* الدليل الثالث:
(٤٧٧ - ٣٣١) ما رواه ابن ماجه من طريق بقية، عن خالد بن يزيد ابن عمر ابن هبيرة الفزاري، عن عطاء بن السائب، قال: سمعت محارب بن دثار يقول:
سمعت عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: توضئوا من لحوم الإبل، ولا تتوضئوا من لحوم الغنم، وتوضئوا من ألبان الإبل، ولا توضئوا من ألبان الغنم، وصلوا في مراح الغنم ولا تصلوا في معاطن الإبل (١).
стр. 1228
[ضعيف، والصحيح وقفه] (١).
* الدليل الرابع:
(٤٧٨ - ٣٣٢) ما رواه أبو يعلى، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة، حدثنا معتمر بن سليمان، عن ليث، عن مولى لموسى بن طلحة - أو عن ابن لموسى ابن طلحة - عن أبيه،
عن جده قال: كان نبي الله ﷺ يتوضأ من ألبان الإبل ولحومها ولا يصلي في أعطانها ولا يتوضأ من لحوم الغنم وألبانها ويصلي في مرابضها (٢).
[ضعيف] (٣).
* الدليل الخامس:
(٤٧٩ - ٣٣٣) ما رواه الطبراني في المعجم الكبير من طريق سليمان بن داود الشاذكواني، حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن موهب، عن عثمان بن عبد الله بن موهب، عن جابر بن سمرة،
عن أبيه سمرة السوائي، قال: سألت رسول الله ﷺ ، فقلت: إنا أهل بادية
стр. 1229
وماشية، فهل نتوضأ من لحوم الإبل وألبانها؟ قال: نعم. قال: فهل نتوضأ من لحوم الغنم وألبانها؟ قال: لا (١).
[إسناده منكر] (٢).
ويكفي في الباب حديث جابر بن سمرة وحديث البراء بن عازب ﵄.
• وأجاب الجمهور عن هذه الأحاديث بأجوبة، منها:
أن المقصود بالوضوء ليس الوضوء الشرعي، وإنما المراد غسل الأيدي من لحوم الإبل.
• ويجاب عن هذا:
أولًا: بأن الكلام إذا صدر من الشارع فالأصل حمله على الحقيقة الشرعية، فإن تعذر حمل على الحقيقة اللغوية، ولا يوجد هنا سبب يحملنا على صرف الكلام عن حقيقته الشرعية إلى حقيقته اللغوية.
ثانيًا: أن السؤال عن الوضوء من لحومها قرن بالسؤال عن الصلاة في أعطانها مما يدل على أن المراد بالوضوء الوضوء الشرعي المتعلق بالصلاة.
ثالثًا: لو كان المقصود بالوضوء هو غسل الأيدي لكان غسل الأيدي من لحوم الغنم أولى من غسلها من لحوم الإبل، وذلك أن نسبة الدهون في لحوم الغنم أكثر منها في لحوم الإبل، وهذا أمر معروف عند كل من يتعاطى أكل لحوم الإبل.
رابعًا: أن غسل الأيدي ليس واجبًا لا في لحوم الإبل ولا في لحوم الغنم، فلماذا يترك الشارع غسل الأيدي من لحوم الغنم إلى مشيئة الفاعل، ولا يترك هذا الأمر في
стр. 1230
لحوم الإبل، مع أن غسل الأيدي من لحوم الإبل والغنم الحكم فيها سواء، إلا إن كنتم تذهبون إلى وجوب غسل الأيدي من لحوم الإبل، ولا قائل به.
• الجواب الثاني للجمهور:
قالوا: إن هذه الأحاديث منسوخة بحديث (كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار) وقد أجبنا على ذلك، بأجوبة منها:
أولًا: أن الحديث اختصره شعيب بن حمزة فأخطأ فيه.
ثانيًا: أنه لا يذهب إلى النسخ إلا إذا عرف التاريخ، وتعذر الجمع، والتاريخ غير معلوم، والجمع لم يتعذر هنا؛ لأن الجمع فيه إعمال لكلا الدليلين، بينما النسخ فيه إبطال لأحدهما.
ثالثًا: أن الأمر بالوضوء من لحوم الإبل خاص، وترك الوضوء مما مست النار عام، والخاص مقدم على العام.
قال ابن القيم: «ومن العجب معارضة هذه الأحاديث بحديث جابر: (كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار) ولا تعارض بينهما أصلًا؛ فإن حديث جابر هذا إنما يدل على أن كونه ممسوسًا بالنار، ليس جهة من جهات نقض الوضوء، ومن نازعكم في هذا؟ نعم هذا يصلح أن يحتجوا به على من يوجب الوضوء مما مست النار على صعوبة تقرير دلالته، وأما من يجعل كون اللحم لحم إبل هو الموجب للوضوء، سواء مسته النار أم لم تمسه، فيوجب الوضوء من نيئه ومطبوخه وقديده، فكيف يحتج عليه بهذا الحديث؟ وحتى لو كان لحم الإبل فردًا من أفراده فإنما تكون دلالته بطريق العموم، فكيف يقدم على الخاص؟ هذا مع أن العموم لم يستفد ضمنًا من كلام صاحب الشرع، وإنما هو من قول الراوي.
