الوقف ويشتري؛ حسب المصلحة فهذا استفاد التصرف من المُوقِف أو الحاكم. الثاني: الوصي: وهو الذي استفاد التصرف من المالك بعد الموت، فإذا وصى أن زيدًا يقوم على وصيته وأنه يبيع فيه ويشتري حسب المصلحة فإنه قائم مقام المالك. الثالث: الولي: وهو القائم على أموال القُصَّار من المجانين، وغير البالغين، والسفهاء، فهذا قائم مقامهم يبيع ويشتري لهم بالأحظ قال

стр. 230

تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] ولقول عمر ﵁ «ابتغوا بأموال اليتامى لا تأكلها الصدقة». (١) الرابع: الوكيل: هو الذي استفاد التصرف من المالك حال الحياة، فإذا وكل شخصًا أن يبيع له وأن يشتري فإنه يكون قائمًا مقام المالك. ويدل لذلك: أن النبي ﷺ : «وكّل عروة بن الجعد ﵁ أن يشتري له أضحية». (٢) الخامس: الحاكم يبيع مال المدين؛ لكي يوفي الدين الذي عليه، أو يبيع مال الشخص؛ لكي ينفق على أهله فالإذن هنا من جهة الشرع. وقول المؤلف: [وشرط عقد كون من مالك … ]: يفهم منه عدم صحة عقد الأجنبي - غير المالك - ولو أجازه المالك، وهو ما يسمى بالتصرف الفضولي. والصواب: أن التصرف الفضولي ينفذ في كل ما تدخله النيابة من العبادات، والمعاملات، والأنكحة، والكفارات. والأدلة على هذا كثيرة منها: حديث عروة بن الجعد ﵁ «أن النبي ﷺ وكله في شراء شاة بدينار، وفي الطريق باع الشاة بدينارين، واشترى بدينار شاة أخرى، فرجع للنبي ﷺ بدينار وشاة» رواه البخاري ومسلم. (٣) • • •

стр. 231

٦٩ - وكلُّ مَنْ رِضاه غيرُ مُعْتَبَرْ … كَمُبْرإٍ فعلمُهُ لا يُعْتَبَرْ هذه قاعدة: [أن كل من لا يعتبر رضاه لا يعتبر علمه]. وأدلة هذه القاعدة كثيرة منها: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] فأباح الله الطلاق، سواء أكان ذلك برضا المرأة أم بغير رضاها، بعلمها أو بغير علمها، فالطلاق يقع حتى وإن لم تعلم المرأة ومن الأدلة: قوله ﷺ : «لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن شاء أمسك، وإن شاء ردها وصاعًا من تمر». (١) وتصرية الإبل: ربط أخلافها حتى يجتمع اللبن فيظن المشتري أن هذا هو عادتها فيشتريها، فإن اشتراها فهو بخير النظرين إذا تبين له أن البائع قد دلس عليه إن شاء أن يفسخ ويرد صاعًا من تمر مقابل الحليب الذي أخذ، وإن شاء أن يمسك فإذا فسخ فله ذلك رضي البائع أو لم يرضَ، علم أم لم يعلم. ومن صور هذه القاعدة: الصورة الأولى: الفسخ لِلعيب، فلو أن المشتري وجد في السلعة عيبًا، فله أن يفسخ وإن لم يعلم البائع وإن لم يرضَ. الصورة الثانية: لو أن المشتري وجد البائع قد غبنه في الثمن، فله أن يفسخ وإن لم يعلم البائع؛ لأنه لا يشترط رضاه. الصورة الثالثة: لو أن المشتري وجد أن البائع قد دلس عليه فأظهر المبيع الرديء بصورة جيدة، أو الجيد بصورة أجود، فله أن يفسخ وإن لم يعلم البائع؛ لأن البائع لا يشترط رضاه فإذا كان لا يشترط رضاه لا يشترط علمه.

