← Фикх общий

Фикх общий · id 157

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 3

دبيان الدبيان

Полный текст (5 371 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

[م-١٧] واختلفوا في حد القليل: فيرى الحنفية أن الجنب إذا انغمس في البئر فسد الماء، وإن انغمس لطلب الدلو فسد الماء على رأي أبي حنيفة خلافًا لصاحبيه (١). ومعنى هذا أن البئر في حد القليل عندهم. وأما المالكية فيرون اليسير كآنية الوضوء والغسل، فإن غمس يده فيها صار مستعملًا، وإن كان أكثر من ذلك لم يكن مستعملًا (٢). والشافعية والحنابلة يحدون القليل بما دون القلتين، فإن انغمس في ماء دون القلتين صار مستعملًا، وإلا فلا (٣). ولا يكون الماء مستعملًا إذا أدخل يده في الإناء بنية الاغتراف، وهو قول الأئمة الأربعة (٤).

стр. 142

هذا كلام أهل العلم في الماء متى يكون مستعملًا، وهو واضح في الماء المتقاطر من العضو، حيث استعمل في طهارة العضو، وأما الماء الذي وضع يده فيه فلم يتضح لي أن النية مؤثرة؛ لأن فساد الماء من الأحكام الوضعية، وهي لا تؤثر فيها النية، فمن غمس يده في الماء سواء كان مكلفًا أو غير مكلف، وسواء كان محدثًا أو كان عن الوضوء قربة كالتجديد، أو قصد به النظافة فالحكم واحد، فما انفصل من يده فهو مستعمل، وما كان في الإناء فهو غير مستعمل، ولا يؤخذ بحديث القلتين في تحديد الماء القليل؛ لأننا لو سلمنا بمفهوم حديث القلتين فإنه في معرض بيان وقوع النجاسات في الماء، وليس في بيان وقوع الأعيان الطاهرة فيه، والله أعلم. * * *

стр. 143

المبحث الثاني خلاف العلماء في الماء المستعمل في رفع الحدث مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • المستعمل في طهارة واجبة كالمستعمل في طهارة مستحبة أو للتبرد على الصحيح؛ لأن انتقال الماء عن الطهورية بالاستعمال خطاب وضعي، لا يتوقف على النية والتي هي من أحكام التكليف. • استعمال الماء في طهارة الحدث كاستعمال التراب في التيمم لا ينقلهما عن الطهورية. • المستعمل ماء مطلق باقي على أوصاف خلقته، والأحكام إنما تناط بالحقائق الظاهرة، لا بالأشياء الخفية على الصحيح. • الطهورية صفة لازمة للماء تفيد التكرار بصيغتها وصفتها على الصحيح، فيصح الوضوء بالمستعمل. • الماء المستعمل ماء طهور لاقى جسمًا طاهرًا فلا ينقله عن حكمه في الأصح كما لو استعمل في تبرد وتنظف. • إذا كان الماء حال جريانه على الأعضاء طهورًا مطلقًا (١)، فانفصاله لا يوجب تغير حكمه على الأصح.

стр. 144

• المستعمل إن تغير بوسخ كان له حكم الماء المتغير بطاهر، وإن لم يتغير كان له حكم الماء الذي مر بطاهر لم يغيره، وفي الحالين هو طهور على الصحيح. وقيل: • سلب الطهورية من الماء المستعمل، هل هو معلل بأنه أديت به قربة، فيدخل فيه التجديد والمسنون، أو معلل بأداء الفرض وزوال المانع فيختص بما رفع به الحدث؟ • المستقذر شرعًا كالمستقذر حسًا، فالزكاة لما كانت مطهرة من الذنوب صارت أوساخ الناس فلم تحل لآل محمد، فمن ثم قال الأئمة: الماء المستعل لما كان مطهرًا من الذنوب لم يرفع به الحدث. [م-١٨] بعد أن عرفنا متى يصبح الماء مستعملًا، نذكر خلاف العلماء في طهوريته، فقيل: إنه نجس، وهو رواية عن أبي حنيفة، واختارها أبو يوسف (١). وقيل: طهور مكروه في رفع الحدث، غير مكروه في زوال الخبث، وهو مذهب المالكية (٢).

стр. 145

وقيل: طاهر غير مطهر. وهو الرواية المشهورة عن الإمام أبي حنيفة ﵀، وعليها الفتوى، واختارها محمد بن الحسن، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة (١). وقيل: طهور بلا كراهة، وهو رواية عن أحمد (٢)، ورجحها ابن حزم (٣)، وابن تيمية (٤)، وابن عبد الهادي (٥)، والشوكاني (٦)، وغيرهم. • دليل من قال بنجاسة الماء المستعمل: الدليل الأول: (٣٤) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى، عن محمد بن عجلان، قال: سمعت أبي، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : لا يبل أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من الجنابة (٧).