وأيضًا فأبين من هذا كله أنه لم يحك لفظًا لا خاصًا ولا عامًا، وإنما حكى أمرين: هما فعلان: أحدهما متقدم، وهو فعل الوضوء، والآخر متأخر، وهو تركه الوضوء من
стр. 1231
ممسوس النار، فهاتان واقعتان، توضأ في إحداهما، وترك الوضوء في الأخرى من شيء معين مسته النار، لم يحك لفظًا عامًا ولا خاصًا ينسخ به اللفظ الصريح الصحيح ... إلخ كلامه رحمه الله تعالى (١).
• الراجح من الخلاف:
بعد استعراض أدلة الفريقين نجد أن القائل بوجوب الوضوء من لحوم الإبل أسعد بالدليل، وليس مع القائلين بعدم الوجوب إلا حديث جابر (كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار)
ومع أن هذا الحديث معلول، فإن حديث جابر بن سمرة وحديث البراء بن عازب فرق بين نوعين من اللحوم، وكلاهما قد مسته النار، فإما أن يكون الوضوء من لحوم الإبل متقدمًا على حديث ترك الوضوء مما مست النار أو متأخرًا عنه، فإن كان متأخرًا لم يصح نسخه بنص متقدم عليه، لأن الناسخ يجب أن يكون متأخرًا.
وإن فرضنا أن حديث الوضوء من لحوم الإبل كان متقدمًا، قبل أن ينسخ الوضوء مما مست النار، فكيف يترك الوضوء من لحوم الغنم لمشيئة الفاعل، فكان يجب أن يكون الأمر بالوضوء منهما جميعًا، لكون اللحمين قد مستهما النار، فلا بد من القول: إن حديث ترك الوضوء من لحوم الغنم دليل على أنه متأخر عن الأحاديث التي تأمر بالوضوء مما مست النار، وإلا لأوجب الوضوء من لحوم الغنم، فلما ترك الوضوء من لحوم الغنم مع كونه قد مسته النار كان دليلًا على تأخر هذا الحديث عن أحاديث الوضوء مما مست النار، وتبين أن العلة في الأمر بالوضوء من لحوم الإبل ليست العلة كونه قد مسته النار، وإنما العلة فيه كونه من الإبل، سواء كان قد مسته النار أو لم تمسه النار، فيجب الوضوء منه مطلقًا، سواء كان مطبوخًا أو نيئًا، والله أعلم.
* * *
стр. 1232
المبحث الثاني علة الوضوء من لحوم الإبل
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• إثبات ما يوجب الحدث متلقى من الشرع، غير معقول المعنى، ولهذا ينقض الوضوء أكل لحم الإبل، وهو طاهر حلال، ولا ينقضه أكل لحم الخنزير، وهو نجس حرام، ومس الذكر ينقض الوضوء على الصحيح، مع أنه بضعة طاهرة من إنسان طاهر، ومس الأعيان النجسة لا يوجب الوضوء، والبول نجس، ويوجب الطهارة الصغرى، والمني طاهر على الصحيح، ويوجب الطهارة الكبرى.
• معرفة العلة إنما من أجل تعدية الحكم بالقياس، وذلك بإلحاق الفرع بأصله لعلة جامعة، والقياس على لحم الإبل لا أعرف أحدًا قال به.
[م-٢٠٧] اختلف العلماء في العلة من الوضوء من لحم الإبل، وعدم الأمر بالوضوء من سائر اللحوم الأخرى كالغنم والبقر والطيور ونحوها،
فقيل: إن الأمر بالوضوء منها لكونه كان مشروعًا في أول الأمر الوضوء مما مست النار، ثم نسخ هذا الحكم، بحديث جابر، كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار، وهذا مذهب الجمهور.
стр. 1233
ويشوش عليه أن الرسول ﷺ قد قرن معها لحم الغنم، فأمر بالوضوء من لحوم الإبل، ولم يأمر بالوضوء من لحم الغنم، ولو كانت العلة في الوضوء من لحوم الإبل كون النار قد مستها لم يختلف الحكم في لحم الغنم، لأن النار أيضًا قد مستها.
وقيل: إن الحكم تعبدي، فتكون علته مخفية عنا، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة.
وقيل: إنه ورد في الحديث أن الإبل خلقت من الشياطين.
(٤٨٠ - ٣٣٤) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، أخبرنا يونس، عن الحسن،
عن عبد الله بن مغفل، قال: قال رسول الله ﷺ : صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل؛ فإنها خلقت من الشياطين (١).
[صحيح] (٢).
стр. 1234
وفسر الحديث ابن حبان بأن معنى خلقت من الشياطين بأن معها شياطين على سبيل المجاورة والقرب.
قال ابن حبان في صحيحه: «قوله ﷺ : فإنها خلقت من الشياطين: أراد به أن معها الشياطين، وهكذا قوله ﷺ : فليدرأه ما استطاع فإن أبى فليقاتله؛ فإنه شيطان، ثم قال في خبر صدقة بن يسار، عن ابن عمر: فليقاتله؛ فإن معه القرين» (١).
وقال في موضع آخر في صحيحه: «لو كان الزجر عن الصلاة في أعطان الإبل لأجل أنها خلقت من الشياطين لم يصل ﷺ على البعير؛ إذ محال أن لا تجوز الصلاة في المواضع التي قد يكون فيها الشيطان ثم تجوز الصلاة على الشيطان نفسه، بل معنى قوله ﷺ : إنها خلقت من الشياطين: أراد به أن معها الشياطين على سبيل المجاورة والقرب» (٢).