стр. 232

الصورة الرابعة: إذا طلق زوجته وهي لم تعلم، وهو في مكان، وهي في مكان آخر فقال: زوجتي طالق، فيقع عليها الطلاق حتى ولو كرهت ذلك؛ لأن الزوجة لا يعتبر رضاها. الصورة الخامسة: أعتق رقيقه فالعتق ينفذ ولو كره الرقيق؛ لأنه لا يعتبر رضاه فكذلك لا يعتبر علمه. الصورة السادسة: الشفيع له أن يأخذ بحق الشُّفعة وإن لم يعلم المشتري؛ لأن المشتري لا يعتبر رضاه فكذلك لا يعتبر علمه. مثال ذلك: زيد وعمرو شريكان في أرض، فزيد باع نصيبه على صالح، الشريك عمرو له أن يُشفِّع على صالح وإن لم يعلم صالح فيقول: شفعت ويأخذ النصيب الذي باعه شريكه زيد على صالح ويُعطي صالحًا الثمن الذي دفعه لزيد ويستقل بكل النصيب فيشفع حتى وإن لم يعلم المشتري؛ لأن المشتري لايشترط رضاه فلا يشترط علمه. ومثل ذلك: المضمون والمضمون له، والمكفول والمكفول له … إلخ هؤلاء كلهم لا يشترط علمهم؛ لأنه لا يشترط رضاهم فيصح أن أضمن زيدًا من الناس وإن لم يعلم زيد؛ لأنه لا يشترط رضاهم أو أكفل لزيد أو أكفل زيدًا. • • •

стр. 233

٧٠ - وكُلُّ دَعوَى لِفسادِ العَقْدِ … مَعَ ادِّعاءِ صِحَّةٍ لا تُجْدِي قوله: [دعوى]: الدعوى: إضافة الإنسان لنفسه حقًا على غيره، والمراد ادعاء فساد العقد، وعدم ترتب أثر العقد من انتقال الملكية ونحو ذلك. والعقد الفاسد: هو الذي عاد النهي فيه إلى عين المعقود عليه، أو اختل شرط من شروط صحته، أو وجد مانع يمنع صحته. والعقد الصحيح: هو ما توفرت شروطه، وانتفت موانعه. الأصل في العقود السلامة؛ أي: أنها وقعت على وجه الصحة. ويدل لذلك: عمومات أدلة العقود كقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] فالله تعالى أباح البيع فدل ذلك على أن الأصل فيه أنه وقع على وجه السلامة والصحة فلك أن تبيع ما اشتريته سابقًا، فدل على أن عقد الشراء السابق وقع على وجه الصحة، وكقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] وقوله ﷺ : «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج» (١) وعلى هذا كل دعوى تنافي هذا الأصل، فلابد فيها من البينة قال ﷺ : «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر» (٢)، وهذا يكون في عقود المعاوضات، والتبرعات، والأنكحة … إلخ. مثال ذلك: في عقود المعاوضات، لو أنه باع السيارة ثم بعد أن تم البيع ادعى البائع أن البيع غير صحيح لوجود مانع؛ لأن البيع وقع بعد نداء الجمعة الثاني، أو لأن البيع وقع بعد أن تضايق وقت المكتوبة وهو لم يصلها فنقول: الأصل السلامة وأن البيع صحيح، ولابد من دليل يدل على أن البيع وقع بعد نداء الجمعة الثاني، أو أن البيع وقع بعد أن

стр. 234

تضايق وقت المكتوبة. أيضًا إذا باع ثم ادعى أحد المتعاقدين انتفاء شرط، مثل أن يكون الثمن أو المثمن مجهولًا … إلخ فالأصل في البيع السلامة لابد من دليل يدل على صحة قول من يدعي الفساد. وقل مثل ذلك: في الإجارة، والشركة، والمزارعة، الأصل في هذه العقود أنها وقعت على وجه السلامة، فلابد من دليل يدل على الفساد. ومثل ذلك في عقود التبرعات: الهبة، والوقف، والوصايا، لو أنه وهب زيدًا كتابًا، ثم ادعى أن هذا الكتاب الذي وهبه ليس ملكًا له وأن هذه الهبة فاسدة، فهذه الدعوى باطلة لابد من الدليل على أن هذا الكتاب ليس ملكًا له، أو أنه وقف وقفًا ثم ادعى أن هذا الوقف الذي أوقفه مرهون والمرهون لا يصح وقفه، فلابد من الدليل الذي يدل على ما ذكر من فساد عقد الوقف. وكذلك لو زوج ابنته ثم ادعى فساد العقد؛ لفقد شرط فلابد من الدليل على هذا الفساد. • • •

