← Фикх общий

Фикх общий · id 157

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 3

دبيان الدبيان

Полный текст (5 371 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

(٤٦٥ - ٣١٩) وروى ابن أبي شيبة أيضًا من طريق عبد الملك بن ميسرة، عن سعيد بن جبير قال: اختلفت أنا وأناس من العرب في اللمس، فقلت: أنا وأناس من الموالي: اللمس ما دون الجماع، وقالت العرب: هو الجماع، فأتينا ابن عباس، فقال: غلبت العرب، هو الجماع (١). [وإسناده صحيح]. وإذا اختلف الصحابة لم يكن قول أحدهما حجة على الآخر، وينظر في أقربهما إلى الصواب، وقد قدمنا أن في الآية قرينة على أن المراد باللمس هنا الجماع. ثانيًا: أن القرآن أطلق المس وأراد به الجماع في آيات من كتاب الله، قال تعالى: (لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ) [البقرة: ٢٣٦]، وقال: (إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ) [الأحزاب: ٤٩]، (وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ) [البقرة: ٢٣٧]. قال ابن المنذر: وقد أجمع أهل العلم على أن رجلًا لو تزوج امرأة ثم مسها بيده أو قبلها بحضرة جماعة ولم يخل بها، فطلقها أن لها نصف الصداق، إن كان سمى لها صداقًا، والمتعة إن لم يكن سمى لها صداقًا، ولا عدة عليها، فدل إجماعهم على ذلك

стр. 1192

أن الله إنما أراد في هذه الآيات الجماع، فإذا كان كذلك حكمنا اللمس بحكم المس إذ كان في المعنى واحدًا. ثالثًا: أن قول ابن عمر وابن مسعود يحمل على ما إذا كان بشهوة، فلا دليل فيه للشافعية على الوضوء من مجرد اللمس، لأن الرجل لا يقبل امرأته كما يقبل أمه أو ابنته، وإنما يقبلها بدافع الشهوة، وكذلك المراد من قوله: أو جسها بيده، ولهذا قال ابن تيمية: «وأما وجوب الوضوء من مجرد مس المرأة لغير شهوة فهو أضعف الأقوال، ولا يعرف هذا القول عن أحد من الصحابة، ولا روى أحد عن النبي ﷺ أنه أمر المسلمين أن يتوضؤوا من ذلك، مع أن هذا الأمر غالب لا يكاد يسلم منه أحد في عموم الأحوال، فإن الرجل لا يزال يناول امرأته شيئًا، وتأخذه بيدها، وأمثال ذلك مما يكثر ابتلاء الناس به، فلو كان الوضوء من ذلك واجبًا، لكان النبي ﷺ يأمر بذلك مرة بعد مرة، ويشيع ذلك، ولو فعل لنقل ذلك عنه ولو بأخبار الآحاد، فلما لم ينقل عنه أحد من المسلمين أنه أمر أحدًا من المسلمين بشيء من ذلك مع عموم البلوى به، علم أن ذلك غير واجب» (١). وقال ابن تيمية أيضًا: «اللمس العاري عن الشهوة لا يعلق به حكم من الأحكام أصلًا، وهذا كقوله تعالى: (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) [البقرة: ١٧٨]، فنهى العاكف عن مباشرة النساء مع أن العلماء يعلمون أن المعتكف لو مس امرأته بغير شهوة لم يحرم ذلك عليه، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه كان يدني رأسه إلى عائشة ﵂ فترجله، وهو معتكف، ومعلوم أن ذلك مظنة مسه لها، ومسها له، وأيضًا فالإحرام أشد من الاعتكاف، ولو مسته المرأة لغير شهوة لم يأثم بذلك، ولم يجب عليه دم، وهذا الوجه يستدل به من وجهين: من جهة ظاهر الخطاب، ومن جهة المعنى والاعتبار؛ فإن خطاب الله تعالى في القرآن بذكر اللمس