وقيل: معناه أن من طبعها الشيطنة، وليس معناه أن مادة خلقها الشيطنة، فهو كقوله تعالى: (خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ) [الأنبياء: ٣٧]، يعني: طبيعته هكذا، فهي لا
стр. 1235
تكاد تهدأ، ولا تقر في العطن، بل تثور، فربما قطعت على المصلي صلاته، وشوشت عليه خشوعه، وهذه هي الشيطنة المذكورة في الحديث.
ولذلك لما صلى عليها أمن من شرها، بخلاف الصلاة في مباركها، فقد تأتي إليه مجتمعة في حالة من النفار فتفسد عليه صلاته.
وقال ابن القيم: «وقد جاء أن على ذروة كل بعير شيطانًا، وجاء: أنها خلقت من جن، ففيها قوة شيطانية، والغاذي شبيه بالمغتذي، ولهذا حرم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير؛ لأنها دواب عادية فالاغتذاء بها تجعل في طبيعة المغتذي من العدوان ما يضره في دينه، فإذا اغتذى من لحوم الإبل، وفيها تلك القوة الشيطانية، والشيطان خلق من نار، والنار تطفأ بالماء، ونظير الحديث الآخر: إن الغضب من الشيطان، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ» (١).
وكل هذه العلل إنما هي التماس، فلم ينص الشارع على العلة من الوضوء من لحمها، وسواء كانت هذه العلة أم غيرها فإن اليقين المقطوع به أن الشارع حكيم ولا يأمر إلا بما فيه حكمة، وأنه لا بد أن يكون هناك علة اقتضت التفريق بين لحم الإبل ولحم الغنم، فإن الشارع لا يمكن أن يفرق بين متماثلين، ولا يجمع بين متفرقين، فالحكمة، هو أمر النبي ﷺ ، والتماس العلة إنما هو من أجل القياس، وتعدية الحكم إلى حكم آخر لعلة جامعة بينهما، وليس لأمر آخر، ولذا قالت عائشة حين سئلت: ما بال الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة؟ قالت: كان يصيبنا ذلك على عهد رسول الله ﷺ فنؤمر بقضاء الصيام، ولا نؤمر بقضاء الصلاة، وهو حديث متفق عليه (٢).
* * *
стр. 1236
المبحث الثالث في الوضوء من شحم الإبل وكبده وطحاله ومصرانه
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• جاءت السنة في الوضوء من أكل لحم الإبل، فهل يراد باللحم جميع أجزاء الحيوان من شحم، وكبد، كالخنزير جاء النص بتحريم لحمه وشمل ذلك شحمه، أو أن تحريم شحم الخنزير ليس بنص الآية وإنما ألحق باللحم للإجماع؟
• هل إطلاق اللحم على الشحم والكبد حقيقة لغوية أو عرفية؟
• إدخال الشحم في اللحم يختلف من باب إلى آخر، ففي باب الأيمان والمعاملات حيث الخطاب يكون صادرًا من المكلف تقدم الحقيقة العرفية على اللغوية، فلا يدخل الشحم في مسمى اللحم.
وفي باب نواقض الوضوء، والربا حيث الخطاب يكون صادرًا من الشارع، فإنها تقدم الحقيقة اللغوية على العرفية.
• إذا نص على الشحم لم يدخل فيه اللحم مطلقًا، وإذا نص على اللحم دخل في ذلك الشحم إلا بدليل، ولهذا حرمت بعض الشحوم على اليهود، ولم يدخل في ذلك اللحم، فاللحم جنس، والشحم نوع منه، ويقال له: اللحم الأبيض.
стр. 1237
جاء في مقاييس اللغة: «شحم: الشين والحاء والميم: أصل يدل على جنس من اللحم» (١).
[م-٢٠٨] اختلف القائلون بوجوب الوضوء من لحم الإبل هل يشمل ذلك جميع أجزاء البعير من كبد وطحال وكرش ومصران ونحوها؟
فقيل: لا ينقض الوضوء إلا اللحم خاصة، وهو المشهور من مذهب أحمد (٢).
وقيل: ينقض جميع أجزاء البعير، وهي رواية في مذهب أحمد (٣).
• دليل من قال بعدم النقض:
* الدليل الأول:
قالوا: إن النص إنما ورد في اللحم خاصة، سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل؟ فقال: توضؤا منها.
والكبد والطحال ونحوهما لا يسمى لحمًا، فلم يتناوله النص، فلو أنك أمرت أحدًا أن يشتري لك لحمًا فاشترى كرشًا أو كبدًا لأنكرت عليه.
ويجاب عن ذلك بأن عدم دخولها هل مرده إلى اللغة أو إلى العرف، فإن كان ذلك في العرف فلا تقدم الحقيقة العرفية على الحقيقة اللغوية، وأما اللغة فإن اللحم يشمل جميع أجزاء الحيوان، بما في ذلك شحمه وكبده كما سيأتي ذكر دليل ذلك في أدلة القول الثاني إن شاء الله تعالى.
стр. 1238
التعليل الثاني:
أن الأصل بقاء الطهارة، فالطهارة متيقنة، ودخول غير اللحم في حكم اللحم أمر غير متيقن، واليقين لا يزول بالاحتمال.
التعليل الثالث:
أن النقض باللحم أمر تعبدي، وإذا كان كذلك لم يمكن قياس غير اللحم على اللحم؛ لأن من شرط القياس العلم بالعلة، والأمور التعبدية غير معلومة العلة، والله أعلم.
ويجاب: بأن إلحاق الكبد باللحم ليس من باب القياس، وإنما دخوله لاشتمال النص عليه، فاللحم ليس هو الهبر خاصة.