стр. 235

٧١ - وكُلُّ مَا يُنكِرهُ الحِسُّ امنَعَا … سَمَاعَ دَعْواهُ وضِدَّهُ اسْمعَا قوله: [الحس]: هو الإدراك بإحدى الحواس الخمس. والمراد به هنا: مالا يتصور وقوعه، ولو على وجه بعيد. كل دعوى ينكرها الحس فإن القاضي لا يسمعها أصلًا ولا ينظر فيها. فالدعوى تنقسم قسمين: القسم الأول: دعوى يقرها الحس. القسم الثاني: دعوى ينكرها الحس. الدعوى التي ينكرها الحس: لا يسمعها القاضي ولا ينظر فيها، ولا يستمع لقول المتخاصمين ولا ينظر في شهودهما. أما إذا كان الحس يقرها: فإن القاضي ينظر في أقوال المتخاصِمَين، والبينات من الشهود، وغيرها. مثال: (الدعوى التي ينكرها الحس): لو أن المرأة ادعت أن عدتها انقضت، وعدتها ثلاث حيض فادعت أنها حاضت ثلاث حيض في عشرين يومًا، وأن زوجها الذي طلقها لا يتمكن من مراجعتها، فهذه دعوى ينكرها الحس؛ لأنه لا يمكن أن تحيض امرأة ثلاث حيض في عشرين يومًا. المثال الثاني: لو أن شخصًا ادعى أن هذا الولد ولده، وهذا الولد له عشر سنوات، وعمر المدعي خمس عشرة سنة، فهذه الدعوى ينكرها الحس، فلا يمكن أن يولد لمن له خمس سنوات، وعلى هذا لا يسمعها القاضي ولا ينظر فيها. المثال الثالث: لو أن شخصًا في أقصى المغرب ادعى على شخص في أقصى المشرق أنه سرق منه، أو أنه اعتدى عليه في تلك الليلة وهو في أقصى المشرق، بحيث أنه لا يمكن أن يأتي في ذلك الوقت فهذه دعوى ينكرها الحس فلا ينظر إليها القاضي.

стр. 236

المثال الرابع: لو ادعى شخص معروف فقره أموالًا عظيمة على شخص آخر، وأنه أخذها منه قرضًا أو غصبًا … إلخ ولم يُعهد أن هذا الفقير قد أصاب مثل ذلك المال بإرث أو نحوه، فإن هذه الدعوى لا تقبل ولا يلتفت إليها. • • •

стр. 237

٧٢ - بيَّنةً أَلْزِمْ لكُلِّ مُدَّعِ … وَمُنْكِرًا أَلْزِمْ يمينًا تُطِعِ قوله: [بينة]: البينة: الحجة الواضحة. ويأتي المراد بها عند العلماء. وقوله: [مدع]: المدعي: هو المطالِب، والمدعى عليه هو المطالَب. وقيل: المدعي: من إذا ترك الخصومة لم يجبر عليها. والمدعى عليه: إذا ترك الخصومة يجبر عليها. وقيل: المدعي: من يخالف قوله الظاهر. والمدعى عليه: من يوافق قوله الظاهر. وقال ابن قدامه ﵀: (يحتاج إلى جهد القاضي). وقال ابن المسيب ﵀: (أيما رجل عرف المدعي من المدعى عليه لم يلتبس عليه ما يحكم بينهما). هذه قاعدة وهي: [البينة على المدعي، واليمين على من أنكر] فإذا ادعى شخص على شخص شيئًا؛ كأن يريد منه مالًا، أو أن عليه دينًا، أو ادعى عليه عقدًا، أنه باعه، أو اشترى منه، فنقول: يجب على المدعي البينة، فإذا لم يكن بينة فإن على المدعى عليه اليمين. مسألة: الحقوق التي تشرع فيها اليمين والتي لا تشرع فيها اليمين تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: حقوق الله تعالى: أ- الحدود؛ كالزنا، والسرقة فلا تشرع فيها اليمين بلا خلاف، إلا إذا تضمن إثبات حق لآدمي؛ كأن يدعي عليه سرقة ماله ليضمنه فيثبت الحق دون القطع. ب - الحقوق المالية، كدعوى أن الحول قد تم، وأن الزكاة وجبت، فعند الحنابلة لا يستحلف، وعند الشافعي: يستحلف. القسم الثاني: حقوق الآدميين:

стр. 238

أ - المال وما يقصد به المال تشرع فيه اليمين بلا خلاف. ب - ما ليس بمال ولا يقصد به المال كالقصاص، وحد القذف، والطلاق، والرجعة، والنسب … إلخ. فالشافعي والإمام أحمد: يستحلف، وأبو حنيفة ومالك: لا يستحلف. لقوله ﷺ : «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر» (١) والظاهر: الرجوع إلى اجتهاد القاضي. وقوله: [بينة ألزم]: ما المراد بالبينة؟ في هذه المسألة خلاف بين أهل العلم ﵏: الرأي الأول: أن البينة مختصة ببينة الشهود فقط، وهو رأي جمهور أهل العلم. ويستدلون على ذلك: بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤] وقوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. الرأي الثاني: أن البينة ليست خاصة بالشهود، بل هي كل ما يُبيّن الحق ويظهره من القرائن، والشهود، والوثائق، والكتابات والعادات، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله. مثال العادات: لو أن الزوج طلق زوجته وادعى الزوج أن حلي المرأة له، وادعت الزوجة أن الكتب التي للزوج لها، فالعادة تكذب ذلك، فالحلي يكون للمرأة، والكتب تكون للزوج فما اختص بالمرأة يكون للمرأة، وما اختص بالرجل يكون له وهذا القول هو الصواب. ويدل لذلك: أولًا: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الحديد: ٢٥] والبينات التي أرسلت بها الرسل ليست هي الشهود، بل هي الدلائل الواضحات على صدقهم من الآيات الشرعية والكونية.

стр. 239

ثانيًا: أن الشارع اعتبر القَافَة في إثبات النسب، ففي حديث عائشة أن النبي ﷺ دخل عليها مسرورًا تبرق أسارير وجهه فقال: «ألم تري إلى مُجَزِّزًا المُدْلِجي؟ نظر إلى أقدام زيد بن حارثة وأسامة وقد غطيا رأسيهما بقطيفة فقال: «إن هذه الأقدام بعضها من بعض» (١) وهذه قرينة على أن أسامة ابن لزيد ولم يكن هناك شهود. ثالثًا: حديث أبي قتادة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من قتل قتيلًا له عليه بينة فله سلبه» (٢) والبينة هنا ليست الشهود بل كل ما يبين الحق ويظهره. رابعًا: الخلفاء ﵃ عملوا بالقرائن في إثبات الحدود فقال عمر ﵁ كما في الصحيحين «ألا وإن الرجم حق على من زنى وقد أحصن إذا قامت البينة، أو كان الحَبَل أو الاعتراف» (٣) فالحَبَل قرينة على الزنا فإذا حملت امرأة ليس لها زوج ولا سيد فإن هذا قرينة على زناها. وكذلك عثمان ﵁ جَلَد من تقيأ الخمر (٤) وأنه لم يتقيأ الخمر إلا لكونه شربها وأما قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] هذا ليس في القضاء بالحق، إنما هو في إثبات الحق، وفرق بين القضاء في الحقوق وتمييز الحقوق وبيان أصحابها. ففي الفصل في الحقوق، والخصومات قد تكون البينة أعم من هذه الأشياء والله سبحانه ذكرها في معرض إثبات الحقوق لا في معرض الفصل في الخصومات. • • •

