الفصل الرابع: في تكرار المسح.
الفصل الخامس: في تقديم الرجل اليمنى بالمسح.
فرع: في اشتراط ظهور أثر الأصابع خطوطًا من المسح.
الباب الرابع: خلاف العلماء في ابتداء مدة المسح.
الباب الخامس: في السفر وأحكام المسح على الخفين.
الفصل الأول: اختلاف التوقيت بين المسافر والمقيم.
الفصل الثاني: في مقدار المسافة التي يسوغ فيها مسح المسافر.
الفصل الثالث: إذا لبس الخف، وهو مقيم، ثم سافر.
الفصل الرابع: إذا مسح في السفر، ثم أقام.
الفصل الخامس: إذا شك في ابتداء المسح.
الفصل السادس: في مسح المسافر العاصي بسفره.
الباب السادس: في أحكام لبس الخف على الخف.
الفصل الأول: في جواز المسح إذا لبس خفًا على خف.
الفصل الثاني: في مسح الخف الثاني إذا لبسه بعد الحدث.
الفصل الثالث: في المسح على الخف المخرق.
الفصل الرابع: إذا مسح الأعلى ثم خلعه.
الباب السابع: مبطلات المسح على الخفين.
الفصل الأول: إذا نزع خفيه بعد المسح، وقبل تمام المدة.
الفصل الثاني: في بطلان الطهارة بظهور بعض محل الفرض.
الفصل الثالث: في استئناف الوضوء بانتهاء مدة المسح.
الفصل الرابع: في بطلان المسح بوجود الحدث الأكبر.
стр. 1297
الباب الثامن: في أحكام المسح على العمامة.
الفصل الأول: في المسح على العمامة.
الفصل الثاني: في المسح على الخمار.
الفصل الثالث: في المسح على القلانس.
الفصل الرابع: في شروط المسح على العمامة.
الشرط الأول: في اشتراط التحنيك أو الذؤابة في العمامة.
الشرط الثاني: الخلاف في اشتراط لبسها على طهارة.
الشرط الثالث: الخلاف في توقيت المسح على العمامة.
الشرط الرابع: لا تمسح العمامة إلا في الحدث الأصغر.
الشرط الخامس: الخلاف في اشتراط استيعاب العمامة في المسح.
الشرط السادس: يشترط أن تكون العمامة مباحة.
الشرط السابع: أن تكون العمامة ساترة لما جرت العادة بستره.
الفصل الخامس: خلع العمامة بعد المسح عليها.
فرع: لو انتقضت العمامة دون أن ينزعها.
الباب التاسع: في المسح على الجبيرة.
الفصل الأول: خلاف العلماء في جواز المسح على الجبيرة.
الفصل الثاني: في شروط المسح على الجبيرة.
الشرط الأول: أن يكون الغسل مما يضر بالعضو.
الشرط الثاني: في اشتراط لبس الجبيرة على طهارة.
الشرط الثالث: في اشتراط ألا تتجاوز قدر الحاجة.
стр. 1298
الشرط الرابع: في اشتراط أن تكون الجبيرة مباحة.
الشرط الخامس: في اشتراط أن يكون غالب البدن صحيحًا.
الشرط السادس: في المسح على الجرح إذا لم يكن عليه جبيرة.
الشرط السابع: في اشتراط أن تكون الجبيرة من خشب.
الفصل الثالث: في إعادة المسح إذا سقطت الجبيرة أو أبدلها.
الفصل الرابع: في صفة المسح.
المبحث الأول: في استيعاب الجبيرة بالمسح؟
المبحث الثاني: في تكرار المسح على الجبيرة.
الخاتمة: أهم النتائج التي توصلت إليها في البحث.
هذا ما عَنَّ لي بحثه، فإن كنت قد وفقت فمن توفيق الله، وإن كانت الأخرى فعذري لإخواني أني لم آل جهدًا، فالله أسأل عفوه ومغفرته.
كتبه
أبو عمر: دبيان بن محمد الدبيان
السعودية ـ القصيم ـ بريدة
* * *
стр. 1299
تمهيد
لقد رفع الله الحرج عن هذه الأمة، فشريعة الله لا عنت فيها، ولا مشقة، تراعي أحوال المكلف، فاليسر وعدم التكلف هو شأن هذه الملة التي جاءت من أحكم الحاكمين، ومن رب العالمين، ومع أن شرع الله لا حرج فيه إلا أنه إذا طرأ على المكلف ما يستدعي التيسير عليه خفف عنه بالقدر الذي لا يشق عليه، فهذا المسافر يقصر الصلاة، ويفطر في رمضان لأن الغالب في السفر أن يكون فيه كلفة ومشقة، وهذا المريض يصلي قائمًا، فإذا لم يستطع صلى قاعدًا، فإذا لم يستطع صلى على جنب، وهكذا الشرع مع أحوال المكلف، (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَاّ وُسْعَهَا)، (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)، (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ)، (مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً).
