• دليل الجمهور على أن الماء طاهر:
الدليل الأول:
استدلوا من القرآن بقوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦].
وجه الاستدلال:
الماء ورد في الآية مطلقًا لم يقيد بشيء، والماء المطلق هو الماء الباقي على خلقته.
أما الماء المتغير فلا يسمى ماء مطلقًا، إنما يضاف إلى تلك المادة التي يتغير بها كماء ورد أو زعفران أو ماء غريب، أو ماء مستعمل ونحو ذلك.
إذًا دلت الآية على أن الطهارة بالماء المطلق، فإن لم يوجد انتقلنا إلى التيمم (١).
الدليل الثاني:
من النظر، قال ابن العربي: «المخالط للماء على ثلاثة أضرب:
ضرب يوافقه في صفتيه جميعًا: الطهارة والتطهير، فإذا خالطه فغيره، لم يسلبه وصفًا منهما، لموافقته له فيهما، وهو التراب.
وضرب يوافق الماء في إحدى صفتيه، وهي الطهارة، ولا يوافقه في صفته الأخرى، وهي التطهير، فإذا خالطه فغيره سلبه ما خالفه فيه، وهو التطهير، دون ما وافقه، وهي الطهارة، كماء الورد، وسائر الطهارات.
والضرب الثالث: مخالفته في الصفتين جميعًا، وهي الطهارة والتطهير، فإذا خالطه فغيره، سلبه الصفتين جميعًا، لمخالفته له فيهما، وهو النجس» (٢).
• دليل من قال الماء طهور
الدليل الأول:
من القرآن قوله تعالى: (وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ
стр. 107
أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦].
وجه الاستدلال: أن كلمة (ماء) نكرة فى سياق النفى فتعم كل ماء سواء كان مطلقًا أومقيدًا، متغيرًا أو غير متغير، مستعملًا أو غير مستعمل، خرج الماء النجس بالإجماع وبقي ما عداه على أنه طهور (١).
وقال ابن المنذر: قال تعالى (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦]، فالطهارة على ظاهر كتاب الله بكل ماء إلا ما منع منه كتاب أو سنة أو إجماع. والماء الذي منع الإجماع الطهارة منه هو الماء الذي غلبت عليه النجاسة بلون أوطعم أو ريح (٢).
الدليل الثاني:
(٢٤) ما رواه أحمد من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد،
عن أم هانئ قالت: اغتسل النبي ﷺ وميمونة من إناء واحد قصعة فيها أثر العجين (٣).
[صحيح إلا أن ذكر العجين في القصعة قد اختلف في ذكره، وقد رواه البخاري ومسلم وليس فيه ذكر للعجين] (٤).
فهذا ماء وقع فيه عجين، ولا بد أن يتغير الماء خاصة إذا قل الماء وانحل العجين، ومع ذلك لم يمنع من التطهر به.
• وأجيب:
بأن الحديث في الصحيحين، وليس فيه ذكر للعجين، ولو كان ذكر العجين محفوظًا، فهو لم يغتسل بإناء فيه عجين، وإنما اغتسل بإناء فيه أثر العجين، وأثر العين غير العين، فهو مقدار يسير جدًّا قد لا يبلغ ما يتغير به لون الماء، والله أعلم.
стр. 108
الدليل الثالث
(٢٥) ما رواه البخاري، من طريق أيوب، عن سعيد بن جبير،
عن ابن عباس ﵄، قال: بينما رجل واقف بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته -أو قال فأوقصته- قال النبي ﷺ : اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا (١).
الدليل الرابع:
(٢٦) ما رواه البخاري، من طريق أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين،
عن أم عطية الأنصارية ﵂، قالت: دخل علينا رسول الله ﷺ حين توفيت ابنته، فقال: اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورًا أو شيئًا من كافور، فإذا فرغتن فآذنني، فلما فرغنا آذناه، فأعطانا حقوه، فقال: أشعرنها إياه يعني إزاره (٢).
وجه الاستدلال من الحديثين:
أن السدر أضيف إلى الماء، ولا بد أن يتغير به، ومع ذلك لم يمنع أن يتطهر به الميت، وما طهر الميت طهر الحي؛ إذ لا فرق.
الدليل الخامس: من الآثار
(٢٧) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن شعبة، عن أبي نوفل بن أبي عقرب، عن ابن عباس، قال: يجزئه أن لا يعيد على رأسه الغسل - يعني إذا غسل رأسه بالخطمي.
