← Фикх общий

Фикх общий · id 1576

المختصر في الأنكحة والأطعمة والأيمان والنذور

خالد المشيقح

Полный текст (194 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الثاني: الموالاة بين المستثنى والمستثنى منه، ويستثنى من ذلك الفصلُ اليسير عُرْفًا. الثالث: التلفُّظ بالاستثناء، ويصحُّ بالقلب من عَدد المطلَّقات، ما لم يصرِّحْ بالعدد؛ لأنَّ العام يأتي في اللغة ويراد به الخاص، فإذا قال: زَوْجاتي طوالقُ، ونوى إلا هندًا، صحَّ الاستثناء، وإذا قال: أنت طالق ثلاثًا إلا واحدةً، صحَّ الاستثناء، وإن قال: أنت طالق ثلاثًا، ونوى إلا واحدةً: لم يصحَّ، وإن قال: زَوْجاتي الأربع طوالقُ، ونوى إلا هندًا: لم يصحَّ؛ لأنَّ اللفظَ هنا أقوى من النية. فرعٌ: إن استثنى بمشيئة الله؛ كما لو قال: أنتِ طالق إن شاء الله، لم يقعِ الطلاق، إلا إن أراد التحقيق. مسألة: إذا قال لزوجته: أنت طالقٌ أمسِ، أو قبل أن أتزوَّجك: لم يقَعْ، إلا إن نوى وقوعَهُ في الحال. وإن قال: أنت طالقٌ قبل موتي، طَلَقَتْ في الحال. وإن قال: أنت طالق مع موتي أو بعده، لم تطلق؛ لحصول البينونة بالموت. وإن قال: أنت طالقٌ هذا اليوم، طَلَقَتْ في الحال، وإن قال: أنت طالق في غدٍ، طَلَقَتْ في أوله، ما لم يكن عُرْفٌ أو نِيَّة.

стр. 107

فصلٌ في تعليق الطلاق يصحُّ تعليقُ الطلاق بالاتفاق، ولا يصحُّ التعليق إلا من زوجٍ. وإذا علَّق طلاقَ زوجته، فلا يخلو من أمرينِ: الأول: أن يعلِّقَهُ على شرطٍ محض: كما لو قال: أنت طالقٌ إذا طلعت الشمسُ، فتطلقُ إذا وُجِدَ المعلَّق عليه. الثاني: أن يعلِّقه على شرطٍ غير محض: كما لو قال: أنت طالق إن خرَجت، أو إن لم أسافِرْ، فإن قصَد الطلاق: فطلْقةٌ إن وقع الشرطُ، وإن قصد الحثَّ أو المنع، أو التصديق أو التكذيب: فكفَّارةُ يمين؛ لورود ذلك عن الصحابة في النذر، وهو أشد نفوذًا من الطلاق. فرعٌ: لا يتكرَّرُ الطلاق بتكرُّر المعلَّق عليه، إلا بنيَّةٍ أو قرينة، إلا مع (كلما) فيتكرر الطلاق، فإذا قال: كلما دخلت الدار فأنت طالق، يَتَكرَّر الطلاق بِتَكَرُّرِ الدخول. فرعٌ: إذا قال: إن حِضْتِ فأنت طالق، طَلَقَتْ من أول طُهْرٍ من حيضٍ كامل، وإن قال: إن كنتِ حاملاً فأنت طالق، طَلَقَتْ إن ولدت لأقلَّ مِنْ ستة أشهر. فرعٌ: إن علَّق الطلاق على فعلٍ أو تركٍ، ففعَله ناسيًا أو جاهلاً أو مكرَهًا: لم تُطلقْ، وكذا لو علَّقه على فعلِ الزَّوجة، ففعلت المعلَّق عليه ناسيةً، أو جاهلة، أو مكرَهة.

стр. 108

مسألة: مَنْ شك في أصل الطلاق: لم يَلزَمْهُ؛ لأنَّ النِّكاح متيقَّن، فلا يزول بالشكِّ، وإن شك في عددِه، أخَذ بالأقل. مسألة: ومن قال لزوجتيه: إحداكما طالق، طَلَقَت المَنْويَّة، فإن لم ينوِ؛ أُقرِعَ بينهما، فإن تَبَيَّن أن المطلَّقةَ غيرُ التي قُرِعتْ، رُدَّتْ إليه، ما لم تتزوَّجْ، أو تكُنِ القرعة بحكمِ القاضي. وإن قال لزوجته وأجنبية: إحداكما طالق، طَلَقَتْ زوجته؛ لأنها محَلُّ الطلاق.

стр. 109

باب الرجعة الرجعةُ في اللغة: الإعادة. وفي الاصطلاح: إعادةُ مطلَّقةٍ غيرِ بائن إلى ما كانت عليه، بغيرِ عقد. وهي ثابتة في الكتاب، والسُّنة، والإجماع. أما الكتاب: فقال تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٠]. وأما السُّنة: فحديث عِمران بن حصين، وفيه قوله لمن راجَعَ دون إشهاد: «راجعتَ لغير السُّنة»؛ رواه أبو داود وابن ماجَهْ، وصححه ابن حجر. والإجماع: حكاه ابن المنذِر. مسألةٌ: يشترط لصحة الرجعة شروط: الأول: أن يكون طلاقًا دون العَدَد، وعلى هذا: - إن كان فسخًا، أو خلعًا، فلا يَملِك الرجعة؛ لأن الرجعة إنما وردت في الطلاق. - وإن استكمل العَدَد، فلا تَحِلُّ له إلا بعد أن تتزوجَ إجماعًا؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٠]. الثاني: أن يكون الطلاق بلا عِوض، فإن كان بعِوَض فلا يَملِك رَجْعتَها إلا بعقد؛ لما تقدم في باب الخلع. الثالث: أن يكون الطلاق بعد الدخول أو الخَلْوة، فإن كان قبلهما، فقد

стр. 110

بانت منه، فلا تَحِلُّ له إلا بعقد جديد؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزَاب: ٤٩]. الرابع: أن تكون في نكاحٍ صحيح، فإن كان النِّكاح باطلاً؛ وهو ما أجمع العلماء على بطلانِه، أو فاسدًا؛ وهو ما اختلف العلماءُ في صحته؛ كالنِّكاح بلا وليٍّ: لم تصحَّ فيه الرجعة؛ إذ الأحكام تترتب على العقودِ الصحيحة. الخامس: أن تكون الرجعةُ في زمن العِدَّة؛ لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٨]. ويجوز مراجعتُها بعد طُهْرِها من الحيضة الثالثة قبل الاغتسال؛ لورودِ ذلك عن الصحابة؛ كعمرَ، وعليٍّ، وابن مسعود ﵃، ولوجود أثَرِ الحيضِ المانع للزوج من الوطء. السادس: أن يريدَ الإصلاح بالمراجَعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البَقَرَة: ٢٢٨]، وعلى هذا إن أراد مراجعتَها لمضارَّتِها، لم تصحَّ المراجَعة. فرعٌ: لا يشترط رضَا المرأة بالمراجعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٨]، ولأنها حقٌّ للزوج. مسألةٌ: تحصُلُ الرجعة بأحد أمرينِ: الأول: اللفظ؛ كقوله: راجعتُ زوجتي، أو ردَدتُها، أو أمسكتها، ونحو ذلك. الثاني: الفعل؛ وذلك بالوطءِ مع النية دون مجرد الاستمتاع.

стр. 111

وتحصل بالكتابة مع النية. فرعٌ: يسنُّ الإشهادُ على المراجعة؛ لِما ورد عن عِمران بن حصين ﵁: أنه سُئِلَ عن الرجل يطلِّق امرأته، ثم يقع بها، ولم يُشهِدْ على طلاقها، ولا على رجعتِها، فقال: «طلَّقتَ لغير سنَّة، وراجعتَ لغير سنَّة؛ أشهِدْ على طلاقها، وعلى رجعتِها، ولا تعُدْ»؛ رواه أبو داود وابن ماجَهْ وصحَّحه الحافظ. مسألةٌ: إذا طلق زوجتَهُ آخِرَ ما يَملِك من العَدد، لم تَحِلَّ له حتى تنكح زوجًا غيره بالاتفاق؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٠]. ويشترط لحِلِّ الزَّوجة المطلَّقة ثلاثًا لزوجها الأول شروط: الأول: أن يكون النِّكاح صحيحًا: فإن كان النِّكاح باطلاً أو فاسدًا، لم تَحِلَّ له؛ لأنَّ الأحكام إنما ترتب على العقود الصحيحة. الثاني: أن يكون نكاحَ رغبةٍ: فإن كان نكاحَ تحليل، لم يُعتدَّ به؛ لحديث ابن مسعود أنه قال: «لعَنَ رسولُ الله ﷺ المحلِّلَ والمحلَّلَ له»؛ رواه أحمد والتِّرمِذي والنَّسَائي وصحَّحه ابن القطَّان، وقد تقدَّم في الشروط الفاسدة المفسِدة من شروط النِّكاح. الثالث: أن يطَأَها في هذا النِّكاح، وإن لم يحصُلْ إنزالٌ؛ لحديث عائشة ﵂: جاءت امرأةُ رفاعةَ القُرَظيِّ النبيَّ ﷺ ، فقالت: كنت عند رفاعةَ، فطلَّقني، فأبَتَّ طلاقي، فتزوَّجتُ عبدَ الرحمن بنَ الزبير، إنما معه مثلُ هُدْبةِ الثوب، فقال: «أتُريدين أن تَرجعي إلى رفاعةَ؟ لا، حتى تذُوقي عُسَيلته، ويذُوقَ عُسَيلتك»؛ متفق عليه.