стр. 1193

والمس والمباشرة للنساء ونحو ذلك لا يتناول ما تجرد عن شهوة أصلًا، ولم يتنازع المسلمون في شيء من ذلك إلا في آية الوضوء، والنزاع فيها متأخر، فيكون ما أجمعوا عليه قاضيًا على ما تنازع فيه متأخروهم. وأما طريق الاعتبار فإن اللمس المجرد لم يعلق الله به شيئًا من الأحكام، ولا جعله موجبًا لأمر، ولا منهيًا عنه في عبادة ولا اعتكاف، ولا إحرام ولا صلاة ولا صيام، ولا غير ذلك، ولا جعله ينشر حرمة المصاهرة، ولا يثبت شيئًا غير ذلك، بل هذا في الشرع كما لو مس المرأة من وراء ثوبها ونحو ذلك من المس الذي لم يجعله الله سببًا لإيجاب شيء ولا تحريم شيء». وإذا كان كذلك كان إيجاب الوضوء بهذا مخالفًا للأصول الشرعية المستقرة، مخالفًا للمنقول عن الصحابة، وكان قولًا لا دليل عليه من كتاب ولا سنة، بل المعلوم من السنة مخالفته» (١). • دليل من قال: مس المرأة ينقض الوضوء إن كان بشهوة: هذا القول ذهب إلى الجمع بين الآية والأخبار، فالآية الكريمة بقوله : (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ) يقتضي أن يكون مس المرأة ناقضًا للوضوء مطلقًا بشهوة أو بغير شهوة، وجاءت الأخبار دالة على أن المس بدون شهوة لا ينقض الوضوء، كحديث عائشة في مسلم: قالت: فقدت رسول الله ﷺ ليلة من الفراش، فالتمسته، فوقعت يدي على بطن قدميه وتقدم تخريجه بتمامه. (٤٦٦ - ٣٢٠) وحديث عائشة في الصحيحين: (كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي فإذا قام بسطتهما .. ) الحديث، وسبق تخريجه بتمامه (٢).

стр. 1194

وقال ابن المنذر: وما زال الناس في القديم والحديث يتعارفون أن يعانق الرجل أمه وجدته ويقبل ابنته في حال الصغر قبلة الرحمة، ولا يرون ذلك ينقض الطهارة ولا يوجب الوضوء عندهم، ولو كان ذلك حدثًا ينقض الطهارة ويوجب الوضوء لتكلم فيه أهل العلم، كما تكلموا في ملامسة الرجل امرأته وقبلته إياها (١). وقال أيضًا: «وقد أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن لا وضوء على الرجل إذا قبل أمه أو ابنته أو أخته إكرامًا لهن وبرًا عند قدوم من سفر أو مس بعض بدنه بعض بدنها عند مناولة شيء إن ناولها إلا ما ذكر من أحد قولي الشافعي فإن بعض المصريين من أصحابه حكى عنه في المسألة قولين: أحدهما إيجاب الوضوء منه، والآخر كقول سائر أهل العلم، ولم أجد هذه المسألة في كتبه المصرية التي قرأناها على الربيع، ولست أدري أيثبت ذلك عن الشافعي أم لا؛ لأن الذي حكاه لم يذكر أنه سمعه منه، ولو ثبت ذلك عنه لكان قوله الذي يوافق فيه المدني والكوفي وسائر أهل العلم أولى به» (٢). الراجح: القول بأن اللمس في الآية الجماع، وأن مس بدن المرأة لا ينقض الوضوء مطلقًا، سواء مسه بشهوة أو بغير شهوة. * * *

стр. 1195

المبحث الثاني في مس شعر وظفر المرأة مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • شعر المرأة هل هو في حكم المتصل في المرأة أو في حكم المنفصل عنها؟ ولهذه المسألة مأخذ آخر: وهو أن هذه الأجزاء ليست بمحل للشهوة الأصلية، وهي شرط لنقض الوضوء عند بعضهم (١). [م-٢٠١] اختلف العلماء في مس شعر المرأة وظفرها وسنها أو مس بدن المرأة بشعره أو ظفره أو سنه هل ينتقض الوضوء بذلك أم لا؟ فقيل: لا ينقض الوضوء مطلقًا، وهو نص الشافعي في الأم (٢)، وعليه جمهور أصحابه، وهو مذهب الحنابلة ﵏ (٣). وقيل: ينقض الوضوء مطلقًا، وهو وجه عند الشافعية (٤). وقيل: ينقض الوضوء إن كان بشهوة، وهو مذهب المالكية (٥).

стр. 1196

• تعليل من قال: لا ينقض الوضوء مطلقًا: التعليل الأول: أن هذه الأشياء بحكم المنفصل. التعليل الثاني: أن هذه الأجزاء ليست محلًا للشهوة الأصلية. التعليل الثالث: أنه لا يلحقه طلاق بطلاق هذه الأشياء. وهذا التعليل فيه نزاع كما سيتضح إن شاء الله من أدلة المالكية. • دليل من قال: مس الشعر والظفر ينقض الوضوء مطلقًا: أدلتهم هي أدلتهم في وجوب الوضوء من مس بدن المرأة، وقد ذكرناها بالتفصيل في المسألة السابقة. كما عللوا ذلك بأن الشعر جزء من البدن متصل به اتصال خلقة فأشبه اللحم؛ ولأنه جزء من البدن يلحقه طلاقه فأشبه ما ذكرناه (١). • دليل من قيد النقض بالشهوة: من اعتبر الشهوة هنا قد اعتبرها في مس بدن المرأة، وأدلتهم هنا هي أدلتهم هناك، وقد ذكرناها في المسألة السابقة، وأجبنا عليها. • الراجح: لو قلنا بنقض الوضوء من مس بدن المرأة لقلنا به هنا، وقد بينا أن القول الراجح أن مس بدن المرأة لا ينقض الوضوء لعدم الدليل الصحيح الصريح في المسألة. * * *