стр. 109
[إسناده صحيح] (١).
الأثر الثاني:
(٢٨) روى ابن أبي شيبة أيضًا، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن الحارث بن الأزمع،
قال عبد الله: من غسل رأسه بالخطمي، وهو جنب، فقد أبلغ الغسل.
[إسناده حسن] (٢).
قال ابن حزم في المحلى: وهذا قول ثابت عن ابن مسعود، قال: إذا غسل رأسه بالخطمي أجزأه ذلك، وكذلك نصًا عن ابن عباس. وروي أيضًا هذا عن علي بن
أبي طالب، وثبت عن سعيد بن المسيب، وابن جريج، وعن صواحب النبي ﷺ من نساء الأنصار، والتابعات منهن أن المرأة الجنب والحائض إذا امتشطت بحنا رقيق أن ذلك يجزئها من غسل رأسها للحيضة والجنابة، ولا تعيد غسله، وثبت عن إبراهيم
стр. 112
النخعي وعطاء بن أبي رباح وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وسعيد بن جبير أنهم قالوا في الجنب يغسل رأسه بالسدر والخطمي: إنه يجزئه ذلك من غسل رأسه للجنابة (١). اهـ
وهذا القول هو الراجح، والله أعلم.
* * *
стр. 113
الفرع الثاني خلاف العلماء في الطهارة بالنبيذ
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• طهارة الحدث مختصة بالماء المطلق أو ببدله التراب.
• النبيذ ليس ماء مطلقًا لا في اللغة، ولا في الشرع.
• النبيذ ماء تغير بطاهر حتى غلب على أجزائه، فسلبه اسمه وطهوريته على الصحيح.
• كل ماء لا يرفع الحدث في الحضر، لا يرفع الحدث في السفر.
[م-١٢] اتفق العلماء على أن الحدث يرفع بالماء الطهور، واختلفوا في رفعه بالنبيذ
فقيل: يتوضأ به إن لم يجد غيره، وهو مذهب أبي حنيفة (١).
وقيل: يتوضأ به ويتيمم، وهو مذهب محمد بن الحسن (٢).
стр. 114
وقيل: يتيمم، ولا يتوضأ به، وهو رواية عن أبي حنيفة، اختارها أبو يوسف، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة، ورجحه ابن حزم (١).
• الدليل على أن الحدث يرفع بالماء الطهور:
الإجماع أن الماء الطهور يرفع الحدث (٢).
قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن الحدث لا يرفع بسائل آخر غير الماء كالزيت والدهن والمرق (٣).
وقال الغزالي: الطهورية مختصة بالماء من بين سائر المائعات، أما في طهارة الحدث فبالإجماع (٤).
وتعقبه النووي في المجموع شرح المهذب، فقال: حكى أصحابنا عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وأبي بكر الأصم: أنه يجوز رفع الحدث وإزالة النجاسة بكل مائع طاهر، قال القاضي أبو الطيب: إلا الدمع فإن الأصم يوافق على منع الوضوء
стр. 115
به، ثم قال: والأول أرجح؛ قال تعالى (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦]، فأحالنا إلى التيمم عند عدم الماء، ولم ينقلنا إلى سائل آخر (١).
• دليل الحنفية على جواز الوضوء بالنبيذ:
الدليل الأول:
(٢٩) ما رواه أحمد، من طريق إسرائيل، عن أبي فزارة، عن أبي زيد مولى عمرو ابن حريث، عن ابن مسعود، قال: كنت مع النبي ﷺ ليلة لقي الجن، فقال: أمعك ماء؟ فقلت: لا. فقال: ما هذه الإداوة؟ قلت: نبيذ. قال: أرنيها تمرة طيبة وماء طهور، فتوضأ منها، ثم صلى بنا (٢).
[إسناده ضعيف] (٣).
الدليل الثاني:
(٣٠) ما رواه الدارقطني من طريق أبي القاسم يحيى بن عبد الباقي، أخبرنا المسيب بن واضح، أخبرنا مبشر بن إسماعيل الحلبي، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : النبيذ وضوء لمن لم يجد الماء (١).
فالخلاصة أن حديث ابن مسعود جاء من ثلاثة طرق ضعيفة.