стр. 240

٧٣ - كُلُّ أمِينٍ يدّعي الرَّدَّ قُبِلْ … مَالمْ يَكُنْ فِيمَا لَه حظٌّ حَصَلْ الأمين: هو كل من قبض المال بإذن الشارع، أو بإذن المالك. ويدخل في ذلك صور وقد تقدم بيان ذلك. (١) إذا قبض الأمين المال، ثم ادعى رده هل يقبل قوله؟ مثال ذلك: قال الموكِّل للوكيل: أنا أعطيتك السيارة تبيعها أعطني السيارة قال: أنا رددتها عليك، أو قال المُعِير: أنا أعطيتك الكتاب رده علي قال المستعير: أنا رددته عليك … إلخ، أو المستأجِر قال للمؤجر: رددت عليك السيارة أو المودَع قال للمودِع: رددت عليك الوديعة، هل هذا الأمين يقبل قوله في الرد أو لا يُقبل؟ المؤلف ﵀ فصّل في هذه المسألة: وأن الأمين فيما يتعلق بالرد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: من قبض المال لحظ نفسه ولذلك أمثلة: المثال الأول: المرتهن إذا أقرض شخصًا، وقبض السيارة من مالكها - الراهن - توْثِقَة، فإنه أمين على هذه السيارة، لكن قبضها لحظ نفسه لكي يتوثق من ماله. المثال الثاني: إذا استعار شخص سيارة، فإنه أمين عليها، ويكون قبضها لحظ نفسه. القسم الثاني: أن يكون قبض العين لحظ نفسه، ولحظ المالك، ولذلك أمثلة: المثال الأول: إذا أعطيت شخصًا ألف ريال لكي يُضارب فيه يعمل ويتاجر فيه، وله جزء من الربح ولك جزء من الربح يكون قبض المال لحظ المالك وحظ القابض؛ لأن المالك سيكون له حظ من الربح وأيضًا المضارب له حظ من الربح. المثال الثاني: الشريك قبض المال لحظ الشريك ولحظه هو. يعني

стр. 241

لحظهما جميعًا. المثال الثالث: الوكيل بجعْل، إذا وكَّلت زيدًا يبيع السيارة بمائة ريال هو الآن قبضها لحظ مالكها؛ لأن المالك ستُباع سيارته وأيضًا لحظ الوكيل؛ لأن الوكيل سيبيع له بجعل. فهذان القسمان المذهب أنه لا يقبل قول الأمين في الرد. الرأي الثاني: يقبل قوله كما سيأتينا إن شاء الله. (١) القسم الثالث: أن يكون القبض لحظ المالك فقط، والأمين ليس له حظ في القبض. ومن الأمثلة على ذلك: المثال الأول: الوديعة، المودَع قبض المال لحظ المالك، والأمين سيقوم بالحفظ فقط. المثال الثاني: الوكيل إذا كان متبرعًا، قبض السيارة من صاحبها لكي يبيعها له فالقبض هنا لحظ المالك. المثال الثالث: ناظر الوقف إذا كان متبرعًا، فإنه قبض لحظ الموقوف عليه، فيقبل قوله في الرد، وكذا المودَع لو قال: رددت الوديعة نقبل قوله، وكذلك الوكيل إذا كان متبرعًا فيقبل قوله؛ لأنه قبضها لحظ مالكها. والصواب في هذه المسألة: أن الأمين يقبل قوله في الرد مطلقًا سواء قبضه لحظ نفسه، أو لحظهما جميعًا، أو لحظ المالك؛ لأنه أمين ومقتضى الأمانة أن نقبل قوله، وإذا كان الأمين إذا تلفت السلعة تحت يده لا ضمان عليه فالرد من باب أولى، فإذا تلفت السلعة تحت يده وهو لم يتعدَّ ولم يفرط لا نضمنه، فكذلك إذا ادعى الرد فإننا نقبل قوله. ودليل ذلك: قوله تعالى: ﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣] وهذا ليس ظالمًا؛ لأنه قبض بإذن المالك، أو بإذن الشارع، فإذا كان