стр. 1197

المبحث الثالث في مس المرأة مع حائل مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • إثبات الحدث متلقى من الشرع، وما ورد في الشرع من اعتبار المس حدثًا اثنان: مس الذكر، ولمس النساء، والأول يراد به المس الحقيقي، والثاني يكنى به عن الإجماع على الصحيح. • مس المرأة مع الحائل، هل هو مس للمرأة، أو مس للحائل، أو يفرق بين الحائل الصفيق والخفيف؟ • من اعتمد النقض بمس المرأة لم يعتبره حدثًا، وإنما هو سبب للحدث، وهل هو سبب مطلقًا، أو سبب مع وجود اللذة التي هي مظنة الحدث، كما أقيم النوم مقام الحدث؟ • اعتبار اللمس حدثًا من باب تقديم الظاهر على الأصل؛ إذ الأصل بقاء الطهارة. • قال تعالى: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ) اللمس تارة يقصد بها اللمس باليد، وتارة يكنى به عن الجماع، والقرائن تدل على أن المقصود بالآية الجماع.

стр. 1198

• اللمس المجرد لم يعلق الله به شيئًا من الأحكام، ولا جعله موجبًا لأمر، ولا منهيًا عنه في عبادة ولا اعتكاف، ولا إحرام ولا صلاة ولا صيام، ولا غير ذلك، ولا جعله ينشر حرمة المصاهرة، ولا يثبت شيئًا غير ذلك (١). [م-٢٠٢] اختلفوا فيمن مس امرأته من وراء حائل. فقيل: لا وضوء عليه، وهو مذهب الشافعية (٢)، والحنابلة (٣). وقيل: إن كان الحائل رقيقًا، فعليه الوضوء، بشرط أن يقصد اللذة أو يجدها، وإن ضم بدن الملموس أو قبض على شيء من جسده نقض مطلقًا: أي سواء كان الحائل رقيقًا أو صفيقًا، وهو مذهب المالكية (٤). وقيل: ينقض إذا وجد اللذة أو قصدها، ولو كان الحائل كثيفًا، وهو قول في مذهب المالكية، وهو ظاهر المدونة (٥). • دليل من قال: لا ينقض: قالوا: إن اللمس إذا أطلق إنما يراد به بدون حائل، وأما مع الحائل فكأنه لمس ثياب المرأة، ولمس ثياب المرأة لا يوجب وضوءًا. • دليل من قال: ينقض إن كان الحائل رقيقًا: لعله رأى أن الحائل إذا كان رقيقًا فإنه لا يمنع من كمال اللذة، ويستشعر اللامس طراوة جسد الملموس فأوجب عليه الوضوء كما لو لم يكن هناك حائل.

стр. 1199

• تعليل من قال: ينقض مطلقًا ولو مع حائل: إذا لمس بدن المرأة لشهوة ولو مع حائل فإنه يصدق عليه أنه لمس المرأة، واللذة بلمس بدن المرأة مع الحائل موجودة كما لو مسها بدون حائل، ومظنة خروج الحدث قائمة. والراجح: ما رجحت قبل، وهو أن مس المرأة مطلقًا لا ينقض الوضوء، بحائل أو بدونه، والله أعلم. * * *

стр. 1200

المبحث الرابع في مس المحارم مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • الخلاف في مس المحارم راجع إلى الخلاف في اشتراط الشهوة في نقض الوضوء من لمس المرأة. فمن رأى النقض بمجرد اللمس، ولو لم يكن بشهوة، لم يكن عنده فرق بين لمس المحارم وغيرهن. ومن اشترط الشهوة لنقض الوضوء، رأى أن لمس ذات المحرم لا ينقض الوضوء باعتبار أنها ليست بمحل للشهوة، فأشبه لمس الرجل للرجل، والمرأة للمرأة، ومن هنا تنازعوا في مس الصغيرة التي لا تشتهى، والعجوز الهرمة، هل ينقض الوضوء لعموم الآية، أو لا ينقضه؛ لأنهما ليستا بمحل للشهوة؟ (١). [م-٢٠٣] إذا لمس الرجل ذات محرم، فهل ينتقض وضوؤه؟ اختلف العلماء في ذلك. فقيل: إن وجد اللذة انتقض، لا فرق بين ذوات المحارم والأجنبية، وهو مذهب