• دليل من قال بالنقض:
أولًا: من القرآن الكريم قال تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ) [المائدة: ٣]، فنص على اللحم، ومع ذلك دخل جميع أجزاء الخنزير من شحم وكبد وطحال ونحوها، وهذا دليل على أن اللحم شامل لجميع أجزاء الحيوان.
• وأجاب بعضهم:
بأن لحم الخنزير حرم لنجاسته وخبثه، وأجزاء الخنزير كلها نجسة، فلا طاهر فيها، وأما لحم الإبل فلا شيء فيها نجس، وإذا كانت العلة أنها خلقت من الشياطين فهذا لا يصير إلا فيما فيه القوة الزائدة، وهي في اللحوم، واللحم في اللغة اسم لهذا الأحمر من اللحم المسمى بالهبر.
ثانيًا: قد يطلق اللحم على الحيوان باعتبار أنه أكثر الحيوان وأغلبه، ولا يعني هذا اختصاصه بالحكم، إذ لا فرق بين الهبر وبين غيره، فالكل يتغذى بدم واحد وطعام وشراب واحد، وهذا على افتراض أن النص لا يتناول بقية أجزاء الحيوان بالعموم اللفظي، فيبقى تناوله بالعموم المعنوي لعدم الفارق.
стр. 1239
• الراجح من هذا الخلاف:
القول بأن النقض عام في كل أجزاء الإبل من هبر وشحم وكبد وطحال ونحوه أقوى من حيث النظر من القول باختصاص النقض بالهبر خاصة.
نعم القول بعدم النقض من حليب الإبل ومرقه ظاهر؛ لأنه لا يدخل في مسمى اللحم لا في الشرع ولا في العرف، ولا يقال: إذا شرب حليب الإبل بأنه أكل من الحيوان، وسوف نناقش هذه المسألة ببحث مستقل إن شاء الله تعالى.
* * *
стр. 1240
المبحث الرابع في الوضوء من لبن الإبل
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• لبن الإبل لا يسمى لحمًا لا في اللغة، ولا في الشرع، ولا في العرف.
[م-٢٠٩] اختلف أهل العلم القائلون بالوضوء من لحوم الإبل، هل يتوضأ من ألبانها؟
فقيل: لا يجب الوضوء منه، وهو مذهب الجمهور (١)، ورواية عن أحمد (٢).
وقيل: يستحب الوضوء منه، رجحه ابن تيمية (٣).
وقيل: يجب الوضوء منه، وهو قول في مذهب أحمد (٤).
• دليل من قال: يتوضأ من ألبانها:
* الدليل الأول:
(٤٨١ - ٣٣٥) ما رواه ابن ماجه من طريق بقية، عن خالد بن يزيد بن عمر ابن
стр. 1241
هبيرة الفزاري، عن عطاء بن السائب، قال: سمعت محارب بن دثار يقول:
سمعت عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: توضئوا من لحوم الإبل، ولا تتوضئوا من لحوم الغنم، وتوضئوا من ألبان الإبل، ولا توضئوا من ألبان الغنم، وصلوا في مراح الغنم ولا تصلوا في معاطن الإبل (١).
[ضعيف] (٢).
* الدليل الثاني:
(٤٨٢ - ٣٣٦) ما رواه أحمد، من طريق عباد بن العوام، حدثنا الحجاج، عن عبد الله بن عبد الله مولى بني هاشم، قال: وكان ثقة، وكان الحكم يأخذ عنه، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى،
عن أسيد بن حضير، عن النبي ﷺ أنه سئل عن ألبان الإبل، قال: توضئوا من ألبانها، وسئل عن ألبان الغنم؟، فقال: لا توضئوا من ألبانِها (٣).
[ضعيف] (٤).
* الدليل الثالث:
(٤٨٣ - ٣٣٧) ما رواه أبو يعلى من طريق ليث، عن مولى لموسى بن طلحة - أو عن ابن لموسى بن طلحة - عن أبيه،
عن جده، قال: كان نبي الله ﷺ يتوضأ من ألبان الإبل ولحومها ولا يصلي في أعطانها ولا يتوضأ من لحوم الغنم وألبانها ويصلي في مرابضها (٥).
стр. 1242
[ضعيف] (١).
* الدليل الرابع:
(٤٨٤ - ٣٣٨) ما رواه الطبراني في المعجم الكبير من طريق سليمان بن داود الشاذكواني، حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن موهب، عن عثمان بن عبد الله ابن موهب، عن جابر بن سمرة،
عن أبيه سمرة السوائي، قال: سألت رسول الله ﷺ ، فقلت: إنا أهل بادية وماشية، فهل نتوضأ من لحوم الإبل وألبانها؟ قال: نعم. فهل نتوضأ من لحوم الغنم وألبانها؟ قال: لا (٢).
[منكر] (٣).
• دليل من قال: بعدم النقض:
* الدليل الأول .
إذا توضأ الإنسان، فهو على طهارته حتى يأتي دليل صحيح على نقض الوضوء من ألبان الإبل، والأحاديث الواردة إنما في هي في لحوم الإبل، والحكم غير معقول المعنى، فوجب الاقتصار على ما ورد فيه النص.
* الدليل الثاني:
أن الرسول ﷺ حين أمر العرنيين بأن يلحقوا إبل الصدقة، فيشربوا من أبوالها وألبانها (٤)، لم يأمرهم بالوضوء من ألبانها، ولو كان ذلك واجبًا لأمرهم.