والسؤال: هل هذه الطرق الضعيفة يمكن أن يقوي بعضها بعضًا فتكون حسنة لغيرها، فيصلح الاحتجاج بها، على أن الضعيف إذا جاء من طريق آخر شد بعضه بعضًا كما قال بعضهم في قوله في شهادة المرأة (فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى) [البقرة: ٢٨٢].
الجواب: هذا ممكن أن يقال لولا أن الحديث فيه مخالفات:
الأولى: المخالفة لظاهر الكتاب.
قال تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦]، فنقلنا عند عدم وجود الماء إلى التيمم، ولو كان هناك سائل آخر يمكن التطهر منه لأحالنا عليه كالنبيذ، وعليه فإذا لم نجد إلا نبيذًا فإننا نتيمم، لأننا لم نجد الماء.
ثانيًا: مخالفته للسنة.
(٣١) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر،
أنه أتى النبي ﷺ وقد أجنب، فدعا النبي ﷺ بماء، فاستتر واغتسل، ثم قال له النبي ﷺ : إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك هو خير (١).
[تفرد به عمرو بن بجدان عن أبي ذر، قال فيه أحمد: لا أعرفه] (٢).
ثالثًا: المخالفة لما ثبت في مسلم.
(٣٢) قال علقمة: سألت ابن مسعود فقلت: هل شاهد أحد منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: لا. ولكن كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا استطير أو اغتيل قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء، قال: فقلنا يا رسول الله فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم. فقال: أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن، قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم ... الحديث (١).
فأحاديث النبيذ تروي: أن ابن مسعود شهد ليلة الجن مع رسول الله ﷺ ، وهذا الحديث في مسلم صريح بأنه لم يكن مع رسول الله ﷺ .
стр. 128
رابعًا: الحنفية ﵏ خالفوا هذه المرة مقتضى قواعدهم، فإن أحاديث الآحاد عندهم دلالتها ظنية، والقرآن دلالته قطعية، وهم يردون أحاديث في الصحيحين مجمعًا على صحتها؛ لأن ظاهرها يخالف آية قرآنية أو قاعدة شرعية بحسب فهمهم، ومع ذلك عملوا بأحاديث الوضوء بالنبيذ مع أن أحاديثه تخالف ظاهر القرآن، ولا يسلم منها حديث واحد كما سبق.
ولو تجاهلنا كل هذه المخالفات من مخالفة الكتاب والسنة وقلنا: إن حديث الوضوء بالنبيذ قابل؛ لأن يكون حسنًا لغيره، فإننا نحمله على أن تسميته نبيذًا فيه تجاوز، وأن النبيذ الذي كان مع ابن مسعود لم يخرج عن رقة الماء وطبيعته وسيولته، وغاية ما فيه أنه ماء تغير بشيء طاهر، لم يخرج فيه عن مسمى الماء، كما لو تغير الماء بشيء طاهر ولم يخرج عن اسمه، ولذلك أطلق عليه الرسول ﷺ ماء طهور، بقول: ثمرة طيبة وماء طهور، وسوف يأتي في قسم الماء الطاهر تحرير الخلاف في الماء إذا تغير بشيء طاهر إن شاء الله تعالى. والله أعلم.
فخلصنا من هذا أن الحدث لا يرفع إلا بالماء الطهور، ويرفع أيضًا بالتيمم على خلاف هل التيمم رافع أم مبيح؟ وسوف يأتي تحريرها إن شاء الله تعالى في بحوث التيمم.
وأما إزالة النجاسة فهل يتعين الماء الطهور؟ أو تزال بأي مزيل، سيأتي إن شاء الله تعالى بحثها في بحوث النجاسات.
* * *
стр. 129
الفصل الثاني الماء المتغير بالنجاسة
المبحث الأول الماء المتغير بمجاورة نجاسة
الفرع الأول المقصود من التغير بالمجاورة
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• كل ماء تغير بالنجاسة فهو نجس، وإن لم يمازج على الصحيح، إلا ما تغير ريحه بالمجاورة.
• تغير الطعم واللون لا يكون عن مجاورة على الصحيح.
[م-١٣] اختلف العلماء في المقصود من التغير بالمجاورة.
فقيل: التغير بالمجاورة لا يشمل إلا الرائحة فقط، وأما تغير الطعم واللون فلا يكون إلا عن ممازجة، وهذا مذهب الجمهور، وقول في مذهب المالكية (١).