стр. 146

[رجاله ثقات إلا محمد بن عجلان فإنه صدوق، والحديث بهذا اللفظ غير محفوظ] (١).

стр. 147

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 148

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 149

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 150

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 151

وجه الاستدلال: إن النهي عن الاغتسال في الماء الراكد جاء مقرونًا بالنهي عن البول فيه، فإذا كان البول ينجسه فكذلك الاغتسال (١). ويجاب بجوابين: أحدهما: أن الحديث انفرد به ابن عجلان مخالفًا كل من رواه عن أبي هريرة، وهذا رأي البيهقي في السنن. وقال النووي: رواه هكذا أبو داود في سننه، من رواية محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، ورواه البخاري ومسلم في صحيحهما عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ثم يغتسل منه). وفى رواية لمسلم: (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم، وهو جنب، فقيل لأبي هريرة: كيف يفعل؟ . قال: يتناوله تناولًا). فهاتان الروايتان خلاف رواية أبي داود. قال البيهقى: رواية الحفاظ من أصحاب أبي هريرة كما رواه البخاري ومسلم (٢).

стр. 152

الجواب الثاني: أن يقال: دلالة الاشتراك دلالة ضعيفة، فلايلزم من الاشتراك في النهي الاشتراك في الحكم، فقد ورد قوله تعالى: (كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) [الأنعام: ١٤١]، فقد اقترن الأمر بالأكل مع الأمر بإعطاء حق المال .. والأمر بالأكل مباح بخلاف الأمر بإعطاء حق المال فإنه قد يكون واجبًا كما في الزكاة، وإنقاذ الهلكة وقرى الضيف (١). الدليل الثاني على نجاسة الماء المستعمل: (٣٥) ما رواه مسلم من طريق شداد بن عبد الله أبي عمار ويحيى بن أبي كثير، عن أبي أمامة، قال: قال عمرو بن عبسة السلمي ما منكم رجل يقرب وضوءه، فيتمضمض، ويستنشق فينتثر إلا خرت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه، ثم إذا غسل وجهه كما أمره

стр. 153

الله، إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين، إلا خرت خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم يمسح رأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خرت خطايا رجليه من أنامله مع الماء، فإن هو قام، فصلى، فحمد الله، وأثنى عليه، ومجده بالذي هو له أهل، وفرغ قلبه لله إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه، فحدث عمرو بن عبسة بهذا الحديث أبا أمامة صاحب رسول الله ﷺ ، فقال له أبو أمامة: يا عمرو بن عبسة انظر ما تقول، في مقام واحد يعطي هذا الرجل، فقال عمرو: يا أبا أمامة لقد كبرت سني، ورق عظمي، واقترب أجلي، وما بي حاجة أن أكذب على الله، ولا على رسول الله لو لم أسمعه من رسول الله ﷺ إلا مرة أو مرتين أو ثلاثًا حتى عد سبع مرات ما حدثت به أبدًا، ولكني سمعته أكثر من ذلك (١). وجه الاستدلال: أن هذه الخطايا نجاسات وقاذورات فيتنجس الماء المخالط لها (٢). • ويجاب عن هذا من وجوه: الوجه الأول: إن الذنوب ليست لها أجرام محسوسة نراها تخالط الماء حتى تؤثر فيه. الوجه الثاني: أن العبد إذا أذنب لا يقال له تنجس. الوجه الثالث: إذا فرغ العبد من الوضوء ثم أذنب لا يؤثر ذلك في وضوئه، ولو كانت هذه الذنوب تؤثر في الماء لكان لها تأثير على بدن المتلبس بها من باب أولى.

стр. 154

الدليل الثالث: قالوا: إن استعمال الماء لرفع الحدث يسمى طهارة، قال تعالى: (وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) [المائدة: ٦]. والطهارة لا تكون إلا عن نجاسة؛ إذ تطهير الطاهر لا يعقل (١). • ويجاب عن ذلك من وجوه: الوجه الأول: إنما سمي طهارة؛ لأنه يطهر العبد من الذنوب، لا أنه طهره من نجاسة حلت فيه. ولذلك لما اعتبر أبو هريرة حدثه نجاسة بين له ﷺ بقوله: (إن المؤمن لا ينجس). متفق عليه. وقوله: (لا ينجس) أي بمثل ذلك، وإلا فالمؤمن قد تطرأ عليه النجاسة الحسية كغيره. الوجه الثاني: تجديد الوضوء يسمى طهارة شرعية مع أنه متطهر. الوجه الثالث: لو كان المحدث نجسًا لما صح حمله في الصلاة، وقد جاء في حديث أبي قتادة في الصحيحين: (أن الرسول ﷺ كان يصلى، وهو حامل أمامه بنت زينب) (٢). الوجه الرابع: المتوضئ لابد أن يتساقط على ثوبه من الماء المستعمل، ومعنى هذا أنه سوف تتنجس ثيابه، وكذلك ما يتنشف به، لكن حاولوا ينفكون من هذا بأنه سقط الحكم