стр. 1243
الراجح القول بعدم النقض، لعدم الدليل الصحيح في الباب، وما ورد من أحاديث فهي ضعيفة، والله أعلم، بل إن كلام أحمد وإسحاق حين قالا: صح في هذا الباب حديثان: حديث البراء وحديث جابر دليل على أنه لم يصح فيه غيرهما، وهذان الحديثان لم يذكرا ألبان الإبل، ولو كان الوضوء واجبًا منه لنص عليه الحديثان، والله أعلم.
* * *
стр. 1244
المبحث الخامس الوضوء من مرق لحم الإبل
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• مرق اللحم لا يسمى لحمًا لا في اللغة، ولا في الشرع، ولا في العرف.
[م-٢١٠] اختلف العلماء في الوضوء من مرق لحم الإبل:
فقيل: الوضوء منه غير واجب حتى ولو ظهر طعمه في المرق، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (١).
وقيل: يجب الوضوء منه، وهو وجه في مذهب الحنابلة (٢).
• دليل من قال: لا يجب الوضوء من مرق اللحم:
دليلهم هو دليل من قال: لا يجب الوضوء من ألبان الإبل، فانظره في المسألة التي قبل هذه.
• دليل من قال: يتوضأ من المرق:
قال: إذا ظهر طعم اللحم في المرق، فإنه قد تناوله، كما أن الماء إذا ظهر فيه أثر النجاسة، كان الماء نجسًا، ومرق لحم الخنزير لا يجوز أكله تبعًا للحمه، فكذلك هنا،
стр. 1245
إذا ظهر طعم اللحم وجب الوضوء منه.
• الراجح من الخلاف:
بعد استعراض الأقوال وأدلة كل قول نرى أن الصحيح أنه لا يجب الوضوء من مرق لحم الإبل، والقياس على مرق الخنزير قياس مع الفارق، وهناك فرق بين أثر النجاسة، وبين أثر لحم الإبل، فلو أقسم لا يأكل لحمًا ثم شرب مرق لحم لم يحنث، ولا يعتبر قد أكل لحمًا، حتى ولو ظهر طعم اللحم في المرق، وما كان ربك نسيًا، فلو كان الوضوء واجبًا من مرق اللحم لجاء النص في بيانه، وما سكت عنه فهو عفو، لكن لو قيل بالاستحباب قياسًا على الجلالة، فإنه حين ظهر أثر النجاسة باللبن كره شربه (١)، حتى ولو تحولت النجاسة إلى مادة أخرى، فكذلك إذا ظهر أثر اللحم في المرق استحب الوضوء منه احتياطًا، لو قيل بهذا لم يكن بعيدًا، والله أعلم.
* * *
стр. 1246
المبحث السادس الوضوء من أكل اللحوم الخبيثة كالسباع
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• إثبات ما يوجب الحدث متلقى من الشرع، ولهذا ينقض الوضوء أكل لحم الإبل، وهو طاهر حلال، ولا ينقضه أكل لحم الخنزير، وهو نجس حرام، ومس الذكر ينقض الوضوء على الصحيح، مع أنه بضعة طاهرة من إنسان طاهر، بخلاف مس الأعيان النجسة فلا تنقض الوضوء، كما أن البول نجس، ويوجب الطهارة الصغرى، والمني طاهر على الصحيح، ويوجب الطهارة الكبرى.
[م-٢١١] اختلف أهل العلم في هذه المسألة،
فقيل: لا ينقض الوضوء أكل الأطعمة المحرمة من لحم وغيره، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (١).
стр. 1247
وقيل: ينقض الطعام المحرم، سواء كان لحمًا أو غيره، وهو قول في مذهب الحنابلة (١).
وقيل: ينقض اللحم المحرم فقط دون سائر الأطعمة، وهو قول في مذهب الحنابلة (٢).
وقيل: ينقض لحم الخنزير فقط، وهو قول في مذهب الحنابلة، خرج عليه بعضهم أكل جميع النجاسات (٣).
• وسبب الخلاف ما أفصح عنه ابن تيمية ﵀ حيث يقول:
وأما اللحم الخبيث المباح للضرورة كلحم السباع، ينبني الخلاف على النقض بلحم الإبل، هل هو تعبدي فلا يتعدى إلى غيره أو معقول المعنى؟ فيعطى حكمه، بل هو أبلغ منه (٤). انتهى
وقال ابن القيم: «والوضوء منها أبلغ من الوضوء من لحوم الإبل، فإذا عقل المعنى لم يكن بد من تعديته، ما لم يمنع منه مانع» (٥).
قال المرداوي: الصحيح من المذهب، أن الوضوء من لحم الإبل تعبدي. وعليه الأصحاب.
قال الزركشي: هو المشهور.
وقيل: هو معلل. فقد قيل: إنها من الشياطين، كما جاء في الحديث الصحيح.
стр. 1248
رواه أحمد وأبو داود. وفي حديث آخر: (على ذروة كل بعير شيطان) فإن أكل منها أورث ذلك قوة شيطانية، فشرع وضوؤه منها ليذهب سورة الشيطان (١). اهـ
قلت: سبق لنا الكلام في الحكمة من مشروعية الوضوء من لحوم الإبل، فأغنى عن إعادته هنا، والله أعلم.
* * *
стр. 1249
المبحث السابع في الوضوء مما مست النار
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• أحاديث الأمر بالوضوء من لحوم الإبل خاصة، وأحاديث عدم الوضوء مما مست النار عامة، والخاص مقدم على العام.