стр. 112

فلا تحصل المراجعةُ بالخَلْوة، أو مجرد المباشَرة. الرابع: انتشار الذَّكَر؛ لِما تقدم من حديث عائشة ﵂، وذوقُ العُسَيلة لا يحصل إلا بانتشار الذَّكَر. فرعٌ: لا تحصل المراجعةُ في وطءِ دُبُرٍ، أو وطء شبهة، أو وطءٍ محرَّم؛ كحالِ حيضٍ وإحرام. مسألةٌ: الرجعية لها حكمُ الزَّوجات، إلا أنه لا قَسْمَ لها - أي لا يبيت معها في الفراش -؛ لأنَّ الله ﷻ سمى المطلِّق بَعْلاً. وعلى هذا، يباح له أن ينظر إليها، وأن يخلوَ بها، وأن تتجمل له، وأن يسافرَ بها، وتجب لها النفقةُ والكسوة والسُّكْنى مدةَ العِدَّة؛ كما سيأتي في باب النفقات.

стр. 113

باب الإيلاء لغة: مصدرُ آلى يُولِي إيلاءً، وله معانٍ؛ منها: الحَلِف. وفي الاصطلاح: حَلِفُ زوجٍ على ترك وطءِ زوجته أكثرَ من أربعة أشهر. والأصل فيه: القرآن: كما في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٦]. والإجماع: كما حكاه ابن المنذِر، وآثار الصحابة؛ كما سيأتي. وهو محرَّمٌ؛ لأنه يمينٌ على ترك واجب. مسألةٌ: يشترط لصحته شروط: الأول: أن يكون مِنْ زوج يصحُّ طلاقُه؛ لقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٦]. الثاني: أن يكون الحَلِفُ على زوجة، فإن حلف على أمَتِهِ لم يُعَدَّ مُولِيًا باتفاق الأئمة؛ للآية. الثالث: أن تكون الزَّوجة ممن يمكِن وطؤُها، فإن لم يمكن وطؤها لم يكن مُولِيًا؛ لأنَّ الوطء متعذِّر بسببٍ آخرَ غيرِ الحلف. الرابع: أن يكون الزَّوج قادرًا على الوطء، فإن كان غيرَ قادر كالمجبوب - مقطوع الذكر - لم يكن مُولِيًا؛ لأنَّ الزَّوج ترك الوطءَ بسببٍ غيرِ الحلف. الخامس: أن يَحلِفَ على أكثرَ من أربعة أشهر، فإن حلف على أقلَّ من ذلك، فسيأتي.

стр. 114

فرعٌ: لا يُشترط أن يكون الحلفُ بالله، أو باسم من أسمائه، أو صفةٍ من صفاته، بل يكون مُولِيًا بسائر الأيمان، ومن ذلك: الأيمان الإلزامية؛ كالظِّهار، والنَّذْر، والتحريم، والطلاق، فمثلاً لو قال: إن وَطِئتُك، فأنت طالق: صار مُولِيًا. وإن امتنع عن الوطء بلا يمين، فلا يكون مُولِيًا، بل يَلزَم: إمساكٌ بمعروف، أو تسريح بإحسان. كذلك أيضًا: لا يُشترط الإسلام؛ فيصحُّ الإيلاء من الكفار؛ لصحة أنكحتِهم. فرعٌ: حكمُ إيلاء السكران والغضبان والمكرَه والنائم والمغمَى عليه: حكمُ طلاقِهم كما تقدم في باب الطلاق من التفصيل. مسألةٌ: مدة الإيلاء: إذا حلَف الزَّوجُ على ترك وطء زوجته مدة، فإن هذا لا يخلو من ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يَحلِفَ على أكثرَ من أربعة أشهر، فإنَّه يكون مُولِيًا بالاتفاق. القسم الثاني: أن يحلف على أربعة أشهر. القسم الثالث: أن يحلف على أقلَّ من أربعة أشهر. ففي القسمين الأخيرين لا يكون مُولِيًا عند جمهور العلماء رحمهم الله تعالى.

стр. 115

مسألةٌ: إذا مضت المدةُ ولم يفِ - أي يرجع عن يمينه بترك وطء زوجته - أُمِر بالفَيْئة بالوطء، ولم يقع عليه طلاق بمضي المدة؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ *﴾ [البَقَرَة: ٢٢٧]، فلا بد من عزم الطلاق، وطلاق يسمع، ولا يوجد هذا بمضي المدة، وعن سليمان بن يسار قال: «أدركت بضعة عشر رجلاً من الصحابة كلهم يُوقِفُ المؤلي» يعني: بعد أربعة أشهر، رواه الدارقطني، وسعيد بن منصور في سننه، وابن أبي شيبة، وسنده صحيح. مسألة: فإن امتنع من الفيئة أمِرَ بالطلاق بطلب المرأة، فإن أبى عَمِلَ القاضي الأصلحَ؛ مِنْ طلاق أو فسخ، فإن سبق للزوج طلقتانِ، فالأصلح الفسخ؛ ليتمكَّنَ من العقد عليها، وإلا فالأصلح الطلاق؛ ليتمكن من المراجعة. فرعٌ: إذا آلَى من زوجتِهِ، ثم فاءَ قبل تمام المدة: لَزِمته كفارةُ يمين؛ مثاله: حلف أن لا يطأَ زوجتَهُ مدة خمسة أشهر، ثم وَطِئها قبل مضيِّ خمسة أشهر: فعليه كفارةُ يمين؛ لوجود الحِنْثِ منه، وإن مضت المدةُ، لم تَلزَمه الكفارةُ؛ لعدم حِنْثِه.

стр. 116

باب الظِّهار لغة: مشتقٌّ من الظَّهْر، وخُصَّ به من بين سائر الأعضاء؛ لأنه موضعُ الرُّكوب، والركوب غالبًا إنما يكون على الظَّهْر. ولفظ الظَّهْر يطلق لغةً على معانٍ؛ منها: البُروز بعد الخفاء، والغلَبة، والقوة. فشبَّه ركوبَ الزَّوجة بركوبِ الأمِّ الذي هو ممتنِع، وهو استعارةٌ لطيفة، فكأنه قال: ركوبُكِ للنكاح حرامٌ عليَّ كركوب أمي. وفي الاصطلاح: أن يشبِّهَ الرجُلُ زوجته بمن تحرُمُ عليه على التَّأبيد فيما يتعلق بالوطء. مسألةٌ: ظِهار الجاهلية: الظِّهار عند أهل الجاهليَّة كان طلاقًا؛ قال طاوس: (كان طلاقُ أهلِ الجاهليَّة الظِّهارَ)؛ رواه عبد الرزاق بإسناد صحيح. قال الشافعيُّ رحمه الله تعالى: (سمعتُ مَنْ أرضى مِنْ أهل العلم بالقرآن يذكُرُ: أنَّ أهلَ الجاهليَّة كانوا يطلِّقون بثلاثٍ: الظِّهار، والإيلاء، والطلاق). مسألةٌ: حكمُ الظِّهار: محرَّم، ولا يجوز؛ بدَلالة الكتاب، والسُّنة، والإجماع، وقد صرَّحَ بعضُ العلماء: بأنَّه من الكبائر. قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجَادلة: ٢]؛ فالآية دلَّتْ على أن قول: (أنتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي محرَّمٌ) من أوجه؛ منها:

стр. 117

الأول: من جهة الإخبار بأنه زُور؛ أي: كَذِب؛ لأنَّ إخبارَه أن زوجته تُشبِهُ أمَّه كذب؛ لأنَّه شبَّه مَنْ هي في أقصى غايات الحِلِّ بمن هي في أقصى غايات الحُرْمة. الثاني: من جهة الإنشاء: أنه منكَرٌ؛ لأنَّ الشرع لم يجعله سببًا للتحريم. الثالث: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [المجَادلة: ٢]: مُشعِرٌ بقيام سببِ الإثم؛ فدلَّ على التحريم. ومن السُّنة: عن سلَمةَ بن صخرٍ قال: «كنتُ امرأً أصيبُ من النساء ما لا يصيبُ غيري، فلما دخل شهرُ رمضان، خِفتُ أن أصيبَ من امرأتي شيئًا يُتابع - أي يلازِمُني - فلا أستطيع الفَكاكَ منه حتى أصبح، فظاهرتُ منها حتى ينسلخ شهرُ رمضان، فبينما هي تخدُمُني ذاتَ ليلة، إذ تكشَّف لي منها شيءٌ، فلم ألبث أن نزَوتُ عليها، فلما أصبحتُ خرَجتُ إلى قومي، فأخبرتُهم الخبرَ، وقلت: امشُوا معي إلى رسول الله ﷺ ، قالوا: لا والله، فانطلقتُ إلى النبي ﷺ فأخبرته، فقال: أنت بذاك يا سلَمةُ؟ قلت: أنا بذاك يا رسول الله مرتينِ، وأنا صابرٌ لأمر الله؛ فاحكُمْ فيَّ ما أراك الله، قال: حرِّرْ رقبةً، قلت: والذي بعثك بالحق، ما أملِكُ رقبةً غيرها، وضربتُ صَفْحةَ رقبتي، قال: فصُمْ شهرين متتابعين، قال: وهل أصبتُ الذي أصبت إلا من الصيام؟ قال: فأطعِمْ وَسْقًا من تمر بين ستين مسكينًا، قلت: والذي بعثك بالحق، لقد بِتْنا وَحْشَينِ ما لنا طعام، قال: فانطلِقْ إلى صاحب صدقةِ بني زُرَيق، فليدفعها إليك، فأطعِمْ ستين مسكينًا وَسْقًا من تمر، وكُلْ أنت وعيالُك بقيَّتَها، فرجعتُ إلى قومي، فقلت: وجدتُ عندكم الضِّيق وسوءَ الرأي، ووجدتُ عند النبي ﷺ السَّعة وحُسْنَ الرأي، وقد أمرني، أو أمر لي بصدقتكم»؛ رواه أحمد وأبو داود والتِّرمِذي وابن ماجَهْ، والحديث له شواهدُ يتقوى بها.

стр. 118

مسألة: الظهار صحيح، وتترتب عليه آثارُه وأحكامه، إذا توفَّرتْ فيه شروطُ صحته، وهي: الشرط الأول: كون المظاهِر زوجًا، مسلِمًا كان أو غير مسلِم، ولو كان غيرَ قادر على الوطء، وعلى هذا فلا يصحُّ ظِهارُ السيد لأمَتِه؛ لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ [المجَادلة: ٢]؛ فاللهُ ﷻ أناط حكمه بالنساءِ، ومطلَقُهُ ينصرف إلى الزَّوجات، وعمومُ الآية يشمل كل زوج. الشرط الثاني: العقل؛ فلا يصحُّ ظِهارُ مَنْ زال عقلُه بجنون، ولا من غُطِّيَ على عقله بإغماء، أو نوم، أو سُكْرٍ، أو دواء، ولا مَنْ نقص عقله؛ كالمعتوه؛ وهذا باتفاق الأئمة؛ لحديث عائشةَ ﵂؛ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «رُفِعَ القلمُ عن ثلاثة: عن النائمِ حتى يستيقظَ، وعن الصغير حتى يَكبَرَ، وعن المجنون حتى يَعقِلَ»؛ رواه أحمد وأبو داود والتِّرمِذي والنَّسَائي بإسناد حسن. ولحديث سليمانَ بن بُرَيدة، عن أبيه، قال: «جاء ماعزُ بن مالك للنبيِّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله، طهِّرني، قال: ممَّ أطهِّرُك؟ قال: من الزِّنا، فسأل رسولُ الله ﷺ : أَبِهِ جنونٌ؟ فأُخبِرَ أنه ليس بمجنون، فقال: أشَرِبَ خمرًا؟ فقام رجُلٌ فاستنكَهَهُ، فلم يَجِدْ منه ريحَ خمرٍ، فقال النبي ﷺ : أزنَيتَ؟ قال: نعم، فأمَرَ به فرُجمَ»؛ رواه مسلِم. وجه الاستدلال من الحديث: أنَّ النبيَّ ﷺ أمر بشمِّ ريحِ فمِ ماعز ليعلَمَ هل هو سكرانٌ أم لا؟ فإن كان سكران، لم يصحَّ إقرارُه، وكذا ظِهاره. قال ابن قدامة: (ومَن لا يصحُّ طلاقُه، لا يصحُّ ظِهاره؛ كالطفل، والزائلِ العقلِ بجنون، أو إغماء، أو نوم، أو غيره؛ وبه قال الشافعيُّ وأبو ثَوْر، ولا

стр. 119

نعلم فيه خلافًا). فرعٌ: حكمُ ظهار السكران والغضبان: حكمُ طلاقِهم كما تقدم في باب الطلاق من التفصيل في ذلك. الشرط الثالث: البلوغ: فلا يصحُّ ظِهار الصبي؛ لحديث عائشةَ ﵂ السابق. الشرط الرابع: الاختيار: وعلى هذا فلا يصحُّ ظِهار المكرَه، والمخطِئ، والهازل؛ لحديث عمرَ ﵁؛ أن النبيَّ ﷺ قال: «إنما الأعمالُ بالنيَّات»، وجه الدَّلالة: أنَّ العملَ بلا نيَّةٍ باطلٌ لا عبرةَ به، والإكراهُ عملٌ بلا نيَّة. ولحديث ابن عبَّاسٍ ﵄، قال عند قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البَقَرَة: ٢٨٦]، قال الله: قد فعلتُ، ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البَقَرَة: ٢٨٦]، قال اللهُ: قد فعلتُ، ﴿وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ [البَقَرَة: ٢٨٦]، قال اللهُ: قد فعلتُ؛ رواه مسلِم. ولأنَّ الهازل قصدَ اللفظَ في الظاهر دون الباطن. فرعٌ: لا يُشترط تكليف الزَّوجة، ولا إسلامها، ولا حريتها، ولا طهارتُها من الحيض والنفاس، ولا الدخول بها؛ فيصحُّ الظِّهار من الصغيرة، والمجنونة، والكتابيَّة، والأمَة، وغير المدخول بها، ومَن لا يمكن وطؤها، وكذا الحائض، والنفساء. وكذا يصحُّ الظِّهار من الرجعية، والمُحرِمة بحج أو عمرة؛ باتفاق الأئمة الأربعة، ودليل ذلك: عموم آية الظهار.

стр. 120

فصل في صِيَغِ الظِّهار تشبيهُ الزَّوجة بمن تحرُمُ عليه له صِيَغ: الصيغة الأولى: أن يقول لزوجته: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أمي، وهذا ظهارٌ بالإجماع. ونحو ذلك لو قال: جسمُك ونفسك عليَّ كظَهْر أمي. الصيغة الثانية: تشبيه الزَّوجة بظَهْر مَنْ تحرُمُ عليه على التأبيد من أقاربه غير الأم؛ كجَدَّته، وعمَّته، وخالته، وأخته، ونحو ذلك: فظِهارٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجَادلة: ٣]؛ فظاهر الآية يقتضي صحةَ الظِّهار بتشبيه كل ذات مَحرَم؛ إذ لم تخصص الأم دون غيرها. الصيغة الثالثة: تشبيه الزَّوجة بظهر من تحرُمُ عليه على التأبيد سوى الأقارب؛ كالأمهات المرضِعات، والأخوات من الرضاعة، وحلائل الآباء والأبناء، ونحو ذلك: فظهار؛ لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجَادلة: ٢]، وهؤلاء محرَّمات بالتأبيد؛ فأخَذْنَ حكمَ الأم. الصيغة الرابعة: إذا شبَّه الزَّوجة بمن تحرُمُ عليه على التأقيت؛ كأخت امرأته، أو عمَّتها، أو الأجنبية، ونحو ذلك: فليس بظِهار؛ لأنَّ المحرَّمة إلى أمدٍ ليست أمًّا، ولا في معنى الأم. لكن إن نوى الظِّهارَ أو التحريم أو لم ينو شيئًا: فكفَّارةُ يمين، وإن نوى الطلاق فطلاق؛ إذ تشبيهُ الزَّوجة بالمحرَّمة تأقيتًا إذا لم يكن ظِهارًا، فلا يخرج عن كنايات الطلاق، والطلاقُ يقع بالكناية مع النيَّةِ.