стр. 1201

المالكية (١)، ومذهب الحنابلة (٢). وقيل: ينتقض وضوؤه مطلقًا، سواء كان بشهوة أو بغيرها، وهو قول في مذهب الشافعية (٣). وقيل: لا ينقض، وهو مذهب الشافعية (٤)، وظاهر عبارة ابن الجلاب من المالكية (٥). • دليل المالكية بالنقض: عموم قوله تعالى: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ) [المائدة: ٦]. وقياسًا على الإيلاج، فكما أنه لا فرق بين المحارم وغيرهم في وجوب الغسل منه، فلا فرق في وجوب الحدث الأصغر. • وتعليل الشافعية على عدم النقض: أن المحارم ليسوا محلًا للشهوة، فهي كالرجل في حقه، فكما أنه لو مس رجلًا لم ينتقض وضوؤه، فكذلك إذا مس أحدًا من محارمه، حتى ولو وجد شهوة من ذلك لم ينتقض. • الراجح من الخلاف: لو قلنا بنقض الوضوء من مس المرأة لكان الراجح عدم الفرق بين المحارم

стр. 1202

وغيرهم، ولكن لم يقم دليل صحيح على انتقاض الوضوء من مس المرأة مطلقًا، سواء كانت من الأجنبيات أو المحارم، وسواء كانت صغيرة أو كبيرة. * * *

стр. 1203

المبحث الخامس في مس الطفلة الصغيرة بشهوة مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • الخلاف في هذه المسألة راجع إلى الخلاف في اشتراط الشهوة في نقض الوضوء من لمس المرأة. فمن رأى النقض بمجرد اللمس، ولو لم يكن بشهوة لم يكن عنده فرق بين لمس الكبيرة وغيرها. ومن اشترط الشهوة لنقض الوضوء رأى أن لمس الصغيرة لا ينقض الوضوء باعتبار أنها ليست بمحل للشهوة، فأشبه لمس الرجل للرجل، والمرأة للمرأة (١). [م-٢٠٤] اختلف العلماء في مس الرجل الطفلة أو مس المرأة الطفل، هل ينقض الوضوء؟ فقيل: لا ينقض الوضوء، وهو مذهب المالكية (٢)، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية (٣).

стр. 1204

وقيل: ينقض الوضوء، وهو قول في مذهب المالكية (١)، ووجه في مذهب الشافعية (٢). وقيل: إن كانت بنت سبع سنين نقض وإن كانت أصغر لم ينقض، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٣). • وسبب الخلاف في هذه المسألة: من ذهب إلى عدم النقض، قال: إن الصغيرة ليست محلًا للشهوة، فيكون النظر إليها كالنظر إلى الرجل، ومن ذهب إلى النقض رأى أن السن ليس مناطًا للحكم، فلو أولج ذكره في فرج الصغيرة وجب لذلك الغسل، فكذلك يجب من مس بدنها الوضوء، ومن فرق بين بنت سبع سنين وبين غيرها رأى أن البنت في مثل هذا السن قد تشتهى، وينظر إلى محاسن جسمها كما ينظر إلى المرأة الكبيرة. وما رجحناه في مسألة مس ذوات المحارم نرجحه، هنا، والله أعلم. * * *

стр. 1205

المبحث السادس في مس الأمرد مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • مس الأمرد هل هو في حكم مس الرجل للرجل، أو في حكم مس المرأة باعتباره أنه يشتهى عند طائفة من الناس. [م-٢٠٥] اختلف العلماء في مس الأمرد: فقيل: ينقض الوضوء، وهو المشهور من مذهب مالك (١)، وقول في مذهب الحنابلة (٢)، واختاره أبو سعيد الإصطخري من الشافعية (٣). واشترط الحنفية للقول بالنقض: أن تكون المباشرة فاحشة: بأن يتجردا متعانقين متماسي الفرجين (٤).

стр. 1206

وقيل: لا ينتقض، وهو المشهور من مذهب الشافعية (١) والحنابلة (٢). وسبب خلافهم اختلافهم في الأمرد، هل مسه كمس المرأة، أو كمس الرجل البالغ ممن ليس محلًا للشهوة؟ فمن رأى أن مس الأمرد كمس الأنثى سواء، أوجب الوضوء من مسه، ومن رأى أن الأمرد ليس محلًا للشهوة جعل مسه كمس الرجل والمحارم فلم يوجب الوضوء من مسه، ولو قلنا بنقض الوضوء من مس المرأة لقلنا بنقض الوضوء من مس الأمرد خاصة إذا كان الرجل يلتذ بالنظر إليه. وسئل ابن تيمية: «إذا مس يد الصبي الأمرد، فهل هو من جنس النساء في نقض الوضوء، وما جاء في تحريم النظر إلى وجه الأمرد الحسن؟ وهل هذا الذي يقوله بعض المخالفين للشريعة إن النظر إلى وجه الصبي الأمرد عبادة، وإذا قال لهم أحد: هذا النظر حرام يقول: أنا إذا نظرت إلى هذا أقول: سبحان الذي خلقه، لا أزيد على ذلك؟ فأجاب ﵀: الحمد لله، إذا مس الأمرد لشهوة ففيه قولان في مذهب أحمد وغيره: أحدهما: أنه كمس النساء لشهوة ينقض الوضوء، وهو المشهور من مذهب مالك، ذكره القاضي أبو يعلى في شرح المذهب. والثاني: أنه لا ينقض الوضوء وهو المشهور من مذهب الشافعي، والقول الأول أظهر؛ فإن الوطء في الدبر يفسد العبادات التي تفسد بالوطء في القبل: كالصيام والإحرام والاعتكاف، ويوجب الغسل كما يوجبه هذا، فتكون مقدمات هذا في باب العبادات كمقدمات هذا، فلو مس الأمرد لشهوة وهو محرم، فعليه دم كما لو