وفي المسح على الخفين والجوارب والعمامة والجبيرة ما فيه من التيسير على المكلف خاصة في أيام البرد الشديد، وفي بعض البلاد الباردة جدًّا ما يدرك المرء نعمة الله عليه، ولو شاء الله لأعنتكم.
ولقد ضل بعض أهل البدع في مسألة المسح على الخفين حتى أنكروه مع ثبوته عن الإمام علي بن أبي طالب ﵁، بل وثبت عنه المسح على النعلين، وكان
стр. 1300
الأليق في دعواهم لمحبة الإمام علي بن أبي طالب أن يتبعوه ولكن المحبة التي لا تكون مبنية على أسس شرعية لن تهدي صاحبها إلى الحق وإلى طريق مستقيم، فخالفوا فيه أهل السنة من وجهين:
الأول: أنهم يرون مسح القدم، ولو لم يكن عليها خف، فوقعوا في وعيد قوله ﷺ في الحديث المتفق عليه: ويل للأعقاب من النار (١).
الثاني: أنهم أنكروا المسح على الخفين على كثرة الأحاديث الواردة فيه، حتى اعتبرت من قبيل الأحاديث المتواترة.
وقد ذكر المسح على الخفين بعض ممن ألف في العقائد مع أنها مسألة فقهية، للتنبيه على أن حكم هذه المسألة فرق بين أهل السنة، وبين أهل البدع من الخوارج والرافضة هداهم الله.
وعلى كل حال فهم يخالفون أهل السنة في أكبر من ذلك، ولهم في كتاب الله ، وسنة رسول الله ﷺ ، وصحابته عقائد منكرة، وإنما ذكرت ما ذكرت تحذيرًا لمن ينكر سنة المسح لئلا يتشبه بهم، وليحذر من طريقة أهل البدع. والله الهادي وحده إلى الطريق المستقيم.
وقبل أن أختم هذا الفصل، أود أن أعرف الخف والجورب والموق والجبيرة عند أهل اللغة.
• تعريف الخف:
قال الفيومي: الخف: الملبوس، جمعه: خفاف، مثل كتاب. وفرق بين هذا وخف البعير؛ إذ يجمع الثاني على أخفاف، مثل قفل، وأقفال (٢).
стр. 1301
وقال الفيروزآبادي: أخفاف: واحد الخفاف، التي تلبس، وتخفّف: لبسه.
ثم ذكر المثل المشهور: جئتكم بخفي حنين، مثل يضرب عند اليأس من الحاجة (١).
وجاء في المعجم الوسيط: الخف: ما يلبس في الرجل من جلد رقيق (٢).
• تعريف الجوارب:
قال الأزهري والفيروزآبادي: الجورب لفافة الرجل (٣).
وقيل: إنه فارسي معرب، وأصله كورب (٤).
وأما مادته التي يصنع منها، فقال أبو بكر بن العربي: الجورب غشاءآن للقدم من صوف، يتخذ للوقاء.
وفي التوضيح للحطاب المالكي: الجوارب ما كان على شكل الخف، من كتان أو قطن أو غير ذلك.
وفي الروض المربع للبهوتي الحنبلي: الجورب: ما يلبس في الرجل على هيئة الخف من غير الجلد.
وقال العيني: الجورب هو الذي يلبسه أهل البلاد الشامية الشديدة البرد، وهو يتخذ من غزل الصوف المفتول يلبس في القدم إلى ما فوق الكعب (٥).
فظهر أن الفرق بينه وبين الخف، أن الخف يكون من جلد، والجورب يكون من غير الجلد.
стр. 1302
• تعريف الجرموق:
الجرموق: بضم الجيم والميم: فارسي معرب، وهو شيء يلبس فوق الخف لشدة البرد، أو حفظه من الطين وغيره، ويكون من الجلد غالبًا. والجمع: جراميق.
وقال الأزهري: الجرموق: خف يلبس فوق الخف.
وفي القاموس: لا تجتمع الجيم والقاف في كلمة إلا معربة، أو تكون صوتًا (١).
• تعريف الموق:
والموق كما في مختار الصحاح: ما يلبس فوق الخف، وهو فارسي معرب (٢).
وقال الجوهري والمطرزي: الموق خف قصير، يلبس فوق الخف، نقلًا من شرح فتح القدير (٣).
وأنكر النووي أن يكون الموق يلبس فوق الخف، فذكر عن أصحابه أن الموق: هو الخف لا الجرموق، وقال: هو الصحيح المعروف في كتب أهل الحديث وغريبه (٤).