стр. 155

هنا لرفع الحرج، وهذا الانفكاك لا يفك؛ لأنه لو سقط من ثياب المتوضئ الذي عليه لم يسقط الحكم من الثياب التي يتنشف بها، ولا في ثياب غير المتوضئ، كما لو سلم عليه أو وقعت على ثيابه. • دليل من قال الماء طاهر وليس بطهور: أما كونه طاهرًا، فله أدلة كثيرة منها: الدليل الأول: (٣٦) ما رواه البخاري من طريق الزهري، قال: أخبرني عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان يصدق كل واحد منهما صاحبه، وفيه من حديث طويل: وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه (١). الدليل الثاني: (٣٧) ما رواه البخاري من طريق شعبة، عن محمد بن المنكدر، قال: سمعت جابرًا يقول: جاء رسول الله ﷺ يعودني، وأنا مريض لا أعقل، فتوضأ وصب علي من وضوئه، فعقلت، فقلت: يا رسول الله لمن الميراث إنما يرثني كلالة، فنزلت آية الفرائض (٢). وفي الباب في الصحيحين من حديث أبي جحيفة والسائب بن يزيد. فإن قال الذاهبون إلى نجاسة الماء المستعمل في رفع الحدث، إن قالوا: إن هذه من خصائص النبي ﷺ . قيل: الخصوصية إنما هو في التبرك بالماء، لا في طهارته، فباب الطهارة حكم الرسول ﷺ حكم أمته، ولهذا بول النبي ﷺ نجس كبول أمته، والقاعدة في هذا أن حكم الرسول ﷺ في شيء حكم أمته، حتى يقوم دليل على الخصوصية.

стр. 156

الدليل الثالث: (٣٨) ما رواه البخاري من طريق أفلح، عن القاسم، عن عائشة قالت: كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد تختلف أيدينا فيه (١). وجه الاستدلال: أن هذا الإناء لا يسلم من رشاش يقع فيه، ولو كان المستعمل نجسًا لتنجس الماء. وقول: إن هذا مما عفي عنه يصح هذا التقدير لو صح الأصل، وهو نجاسة المستعمل، ولكنه قول شاذ. الدليل الرابع: أن بدن المسلم طاهر بالإجماع حال الحياة (٢)، قال الرسول ﷺ لأبي هريرة: إن المؤمن لا ينجس، متفق عليه. فيكون المستعمل ماءً طهورًا لاقى بدنًا طاهرًا، فكيف ينجس؟ هذا فيما يتعلق بالأدلة على طهارة الماء المستعمل. و أما الأدلة على كون المستعمل ماءً طاهرًا غير طهور، منها: الدليل الأول: (٣٩) ما رواه مسلم في صحيحه من طريق ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، أن أبا السائب مولى هشام بن زهرة حدثه، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم، وهو جنب.

стр. 157

فقال: كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال: يتناوله تناولًا (١). وجه الاستدلال: قالوا: لما نهى رسول الله ﷺ عن الاغتسال في الماء الدائم دل ذلك على أن الاغتسال يؤثر في الماء، ولو كان لا يؤثر لما نهى عنه، فالمراد من نهيه حتى لا يصير الماء مستعملًا (٢). • ويجاب عنه بأجوبة منها: الجواب الأول: أن هذا الحديث قد انفرد به عبد الله بن السائب، عن أبي هريرة، وقد رواه جمع عن أبي هريرة منهم الأعرج في البخاري، ومحمد بن سيرين في مسلم، وهما من أخص أصحاب أبي هريرة، كما رواه همام بن منبه في مسلم، وحميد بن عبد الرحمن، وعطاء ابن ميناء، وأبو مريم، وخلاس بن عمرو، وأبو عثمان مولى المغيرة، وغيرهم رووه عن أبي هريرة بلفظ: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ثم يغتسل منه، وفي رواية: ثم يغتسل فيه، فتفرد السائب بهذا الحديث توجب ريبة في قبول مثل هذا، خاصة أنه في الحكم لا فرق بين بدن الجنب وغيره، وقد قال الرسول ﷺ : إن المسلم لا ينجس. الجواب الثاني: أن الرسول ﷺ لم يعلل بأن الماء يكون مستعملًا، ولم يذكر الرسول ﷺ قط بأن الماء يكون مستعملًا، فهذا الكلام زيادة على حديث الرسول ﷺ . الجواب الثالث: أن الحديث نص في الماء الدائم، وهو يشمل ما فوق القلتين، وما دون القلتين، وأنتم قلتم بأنه لا يكون مستعملًا إلا إذا كان دون القلتين. فهذه مخالفة أخرى للحديث.