стр. 1207

مس أجنبية لشهوة، وكذلك إذا مسه لشهوة وجب أن يكون كما لو مس المرأة لشهوة في نقض الوضوء. والذي لم ينقض الوضوء بمسه يقول: إنه لم يخلق محلا لذلك، فيقال له: لا ريب أنه لم يخلق لذلك، وإن الفاحشة اللوطية من أعظم المحرمات، لكن هذا القدر لم يعتبر في باب الوطء، فإن وطئ في الدبر تعلق به ما ذكر من الأحكام، وإن كان الدبر لم يخلق محلا للوطء، مع أن نفرة الطباع عن الوطء في الدبر أعظم من نفرتها عن الملامسة، ونقض الوضوء بالمس يراعى فيه حقيقة الحكمة، وهو أن يكون المس لشهوة عند الأكثرين: كمالك، وأحمد، وغيرهما، كما يراعى مثل ذلك في الإحرام والاعتكاف وغير ذلك. وعلى هذا القول: فحيث وجد اللمس لشهوة تعلق به الحكم، حتى لو مس أمه وأخته وبنته لشهوة انتقض وضوؤه، فكذلك الأمرد، وأما الشافعي وأحمد في رواية فتعتبر المظنة، وهو أن النساء مظنة الشهوة، فينقض الوضوء، سواء بشهوة أو بغير شهوة، ولهذا لا ينقض لمس المحارم، لكن لو لمس ذوات محارمه لشهوة فقد وجدت حقيقة الحكمة، وكذلك إذا مس الأمرد لشهوة. والتلذذ بمس الأمرد: كمصافحته ونحو ذلك: حرام بإجماع المسلمين، كما يحرم التلذذ بمس ذوات محارمه والمرأة الأجنبية، بل الذي عليه أكثر العلماء أن ذلك أعظم إثما من التلذذ بالمرأة الأجنبية، كما أن الجمهور على أن عقوبة اللوطي أعظم من عقوبة الزنا بالأجنبية، فيجب قتل الفاعل والمفعول به. سواء كان أحدهما محصنا أو لم يكن، وسواء كان أحدهما مملوكا للآخر أو لم يكن، كما جاء ذلك في السنن عن النبي ﷺ وعمل به أصحابه من غير نزاع يعرف بينهم. ثم قال ﵀: والنظر إلى وجه الأمرد لشهوة كالنظر إلى وجه ذوات المحارم، والمرأة الأجنبية بالشهوة، سواء كانت الشهوة شهوة الوطء، أو شهوة التلذذ بالنظر، فلو نظر إلى أمه وأخته، وابنته يتلذذ بالنظر إليها كما يتلذذ بالنظر إلى وجه المرأة الأجنبية كان معلومًا لكل أحد أن هذا حرام، فكذلك النظر إلى وجه الأمرد باتفاق الأئمة (١).

стр. 1208

وقال أيضًا: «النظر إلى الأمرد لشهوة حرام بإجماع المسلمين، وكذلك إلى ذوات المحارم ومصافحتهم والتلذذ بهم، ومن قال: إنه عبادة فهو كافر، وهو بمنزلة من جعل إعانة طلب الفواحش عبادة، بل النظر إلى الأشجار والخيل والبهائم إذا كان على وجه استحسان الدنيا والرياسة والمال فهو مذموم، لقول الله تعالى: (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى) [طه: ١٣١] (١). * * *

стр. 1209

الفصل السادس من نواقض الوضوء أكل لحم الجزور المبحث الأول في الوضوء من لحم الإبل مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • إثبات ما يوجب الحدث متلقى من الشرع، ولهذا ينقض الوضوء أكل لحم الإبل، وهو طاهر حلال، ولا ينقضه أكل لحم الخنزير، وهو نجس حرام، ومس الذكر ينقض الوضوء على الصحيح، مع أنه بضعة طاهرة من إنسان طاهر، كما أن البول نجس، ويوجب الطهارة الصغرى، والمني طاهر على الصحيح، ويوجب الطهارة الكبرى. [م-٢٠٦] اختلف العلماء في الوضوء من لحم الجزور، فقيل: لا ينقض الوضوء، وهو مذهب الجمهور، ورواية عن أحمد (١).