وجاء في نصب الراية: «قال الشيخ تقي الدين في الإمام: وقد اختلفت عباراتهم في تفسير الموق، فقال: ابن سيده: الموق ضرب من الخفاف، والجمع أمواق، عربي صحيح. وحكى الأزهري عن الليث: الموق ضرب من الخفاف، ويجمع على أمواق. وقال الجوهري: الموق الذي يلبس فوق الخف، فارسي معرب.
وقال الفراء: الموق الخف فارسي معرب، وجمعه أمواق. وكذلك قال الهروي الموق الخف فارسي معرب، وقال كراع: الموق الخف والجمع أمواق انتهى» (٥).
стр. 1303
• تعريف الجبيرة:
جاء في المصباح: «جبرت اليد: وضعت عليها جبيرة، والجبيرة: عظام توضع على الموضع العليل من الجسد، ينجبر بها، والجبارة بالكسر: مثله، والجمع: الجبائر» (١).
وفي المختار: الجبيرة: العيدان التي تجبر بها العظام (٢).
وقال في طلبة الطلبة: الجبائر: هي التي تربط على الجرح، جمع جبيرة: وهي العيدان التي تجبر بها العظام (٣).
وقال البعلي: هي أخشاب ونحوها، تربط على الكسر ونحوه (٤).
* * *
стр. 1304
الباب الأول في حكم المسح
الفصل الأول حكم المسح على الخفين
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• المسح على محل الخفين متلقى من الشارع، والحكم فيه للأثر، ولا يقال مثله بالنظر.
• لا يقاس على محل الخف، فلا يمسح الكفان داخل القفازين قياسًا على الخف، وهل يقاس على الخف غيره مما يلبس على القدم من جورب ولفائف، أم هي عبادة لا يقاس عليها غيرها، ولا يتعدى بها محلها؟
• لا تترك الأحكام الشرعية الثابتة للاختلاف فيها، ولو روعي ذلك لتركت كثير من الأحكام الشرعية مراعاة لجهل من لم يطلع عليها.
• المسح على الخفين غايته أن يكون زيادة على ما في آية المائدة، وهذا غير ممتنع فقد جاء في السنة تحريم كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، وجاء في السنة تحريم الجمع بين المرأة وخالتها، والمرأة وعمتها.
[م-٢٢١] اختلف العلماء في جواز المسح على الخفين:
فقيل: يجوز في الحضر والسفر.
стр. 1305
وهو مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة، ورواية عن مالك (١)، واختيار ابن حزم (٢).
وقيل: يجوز في السفر ولا يجوز في الحضر، وهو رواية عن مالك (٣).
وقيل: لا يجوز مطلقًا، وهو أضعف الروايات عن مالك (٤).
• أدلة الجمهور على جواز المسح على الخفين .
الدليل الأول:
من الكتاب قوله تعالى:
(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى
стр. 1306
الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ) [المائدة: ٦].
قال الطبري: اختلف القراء، في قراءة قوله تعالى (وأرجلكم) فقرأه جماعة من قراء الحجاز والعراق: (وأرجلكم) نصبًا، فتأويله: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برؤوسكم.
ثم قال: وقرأ آخرون من قراء الحجاز والعراق: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ) بخفض الأرجل (١).
وقال ابن الجوزي: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وأبو بكر عن عاصم بكسر اللام عطفًا على مسح الرأس (٢).
وجه الشاهد من الآية:
على قراءة كسر: (وأرجلكم) تأولها بعضهم أن فيها إشارة للمسح على الخفين.
قال القرطبي: قيل: إن الخفض في الرجلين إنما جاء مقيدًا لمسحهما لكن إذا كان عليهما خفان، وتلقينا هذا القيد من رسول الله ﷺ إذ لم يصح عنه أنه مسح رجليه إلا وعليهما خفان، فبين ﷺ بفعله الحال التي تغسل فيه الرجل، والحال التي تمسح فيه، وهذا حسن (٣).
قلت: ولا يمكن أن يفهم من قراءة الجر جواز مسح القدم، ولو كانت مكشوفة، لأن النبي ﷺ لم يمسح قدميه قط، وقد قال ﷺ في الحديث المتفق عليه: (ويل للأعقاب من النار) (٤).
وقال ابن العربي: وطريق النظر البديع أن القراءتين محتملتان، وأن اللغة تقضي بأنهما جائزتان، فردهما الصحابة إلى الرأس مسحًا، فلما قطع بنا حديث النبي ﷺ
стр. 1307
ووقف في وجوهنا وعيده -يعني حديث ويل للأعقاب من النار- قلنا: جاءت السنة قاضية بأن النصب يوجب العطف على الوجه واليدين، ثم قال: وجاء الخفض ليبين أن الرجلين يمسحان حال الاختيار على حائل، وهما الخفان، بخلاف سائر الأعضاء، فعطف النصب مغسولًا على مغسول، وعطف بالخفض ممسوحًا على ممسوح، وصح المعنى فيه (١).