стр. 158

الجواب الرابع: أن الحديث نهي عن الاغتسال، وذلك يعني غسل البدن كله، وأنتم أدخلتم ما دون ذلك، وذلك كما لو أدخل بعض أعضائه ناويًا رفع الحدث، فإن الماء يكون مستعملًا عندكم أي طاهرًا غير مطهر. الجواب الخامس: الحديث نهى الجنب أن يغتسل في الماء ما دام جنبًا سواء نوى رفع الحدث أو لم ينو؛ لأن معنى: (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب) أي لا يغتسل حالة كونه جنبًا، ولم يتطرق الحديث إلى اشتراط النية، وأنتم قلتم لو انغمس وهو جنب، ولم ينو رفع الحدث لا يكون الماء مستعملًا بل يبقى طهورًا. وهذه مخالفة رابعة للحديث. فتبين أن هذا الدليل لا يصلح أن يكون دليلًا لهم. وقد اختلف العلماء في العلة من نهي الجنب عن الاغتسال في الماء الدائم، هل العلة تعبدية، أو حتى لا يتحول الماء إلى ماء مستعمل، فيسلبه الطهورية بناء على تقسيم الماء إلى ثلاثة أقسام، أو العلة حفظ الماء عن التنجيس، بحيث إذا غسل الأذى قبل الاغتسال لم يمنع من الاغتسال فيه، أو أن النهي؛ لأن النفوس تعافه للطعام والشراب بعد ذلك، وإن كان طهورًا، وهذا أقربها؛ لأن الماء طهور لا ينجسه شيء، وبدن الجنب طاهر بالإجماع، وملاقاة الطهور للطاهر لا تنقله عن حكمه، بل ملاقاته للنجاسة إذا لم يتغير بها لم تنقله عن حكمه على الصحيح. الدليل الثاني: قالوا: إن النبي ﷺ وأصحابه احتاجوا في أسفارهم الكثيرة إلى الماء، ولم يجمعوا المستعمل لاستعماله مرة أخرى، ولو كان طهورًا لجمعوه؛ لأن التيمم لا يجوز مع وجود الماء (١).

стр. 159

• ويجاب عنه: بأن الصحابة ﵃ كانوا يقتصدون في الوضوء، وقد ثبت من حديث أنس المتفق عليه قال: كان النبي ﷺ يتوضأ بالمد ... الحديث (١)، بل توضأ بأقل من ذلك، وكان بعض السلف إذا توضأ لا يكاد يبلل الأرض. وعلى هذه الحال لا يمكن جمعه، ولو أمكن جمعه لكان في ذلك مشقة عظيمة، والحرج مرفوع عن هذه الأمة بنص القرآن. كما أن كونه لم يجمع لا يدل على أنه لا يتطهر به، ولهذا لم يجمعوه للشرب مع طهارته، وحاجتهم للشرب آكد، ولم يجمعوه لغير الشرب كالعجن والطبخ والتبرد، فعدم جمعه ليس دليلًا على عدم طهوريته، ثم يقال أيضًا: لم يجمعوا أيضًا الماء المستعمل في طهارة مستحبة مع كونه طهورًا، ولا يبعد أن يكون هناك من يتوضأ مجددًا الوضوء، فلم ينهض هذا دليلًا على عدم الطهورية (٢). الدليل الثالث: ما سبق أن ذكر من أن الماء المستعمل ليس ماء مطلقًا، بل هو مقيد بكونه ماء مستعملًا، والذي يرفع الحدث هو الماء المطلق كما في قوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦]، فلم يقيده بشيء، فالماء المستعمل حكمه حكم ماء الورد والزعفران والشاي وغيرها (٣). ويجاب عن ذلك من وجهين: الوجه الأول: أن لفظ (ماء) في قوله تعالى (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) [المائدة: ٦] نكرة في سياق النفي، فتعم كل ماء، سواء كان مستعملًا أو غيره، وسواء كان متغيرًا أم لم يتغير، ما دام أنه

стр. 160

يسمى ماء، نعم خرج الماء النجس للإجماع على أنه لا يجوز التطهر به، وبقي ما عداه. الوجه الثاني: أنه لا فرق من حيث جوهر الماء بين الماء المستعمل وغيره، فهو ماء باق على صفته التي خلقه الله عليها، وهو مناط الحكم، فالمقصود بالمقيد هو ما خرج به الماء عن جوهره كالمرق والشاي. الدليل الرابع: قالوا إن هذا الماء قد استعمل في عبادة واجبة، فلا يمكن أن يستعمل في عبادة أخرى، كالعبد إذا أعتق لا يمكن أن يعتق مرة أخرى (١). • وأجيب: بأن قياس الماء على العبد قياس مع الفارق. أولًا: لأن العبد إذا أعتق صار حرًّا، والحر لا يعتق، وأما الماء حين استعمل بقى ماء يمكن التطهر به، ما لم توجد قرينة تدل على نجاسته، وهي تغير أحد أوصافه بنجاسة. ثانيًا: أن العبد لو رجع إلى الكفار وغنمه المسلمون رجع إلى الرق مرة أخرى، فلا يصح القياس، فالصحيح قياس الماء المستعمل على الثوب، فالثوب حين تؤدى به عبادة واجبة، وهى ستر للعورة، لا يمنع من استعماله مرة أخرى (٢). دليل من قال بأن الماء المستعمل طهور: الدليل الأول: الأصل في الماء أنه طهور، ولا ننتقل عن ذلك إلا بدليل من كتاب، أو سنة، أو إجماع، ولا دليل.