стр. 1210

وقيل: يجب منه الوضوء، وهو القول القديم في مذهب الشافعي (١)، والمشهور من مذهب أحمد (٢)، وهو مذهب أهل الحديث (٣). • دليل الجمهور على ترك الوضوء من لحوم الإبل: * الدليل الأول: (٤٦٧ - ٣٢١) ما رواه أبو داود، من طريق علي بن عياش، قال: حدثنا شعيب ابن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما غيرت النار (٤). [اختصر الحديث شعيب بن أبي حمزة فأخطأ فيه، قال ذلك أبو داود، وأبو حاتم الرازي وابن حبان وابن تيمية وابن القيم وغيرهم] (٥).

стр. 1211

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1212

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1213

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1214

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1215

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1216

ورد ابن حزم وابن التركماني القول باختصار الحديث، وقالا: إنما هما حديثان، وأيدهما أحمد شاكر رحمه الله تعالى. قال ابن حزم: القطع بأن ذلك الحديث مختصر من هذا قول بالظن، وهو أكذب الحديث، بل هما حديثان كما ورد (١). وقال ابن التركماني: ودعوى الاختصار في غاية البعد (٢). وقال أحمد شاكر: ومن الواضح أن هذا تأويل بعيد جدًّا، يخرج به الحديث عن ظاهره، بل يحيل معناه عما يدل عليه لفظه وسياقه، ورمي الرواة الثقات الحفاظ بالوهم بهذه الصفة ونسبة التصرف الباطل في ألفاظ الحديث إليهم حتى يحيلوها عن معناها قد يرفع من نفوس ضعفاء العلم الثقة بالروايات الصحيحة جملة ... إلخ كلامه ﵀ (٣).

стр. 1217

وكلام أهل العلل كأبي داود وأبي حاتم الرازي وابن حبان ومعهم ابن تيمية وابن القيم لا يمكن أن يعارض بكلام ابن حزم وابن التركماني، وذلك أن ابن حزم ﵀ لم يكن من أهل العلل أصلًا، وليست له عناية في هذا الفن، ومن قرأ كتابه المحلى قطع بذلك، وإن كان هذا لا يقدح في إمامته في الفقه، فالمرد عند الكلام على العلل إنما هو إلى أهله وصيارفته، وما ساقه الشيخ أحمد شاكر ﵀ إنما هو من قبيل حسن الظن بالراوي، وهذا لا يمنع من الوقوع بالخطأ، والثقة بل الأئمة قد يقع لهم بعض الأوهام، فهذا مالك وسفيان والزهري وشعبة قد يحصي أئمة الحديث أوهامًا لهم وقعوا فيها، إما في المتن وإما في الإسناد، وليس ذلك بقادح في الثقة حتى يكثر ذلك منه، فإذا كثرت مخالفته قدح ذلك في ضبطه، والقول بأنه مختصر ليس قولًا بالظن، فإن مخرج الحديثين واحد إذ مدارهما على ابن المنكدر، ومعناهما واحد، والله أعلم. وبناء عليه فالوضوء مما مست النار محفوظ غير منسوخ، وإن كان الأمر بالوضوء مما مست النار ليس للوجوب، لأن الرسول ﷺ أمر بالوضوء، ثم أكل لحمًا وصلى ولم يتوضأ، فدل على أن الأمر بالوضوء منه ليس للوجوب. وأن لحوم الإبل ليست العلة في الأمر بالوضوء منه كونه مما مسته النار، وإلا لم يكن هناك فرق بين لحوم الغنم ولحوم الإبل، لأن الجميع قد مسته النار، ومع ذلك فرق بينهما في الحكم في الحديث، كما في حديث جابر والبراء بن عازب، وسوف نأتي على ذكرهما إن شاء الله تعالى. وقد يقال أيضًا: إن ترك الوضوء مما مست النار عام، والأمر بالوضوء من لحوم الإبل خاص، والخاص مقدم على العام، خاصة إذا علمنا أن الحديث قد جمع بين نوعين من اللحوم وكلاهما قد مسته النار، فعلق الوضوء من لحوم الغنم بالمشيئة، وأمر بالوضوء من لحوم الإبل، ولم يعلقه على المشيئة، والله أعلم.

стр. 1218

* الدليل الثاني: (٤٦٨ - ٣٢٢) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: الوضوء مما خرج، وليس مما دخل (١). [صحيح موقوف] (٢).