стр. 242

كذلك فإنه لا ضمان عليه. • • •

стр. 243

٧٤ - وَأطْلِقِ القَبُولَ في دَعْوَى التلَفْ … وكُلُّ مَنْ يُقْبَل قولُه حَلَفْ الأمين يقبل قوله في التلف، مثال ذلك: المستأجر أمين إذا ادعى تلف السيارة نقبل قوله، أو ادعى المودَع أو المستعير سرقة الوديعة أو العارية، فإنه يقبل قوله إن تلفت العين تحت يديه، فكل الأمناء إذا تلفت العين تحت أيديهم لا ضمان عليهم سواء كان قبضه لهذه العين لحظ نفسه، أو لحظ المالك، أو لحظهما جميعًا، والمؤلف ﵀ فرّق بين مسألة الرد، وبين مسألة التلف. والصواب: أنه لا فرق بين هاتين المسألتين، وأن الجميع لا ضمان عليهم فيقبل قوله في الرد وأيضًا إذا تلفت، لكن إن تعدى، أو فرط فإنه يضمن. والتعدي: فعل ما لا يجوز. والتفريط: ترك ما يجب. مثال ذلك: المستأجر أمين، إذا تلفت السيارة تحت يده وهو لم يتعد ولم يفرط يسوق بقيادة نظامية، ثم تلفت السيارة فلا ضمان عليه، لكن لو تعدى بفعل ما لا يجوز، استأجرها لكي يقودها في البلد، ثم خرج بها إلى خارج البلد وحصل عليه حادث، أو أسرع فوق السرعة النظامية فإنه فعل شيئًا لا يجوز فيضمن. والتفريط ترك ما يجب، ومن الأمثلة على ذلك: المثال الأول: السيارة التي استأجرها، بدلًا من أن يقفلها تركها مفتوحة وهو يجب عليه أن يقفلها، فجاء شخص وسرقها وسرق ما فيها فإنه يضمن. المثال الثاني: الوديعة. أيضًا لا يضمن إلا إذا تعدى؛ أي: فَعَل شيئًا لا يجوز له، أعطاه السيارة وديعة فذهب وقاد السيارة فلا يجوز؛ لعدم الإذن في الاستعمال، فإذا تلفت فإنه يضمن؛ لأنه فعل شيئًا لا يجوز. المثال الثالث: أعطاه الكتاب ليحفظه فبدلًا من أن يحفظ الكتاب مع الكتب وضع الكتاب في فناء البيت، فأصابته الرياح، أو الأمطار، أو

стр. 244

الشمس حتى تلف فإنه يضمن؛ لأنه ترك الواجب. فالأمين يقبل قوله في التلف بلا بينة إلا إذا ادعى التلف بأمر ظاهر فإنه يكلف بالبينة. مثال ذلك: استعار الكتاب ثم قال: البيت احترق واحترق معه الكتاب، أوغرق بالمطر … إلخ فلابد أن يكلف البينة؛ لأنه إن كان صادقًا فبإمكانه أن يقيم البينة على هذا الأمر الظاهر من حريق أومطر … إلخ. قوله: [وكل من يقبل قوله حلف]: ما دمنا نقبل قوله فإنه لابد أن يحلف. فكل أمين يقبل قوله في التلف، لكن يحلف. مثال ذلك: رجل أعرته، أو أودعته فادعى التلف فيقبل قوله، لكن يحلف. • • •

стр. 245

٧٥ - أدِّ الأمانَ لِلذي قدْ أَمَّنَكْ … ولا تَخُنْ مَنْ خَان فَهْوَ قدْ هَلك هذه قاعدة: [يجب على الإنسان أن يؤدي الأمانة إلى من ائتمنه ولا يخن من خانه] ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨]. وفي الحديث الضعيف «أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك» (١) فمن ائتمنك يجب عليك أن تؤدي الأمانة إليه، وأن لا تتعدى ولا تفرط وأن تحفظها. فمثلًا: الوكيل ائتمنك على السلعة أو العين التي وكلك عليها، أو المودع ائتمنك على الوديعة، أو المعير ائتمنك على العارية، أو أموال الأيتام والمجانين والقصّار أنت أمين على هذه الأشياء، أو الشريك ائتمنك على مال الشركة يجب عليك أن تؤدي هذه الأمانة إلى أهلها وتحفظها لهم بما يقتضي الحفظ وأن لا تتعدى ولا تفرط لما تقدم من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾. قوله: [ولا تخن من خان فهو قد هلك]: لا تخن من خانك، فزيد جحد لك مالًا؛ كأن أقرضته ألف ريال ثم بعد ذلك جحد هذه الألف، ثم اشتريت منه سلعة بثمن مؤجل فهل تخونه أو لا؟ يقول المؤلف: من خانك فلا تخنه أعطه الذي يريد منك، وكذا لو تمكنت من شيء من ماله، يقول المؤلف ﵀: لا تأخذه، إذن فما هو الطريق؟ الطريق أن ترفع أمره إلى القاضي والقاضي يخلص حقك منه؛ لأن هذا الأمر لو فُتِح لأدى ذلك إلى التلاعب فكل من يأخذ مال