• لو كانت العلة في الوضوء من لحوم الإبل الأمر بالوضوء مما مست النار، والتي يدعى أن الأمر فيها قد نسخ لم يكن هناك فرق بين الغنم والإبل، وبين غيرهما، فلما فرق بين لحم وآخر علم أن مناط الحكم هو جنس اللحم وليس مس النار.
• إذا أمر الرسول ﷺ بالوضوء مما مست النار، ثم لم يتوضأ أحيانًا منه لم يكن هذا دليلًا على النسخ، وإنما هو قرينة على أن الأمر ليس للوجوب، وإذا نهى عن شيء، ثم خالفه أحيانًا كان ذلك قرينة على أن النهي للكراهة ما لم يقم دليل صريح على أن ذلك الفعل خاص بالنبي ﷺ .
• إثبات ما يوجب الحدث متلقى من الشرع، ولهذا ينقض الوضوء أكل لحم الإبل، وهو طاهر حلال، ولا ينقضه أكل لحم الخنزير، وهو نجس حرام، ومس الذكر ينقض الوضوء على الصحيح، مع أنه بضعة طاهرة من إنسان طاهر، ومس النجاسات لا ينقض الوضوء، كما أن البول نجس، ويوجب الطهارة الصغرى، والمني طاهر على الصحيح، ويوجب الطهارة الكبرى.
стр. 1250
[م-٢١٢] اختلف الفقهاء في الوضوء مما مست النار:
فقيل: يجب الوضوء مما مسته النار، اختاره بعض الصحابة ﵃، منهم ابن عمر، وعائشة، وأبو هريرة، وأنس بن مالك، وأبو طلحة، وزيد بن ثابت، وغيرهم (١).
ورجحه الزهري رحمه الله تعالى (٢).
وقيل: لا يجب فيه وضوء، وعليه عمل الخلفاء الراشدين (٣)، وهو مذهب جماهير أهل العلم على خلاف بينهم:
هل كان الوضوء منه واجبًا فنسخ؟ اختاره بعض المالكية (٤)، وهو مذهب
стр. 1251
الشافعية (١)،
والحنابلة (٢)، واختيار ابن حزم (٣).
أو كان معنى الوضوء مما مست النار، هو المضمضة وغسل الفم على وجه الاستحباب، وهو مذهب الحنفية (٤)، واختاره بعض المالكية (٥).
وقيل: الوضوء مما مسته النار، مستحب، وليس بواجب، وترك الوضوء مما مست النار لم يكن من قبيل النسخ، وإنما هو لبيان أنه ليس بواجب، وهو وجه في مذهب أحمد، رجحه ابن تيمية رحمه الله تعالى (٦)، وابن القيم، وهو الراجح.
• وسبب الخلاف اختلافهم في الأحاديث الواردة:
فثبت عن النبي ﷺ أنه قال: توضئوا مما مست النار،
(٤٨٥ - ٣٣٩) رواه مسلم من طريق عقيل بن خالد قال: قال ابن شهاب: أخبرني عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أن خارجة بن زيد الأنصاري أخبره،
أن أباه زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول الوضوء مما مست النار (٧).
стр. 1252
ورواه مسلم من مسند عائشة ﵂ (١).
وثبت عنه أنه أكل لحمًا، ثم صلى ولم يتوضأ.
(٤٨٦ - ٣٤٠) رواه البخاري من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار،
عن عبد الله بن عباس أن رسول الله ﷺ أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ. ورواه مسلم (٢).
وقد رواه الشيخان أيضًا من مسند عمرو بن أمية الضمري (٣)، ومن مسند ميمونة (٤)، كما رواه مسلم من مسند أبي رافع (٥).
فمن أهل العلم من أخذ بالأحاديث الآمرة بالوضوء مما مست النار، وأنها ناقلة عن البراءة الأصلية فهي مقدمة على غيرها من الأحاديث الموافقة للبراءة الأصلية، وهذا حجة من ذهب إلى القول بوجوب الوضوء مما مست النار.
ومن أهل العلم من رأى أن القواعد تقتضي بأن الرسول إذا أمر بشيء ثم خالفه، ولم يأت دليل صريح بأن هذه المخالفة خاصة بالنبي ﷺ فإن ذلك يدل على أن الأمر ليس على الوجوب، وإنما سبيله الاستحباب، وهذا حجة من ذهب إلى استحباب الوضوء مما مست النار، وأن الأمر بالوضوء مما مست النار ما زال محكمًا، ولم ينسخ.
(٤٨٧ - ٣٤١) وأخذ جماهير أهل العلم بما رواه شعيب بن أبي حمزة، عن محمد ابن المنكدر،
стр. 1253
عن جابر قال: كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما غيرت النار (١).
فرأوا أن الحديث دليل على أن الوضوء مما مست النار كان مشروعًا فنسخ، إلا أن الحديث بهذا اللفظ، قد ذهب بعض أهل العلم منهم أبو داود وأبو حاتم الرازي وابن حبان وابن تيمية وابن القيم وغيرهم إلى أن شعيب اختصر الحديث، فأخطأ فيه (٢)، فأوقع هذا الاختصار المخل للحديث في لبس، وأن الحديث عند من بسطه لا يدل على ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، وإنما فيه أن الرسول ﷺ أكل لحمًا عند امرأة من الأنصار، ثم قام إلى صلاة الظهر، فتوضأ، وصلى، ثم عاد مرة أخرى، فقدمت له بقية اللحم، فأكل، ثم قام، وصلى العصر، ولم يتوضأ، فأراد شعيب أن يختصره، فقال: كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار، والمقصود بالأمرين أي في شأن هذه القصة، وليس في الأمر العام الشرعي على أن الحديث له علة أخرى، فقد قيل: إن محمد بن المنكدر لم يسمعه من جابر، وإنما سمعه من عبد الله بن محمد بن عقيل، وأكثر أهل العلم على ضعفه. وقد سبق بحث الحديث، فأغنى عن إعادته هنا.