стр. 1219

• ويجاب: بأن قول الصحابي حجة بشرطين: أحدهما: ألا يخالف مرفوعًا، وهذا الشرط لم يتوفر هنا. الثاني: ألا يخالف صحابيًا آخر، وهذا أيضًا لم يتوفر في مسألتنا، فقد روى ابن أبي شيبة بسند صحيح عن جابر بن سمرة، أنه قال: كنا نتوضأ من لحوم الإبل، ولا نتوضأ من لحوم الغنم (١). وقوله: (كنا) إشارة إلى عامة الصحابة أو أغلبهم. ثم إن كلام ابن عباس غير مطرد أيضًا، فإنه غير مسلم بأن الوضوء مما خرج فقط، ذلك أن التقاء الختانين ولو لم يحصل إنزال فهو مبطل للوضوء على الصحيح، وهو مما دخل، وليس مما خرج، ولا يعترض عليه بأن هذا يوجب الغسل؛ لأن الكلام على كونه مبطلًا للوضوء وليس الكلام فيما يوجبه، وهما مسألتان، ولأن كل ما يوجب الطهارة الكبرى فإنه موجب للطهارة الصغرى من باب أولى، كما أن مس الذكر على الصحيح مبطل للوضوء، وليس هو مما خرج. * الدليل الثالث: (٤٦٩ - ٣٢٣) ما رواه ابن الجعد، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن يحيى بن وثاب، قال: سألت ابن عمر عن الوضوء مما غيرت النار، فقال: الوضوء مما خرج، وليس مما دخل؛ لأنه لا يدخل إلا طيبًا، ولا يخرجه إلا خبيثًا (٢). [رجاله ثقات] (٣).

стр. 1220

* الدليل الرابع: (٤٧٠ - ٣٢٤) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن وائل بن داود، عن إبراهيم، عن عبد الله بن مسعود، قال: إنما الوضوء مما خرج، والفطر مما دخل، وليس مما خرج (١). [ضعيف] (٢). * الدليل الخامس: (٤٧١ - ٣٢٥) روى البيهقي من طريق إسرائيل، عن عبد الأعلى، عن أبي عبد الرحمن، عن علي أنه أطعم خبزًا ولحمًا، فقيل له: ألا تتوضأ؟ فقال: إن الوضوء مما خرج، وليس مما دخل (٣).

стр. 1221

[ضعيف] (١). • وأجيب: قال البيهقي: وروينا عن علي بن أبي طالب وابن عباس: الوضوء مما خرج، وليس مما دخل، وإنما قالا ذلك في ترك الوضوء مما مست النار (٢). قلت: لو كانت علة الوضوء من لحوم الإبل كونه مما مسته النار، لم يكن هناك فرق بين لحم وآخر، وقد فرق الحديث بين لحم الغنم والإبل كما سيأتي من حديث جابر والبراء ﵄. * الدليل السادس: (٤٧٢ - ٤٢٦) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عائذ بن حبيب، عن يحيى بن قيس، قال: رأيت ابن عمر أكل لحم جزور، وشرب لبن الإبل، وصلى ولم يتوضأ (٣). [فيه لين] (٤).

стр. 1222

* الدليل السابع: (٤٧٣ - ٣٢٧) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن جابر، عن أبي سبرة النخعي، أن عمر بن الخطاب أكل لحم جزور، ثم قام، فصلى، ولم يتوضأ (١). [ضعيف جدًّا] (٢). * الدليل الثامن: (٤٧٤ - ٣٢٨) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن شريك، عن جابر، عن عبد الله بن الحسن، أن عليًا أكل لحم جزور، ثم صلى، ولم يتوضأ (٣). [ضعيف] (٤). • الدليل على وجوب الوضوء من لحوم الإبل: * الدليل الأول: (٤٧٥ - ٣٢٩) ما رواه مسلم من طريق عثمان بن عبد الله بن موهب، عن جعفر

стр. 1223

ابن أبي ثور، عن جابر بن سمرة أن رجلا سأل رسول الله ﷺ أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا توضأ، قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم، فتوضأ من لحوم الإبل. قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم. قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال لا (١).

стр. 1224

* الدليل الثاني: (٤٧٦ - ٣٣٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن

стр. 1225

عبد الله بن عبد الله، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب قال: سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل؟ فقال: توضؤا منها. قال: وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل، فقال: لا تصلوا فيها؛ فإنها من الشياطين، وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم؟ فقال: صلوا فيها؛ فإنها بركة (١). [صحيح] (٢).

стр. 1226

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1227

* الدليل الثالث: (٤٧٧ - ٣٣١) ما رواه ابن ماجه من طريق بقية، عن خالد بن يزيد ابن عمر ابن هبيرة الفزاري، عن عطاء بن السائب، قال: سمعت محارب بن دثار يقول: سمعت عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: توضئوا من لحوم الإبل، ولا تتوضئوا من لحوم الغنم، وتوضئوا من ألبان الإبل، ولا توضئوا من ألبان الغنم، وصلوا في مراح الغنم ولا تصلوا في معاطن الإبل (١).