стр. 121

الصيغة الخامسة: تشبيه الزَّوجة بظَهْر ذَكَرٍ؛ مثل أن يقول لزوجته: أنت عليَّ كظَهْر أبي، أو ابني، أو غيرهما من الرجال: فليس بظِهار؛ لأنَّ ظَهْرَ الأبِ والابن ليس أمًّا، ولا في معناها. لكن إن نوى بهذا اللفظ الظِّهارَ أو التَّحريمَ: فكفَّارةُ يمينٍ، وإن نوى الطَّلاقَ فطلقة؛ لِما تقدم، ويأتي قريبًا أن تحريم الزوجة يأخذ حكم اليمين. الصيغة السادسة: تشبيه عضوٍ من أعضاء الزَّوجة بظَهْر الأم، أو بعضوٍ من أعضائها: فلا يكون مظاهِرًا حتى يشبِّهَ جملةَ زوجته. لكن يظهر أنَّ عليه كفَّارةَ يمينٍ إن نوى الظِّهارَ، أو التحريمَ؛ لما يأتي قريبًا من أنَّ تحريمَ الزَّوجة فيه كفَّارةُ يمين، وقد يستثنى من ذلك: ما إذا شبَّه عضوًا يفيد تشبيهَ جماع الزَّوجة بجماع الأم في الحرمة، كالفَرْج: فظهارٌ، والله أعلم. الصيغة السابعة: تشبيه الزَّوجة بالأم بحذف لفظ الظَّهْر، أو قال: أنت أمي. كأن يقول الزَّوج لزوجته: أنت عليَّ كأمي، أو مثل أمي، ولم يذكر الظَّهْر، أو أنت كأمي، أو مثل أمي، أو أنتِ أمي، فله حالات: الأولى: أن ينويَ أنها مثلها في الكرامة والتوقير، أو أنها مثلها في الصفة ونحو ذلك: فلا يكون ظِهارًا باتفاق الأئمة؛ لقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجَادلة: ٢]. وهذا لم يَقصِدِ الظِّهار بهذا اللفظ، ولأنَّ هذا اللفظ لا يتعيَّن للظِّهار؛ لا عُرْفًا، ولا لغةً، إلا لقرينةٍ تدلُّ على قصده. الثانية: أن ينويَ الظِّهار: فإنَّه يكون مظاهِرًا باتفاق الأئمة الأربعة؛ لقوله

стр. 122

تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجَادلة: ٢]، وإذا قال الزَّوج لزوجته: أنتِ عليَّ مثل أمي، ونوى به الظِّهار، كان في معنى قوله: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أمي؛ لدخول الظَّهْر في جملة الأم. الثالثة: أن يُطلِقَ فلا ينوي ظهارًا، ولا غيره: فلا يكون ظهارًا؛ لأنَّ هذا اللَّفظ يُستعمل في الكرامة أكثرَ مما يُستعمل في التحريم؛ فلم ينصرف إليه بغير نيةٍ؛ ككنايةِ الطلاق. الصيغة الثامنة: أن يقول: أنتِ عليَّ حرام، ومثله لو قال: أنت عليَّ كالميتة، أو الدمِ، أو البهيمة، فإن نوى الطلاقَ فطلْقة؛ إذ إنَّه من الكنايات، ولما يأتي عن الصحابة ﵃، وإن نوى التحريم، أو أطلق، أو الظهار: فكفَّارةُ يمين، ولا يكون ظهارًا؛ لعدم وجود التشبيه القبيح، وهو أن يشبِّهَ أحَلَّ الناس له بأحرَمِ الناس عليه. وإن نوى الحثَّ أو المنع، أو التصديق أو التكذيب: فكفارة يمين؛ كما لو قال: إن خرجتِ فأنتِ عليَّ حرام، يَقصِد المنع. لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التّحْريم: ١ - ٢]. وعن ابن مسعود ﵁؛ أنه قال: «نيَّتُهُ في الحرام ما نوى، إن لم يكُنْ نوى طلاقًا، فهي يمين»؛ رواه ابن أبي شَيْبة وعبد الرزاق بإسناد صحيح، وعنه قال: «الحرام: إن نوى يمينًا فهي يمينٌ، وإن نوى طلاقًا فطلاق»؛ رواه البَيْهَقي. وعن قَبيصة بن ذُؤَيب، قال: سألتُ زيد بن ثابت وابن عمرَ ﵄ عمَّن قال لامرأته: أنتِ عليَّ حرام؟ فقالا جميعًا: «عليه كفارةُ يمين»؛ رواه حربٌ الكرماني في مسائله، وقال الحافظ: إسناده صحيح.

стр. 123

وعن سعيد بن جبير؛ أنه سمع ابن عبَّاسٍ يقول: (إذا حرَّم الرجلُ عليه امرأته، فهي يمينٌ يكفِّرها)؛ رواه البخاري. مسألةٌ: إذا قالت الزَّوجة لزوجها: (أنتَ عليَّ كظهر أبي)، فليس ظِهارًا، وهو قولُ جمهور أهل العلم، ومنهم الأئمة الأربعة، ودليل ذلك: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجَادلة: ٢]، فخصَّ الرجالَ بذلك. وعليها كفارة يمين؛ قال الإمام أحمد: (قد ذهب عطاءٌ مذهبًا حسنًا، جعله بمنزلة مَنْ حرَّم على نفسه شيئًا مثلَ الطعام وما أشبهه). مسألةٌ: إذا ظاهر مِنْ نسائه بكلمات: كأن يقول لكل امرأةٍ من نسائه: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أمي: فجمهور أهل العلم: تَلزَمه كفاراتٌ؛ للآية، فأوجب اللهُ ﷻ كفارة الظِّهار في العَوْد، وقد تكرر ذلك، فتكررت الكفارة. وإذا ظاهر من نسائه بكلمة واحدة؛ بأن قال لنسائه: أنتُنَّ عليَّ كظَهْر أمي: فتلزمه كفَّارةٌ واحدة؛ للآية؛ لأنه ظهارٌ واحد؛ وهو قول عمرَ وعليٍّ ﵄. مسألةٌ: تعليق الظِّهار على مشيئة الله تعالى؛ كأن يقول: أنتِ عليَّ كظهر أمي إن شاء اللهُ تعالى، لا يكونُ ظهارًا؛ وهو قول جمهور العلماء؛ والدليل: ما روى مالك، عن نافع، عن ابن عمرَ ﵄ أنه كان يقول: (مَنْ قال: والله، ثم قال: إن شاء الله، ثم لم يفعل الذي حلف عليه: لم يَحنَثْ). مسألة: إذا علَّق ظِهارَهُ على امرأةٍ أجنبيَّة؛ كقوله: (أنتِ عليَّ كظهر أمي إن تزوَّجتك): لا يكون ظهارًا؛ والدليل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجَادلة: ٣]، والأجنبيةُ ليست من نسائه. مسألةٌ: إنْ وقَّت الظهارَ؛ مثل أن يقول: أنتِ عليَّ كظهر أمي شهر رمضان، فيصح، فإن وَطِئها خلال مدة الظِّهار، لزمته الكفارة، وإن انقضت

стр. 124

المدة قبل وطئه، لم يَلزَمه شيء. مسألةٌ: ما يترتب على المتلفِّظ بالظِّهار: ١ - يجبُ المبادرةُ بالتوبة؛ إذ التوبة تجب على الفور؛ لعموم أدلَّة الأمر بالتوبة؛ كقوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النُّور: ٣١]، وقوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التّحْريم: ٨]، إلى آخرِ أدلةَّ التوبة، بل حكمَ بعض العلماء بأن الظِّهار من الكبائر. ٢ - تجب الكفَّارة على المظاهِر بالإجماع؛ ويدل على هذا: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ *﴾ [المجَادلة: ٣]. ٣ - يحرُمُ الوطءُ على المظاهر قبل أداء الكفَّارة إذا كان تكفيرهُ بالعتق، أو الصيام، أو الإطعام؛ لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا﴾ [المجَادلة: ٣]، ثم قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا﴾ [المجَادلة: ٤]. وجه الدَّلالة: أنَّ الله اشترطَ للتكفير بالصيام أن يكون قبل المسيسِ مع تطاوُلِ زمنه؛ فاشتراطُهُ مع الإطعام الذي لا يطُولُ زمنُهُ أولى. وأما الاستمتاعُ بما دون الفَرْج: فجائز، إلا إذا ظنَّ أو عَلِمَ أنه سيؤدي ذلك إلى الجماع؛ لأنَّ التلذُّذَ يؤدي إلى الوطء، وهو حرام على المظاهر، وما كان مؤدِّيًا إلى الحرام فهو حرام.