وقيل: التغير بالمجاورة لا يضر، ولو تغيرت أوصافه الثلاثة، وهو قول في مذهب المالكية.
стр. 130
قال الصاوي في حاشيته على الشرح الصغير: «بل لو فرض تغير الثلاثة -يقصد الطعم واللون والرائحة- لا يضر، وإنما اقتصر المؤلف على الريح لكونه الشأن» (١).
والراجح القول الأول، وسيأتي ما يدعم ذلك عند بيان حكم الماء المتغير بالمجاورة في الفرع التالي إن شاء الله تعالى.
* * *
стр. 131
الفرع الثاني حكم الماء المتغير بالمجاورة
[م-١٤] لو كان هناك ماء طهور، فتغيرت رائحته بجيفة قريبة منه، ولم تقع فيه، فذهب الأئمة الأربعة إلى أنه طهور، قولًا واحدًا، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (١).
• الدليل على ذلك:
الدليل الأول: الإجماع .
نقل الإجماع عدد من العلماء، منهم الحطاب من المالكية (٢)، والنووي من
стр. 132
الشافعية (١)، وابن مفلح الصغير (٢)، وصاحب الشرح الكبير من الحنابلة (٣).
الدليل الثاني:
لا يلزم من انتقال الرائحة انتقال جزء من الميتة، فهذا الطيب تجد ريحه ينتشر في المكان، وعينه باقية لم تنتقل، فالرائحة لها نفاذ كما هو معلوم.
ومع كونه طهورًا بالإجماع إلا أن التنزه عنه أفضل متى وجد غيره؛ لأن الماء قد لا يسلم من تلوثه ببعض الميكروبات التي قد تضر بعض الناس، والله أعلم.
* * *
стр. 133
المبحث الثاني الماء المتغير بممازجة النجاسة
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• حكم الماء المتغير حكم مغيره، فإن كان بنجس تنجس إجماعًا، وإن كان بطاهر، فإن لم يغلب على أجزائه فهو طهور على الصحيح، وإن غلب فهو طاهر، وخرج عن اسم الماء كالنبيذ.
• استعمال الماء المتغير بالنجاسة استعمال للنجاسة.
• الإجماع يخصص السنة كتخصيص حديث: الماء طهور لا ينجسه شيء، بالإجماع على أن ما تغير بنجاسة فهو نجس.
[م-١٥] إذا وقعت في الماء نجاسة، فغيرت طعمه أو لونه، أو ريحه تنجس، وهو مذهب الأئمة الأربعة أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد (١).
وفي الريح خلاف شاذ عن عبد الملك بن الماجشون (٢).
стр. 134
• دليل الجمهور على نجاسة الماء:
الدليل الأول: الإجماع .
قال ابن نجيم: «اعلم أن العلماء أجمعوا على أن الماء إذا تغير أحد أوصافه بالنجاسة لا تجوز الطهارة به، قليلًا كان الماء أو كثيرًا، جاريًا كان أو غير جار، هكذا نقل الإجماع في كتبنا (١).
ونقله الإجماع الطحاوي من الحنفية (٢).
وقال الباجي من المالكية: «ما تغير بنجاسة خالطته، فلا خلاف في نجاسته» (٣).
وقال الشافعي ﵀: «إذا تغير طعم الماء، أو ريحه، أو لونه كان نجسًا، يروى عن النبي ﷺ من وجه لا يُثْبِت مثله أهل الحديث، وهو قول العامة لا أعلم بينهم فيه اختلافًا» (٤).
وحكي الإجماع النووي أيضًا (٥)، وابن قدامة (٦)، وابن تيمية من الحنابلة (٧).
وقال ابن المنذر: «أجمع أهل العلم على أن الماء القليل أو الكثير إذا وقعت فيه نجاسة، فغيرت النجاسة الماء طعمًا أو لونًا أو ريحًا، أنه نجس ما دام كذلك، ولا يجزي الوضوء والاغتسال به» (٨).
стр. 135
كما حكي الإجماع من المحدثين ابن حبان (١)، في صحيحه، والبيهقي (٢)، وابن عبد البر في التمهيد (٣)، والعراقي (٤).
الدليل الثاني: من النظر
أن استعمال الماء المتغير بالنجاسة استعمال للنجاسة نفسها.