ورد ابن حزم (٣)، وابن التركماني (٤)، القول باختصار الحديث، وقالا: إنما هما حديثان، وأيدهما أحمد شاكر رحمه الله تعالى.
وقال أحمد شاكر: ومن الواضح أن هذا تأويل بعيد جدًّا، يخرج به الحديث عن ظاهره، بل يحيل معناه عما يدل عليه لفظه وسياقه، ورمي الرواة الثقات الحفاظ بالوهم بهذه الصفة ونسبة التصرف الباطل في ألفاظ الحديث إليهم حتى يحيلوها عن
стр. 1254
معناها قد يرفع من نفوس ضعفاء العلم الثقة بالروايات الصحيحة جملة ... إلخ كلامه ﵀ (١).
وكلام أهل العلل كأبي داود وأبي حاتم الرازي وابن حبان ومعهم ابن تيمية وابن القيم لا يمكن أن يعارض بكلام ابن حزم وابن التركماني، وذلك أن ابن حزم ﵀ لم يكن من أهل العلل أصلًا، وليست له عناية في هذا الفن، ومن قرأ كتابه المحلى قطع بذلك، وإن كان هذا لا يقدح في إمامته في الفقه، فالمرد عند الكلام على العلل إنما هو إلى أهله وصيارفته، وما ساقه الشيخ أحمد شاكر ﵀ إنما هو من باب إحسان الظن بالراوي، وهذا لا يمنع من الوقوع بالخطأ، والثقة بل الأئمة يقع لهم بعض الأخطاء، فهذا مالك وسفيان والزهري وشعبة قد يحصي أئمة الحديث أوهامًا لهم وقعوا فيها، إما في المتن وإما في الإسناد، وليس ذلك بقادح في الثقة حتى يكثر ذلك منه، فإذا كثرت مخالفته قدح ذلك في ضبطه، والحديثان مخرجهما واحد، وشعيب متكلم في روايته عن ابن المنكدر، وقد أشرت إلى ذلك عند تخريج حديثه هذا في الوضوء من لحم الإبل، فلله الحمد.
وبناء عليه فالوضوء مما مست النار محفوظ غير منسوخ، وإن كان الأمر بالوضوء مما مست النار ليس للوجوب، لأن الرسول ﷺ أمر بالوضوء، ثم أكل لحمًا وصلى ولم يتوضأ، فدل على أن الأمر بالوضوء منه ليس للوجوب، وإنما هو على قبيل الاستحباب، والله أعلم.
* * *
стр. 1255
الفصل السابع في نقض الوضوء من القهقهة في الصلاة
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• كل حدث ينقض الطهارة في الصلاة ينقضها خارج الصلاة، وما لا يعتبر حدثًا في غير الصلاة لا يعتبر حدثًا فيها (١).
• الأصل بقاء الطهارة حتى يرد دليل صحيح صريح على بطلان الطهارة.
[م-٢١٣] القهقهة خارج الصلاة لا تنقض الوضوء اتفاقًا، وأما في الصلاة، فقد اختلف العلماء،
فقيل: تنقض الوضوء في الصلاة إلا صلاة الجنازة وسجدة التلاوة، وهو مذهب الحنفية (٢).
стр. 1256
وقيل: لا تنقض، وهو مذهب الجمهور (١)، وهو الصحيح.
• دليل الحنفية على القول بالنقض:
* الدليل الأول:
(٤٨٨ - ٣٤٢) ما رواه الدارقطني من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، حدثني الحسن بن دينار، عن الحسن بن أبي الحسن، عن أبي المليح بن أسامة،
عن أبيه، قال: بينا نحن نصلي خلف رسول الله ﷺ إذ أقبل رجل ضرير البصر، فوقع في حفرة، فضحكنا منه، فأمرنا رسول الله ﷺ بإعادة الوضوء كاملًا وإعادة الصلاة من أولها (٢).
[اضطرب فيه ابن إسحاق، والمعروف كونه مرسلًا عن أبي العالية عن النبي ﷺ ] (٣).
* الدليل الثاني:
(٤٨٩ - ٣٤٣) ما رواه الدارقطني من طريق محمد بن يزيد بن سنان، حدثنا أبي، أخبرنا سليمان الأعمش، عن أبي سفيان،
عن جابر، قال: قال لنا رسول الله ﷺ من ضحك منكم في صلاته فليتوضأ، ثم ليعد الصلاة (١).
[منكر، والمعروف عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر خلافه] (٢).
стр. 1260
* الدليل الثالث:
(٤٩٠ - ٣٤٤) ما رواه الدارقطني من طريق الحسن بن قتيبة ومن طريق إسماعيل ابن عياش، كلاهما عن عمر بن قيس، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن،
عن عمران بن حصين، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من ضحك في الصلاة قرقرة، فليعد الوضوء والصلاة.
وقال الحسن بن قتيبة: إذا قهقه الرجل أعاد الوضوء والصلاة (١).
[ضعيف جدًّا] (٢).
* الدليل الرابع:
(٤٩١ - ٣٤٥) ما رواه الدارقطني من طريق عبد العزيز بن الحصين، عن عبد الكريم، عن الحسن،
стр. 1261
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: إذا قهقه الرجل أعاد الوضوء والصلاة (١).