стр. 161

الدليل الثاني: ما سبق ذكره من أن الماء المستعمل ماء طهور لاقى بدنًا طاهرًا فلا يتأثر. الدليل الثالث: سبق أن أثبت في مسألة أقسام الماء أن الماء قسمان، طهور ونجس، ولا يوجد قسم يسمى بالماء الطاهر، فكل دليل ذكرناه هناك يصح أن يكون دليلًا هنا. الدليل الرابع: الماء المتردد على العضو طهور بالإجماع مع أنه يمر على أول اليد ثم يمر على آخرها ولم يمنع كونه استعمل في أول العضو أن يطهر بقية العضو، ثم إن المتوضئ يرد يده إلى الإناء فيأخذ ماءً آخر للعضو الآخر، فبالضرورة يدري كل ذي حس سليم أنه لم يطهر العضو الثاني إلا بماء جديد قد مازجه ماء آخر مستعمل في تطهير عضو آخر، وهذا ما لا مخلص منه (١). الدليل الخامس: إذا كان هذا الماء إذا استعمل للتبرد أو لتنظيف الثوب الطاهر كان طهورًا بالإجماع (٢)، فهذا مثله؛ إذ الفرق بين هذا الغسل وذاك هو النية فقط، والنية لا أثر لها في الماء لأن محلها القلب، وانتقال الماء إلى الطهورية ليس من أحكام التكليف حتى يتوقف على النية، بل هو من الأحكام الوضعية.

стр. 162

الدليل السادس: أن الله إنما أوجب التيمم على من لم يجد الماء، قال تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦] فكيف يقال بالتيمم مع وجود ماء باق على صفته التي خلقه الله عليها. الدليل السابع: استدلوا ببعض الأدلة التي فيها ضعف أو نزاع، وإن كان ما سبق من الأدلة كافيًا في بيان أنه القول الراجح، لكن إتمامًا للفائدة أنقلها وأبين وجه النزاع فيها، فمنها: (٤٠) ما رواه أحمد من طريق سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، قال: حدثتني الربيع بنت معوذ بن عفراء، قالت: كان رسول الله ﷺ يأتينا فيكثر، فأتانا فوضعنا له الميضأة، فتوضأ فغسل كفيه ثلاثًا، ومضمض واستنشق مرة مرة، وغسل وجهه ثلاثًا، وذارعيه ثلاثًا، ومسح رأسه بما بقي من وضوئه في يديه مرتين، بدأ بمؤخره، ثم رد يده إلى ناصيته، وغسل رجليه ثلاثًا، ومسح إذنيه مقدمهما ومؤخرهما (١). [إسناده ضعيف] (٢).

стр. 163

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 164

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 165

وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ مسح رأسه بالماء المتبقي من غسل يديه، وهذا يدل على صحة رفع الحدث بالماء المستعمل. (٤١) ومنها ما روه أحمد، قال: حدثنا على بن عاصم، حدثنا أبو على الرحبي، عن عكرمة، أخبرنا ابن عباس، قال: اغتسل رسول الله ﷺ من جنابة، فلما خرج رأى لمعة على منكبه الأيسر لم يصبها الماء، فأخذ من شعره فبلها، ثم مضى إلى الصلاة (١). [إسناده ضعيف جدًّا] (٢).

стр. 166

(٤٢) ومنها ما رواه ابن أبي شيبة من طرق عن إسحاق بن سويد العدوي، قال: حدثنا العلاء بن زياد، قال: اغتسل رسول الله ﷺ من جنابة، فخرج، فأبصر لمعة بمنكبه لم يصبها الماء، فأخذ بجمته فبلها به. [رجاله ثقات، إلا أنه مرسل] (١). (٤٣) ومنها ما رواه ابن أبي شيبة، من طريق حماد بن سلمة، عن قتادة، عن خلاس فيما يعلم حماد، عن علي قال: إذا توضأ الرجل، فنسي أن يمسح برأسه، فوجد في لحيته بللًا، أخذ من لحيته، فمسح رأسه. [ضعيف خلاس لم يسمع من علي] (٢). (٤٤) ومنها ما رواه ابن ماجه، قال: حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا أبو الأحوص، عن محمد بن عبيد الله، عن الحسن بن سعد، عن أبيه،