قال حرب بن إسماعيل: سئل أحمد عن الماء إذا تغير طعمه أو ريحه؟ قال: فلا يتوضأ به، ولا يشرب، وليس فيه حديث، ولكن الله تعالى حرم الميتة، فإذا صارت الميتة في الماء فتغير طعمه أو ريحه، فذلك طعم الميتة وريحها، فلا يحل له، وذلك أمر ظاهر.
قال الخلال: وإنما قال أحمد ليس فيه حديث؛ لأن هذا الحديث (الماء طهور إلا ما غلب ... الحديث) يرويه سليمان بن عمر، ورشدين بن سعد، وكلاهما ضعيف (٥).
قال ابن حزم: وإذا تغير لون الطاهر بما مازجه من نجس، أو تغير طعمه بذلك، أو تغير ريحه، فإننا حينئذ لا نقدر على استعمال الطاهر إلا باستعمال النجس، واستعمال النجس حرام في الصلاة، ولذلك وجب الامتناع عنه (٦).
وأما ما يروى عن النبي ﷺ من نجاسة الماء إذا غيرت طعمه، أو لونه، أو ريحه فلا يثبت عن النبي ﷺ فيه شيء.
(٣٣) فقد روى ابن ماجه، قال: حدثنا محمود بن خالد والعباس بن الوليد الدمشقيان، قالا: ثنا مروان بن محمد، ثنا رشدين، أنبأنا معاوية بن صالح، عن راشد
стр. 136
ابن سعد، عن أبي أمامة الباهلي، قال: قال رسول الله ﷺ : إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
قال صديق حسن خان: «وقد اتفق أهل الحديث على ضعف الزيادة -يعني زيادة الاستثناء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه- لكنه قد وقع الإجماع على مضمونها، كما نقله ابن المنذر، وابن الملقن في البدر المنير، والمهدي في البحر، فمن كان يقول: بحجية الإجماع، كان الدليل عنده على ما أفادته تلك الزيادة هو الإجماع، ومن كان لا يقول بحجية الإجماع، كان هذا الإجماع مفيدًا لصحة تلك الرواية، لكونها صارت مما أجمع على معناها وتلقي بالقبول، فالاستدلال بها، لا بالإجماع» (١).
ولا أعرف أن الإجماع يعتبر به في تقوية الحديث الضعيف، فالإجماع وحده حجة، ولا يعتبر بالحديث الضعيف لا من القرآن، ولا من الإجماع، ولا من غيرهما إلا من السنة فقط بشروط ليس هذا مجال ذكرها، هذا الذي أعرفه من عمل أئمة الحديث، والله أعلم.
• دليل من قال: تغير ريح الماء بالنجاسة لا يضر:
الدليل الأول:
أن الثياب لا تنجس بروائح النجاسات، فكذلك الماء؛ لأنه أقوى في الدفع عن نفسه، ولأن الرائحة لو كان تغيرها معتبرًا لذكر في الحديث. اهـ
الدليل الثاني:
أن التغير بالرائحة بالمجاورة لا ينجس، بخلاف التغير بالطعم واللون، وهذا دليل على التفريق بين الرائحة والطعم واللون، والله أعلم.
стр. 139
• الراجح:
القول الأول، والله أعلم، ولعل قول ابن الماجشون يعتبر خرقًا للإجماع المنقول من أكثر من مصدر، والله أعلم.
* * *
стр. 140
الباب الخامس في الماء المستعمل
الفصل الأول حكم الماء المستعمل في رفع الحدث
المبحث الأول في تعريف الماء المستعمل
[م-١٦] متى يكون الماء مستعملًا؟
وللجواب على ذلك نقول: الماء المتقاطر من أعضاء الوضوء في رفع الحدث مستعمل بالاتفاق (١).
وأما إذا غمس يده في ماء بنية رفع الحدث، فهل يكون مستعملًا؟
قالوا: إذا كان الماء قليلًا كان مستعملًا.
стр. 141
[م-١٧] واختلفوا في حد القليل:
فيرى الحنفية أن الجنب إذا انغمس في البئر فسد الماء، وإن انغمس لطلب الدلو فسد الماء على رأي أبي حنيفة خلافًا لصاحبيه (١).
ومعنى هذا أن البئر في حد القليل عندهم.
وأما المالكية فيرون اليسير كآنية الوضوء والغسل، فإن غمس يده فيها صار مستعملًا، وإن كان أكثر من ذلك لم يكن مستعملًا (٢).