стр. 246

شخص ويدعي أنه يريد من هذا الشخص كذا وكذا وأنه جحده … إلخ، ويأتي تمام هذا في قوله: • • • ٧٦ - وَجَائِزٌ أخذُك مالا استُحِقْ … شَرعًا ولو سِرًّا كَضَيفٍ فهْو حَقْ هذه المسألة يسميها العلماء ﵏ بمسألة الظَفَر وهي أن يظْفَر الإنسان بمال لشخص له حق عنده جحده إياه فهل له أن يأخذ منه هذا المال بدلًا من حقه أو لا؟ هذه المسألة تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: أن يكون السبب ظاهرًا، فهذا لك أن تأخذ من ماله حقك الذي تريد منه، ويدخل في ذلك نفقة الأولاد، والزوجة، وحق الضيف كما قال الشيخ ﵀ هنا، فسبب نفقة الزوجية ظاهر، وسبب نفقة الأولاد والقرابة أمرها ظاهر، وسبب نفقة الضيف الضيافة أمرها ظاهر، فالزوجة إذا لم ينفق عليها زوجها وقصر في نفقتها الواجبة ثم ظفرت بشيء من ماله، فلها أن تأخذ من ماله بقدر الواجب، والأولاد أو الأقارب إذا قصّر قريبهم في الإنفاق عليهم ثم ظفروا بشيء من ماله، فلهم أن يأخذوا الكفاية أو تمامها. ودليل ذلك: حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لهند لما شكت إليه أبا سفيان أنه رجل شحيح قال ﷺ : «خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك، ويكفي بنيك». (١) أيضًا رخص النبي ﷺ للضيف إذا امتنع المُضيف أن يأمر له بحقه، أن يأخذ حقه منه كما في حديث عقبة بن عامر ﵁ «إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم». (٢) القسم الثاني: أن يكون السبب خفيًا مثل القرض، وثمن المبيع، وقيمة المتلف، والوديعة، والعارية … إلخ، فليس لك أن تأخذ فإذا جحد

стр. 247

وديعتك، أو عاريتك، أو أقرضته وجحد القرض، أو بعت عليه بثمن، مؤجل وجحد الثمن، أو أتلف مالك وجحد القيمة، فليس لك أن تأخذ منه إذا ظفرت بشيء من ماله فلا تخن من خانك، وإنما ترجع إلى القاضي فتأخذ حقك منه؛ لأن فتح هذا الباب يؤدي إلى التلاعب والفوضى … إلخ. وذهب الشافعي وقول في مذهب أبي حنيفة ومالك إلى أنه يجوز أن يأخذ، فمن كان يطلب إنسانًا دينًا قال الشافعي: إنه يجوز له أن يأخذ حقه. وقال بعضهم: إنه يجوز أن يأخذ إذا كان لا يمكن إثباته عند القاضي، أما إذا كان يمكن إثباته عند القاضي؛ كأن يكون الذي عليه الدين مقر به، أو عنده بينِّه فقالوا: لا يجوز في هذه الحال أن يأخذ؛ لأنه ينسب إلى الخيانة والسرقة عند خفاء السبب، وكما تقدم قال ﷺ «أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك». (١) وفصّل بعض العلماء بين الشيء اليسير، فلك أن تأخذ حقك من ماله، وبين الكثير فليس لك أن تأخذ. • • •