стр. 125

فصل في كفارة الظِّهار كفارة الظهار: واجبة بالكتاب، والسُّنة، والإجماع. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ *﴾ [المجَادلة: ٣] ولحديث سلمة بن صخر ﵁ السابق. قال ابنُ قدامة: (أجمع أهلُ العلم على أنَّ المظاهِرَ إذا لم يجد رقبةً: أنَّ فرضه صيامُ شهرينِ متتابعين، وأجمعوا على أنَّ من وجد رقبةً فاضلةً عن حاجته، فليس له الانتقالُ إلى الصيام). مسألة: وقت وجوب الكفارة: تجب الكفارة بالعود، المراد بالعَوْد: العزمُ على الجماع؛ بأن ينوي استحلالها استحلاالاً لا يكون لأمِّه. مسألة: وقت إخراج كفارة الظهار: قبل الوطء؛ لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا﴾ [المجَادلة: ٣]. مسألةٌ: لا يصحُّ تكفير الذِّمي بالصوم؛ لأنَّ الصومَ عبادة محضة، والكافر ليس من أهلها، ولأنه لا يصحُّ منه الصوم في غير الكفارة، فلا يصحُّ منه فيها، وإذا كان الصومُ لا يصحُّ في حقه، فإنَّه يكفِّر بالعِتق أو الإطعام؛ لأنه يصحُّ منه ذلك في غير الكفارة، فصحَّ منه فيها.

стр. 126

خصال الكفارة: المرتبة الأولى: التكفير بالعتق مسألة: يُشترط لوجوب التكفير بالعتق ما يلي: الشرط الأول: أن يكون واجدًا للرقبة، أو لثمَنِها الذي يتمكن به من الشراء، ودليل ذلك: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ *﴾ [المجَادلة: ٣]؛ فدَلَّ على أنه إذا كان مستطيعًا للإعتاق، وجب عليه، ولم يجُزْ أن ينتقل إلى الصيام إلا مع عدم الاستطاعة. ولما تقدم من حديثَيْ سلَمةَ وخَوْلة؛ قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: (وإن وجد ثمَنَ الرقبة، ولم يجد رقبةً يشتريها: فله الانتقال إلى الصيام؛ كما لو وجد ثمن الماء، ولم يَجِدْ ما يشتريه). فرعٌ: إن وُهِبتْ له رقبةٌ، لم يَلزَمه قَبولُها؛ لأنَّ عليه مِنَّةً في قَبولها، وذلك ضرَرٌ في حقِّه. الشرط الثاني: أن تكون فاضلةً عن حاجته، فإن كانت عنده رقبةٌ أو ثمنها من دراهم ودنانير، ولا يستغني عنها؛ لخدمتِهِ؛ لكِبَر أو مرض، أو يكون ممن لا يخدم نفسه في العادة، ولا يجد رقبةً فاضلة عن خدمته: فلا يلزمه الإعتاق، وعليه الانتقال إلى الصوم. الشرط الثالث: أن تكون بثمَنِ مثلها إن كان واجدًا للثمن دون الرقبة.

стр. 127

الشرط الرابع: أن يكون واجدًا للنفقات الشرعية من الطعام والكساء والسكن: قدر نفقةِ سنةٍ له ولمن يمُونُه. الشرط الخامس: أن يكون واجدًا للحوائج الأصلية؛ كالبيت الذي يسكُنُه، والسيارة التي يَركَبُها، والأواني التي يستعملها، والكتب التي يحتاجها إذا كان طالبَ علم. مسألةٌ: شروط صحة إعتاق الرقبة: يُشترط لصحة إعتاق الرقبة المخرَجة في كفارة الظهار وغيرها ما يلي: الشرط الأول: أن تكون مؤمِنة؛ لقوله تعالى في كفارة القتل: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النِّسَاء: ٩٢]، وقال تعالى في كفارة الظِّهار: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا﴾ [المجَادلة: ٣]، فيُحمَل المطلَق على المقيَّد؛ لأنَّ الحكم واحد؛ وهو إعتاقُ رقبة في كفارة، والسبب مختلِف؛ ففي الآية الأُولى قتلُ خطأ، والثانية ظِهار، وأكثر الأصوليِّين على أنه يُحمَل المطلَق على المقيَّد إذا اتحد الحكمُ، واختلف السبب. فرعٌ: إذا أعتق نصفَيْ عبدينِ، وكان الباقي حرًّا: أجزأه، وإن كان الباقي مملوكًا، لم يُجزِئْهُ. الشرط الثاني: أن تكون الرقبةُ المعتَقة سليمةً من الأمراض المُهلِكة، أو الأسباب المؤدية إلى الموت، فلا يجزئ إعتاق الجاني إن أحاطت الجنايةُ بدمِهِ؛ لأنَّ وجوده كعدَمِه، وإلا أجزأ. الشرط الثالث: ألا تكون الرقبةُ حَمْلاً، وعلى هذا فلا يجزئ إعتاقُ الجنين؛ لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النِّسَاء: ٩٢] الآية؛ فالمأمورُ به هو تحرير رقبة، والجنين لا يسمى رقبةً.

стр. 128

الشرط الرابع: أن تكون الرقبةُ مقدورًا على تسليمها، وعلى هذا فلا يجزئ إعتاقُ المغصوبِ؛ لأنه خارج عن حوزته. الشرط الخامس: ألا يتعلق بالرقبة حقٌّ للغير؛ فلا يجزئ إعتاق المرهون؛ لِما في ذلك من إبطال حق المرتهِن. الشرط السادس: أن ينويَ الإعتاق عن الكفارة الواجبة عليه، فينوي بإعتاقه كفارةَ الظِّهار؛ لما روى عمرُ بن الخطاب ﵁؛ أن النبيَّ ﷺ قال: «إنما الأعمالُ بالنيَّات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى». المرتبة الثانية: التكفير بالصيام إذا قدَرَ على الإعتاق، بتوفُّر شروط وجوبه المتقدمة: لم يجُزْ له الانتقالُ إلى الصيام، وإن لم تتوفر شروطُ وجوب العتق كلها أو بعضها، انتقل إلى الصيام؛ للآية. فرعٌ: يُشترط التتابع في صيام كفارة الظِّهار بالإجماع؛ لِما تقدم من الأدلة السابقة. فرع: إن أفطر لغير عذر، انقطع صيامُهُ بالإجماع؛ وإن أفطر لعُذْرٍ شرعيٍّ؛ كالمرض، والسفَر، والحيض، والنفاس، والإفطار لعذر الجهل، أو النسيان، أو الإكراه؛ لم ينقطع التتابع، لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزَاب: ٥]، وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البَقَرَة: ٢٨٦]. وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «من نسي وهو صائم، فأكل أو شرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه» رواه البخاري ومسلم.

стр. 129

فرع: إذا بدأ بصيام الشهرين من أول الشهر فإنه يصوم شهرين سواء كانا تامَّيْنِ أو ناقصين، وإن بدأ في أثناء الشهر فإنه يكمل الشهر الأول، ثم يصوم الشهر التالي سواء تامًّا أو ناقصًا، ثم يصوم عدد الأيام التي أفطرها من الشهر الأول. المرتبة الثالثة: التكفير بالإطعام كفارة الظِّهار تجب على الترتيب بالإجماع؛ كما تقدم، فلا ينتقل إلى الإطعامِ إلا بشرط عدم استطاعة الصيام؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾ [المجَادلة: ٤]، وعدم الاستطاعة له صُوَرٌ: الصورةُ الأولى: أن يَعجِزَ عن الصيام؛ لكِبَرِ سنٍّ، أو مرَضٍ لا يرجى بُرؤه؛ فهذا ينتقل إلى الإطعام باتفاق الأئمة؛ لِما تقدم من الآية، ولحديث المظاهر، وفيه: (أنَّه شيخ كبير .. ). وزاد المالكيَّةُ: ضعيفَ البنية، والمستعطش، فمن كان ضعيفَ البنية لا يستطيع معها الصَّوم، أو كان مستعطشًا؛ أي: قويَّ العطَشِ؛ بحيث يضرُّ به الصَّوم: جازَ له العدولُ عن الصومِ إلى الإطعام. الصورةُ الثانية: أن يَعجِزَ عن الصيام لمرض يُرجى زواله؛ فاختلف العلماءُ في جواز الانتقال إلى الإطعام على قولينِ: القول الأول: أنه لا يجوز له الانتقال، وهو قولُ جمهور أهل العلم؛ ودليلهم: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾ [المجَادلة: ٤]، والمريض الذي يُرجَى زوالُ

стр. 130

مرَضه: مستطيعٌ. القول الثاني: أنه يجوز له أن ينتقل إلى الإطعام، وهو مذهب الحنابلة؛ للآية. والراجحُ - والله أعلم -: ما ذهب إليه جمهورُ أهل العلم؛ إذ هذا المناسب للتغليظ. الصورة الثالثة: المشقة الشديدة: إذا كان المظاهِر يَقدِر على الصيام لكن تلحقه مشقة: فإن كانت يسيرةً، فلا يجوز له الانتقال إلى الإطعام؛ باتفاق الأئمة. وإن كانت غير يسيرة، فاختلف العلماء في اعتبار المشقة عذرًا في الانتقال إلى الإطعام على قولين: القول الأول: أنه عذرٌ في الانتقال إلى الإطعام، وهو مذهب الحنابلة، فقد نصَّ الحنابلةُ ﵏ على أنَّ الصيامَ إذا كان يُضعِفُهُ عن طلب المعيشةِ، أو كان به شبَقٌ لا يستطيع معه الصبرَ عن زوجته شهرينِ متتابعين، وليس له زوجة أخرى: فله أن ينتقل إلى الإطعام، وكذا لو خاف زيادة المرَضِ، أو تأخُّرَه. ودليلُهم: عموماتُ أدلة رفع الحرج عن هذه الشريعة؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحَجّ: ٧٨]. وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا﴾ [البَقَرَة: ٢٨٦]. ولما روى البخاري عن أبي هُرَيرة ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: «إنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، ولن يُشادَّ الدِّينَ أحدٌ إلا غلَبَه» رواه البخاري.