والشافعية والحنابلة يحدون القليل بما دون القلتين، فإن انغمس في ماء دون القلتين صار مستعملًا، وإلا فلا (٣).
ولا يكون الماء مستعملًا إذا أدخل يده في الإناء بنية الاغتراف، وهو قول الأئمة الأربعة (٤).
стр. 142
هذا كلام أهل العلم في الماء متى يكون مستعملًا، وهو واضح في الماء المتقاطر من العضو، حيث استعمل في طهارة العضو، وأما الماء الذي وضع يده فيه فلم يتضح لي أن النية مؤثرة؛ لأن فساد الماء من الأحكام الوضعية، وهي لا تؤثر فيها النية، فمن غمس يده في الماء سواء كان مكلفًا أو غير مكلف، وسواء كان محدثًا أو كان عن الوضوء قربة كالتجديد، أو قصد به النظافة فالحكم واحد، فما انفصل من يده فهو مستعمل، وما كان في الإناء فهو غير مستعمل، ولا يؤخذ بحديث القلتين في تحديد الماء القليل؛ لأننا لو سلمنا بمفهوم حديث القلتين فإنه في معرض بيان وقوع النجاسات في الماء، وليس في بيان وقوع الأعيان الطاهرة فيه، والله أعلم.
* * *
стр. 143
المبحث الثاني خلاف العلماء في الماء المستعمل في رفع الحدث
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• المستعمل في طهارة واجبة كالمستعمل في طهارة مستحبة أو للتبرد على الصحيح؛ لأن انتقال الماء عن الطهورية بالاستعمال خطاب وضعي، لا يتوقف على النية والتي هي من أحكام التكليف.
• استعمال الماء في طهارة الحدث كاستعمال التراب في التيمم لا ينقلهما عن الطهورية.
• المستعمل ماء مطلق باقي على أوصاف خلقته، والأحكام إنما تناط بالحقائق الظاهرة، لا بالأشياء الخفية على الصحيح.
• الطهورية صفة لازمة للماء تفيد التكرار بصيغتها وصفتها على الصحيح، فيصح الوضوء بالمستعمل.
• الماء المستعمل ماء طهور لاقى جسمًا طاهرًا فلا ينقله عن حكمه في الأصح كما لو استعمل في تبرد وتنظف.
• إذا كان الماء حال جريانه على الأعضاء طهورًا مطلقًا (١)، فانفصاله لا يوجب تغير حكمه على الأصح.
стр. 144
• المستعمل إن تغير بوسخ كان له حكم الماء المتغير بطاهر، وإن لم يتغير كان له حكم الماء الذي مر بطاهر لم يغيره، وفي الحالين هو طهور على الصحيح.
وقيل:
• سلب الطهورية من الماء المستعمل، هل هو معلل بأنه أديت به قربة، فيدخل فيه التجديد والمسنون، أو معلل بأداء الفرض وزوال المانع فيختص بما رفع به الحدث؟
• المستقذر شرعًا كالمستقذر حسًا، فالزكاة لما كانت مطهرة من الذنوب صارت أوساخ الناس فلم تحل لآل محمد، فمن ثم قال الأئمة: الماء المستعل لما كان مطهرًا من الذنوب لم يرفع به الحدث.
[م-١٨] بعد أن عرفنا متى يصبح الماء مستعملًا، نذكر خلاف العلماء في طهوريته،
فقيل: إنه نجس، وهو رواية عن أبي حنيفة، واختارها أبو يوسف (١).
وقيل: طهور مكروه في رفع الحدث، غير مكروه في زوال الخبث، وهو مذهب المالكية (٢).
стр. 145
وقيل: طاهر غير مطهر.
وهو الرواية المشهورة عن الإمام أبي حنيفة ﵀، وعليها الفتوى، واختارها محمد بن الحسن، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة (١).
وقيل: طهور بلا كراهة، وهو رواية عن أحمد (٢)، ورجحها ابن حزم (٣)، وابن تيمية (٤)، وابن عبد الهادي (٥)، والشوكاني (٦)، وغيرهم.
• دليل من قال بنجاسة الماء المستعمل:
الدليل الأول:
(٣٤) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى، عن محمد بن عجلان، قال: سمعت أبي،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : لا يبل أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من الجنابة (٧).