стр. 167

عن علي، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: إني اغتسلت من الجنابة، وصليت الفجر، ثم أصبحت، فرأيت قدر موضع الظفر لم يصبه الماء، فقال رسول الله ﷺ : لو كنت مسحت عليه بيدك أجزأك (١). [ضعيف جدًّا] (٢). (٤٥) ومنها ما رواه البيهقي في الخلافيات، من طريق يحيى بن عنبسة، ثنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، أن النبي ﷺ اغتسل من الجنابة، فبقيت لمعة في جسده، فقيل له: يا رسول الله هذه لمعة في جسدك لم يصبها الماء، قال: فأومأ إلى بلل شعره فبله، فأجزأه ذلك (٣). [إسناده ضعيف جدًّا إن لم يكن موضوعًا] (٤). (٤٦) ومنها ما رواه الدارقطني من طريق عطاء بن عجلان، عن عبد الله ابن أبي مليكة، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: اغتسل رسول الله ﷺ من جنابة، فرأى

стр. 168

لمعة بجلده لم يصبها الماء، فعصر خصلة من شعر رأسه، فأمسها ذلك الماء (١). [ضعيف جدًّا] (٢). ومنها ما روه الدارقطني من طريق المتوكل بن فضيل أبي أيوب الحداد بصرى، عن أبي ظلال، عن أنس بن مالك، قال صلى رسول الله ﷺ صلاة الصبح، وقد أغتسل من جنابة، فكان نكتة مثل الدرهم يابس لم يصبه الماء، فقيل: يا رسول الله إن هذا الموضع لم يصبه الماء، فسلت شعره من الماء، ومسحه به، ولم يعد الصلاة (٣). قال الدارقطني: المتوكل بن فضيل ضعيف (٤). (٤٧) ومنها ما رواه أبو داود من طريق أبي الأحوص، حدثنا سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ في جفنة، فجاء النبي ﷺ ليتوضأ منها أو يغتسل، فقالت له: يا رسول الله إني كنت جنبًا، فقال رسول الله ﷺ : إن الماء لا يجنب (٥).

стр. 169

[إسناده ضعيف] (١). وجه الاستدلال: قول النبي ﷺ إن الماء لا يجنب حتى ولو كان مستعملًا في رفع الحدث لا تنتقل إليه الجنابة. • وفي الاستدلال بهذا الحديث نظر، من وجهين: الوجه الأول: أن المحفوظ في لفظ هذا الحديث قوله ﷺ : إن الماء لا ينجسه شيء، وسيأتي إن شاء الله بيان ذلك في مسألة الوضوء بفضل المرأة. الوجه الثاني: ليس في الحديث ما يدل على التطهر بالماء المستعمل، نعم يدل الحديث على جواز الوضوء بفضل المرأة، وهناك فرق بين المسألتين. والله أعلم. • دليل من قال الماء المستعمل طهور مكروه: قال الخرشي: «وعللت الكراهة بعلل كلها لا تخلو من ضعف، والراجح في التعليل مراعاة الخلاف، كما قال ابن الحاجب؛ لأن أصبغ قائل بعدم الطهورية» اهـ (٢). قلت: وقد سبق لك أن تعليل الكراهة بوجود الخلاف قول ضعيف جدًّا؛ لأن الكراهة حكم شرعي لا يقوم إلا على دليل شرعي، ووجود الخلاف ليس من أدلة الشرع. • الراجح: أن الماء المستعمل في طهارة واجبة طهور غير مكروه. * * *

стр. 170

الفصل الثاني الماء المستعمل في طهارة مستحبة مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • المستعمل في طهارة واجبة كالمستعمل في طهارة مستحبة أو للتبرد على الصحيح؛ لأن انتقال الماء عن الطهورية بالاستعمال خطاب وضعي، لا يتوقف على النية والتي هي من أحكام التكليف. • الماء المستعمل ماء مطلق باق على خلقته، يصدق عليه اسم ماء بلا قيد. وقيل: • سلب الطهورية من الماء المستعمل، هل هو معلل بأنه أديت به قربة، فيدخل فيه التجديد والمسنون، أو معلل بأداء الفرض وزوال المانع فيختص بما رفع به الحدث؟ (١). [م-١٩] عرفنا متى يكون الماء مستعملًا، وعرفنا حكم الماء المستعمل في طهارة واجبة، فهل يختلف الحكم لو كان الماء مستعملًا في طهارة مستحبة، اختلف الفقهاء:

стр. 171

فقيل: نجس، وهو رواية عن أبي حنيفة، ولا فرق عنده بين أن يستعمل في طهارة واجبة أو مستحبة (١). وقيل: طاهر، اختارها من الحنفية العراقيون، ومشايخ ما وراء النهر (٢)، وهو وجه في مذهب الشافعية (٣). وقيل: طهور يكره استعماله في رفع الحدث، ولا يكره استعماله في زوال الخبث، وهو مذهب المالكية، ولا فرق عندهم في الحكم بين ما استعمل في طهارة واجبة أو مستحبة (٤)، واختار الكراهة بعض الحنابلة (٥). وقيل: طهور مطلقًا غير مكروه، وهو المشهور من مذهب الشافعية، والحنابلة (٦).