стр. 131

فرعٌ: شروط المُطعَم: هناك شروطٌ لا بدَّ من توافرها فيمن يُطعَمُ في الكفارة؛ وهي كما يلي: الشرط الأول: الإسلام، فلا تُدفَع للكافر الحربيِّ الكفَّارةُ بالاتفاق. الشرط الثاني: أن يكون مسكينًا. لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾ [المجَادلة: ٤]، والمراد به: من يجوز دفعُ الزكاة إليه لحاجته؛ كالفقراء والمساكين. الشرط الثالث: أن يكون حرًّا؛ إذ إنَّ كفايةَ الرقيقِ واجبةٌ على سيده، فلم يكُنْ محتاجًا. الشرط الرابع: ألا يكون من تُدفَعُ إليه الكفارةُ ممن تجب نفقتُه على المكفِّر؛ كأب المكفر وابنه ونحو ذلك؛ لاستغنائه بالنفقة عن الكفارة. مسألة: يجزئ في التكفير بالإطعام كل ما كان من قوت البلد؛ لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾ [المجَادلة: ٤] فذكر الإطعام ولم يذكر جنس الطعام؛ فيرجع في ذلك إلى العرف، ولقوله تعالى في كفارة اليمين: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المَائدة: ٨٩]. فرع: قدر الطعام: يرجع فيه إلى العرف، من غير تقدير ولا اشتراط تمليك، وعلى هذا فالإطعام له صورتان: الصورة الأولى: أن يعمل طعامًا ويعشي المساكين أو يغديهم بما يشبعهم عرفًا؛ لإطلاق الآية، وورد عن ابن عمر ﵄: «من أوسط ما يطعم أهله الخبز والتمر، والخبز والسمن، والخبز والزيت، ومن أفضل ما تطعمهم». رواه ابن جرير بسند صحيح.

стр. 132

وفي صحيح البخاري: «أن أنسًا أطعم فدية الصيام». وفي مصنف عبد الرزاق أن أبا موسى: «كفر عن يمين فعجن وأطعم». الصورة الثانية: أن يُملكهم حبًّا من غالب قوت البلد، والأحسن لكل مسكين مدان، وقدره كيلو وعشرون غرامًا. فقد ورد عن عمر ﵁ أنه قال في كفارة اليمين: «صاع من شعير، أو صاع من تمر، أو نصف صاع من قمح»؛ رواه عبد الرزاق بإسناد صحيح. وورد عن علي ﵁ قال: «كل مسكين نصف صاع بر أو صاع تمر»؛ رواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة بإسناد صحيح. وعن زيد بن ثابت ﵁: «مدان من حنطة لكل مسكين»، وورد عن ابن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت ﵃: «مد من حنطة لكل مسكين»، رواها عبد الرزاق وابن أبي شيبة بأسانيد صحيحة. فرعٌ: لا يلزمه مع الإطعام إدامٌ، بل يُستحب، إلا إن كان يُطعِم أهلَه بإدام، أطعم المساكينَ بإدام؛ لما تقدم عن الصحابة إخراج الحب في كفارة اليمين. مسألةٌ: يجب استيعاب العدد المنصوص عليه في الإطعام؛ لأن الآيةَ اشترطت العَدَدَ، وهو ستُّون، ومَن أطعَمَ واحدًا أو اثنينِ، لم يُطعِمْ العدد، فلم يكُنْ ممتثلاً للأمر. فرع: لا يجزئُ إخراج القيمة بدل الطعام؛ لأن الله تعالى نص على الطعام بقوله: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾ [المجَادلة: ٤]، ولقوله تعالى في كفارة اليمين: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المَائدة: ٨٩] ولما تقدَّمَ مِنْ حديث سلَمةَ بن صخر: أن النبيَّ ﷺ فرضَها طعامًا، وإخراج القيمة خلافُ ما فرضه النبيِّ

стр. 133

ﷺ ، ومن عمل عملاً ليس عليه أمرُ الله ولا أمر رسوله: فهو رَدٌّ. لكن إذا كان في بلد لا يأخذون الطعام، فيتوجَّهُ القولُ بإجزاء القيمة.

стр. 134

كتاب اللِّعان لغة: مشتقٌّ من اللَّعْن؛ لأنَّ كل واحد من الزَّوجين يَلعَن نفسَه في الخامسة إذا كان كاذبًا. واصطلاحًا: شهادات مؤكَّدات بأيمانٍ من الجانبينِ، مقرونة باللَّعْنِ وغضبِ الله . وقد توعَّدَ الله تعالى على القذف - وهو رمي البريء بفعل الفاحشة- بأشدِّ الوعيد؛ فقال : ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ *﴾ [النُّور: ٢٤]. ويجب جَلْدُ القاذف إذا لم يُقِمِ البينةَ - وهي أربعة شهود يَشهَدون بصحة ما قال - ثمانينَ جلدةً، ويُعَدُّ فاسقًا لا تُقبَل شهادته، إلا إن تاب وأصلح؛ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ *إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ *﴾ [النُّور: ٤ - ٥]. فإذا قذف رجُلٌ امرأتَهُ بالزنا، ولم يستطع إقامة البينةَ؛ فله إسقاطُ حدِّ القذف عنه أو التعزير بالملاعنة؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ *وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ *وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ *وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ *﴾ [النُّور: ٦ - ٩].

стр. 135

والدليلُ من السُّنة على مشروعية اللِّعان: ما اتفَق عليه الشيخانِ عن ابن عمر أنه لما سُئِلَ عن المتلاعنينِ: أيُفرَّقُ بينهما؟ قال: «سبحان الله! نعم، إن أولَ مَنْ سأل عن ذلك فلانُ بن فلان، قال: يا رسول الله، أرأيتَ لو وجد أحدُنا امرأتَهُ على فاحشة، كيف يصنع؟ إن تكلَّمَ تكلَّمَ بأمر عظيم، وإن سكتَ سكتَ على مثل ذلك، قال: فسكت النبيُّ ﷺ فلم يُجِبْهُ. فلما كان بعد ذلك، أتاه فقال: إن الذي سألتُك عنه ابتُلِيتُ به؛ فأنزل اللهُ ﷻ هذه الآيات في سورة النور: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النُّور: ٦]، فتلاهنَّ عليه، ووعَظَهُ، وذكَّره، وأخبره أن عذابَ الدنيا أهونُ من عذاب الآخرة، فقال: لا والذي بعثك بالحق نبيًّا، ما كذَبتُ عليها، ثم دعاها، ووعَظَها، وأخبَرَها أن عذابَ الدنيا أهونُ من عذاب الآخرة، قالت: لا والذي بعثك بالحق نبيًّا، إنه لكاذب، فبدأ بالرجُلِ، فشَهِدَ أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة أنَّ لعنةَ الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم ثنَّى بالمرأة، فشَهِدتْ أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أنَّ غضبَ الله عليها إن كان من الصادقين، ثم فرَّق بينهما». والإجماع قائم على مشروعية اللعان في الجملة. مسألة: يحتاج الزَّوج إلى اللِّعان إذا رأى امرأته تَزني، ولا يُمكِنه إقامة البينة، أو قامت عنده قرائنُ قويةٌ على فعلها الزنا؛ كما لو رأى رجلاً يُعرَفُ بالفجور يدخل عليها. والحكمةُ في مشروعية اللِّعان للزوج: أن العارَ يَلحقه بزِناها، ويُفسِد فِراشه، ولئلا يَلحَقه ولدُ غيره.