[ضعيف جدًّا] (٢).
وفي الباب أحاديث شديدة الضعف، تركتها اقتصارًا واختصارًا.
• دليل الجمهور على عدم النقض بالقهقهة .
* الدليل الأول:
(٤٩٢ - ٣٤٦) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان،
عن جابر، قال: إذا ضحك الرجل في الصلاة أعاد الصلاة، ولم يعد الوضوء (٣).
[صحيح] (٤).
* الدليل الثاني:
من تطهر فالأصل بقاء الطهارة حتى يأتي دليل صحيح صريح على بطلان طهارته، ولم يوجد.
* الدليل الثالث:
إذا كانت القهقة خارج الصلاة لا تنقض الطهارة، لم تنقض الطهارة داخل الصلاة.
стр. 1262
* الدليل الرابع:
الكلام ممنوع في الصلاة، ومع ذلك لا ينقض الطهارة ولو تعمده الإنسان بطلت صلاته دون طهارته، فكذلك القهقهة فهي من جنس الكلام، بل إذا كان القذف داخل الصلاة لا يبطل الطهارة، مع أنه من كبائر الذنوب فالقهقهة من باب أولى.
• الراجح من الخلاف:
القول بالنقض من القهقة قول ضعيف جدًّا أثرًا ونظرًا،
أما الأثر فإن مدارها على أحاديث إما مرسلة، وإما شديدة الضعف.
وأما النظر، فإن القهقهة كما أنها لا تنقض الوضوء خارج الصلاة، فإنها لا تنقض الوضوء في الصلاة، والله أعلم.
* * *
стр. 1263
الفصل الثامن في نقض الوضوء بالردة
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• الحدث يبطل الوضوء في أثنائه وبعد الفراغ منه، والردة تبطل الوضوء إذا ارتد أثناء الوضوء؛ لإبطالها الإيمان الذي هو شرط في صحة العبادة خلافًا للحنفية الذين لا يرون الإسلام شرطًا في صحة الوضوء، وهل تبطله بعد الفراغ منه؟
فيه خلاف راجع إلى الموقف من الردة، هل يبطل العمل بمجرد الارتداد عن الدين، أو يبطل العمل إذا استمر حتى مات على ردته؟
[م-٢١٤] اختلف العلماء في الردة، هل تبطل الوضوء،
فقيل: لا تبطل الوضوء، وهو مذهب الحنفية (١)، وأحد القولين في مذهب المالكية (٢)، ووجه في مذهب الشافعية (٣)، واختيار ابن حزم (٤).
стр. 1264
وقيل: تبطل الردة التيمم دون الوضوء، وهو وجه في مذهب الشافعية (١).
وقيل: تبطل الوضوء، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٢)، واختاره بعض المالكية (٣)، ووجه في مذهب الشافعية (٤).
• دليل من قال: لا تبطل الردة الوضوء:
التعليل الأول:
قالوا: إن الردة ليست حدثًا، وإنما يبطل الوضوء بالحدث.
قلت: سبق لنا أن الحنفية يصححون الوضوء من الكافر، ولا يشترطون الإسلام في صحة الوضوء، فضلًا أن يروا الردة مبطلة للوضوء.
التعليل الثاني:
بعد الفراغ من العبادة لا يمكن له رفضها ولا إبطالها، فكما أنه لو صام أو صلى لا يمكنه أن يرفض العبادة أو يغير نيتها حال إسلامه، فكذلك لا يمكن له إبطال العبادة بالردة بعد الفراغ منها.
قال ابن حزم: «وأما الردة فإن المسلم لو توضأ واغتسل للجنابة أو كانت امرأة
стр. 1265
فاغتسلت من الحيض ثم ارتدا ثم راجعا - الإسلام دون حدث يكون منهما، فإنه لم يأت قرآن ولا سنة صحيحة ولا سقيمة ولا إجماع ولا قياس بأن الردة حدث ينقض الطهارة، وهم يجمعون معنا على أن الردة لا تنقض غسل الجنابة، ولا غسل الحيض، ولا أحباسه السالفة، ولا عتقه السالف ولا حرمة الرجل، فمن أين وقع لهم أنها تنقض الوضوء وهم أصحاب قياس، فهلا قاسوا الوضوء على الغسل في ذلك، فكان يكون أصح قياس لو كان شيء من القياس صحيحًا (١). اهـ
قالوا: إن الردة إنما تبطل ثواب العمل، وليست تبطل العمل نفسه، وإبطال الثواب مشروط بالموت على الكفر كما سيأتي إن شاء الله تعالى بيانه.
* الدليل الثالث:
(٤٩٣ - ٣٤٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، عن شعبة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه،
عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ لا وضوء إلا من صوت أو ريح (٢).
[المحفوظ في لفظ الحديث فلا يخرج حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا] (٣).
ثم إن هذا العموم لا يدخل فيه مس الفرج كما لا يدخل فيه أكل لحم الإبل ومس بدن المرأة وغيرها من النواقض المختلف فيها، وقد يدخل في ذلك النوم باعتباره مظنة لخروج خارج، كما يدخل فيه البول والغائط، ووجهه: حيث نبه على الأخف، فيدخل الأغلظ من باب أولى.
• دليل من قال: الردة تبطل الوضوء:
* الدليل الأول:
قوله تعالى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) [الزمر: ٦٥]، فكلمة (عَمَلُكَ) نكرة