стр. 172

• دليل القائلين بأنه نجس: انظر أدلتهم في الخلاف في الماء المستعمل في طهارة واجبة؛ لأنهم لا يفرقون بين ما استعمل في طهارة واجبة، أو طهارة مستحبة ما دام أن الطهارة مشروعة. • دليل القائلين بأنه طاهر غير طهور: جمهورهم فرقوا بين ما استعمل في طهارة واجبة، وبين ما استعمل في طهارة مستحبة، فالأول جعلوه طاهرًا، والثاني طهورًا. وسبب التفريق عندهم: أن ما استعمل في طهارة مستحبة لم يرفع حدثًا، ولم يذهب خبثًا، وبالتالي لم يتأثر الماء، غاية ما فيه أنه لاقى بدنًا طاهرًا، وهذا لا يؤثر، بخلاف ما استعمل في رفع الحدث، فقد أثر في طهارة المحل. وانظر أدلتهم في الخلاف في الماء المستعمل في طهارة واجبة. • دليل القائلين بأنه طهور: الدليل الأول: الأصل في الماء أنه طهور، ولا ينتقل عنه إلا لدليل من كتاب أو سنة، ولا دليل. الدليل الثاني: الماء المستعمل في الطهارة يسمى ماء، وهو ماء مطلق لم يتغير، والله يقول سبحانه: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦]، فكيف يتيمم مع وجود ماء باق على خلقته التي خلقه الله عليها. الدليل الثالث: قال ابن المنذر: وفي إجماع أهل العلم أن الندى الباقي على أعضاء المتوضي

стр. 173

والمغتسل وما قطر منه على ثيابهما طاهر، دليل على طهارة الماء المستعمل، وإذا كان طاهرًا فلا معنى لمنع الوضوء به بغير حجة (١). الدليل الرابع: إذا كان الماء إذا غسل به الثوب كان طهورًا، فكذلك إذا غسل به البدن، ولا فرق بين ماء غسل به ثوب طاهر، وبين ماء غسل به بدن طاهر، والحدث معنى وليس نجاسة حتى يقال: إن الماء يتأثر بالنجاسة أو يتأثر بالانتقال إلى كونه طاهرًا. الراجح: أن الماء المستعمل طهور، فلا فرق بين ما استعمل في طهارة واجبة، وبين ما استعمل في طهارة مستحبة. * * *

стр. 174

الفصل الثالث الماء المستعمل في طهارة غير مشروعة مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • المستعمل ماء مطلق باق على خلقته. • الطهورية صفة لازمة للماء تفيد التكرار بصيغتها وصفتها على الصحيح، فيصح الوضوء بالماء المستعمل مطلقًا سواء استعمل في طهارة مشروعة أو غير مشروعة. • اختصاص طهارة الحدث بالماء هل هو تعبدي، أو معلل بلطافة الماء ورقته بما لا يشاركه فيه سائر المائعات؟ • المستعمل إن تغير بوسخ كان له حكم الماء المتغير بطاهر، وإن لم يتغير كان له حكم الماء الذي مر بطاهر لم يغيره، وفي الحالين هو طهور على الصحيح. وقيل: سلب الطهورية من الماء المستعمل هل هو معلل بأنه أديت به قربة، فيدخل فيه التجديد والمسنون، أو معلل بأداء الفرض، وزوال المانع فيختص بما رفع به الحدث. [م-٢٠] تبين لنا حكم الماء المستعمل في طهارة واجبة أو مستحبة، فما حكم الماء فيما لو كانت الطهارة غير مشروعة كالغسلة الرابعة في الوضوء، والغسل الثانية والثالثة في الاغتسال ونحوها؟

стр. 175

اختلف الفقهاء في ذلك: فقيل: إن أراد بها ابتداء الوضوء، أي زاد بعد فراغه من الوضوء الأول، صار الماء مستعملًا، وإن أراد الزيادة على الوضوء الأول، ففيها قولان: فقيل: يصير مستعملًا؛ لأن الزيادة في معنى الوضوء على الوضوء. وقيل: لا يصير مستعملًا؛ لأنه من باب التعدي، وهذا مذهب الحنفية (١). فقيل: الماء المستعمل في طهارة غير مشروعة كالغسلة الرابعة طهور، اختاره بعض المالكية، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة (٢). وقيل: طهور مكروه، وهو قول في مذهب المالكية (٣). • دليل من قال يصبح الماء مستعملًا: قالوا: إن الغسلة الرابعة في معنى الوضوء، فتكون مؤثرة في طهوريته. • دليل من قال الماء طهور غير مستعمل: قالوا: إن الماء المستعمل في الغسلة الرابعة لم يرتفع بها حدث، ولم تقع على وجه القربة، بحيث تكون مؤثرة في طهارة المحل، فغاية ما هناك ماء طهور لاقى بدنًا طاهرًا، وهذا لا يخرجه عن طهوريته. • دليل من قال طهور مكروه: تعليلهم بوجود الخلاف في طهوريته، فما دام أن هناك خلافًا في طهورية هذا