стр. 136

مسألة: يُشترط لصحة اللعان: ١ - أن يكون بين زوجينِ مكلَّفين، وعلى هذا إن قذف صغيرة لم تبلغ انتظر حتى تبلغ ثم تلاعن، وإن قذف مجنونة فلا لعان. ٢ - وأن يَقذِفها بزنًا. ٣ - وأن تكذِّبَهُ في ذلك، ويستمر تكذبيها له إلى انقضاء اللِّعان. ٤ - وأن يتم بحُكْمِ قاض. ٥ - أن يبدأ الزوج باللعان أولاً. ٦ - أن يأتي كل من الزوجين بالجمل الخمس وأن يُوَاليَ بينها. مسألة: كيفية اللعان: يبدأ الزوج أولاً فيقول بحضرة القاضي أو نائبه أربعَ مرات: أشهد بالله لقد زنَتْ زوجتي هذه، ويشير إليها إن كانت حاضرةً، ويسمِّيها إن كانت غائبةً بما تتميز به، ويَزيد في الشهادة الخامسةِ: أنَّ لعنةَ الله عليه إن كان مِنْ الكاذبينَ، ثم تقول هي أربعَ مرات: أشهد بالله لقد كذَبَ فيما رماني به من الزنا، ثم تقول في الخامسةِ: وأنَّ غضَبَ الله عليها إن كان من الصادقين، وخُصَّتْ بالغضب؛ لأنَّ المغضوبَ عليه هو الذي يَعرِف الحقَّ ويَجحَدُه. فإذا تم اللِّعانُ على الصفة التي ذكرنا، مستوفيًا لشروط صحته، فإنَّه يترتب عليه: أولاً: سقوط حدِّ القذف عن الزَّوج إن كانت محصنة، أي بالغة عاقلة مسلمة عفيفة عن الزنا، والتعزير إن كانت غير محصنة كالمجنونة.

стр. 137

لحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «حسابكما على الله، أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها»؛ رواه البخاري. وعن سهل بن سعد ﵁ قال: «حضرت هذا عند رسول الله ﷺ ، فمضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبدًا»؛ رواه أبو داود. ثانيًا: ثبوت الفُرْقة بينهما، وتحريمها عليه تحريمًا مؤبدًا. ثالثًا: انتفاء الولد، وهذا لا يخلو من أحوال: أ-أن تكون حاملاً وعلم أنها زنت وهي حامل منه، فالولد له قطعًا، ولا ينتفي عنه بلعانه. ب- إن لم تكن حاملاً وجاءت به لأقلَّ من ستة أشهر من الزنى فالولد له، ولا ينتفي عنه بلعانه. ج- إن لم تكن حاملاً وولدته لأكثر من ستة أشهر من الزنى؛ فإن كان استبرأها - أي بعد أن حاضت لم يطأ حتى زنت - انتفى الولد عنه بمجرد اللعان، سواء نفاه أو لم ينفه، وإن لم يستبرئها فهاهنا أمكن أن يكون الولد منه، وأن يكون من الزاني، فإن نفاه في اللعان انتفى، وإلا لحق به؛ لأنه أمكن كونه منه، ولم ينفه. رابعا: أنه لا نفقة لها ولا سكنى؛ لأنها بانت منه. خامسا: أنها لا ترمى ولا يرمى ولدها بالزنى. فرع: إذا احتاج الزوج إلى نفي الولد، مثل: أن يرى امرأته تزني في طهر لم يصبها فيه، أو تقر بالزنا فيصدقها فيعتزلها، ثم تلد ما يمكن أنه من الزاني، فله أن يلاعن لنفي الولد.

стр. 138

باب العِدَد العِدَد لغةً: جمعُ عِدَّة، مِنْ العدِّ؛ وهو الحساب. واصطلاحًا: التربُّص المحدود شرعًا؛ بسبب موتٍ، أو فُرْقةِ نكاح. والأصل في العِدَّة: القرآن في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٨]. وأما السُّنة: فحديث سُبَيعة الأَسْلمية، وسيأتي. والإجماع: حكاه ابن المنذِر وابن قُدَامة رحمهما الله. مسألةٌ: الحكمة من مشروعية العِدَّة: ١ - تعظيمُ حقِّ الله؛ بالاستجابة لأمرِه. ٢ - تعظيم حق الحمل، فيما لو كانت المفارَقةُ حاملاً، واستبراء رَحِمِ المرأة من الحَمْلِ؛ لئلا يحصل اختلاطُ الأنساب. ٣ - تعظيم حق الزَّوج المطلِّق بتمكين الزوج المطلِّق ليراجع، إذا ندم وكان الطلاقُ رجعيًّا. ١ - ! تعظيمُ عقدِ النِّكاح، وأن له حُرْمةً. ٥ - ! تعظيم حق المرأة بإيجاب النفقة والكسوة والسكنى مدة العدة إذا كانت رجعية.

стр. 139

مسألة: العِدَّة واجبةٌ في مواضع: الموضوع الأول: من مات عنها زوجها بالإجماع، قال الله ﷻ : ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البَقَرَة: ٢٣٤]، وورَدَ عن ابن مسعود ﵁؛ أنه سئل: عن رجُلٍ تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقًا، ولم يدخل بها حتى مات، فقال ابن مسعود: «لها مثلُ صداق نسائها، لا وَكْسَ ولا شطَطَ، وعليها العِدَّة، ولها الميراث»، فقام مَعقِل بن سِنان الأشجعي، فقال: «قضى رسول الله ﷺ في بَرْوَعَ بنت واشق -امرأةٍ منا- بمثلِ ما قضيتَ»؛ رواه التِّرمِذي والنَّسَائي، وصحَّحه الترمذي. الموضع الثاني: من طلقها بعد الدخول بها -أي الوطء- بالإجماع، قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٨]. الموضع الثالث: من خلا بها وهي مطاوِعةٌ، مع علمِه بها، وقدرتِه على وطئها، وسواءٌ كانت بالغة أو صغيرة يُوطَأ مثلُها؛ لما ورد عن عمرَ وعليٍّ ﵄: «إذا أُجِيفَ الباب، وأُرخِيت الستورُ: فقد وجب المَهْر»؛ رواه ابن أبي شَيْبة والبَيْهَقي بإسناد صحيح. فإن لم يكُنْ وطءٌ أو خَلْوة، فلا تجب العِدَّة؛ قال الله ﷻ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزَاب: ٤٩].

стр. 140

فصل أقسام المعتدَّات الأُولى: الحامل، ولو متوفًّى عنها زوجها، وعِدَّتها: وضعُ كل الحملِ؛ بشرطِ أن يتبين فيه خَلْقُ إنسان، ولو خفيًّا؛ ودليله: قول الله ﷻ : ﴿وَأُولَاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطّلَاق: ٤]. الثانية: المتوفَّى عنها زوجُها بلا حمل منه، فعِدَّتها أربعة أشهر وعشَرة أيام، ولو لم يكن هناك دخول أو خَلْوة؛ قال الله ﷻ : ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البَقَرَة: ٢٣٤]، وعن أم سلمة قالت: «إن سُبيعة الأسلمية نفست بعد وفاة زوجها بليال، وإنها ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فأمرها أن تتزوج» رواه البخاري ومسلم. فرعٌ: إن مات زوجُ رجعية -وهي مَنْ طلَّقها زوجُها طلقة، أو الطلْقة الثانية بلا عِوَض- ابتدأت عدةَ وفاةٍ؛ لأنَّ الرجعية زوجةٌ؛ قال الله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٨]؛ فسمى اللهُ ﷻ المطلَّقة زوجة. وإن مات زوجُ مَنْ طلقها آخرَ الطلقات الثلاثة، بنَتْ على عِدَّتها، ولم تنتقل؛ لأنها أجنبيةٌ منه. الثالثة: ذات الحيضِ، وعِدَّتها ثلاثُ حِيَضٍ؛ قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٨]. والقَرء الحيض؛ لحديث عن عائشة، وفيه قوله ﷺ للمستحاضة: «اجلسي أيام أقرائك، ثم اغتسلي» رواه أحمد، وهي إنما تجلس عن الصلاة أيام الحيض. الرابعة: من طلَّقها زوجُها ولم تَحِضْ -إما لصِغَرٍ أو لكِبَرٍ- فعِدَّتُها ثلاثة أشهر؛ قال تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ

стр. 141

أَشْهُرٍ﴾ [الطّلَاق: ٤]، ومثل ذلك: مَنْ أَيِستْ من الحيض؛ لاستئصال رحمها. الخامسة: من ارتفع حيضُها، فعِدَّتها سنة، تسعةُ أشهر للحمل، وثلاثة أشهر للعِدَّة؛ لقضاء عمرَ ﵁. السادسة: المستحاضة التي نسيت موضعَ حيضها، والتي أصابها الدمُ لأولِ مرة: فعِدَّتها ثلاثة أشهر. مسألة: من فارقت زوجها بفسخ؛ لوجود عيب أو فوات شرط، والمخالعة، والمسبية، والمهاجرة، والأمة التي انتقل فيها الملك؛ فعليها الاستبراء، وهو وضع الحمل إن كانت حاملاً، فإن لم تكن فحيضة، فإن كانت آيسة أو صغيرة فشهر. ودليل ذلك حديث أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير حامل حتى تحيض حيضة»؛ رواه أحمد وأبو داود والحاكم، قال الحافظ في التلخيص: (وإسناده حسن). فصل: في الإحداد. الإحداد في اللغة: المنع. وفي الاصطلاح: منع المتوفى عنها زوجها مدة العدة ما يدعو إلى نكاحها والنظر إليها. مسألة: حكم الإحداد على الزوجة لوفاة الزوج واجب، ودليله: حديث أم عطية ﵂ أن النبي ﷺ قال: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحَدَّ على ميت فوق ثلاث ليال، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا»؛ رواه البخاري، فقوله ﷺ : «تُحَدُّ» خبر بمعنى الأمر أي: لتَحُدَّ، ولأن الحادة منعت

стр. 142

من أشياء خاصة، وهذا يدل على وجوب الإحداد لتحريم هذه الأشياء عليها، والمحرم يجب تركه. مسألة: وقت الإحداد: هو وقت العدة بالاتفاق؛ لما تقدم من حديث سُبيعة الأسلمية، وحديث أم عطية. مسألة: ما تمنع منه الحادة: ١ - الكحل وكل ما يتعلق بتجميل البدن من التحمير والتصفير، لما يأتي من حديث أم عطية. ٢ - الطيب، فلا يجوز لها أن تتطيب في بدنها ولباسها وفراشها وطعامها، كما لو شربت زعفرانًا؛ لما يأتي من حديث أم عطية، إلا إذا طهرت من حيضتها فإنها تطيب مكان الحيض؛ لحديث أم عطية ﵂: «وقد رُخِّص لنا عند الطهر إذا اغتسلت إحدانا من محيضها في نُبْذةٍ من كُستِ أظفار، وكنا نُنهى عن اتباع الجنائز»؛ رواه البخاري ومسلم، قوله: (نُبذة) قطعة صغيرة، وقوله: (كُسْتِ أظفار) نوع من العطر والطيب القطعة منه على شكل الظفر، وقيل الصواب (كست أظفار) نسبة إلى مدينة على ساحل اليمن. ٣ - لباس الزينة، فلا يجوز لها أن تلبس ما أعد للزينة عرفًا من ثياب التجمل، ولها أن تلبسَ ما شاءت من الثياب دون أن يخص بلون معين؛ عن أم عطية قالت: «كنا ننهى أن نُحدَّ على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا، ولا نكتحلَ ولا نتطيبَ ولا نلبَسَ ثوبًا مصبوغًا، إلا ثوبَ عصبٍ، وقد رُخص لنا عند الطهر إذا اغتسلت إحدانا من محيضها في نُبْذَةٍ من كُسْتِ أظفار، وكنا نُنهى عن اتباع الجنائز»؛ رواه البخاري ومسلم، قوله: (ثوبَ عصبٍ) نوع من الثياب اليمنية يعصب غزلها - أي يجمع - ويصبغ قبل أن ينسج.

стр. 143

٤ - الحلي: فيحرم عليها أن تلبَس أي نوع من أنواع الحلي في أي موضع من بدنها، ولو كان معتادًا يجب عليها نزعه، لحديث أم سلمة، زوج النبي ﷺ ، عن النبي ﷺ أنه قال: «المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب، ولا الممشقة، ولا الحلي، ولا تختضب، ولا تكتحل»؛ رواه أبو داود والنسائي في المجتبى وابن حبان والبيهقي؛ قال ابن الملقن في البدر المنير: (حسن). ٥ - الخروج من المنزل الذي توفي زوجها وهي ساكنة فيه، فلا تخرج إلا لحاجة أو ضرورة؛ لما روت فريعة بنت مالك أن زوجها خرج في طلب أعبد له فقتلوه، قالت: فسألت رسول الله ﷺ أن أرجع إلى أهلي; فإن زوجي لم يترك لي مسكنًا يملكه ولا نفقة، فقال: «نعم»، فلما كنت في الحجرة ناداني، فقال: «امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله»، قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرًا، قالت: فقضى به بعد ذلك عثمان؛ أخرجه أحمد وأبوداود والترمذي والنسائي وابن ماجه وصححه الترمذي والذهلي وابن حبان والحاكم وغيرهم. فرع: يجوز للحادة أن تغتسل، وأن تمشط شعرها، وأن تغسل بدنها بمواد التنظيف؛ لأن الأصل الحل، وأن تأخذ سنن الفطرة من تقليم الأظفار، ونتف الإبْط، ونحو ذلك؛ لأدلة سنن الفطرة. مسألة: يجب الإحداد على المتوفى عنها زوجها ولو كانت صغيرة أو غير مسلمة؛ لعموم الآية، فيمنع الولي الحادة الصغيرة والمجنونة مما تمنع منه الكبيرة العاقلة، كما يمنعها من سائر المحرمات. فرع: إن تركت الحادة الإحداد أثمت، وتمت عدتها بمضي الزمان؛ لوجوب الإحداد مدة العدة وقد مضى.

стр. 144

باب الرَّضاعِ الرضاع لغة: مَصُّ اللبَنِ من الثَّدْي. وشرعًا: مَصُّ مَنْ دونَ الحولينِ لبَنَ امرأةٍ آدمية. والأصل في الرَّضاع: القرآن؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَأُمَهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النِّسَاء: ٢٣]. والسُّنة: كما في حديث عائشةَ ﵂ مرفوعاً: «يحرُمُ مِنْ الرَّضاع ما يحرُمُ مِنْ الولادة»؛ رواه البخاري ومسلِم. والإجماع: حكاه ابن المنذِر والنوَويُّ رحمهما الله تعالى. مسألةٌ: يُشترط للرَّضاع المحرِّم شروط: ١ - أن يكون خَمْسَ رضَعاتٍ؛ لحديث عائشة ﵂: «كان فيما أُنْزِلَ من القرآن: عَشْرُ رضَعاتٍ معلومات يُحرِّمْنَ، ثم نُسِخْنَ بخَمْسِ رضَعاتٍ معلومات»؛ رواه مسلِم. ضابط الرضعة: الرضعة فَعْلة من الرضاع، فهي مرة منه، كضَرْبة وجَلْسة وأَكْلة، فمتى التقم الثدي، فامتص منه، ثم تركه باختياره من غير عارض، كان ذلك رضعة؛ لأن الشرع ورد بذلك مطلقًا، فحمل على العرف، والعرف هذا، والقطع العارض لتنفس أو استراحة يسيرة، أو لشيء يلهيه، ثم يعود عن قرب، لا يخرجه عن كونه رضعة واحدة، كما أن الآكل إذا قطع أكلته بذلك، ثم عاد عن قريب لم يكن ذلك أكلتين بل واحدة.

стр. 145

٢ - أن يكون في الحَولينِ عند جمهور العلماء؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٣]. وعند شيخ الإسلام: المعتبَرُ انتشارُ التحريم إلى انفطام الطفل؛ لحديث أم سلمة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام»؛ أخرجه الترمذي وصححه. ٣ - أن يكونَ مِنْ مَنفَذٍ معتاد؛ كالفم والأنف، وسواء شربه مباشرة من الثدي، أو من أنبوب أو إناء. ٤ - أن يكون لبن آدمية. مسألةٌ: أكلُ ما جبِّنَ أو خُلِط بالماء وصفاتُهُ باقيةٌ: ينشُرُ التحريمَ، وكذا لبنُ الميِّتة. وكذا لبن الموطوءة بعقدٍ باطل، أو زنًا؛ لكن ينشر التحريم من جهة الأم فقط. مسألةٌ: الأحكام المترتبة على الرَّضاع: الأولى: تحريم النِّكاح، وضابطُ انتشار التحريم: ينتشر إلى أصول المرضِعة؛ أمَّهاتها وإن علَوْن، وفروعها: بنتها، وبنات أولادها، وحواشيها؛ عمتها وخالتها، وإن علَوْن، دون فروع الحواشي؛ كبنت العمة والخالة. وأمَّا صاحب اللبَن: فينتشر التحريم إلى أصوله؛ أمهاته وإن علون، وفروعه: بنته وبنات أولاده، وحواشيه؛ عمته وخالته وإن علون، دون فروع الحواشي؛ كبنتِ العمة والخالة.
следующие страницы →