стр. 248

٧٧ - قد يَثْبُتُ الشَّيءُ لغيرِهِ تَبَعْ … وإنْ يَكُنْ لوِ استَقَلَّ لا مْتَنَعْ هذه قاعدة: [يثبت تبعًا مالا يثبت استقلالًا]: التبع: هو المشارك لغيره في الحكم. والمعنى أن هذا التبع يثبت له حكم متبوعه، والحكم لا يثبت له لو كان مستقلًا، وإنما اكتسبه من تَبَعِه لغيره. والاستقلال: الانفراد في الحكم لوحده. ومعنى القاعدة: [أن الشيء قد يكون له حكم حال الانفراد عن غيره، ولكن إذا اشترك مع غيره وتبعه فإنه يتغير حكمه لحكم متبوعه، ولا يصح هذا الحكم له لو كان منفردًا]. وللفقهاء ألفاظ أخرى تدل على القاعدة أو قريب منها كقولهم: [قد يثبت الشيء ضمنًا وحكمًا ولا يثبت قصدًا]، وقولهم: [يغتفر في التوابع مالا يغتفر في غيرها]، وقولهم: [التابع تابع]، وقولهم: [التابع لا يفرد بحكم]. ويدل لذلك: أن النبي ﷺ «حرّق نخل بني النضير» (١) وهذا جائز لما فيه من النكاية بالعدو، لكن هذا التحريق يؤدي إلى تعذيب الحيوانات بالنار من الحشرات والطيور فتعذيب هذه الأشياء إذا كانت على وجه الاستقلال محرم ولا يجوز؛ لأنه لا يعذب بالنار إلا رب النار لكنه جاز تبعًا لغيره، فلما كان التحريق فيه مصلحة، فعله النبي ﷺ مع أنه سيترتب على ذلك أن يحرق شيئًا من الحيوانات فنقول: يثبت تبعًا مالا يثبت استقلالًا فلما كان تابعًا لغيره جاز ذلك، وكذلك الفلاح يحرق أرضه لما يترتب على ذلك من المصلحة في الأرض؛ ولأن التابع أيسر من المستقل فهو داخل في ضمنه وفي حكمه، ومن ذلك المأموم يسجد مع الإمام

стр. 249

سجود السهو وهو لم يسهو وإنما سها الإمام فنقول: زاد هنا تبعًا للإمام. ومن الأمثلة أيضًا: يأتي المأموم، والإمام في الركعة الثانية، فيدخل معه، فهي الركعة الثانية للإمام والركعة الأولى للمأموم، فالإمام سيجلس للتشهد فيتابعه المأموم ويجلس للتشهد مع أن هذا ليس موضع جلوس له؛ لأنها الركعة الأولى بالنسبة له. ومن الأمثلة: السوس في التمر لا يجوز أن تأكلها استقلالًا لكن لو أكلت التمرة وما فيها من سوس فإن هذا جائز ولا بأس به. ومن الأمثلة: ثمرة النخل لا يجوز أن تبيعها حتى يبدو صلاحها، فإذا بدا الصلاح ولو في بسرة واحدة جاز لك أن تبيع البسر وهو أخضر لم يحمّر أو يصفّر. ومن الأمثلة: الصلاة لا تجوز النيابة فيها؛ أي: مَنْ يصلي عن فلان، لكن لو حج عن إنسان حي أو ميت جاز له أن يصلي ركعتي الطواف وتدخل ركعتا الطواف تبعًا لا استقلالًا. وكذلك ذكاة الجنين ذكاة أمه فيحل بذكاة أمه إذا خرج ميتًا ولا يحتاج إلى ذكاة أما لو خرج حيًا فلا يحل إلا بذكاة. ومن الأمثلة: المجهول لا يجوز لك أن تبيعه، فالحمل على وجه الاستقلال لا يجوز لك أن تبيعه، لكن تبيع الشاة وفيها حمل يجوز؛ لأنه تابع؛ لأن الحمل قد يكون ذكرًا، وقد يكون أنثى، وقد يكون واحدًا، وقد يكون اثنين … إلخ. وكذلك اللبن على وجه الاستقلال في الضرع لا يجوز بيعه؛ لأنه مجهول لكن تبيع الشاة أو البقرة … إلخ وفيها اللبن فهذا جائز؛ لأنه يثبت تبعًا مالا يثبت استقلالًا. ومن الأمثلة: لو حلف أن لا يشتري صوفًا فاشترى شاة على ظهرها صوف، لم يحنث لأن الصوف هنا لم يكن مستقلًا، وإنما تابع للشاة.

стр. 250

وهذه القاعدة متفق عليها بين الفقهاء فقد حكى الاتفاق غير واحد ومنهم: السيوطي ﵀ في «الأشباه والنظائر» والنووي في «المجموع شرح المهذب» والماوردي في الحاوي الكبير». ولهذا قال المؤلف ﵀: ٧٨ - كَحَامِلٍ إنْ بِيعَ حَمْلُها امْتَنَعْ … وَلَوْ تُباعُ حَامِلًا لم يَمْتَنِعْ يعني لو بيع الحمل وحده لا يصح كما تقدم في الأمثلة السابقة، لكن لو بيعت الحامل مع الحمل هذا جائز؛ لأن القاعدة [يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا]. • • •
следующие страницы →