стр. 176

الماء، فنكره التطهر به خروجًا من الخلاف. وقد سبق لك مناقشة كراهة الشيء مراعاة للخلاف، وأنه قول ضعيف جدًّا، وليس الخلاف من أدلة الشرع المتفق عليها، ولا المختلف فيها، والخلاف إن كان له حظ من النظر بحيث تكون له أدلة معتبرة فحينئذ يكون له اعتبار من أجل الأدلة الثابتة، وإن لم يكن له أدلة معتبرة، فلا حظ له ولا اعتبار، ومع ذلك فليس التعليل بالخلاف حجة شرعية، وإنما العبرة بالدليل الشرعي. * * *

стр. 177

الفصل الرابع الماء المستعمل في التبرد والنظافة مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • المستعمل في طهارة واجبة كالمستعمل في طهارة مستحبة أو للتبرد؛ لأن الوجوب والاستحباب يتعلق بالمكلف، وانتقال الماء عن الطهورية خطاب وضعي، ولا ارتباط بينهما. • كل استعمال للماء لا يسلبه الطهارة لا يسلبه الطهورية على الصحيح. وقيل: • علة سلب الماء المستعمل الطهورية، هل هي أداء العبادة، فيدخل فيها التجديد والمسنون، أو أداء الفرض، وزوال المانع فيختص برفع الحدث؟ [م-٢١] إذا استعمل الماء للتبرد، فهل يكون مستعملًا أم يبقى طهورًا، اختلف العلماء في ذلك، فقيل: إن كان محدثًا صار الماء مستعملًا في مذهب أبي حنيفة، لوجود إزالة الحدث؛ لأن الحدث عنده يرتفع، ولو لم ينو، وإن كان استعمله للتبرد، وهو متوضئ، فهو طهور (١). وقيل: الماء طهور بلا كراهة، وهذا مذهب المالكية، والشافعية والحنابلة (٢).

стр. 178

وهذا هو الراجح؛ فإذا كنا رجحنا أن الماء المستعمل في رفع الحدث أنه طهور غير مكروه، فمن باب أولى أن يكون الماء المستعمل للتبرد طهورًا غير مكروه، وغاية ما فيه ماء طهور لاقى بدنًا طاهرًا فلم يخرجه عن حكمه، ومن ادعى خروجه عن حد الطهورية فليس معه دليل، والماء نوعان لا ثالث لهما: نجس، وهو ما تغير أحد أوصافه الثلاثة من لونه أو طعمه أو ريحه بنجاسة وقعت فيه. وطهور: وهو خلاف الماء النجس، وهو الماء الباقي على خلقته حقيقة أو حكمًا، ولا يوجد قسم ثالث لهما، وقد ناقشنا أدلة من قسم الماء إلى ثلاثة أقسام، مثبتًا القسم الطاهر، فإذا لم يثبت قسم الماء الطاهر، لم تثبت كل مسألة حكم فيها الفقهاء بأن الماء طاهر غير طهور، ومنها مسألتنا هذه، والله أعلم. * * *

стр. 179

الفصل الخامس الماء المستعمل في غمس يد القائم من النوم مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • اليقين لا يزول بالشك. • الأصل في الماء واليد الطهارة. • هل النهي يقتضي الفساد؟ • سلب الطهورية من الماء بغمس يد النائم خطاب وضعي، والنهي عن غمس اليد خطاب تكليفي ولا ارتباط بينهما (١). ويبنى عليه: لا فرق بين يد الصبي والبالغ، ويد الكافر والمسلم. • سلب الطهورية عن الماء لا يكون إلا بتغير صفات الماء أو أكثرها. • الأحكام إنما تناط بالحقائق الظاهرة، لا بالأشياء الخفية على الصحيح. • ما قيد غسله من الطاهرات بعدد فإن علته تعبدية غير معقولة المعنى. وقيل: • النجاسة المتحققة يكفي فيها غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة، فالمتوهمة من باب أولى. [م-٢٢] اختلف العلماء في الماء إذا غمس فيه يد قائم من نوم الليل،

стр. 180

فقيل: الماء طهور، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد، ومذهب الظاهرية (١). قال ابن تيمية: وهو قول أكثر الفقهاء (٢)، ورجحه ابن القيم (٣). وقيل: ينجس إن كان الماء قليلًا، وهو مذهب الحسن البصري، وإسحاق بن راهوية، ومحمد بن جرير الطبري، وهو رواية عن أحمد (٤). وقيل: الماء طاهر غير مطهر، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، وهو من المفرادت (٥).
следующие страницы →