стр. 1228

[ضعيف، والصحيح وقفه] (١). * الدليل الرابع: (٤٧٨ - ٣٣٢) ما رواه أبو يعلى، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة، حدثنا معتمر بن سليمان، عن ليث، عن مولى لموسى بن طلحة - أو عن ابن لموسى ابن طلحة - عن أبيه، عن جده قال: كان نبي الله ﷺ يتوضأ من ألبان الإبل ولحومها ولا يصلي في أعطانها ولا يتوضأ من لحوم الغنم وألبانها ويصلي في مرابضها (٢). [ضعيف] (٣). * الدليل الخامس: (٤٧٩ - ٣٣٣) ما رواه الطبراني في المعجم الكبير من طريق سليمان بن داود الشاذكواني، حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن موهب، عن عثمان بن عبد الله بن موهب، عن جابر بن سمرة، عن أبيه سمرة السوائي، قال: سألت رسول الله ﷺ ، فقلت: إنا أهل بادية

стр. 1229

وماشية، فهل نتوضأ من لحوم الإبل وألبانها؟ قال: نعم. قال: فهل نتوضأ من لحوم الغنم وألبانها؟ قال: لا (١). [إسناده منكر] (٢). ويكفي في الباب حديث جابر بن سمرة وحديث البراء بن عازب ﵄. • وأجاب الجمهور عن هذه الأحاديث بأجوبة، منها: أن المقصود بالوضوء ليس الوضوء الشرعي، وإنما المراد غسل الأيدي من لحوم الإبل. • ويجاب عن هذا: أولًا: بأن الكلام إذا صدر من الشارع فالأصل حمله على الحقيقة الشرعية، فإن تعذر حمل على الحقيقة اللغوية، ولا يوجد هنا سبب يحملنا على صرف الكلام عن حقيقته الشرعية إلى حقيقته اللغوية. ثانيًا: أن السؤال عن الوضوء من لحومها قرن بالسؤال عن الصلاة في أعطانها مما يدل على أن المراد بالوضوء الوضوء الشرعي المتعلق بالصلاة. ثالثًا: لو كان المقصود بالوضوء هو غسل الأيدي لكان غسل الأيدي من لحوم الغنم أولى من غسلها من لحوم الإبل، وذلك أن نسبة الدهون في لحوم الغنم أكثر منها في لحوم الإبل، وهذا أمر معروف عند كل من يتعاطى أكل لحوم الإبل. رابعًا: أن غسل الأيدي ليس واجبًا لا في لحوم الإبل ولا في لحوم الغنم، فلماذا يترك الشارع غسل الأيدي من لحوم الغنم إلى مشيئة الفاعل، ولا يترك هذا الأمر في

стр. 1230

لحوم الإبل، مع أن غسل الأيدي من لحوم الإبل والغنم الحكم فيها سواء، إلا إن كنتم تذهبون إلى وجوب غسل الأيدي من لحوم الإبل، ولا قائل به. • الجواب الثاني للجمهور: قالوا: إن هذه الأحاديث منسوخة بحديث (كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار) وقد أجبنا على ذلك، بأجوبة منها: أولًا: أن الحديث اختصره شعيب بن حمزة فأخطأ فيه. ثانيًا: أنه لا يذهب إلى النسخ إلا إذا عرف التاريخ، وتعذر الجمع، والتاريخ غير معلوم، والجمع لم يتعذر هنا؛ لأن الجمع فيه إعمال لكلا الدليلين، بينما النسخ فيه إبطال لأحدهما. ثالثًا: أن الأمر بالوضوء من لحوم الإبل خاص، وترك الوضوء مما مست النار عام، والخاص مقدم على العام. قال ابن القيم: «ومن العجب معارضة هذه الأحاديث بحديث جابر: (كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار) ولا تعارض بينهما أصلًا؛ فإن حديث جابر هذا إنما يدل على أن كونه ممسوسًا بالنار، ليس جهة من جهات نقض الوضوء، ومن نازعكم في هذا؟ نعم هذا يصلح أن يحتجوا به على من يوجب الوضوء مما مست النار على صعوبة تقرير دلالته، وأما من يجعل كون اللحم لحم إبل هو الموجب للوضوء، سواء مسته النار أم لم تمسه، فيوجب الوضوء من نيئه ومطبوخه وقديده، فكيف يحتج عليه بهذا الحديث؟ وحتى لو كان لحم الإبل فردًا من أفراده فإنما تكون دلالته بطريق العموم، فكيف يقدم على الخاص؟ هذا مع أن العموم لم يستفد ضمنًا من كلام صاحب الشرع، وإنما هو من قول الراوي. وأيضًا فأبين من هذا كله أنه لم يحك لفظًا لا خاصًا ولا عامًا، وإنما حكى أمرين: هما فعلان: أحدهما متقدم، وهو فعل الوضوء، والآخر متأخر، وهو تركه الوضوء من
следующие страницы →