وقال الشنقيطي ﵀: قال بعض العلماء: المراد بقراءة الجر: المسح، ولكن النبي ﷺ بين أن ذلك المسح لا يكون إلا على خف، وعليه فالآية تشير إلى المسح على الخف في قراءة الخفض (٢).
الدليل الثاني:
(٥٠٤ - ١) ما رواه مسلم من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم،
عن همام، قال: بال جرير، ثم توضأ ومسح على خفيه، فقيل: تفعل هذا؟ فقال: نعم رأيت رسول الله ﷺ بال، ثم توضأ، ومسح على خفيه.
قال الأعمش: قال إبراهيم: كان يعجبهم هذا الحديث؛ لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة.
وفي رواية: قال: فكان أصحاب عبد الله يعجبهم هذا الحديث؛ لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة، والحديث في البخاري (٣).
الدليل الثالث:
(٥٠٥ - ٢) ما رواه البخاري، قال: حدثنا يحيى، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق،
стр. 1308
عن مغيرة بن شعبة، قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر، فقال: يا مغيرة خذ الإداوة، فأخذتها، فانطلق رسول الله ﷺ حتى توارى عني، فقضى حاجته، وعليه جبة شأمية، فذهب ليخرج يده من كمها، فضاقت، فأخرج يده من أسفلها، فصببت عليه، فتوضأ وضوءه للصلاة، ومسح على خفيه، ثم صلى. ورواه مسلم (١).
الدليل الرابع:
(٥٠٦ - ٣) ما رواه البخاري من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عبد الله ابن عمر،
عن سعد بن أبي وقاص، عن النبي ﷺ أنه مسح على الخفين، وأن عبد الله بن عمر سأل عمر عن ذلك، فقال: نعم إذا حدثك شيئًا سعد عن النبي ﷺ فلا تسأل عنه غيره (٢).
الدليل الخامس:
(٥٠٧ - ٤) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري، أن أباه أخبره، أنه رأى النبي ﷺ يمسح على الخفين (٣).
الدليل السادس:
(٥٠٨ - ٥) ما رواه مسلم، قال: حدثنا يحيى بن يحيى التميمي، أخبرنا أبو خيثمة، عن الأعمش، عن شقيق،
عن حذيفة، قال: كنت مع النبي ﷺ ، فانتهى إلى سباطة قوم، فبال قائمًا، فتنحيت، فقال: ادنه، فدنوت حتى قمت عند عقبيه، فتوضأ، فمسح على خفيه (٤).
стр. 1309
الدليل السابع:
(٥٠٩ - ٦) ما رواه مسلم، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن العلاء، قالا: حدثنا أبو معاوية ح
وحدثنا إسحاق، أخبرنا عيسى بن يونس، كلاهما عن الأعمش، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى،
عن كعب بن عجرة، عن بلال أن رسول الله ﷺ مسح على الخفين والخمار (١).
ورواه النسائي، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن إبراهيم (دحيم) وسليمان بن داود، واللفظ له، عن ابن نافع، عن داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار،
عن أسامة بن زيد، قال: دخل رسول الله ﷺ وبلال الأسواف، فذهب لحاجته، ثم خرج، قال أسامة: فسألت بلالًا ما صنع؟ فقال بلال: ذهب النبي ﷺ لحاجته، ثم توضأ، فغسل وجهه ويديه، ومسح برأسه، ومسح على الخفين، ثم صلى (٢).
[صحيح] (٣).
قال ابن خزيمة: الأسواف حائط بالمدينة، وقال: سمعت يونس يقول: ليس عن النبي ﷺ خبر أنه مسح على الخفين في الحضر غير هذا.
قلت: غفل عن حديث علي ﵁ في توقيت المسح في الحضر والسفر.
الدليل الثامن:
(٥١٠ - ٧) ما رواه مسلم من طريق سفيان، قال: حدثني علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة،
عن أبيه، أن النبي ﷺ صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد، ومسح على خفيه، فقال له عمر: لقد صنعت اليوم شيئًا لم تكن تصنعه، قال: عمدًا صنعته يا عمر (١).
الدليل التاسع:
في الأحاديث التي توقت للمقيم يومًا وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام، فيها دلالة على جواز المسح في الحضر والسفر، وسوف يأتي ذكرها -إن شاء الله- في بحث هل المسح مؤقت أم لا؟ منها حديث علي بن أبي طالب، وصفوان بن عسال، وحديث خزيمة بن ثابت، وعوف بن مالك، وغيرها من الأحاديث، وكذلك جاء المسح في حديث ثوبان، وأنس، وسلمان، وأبي طلحة، وسيأتي إن شاء الله تعالى تخريجها في باب المسح على العمامة. والله أعلم.
الدليل العاشر:
قال ابن عبد البر: لا أعلم في الصحابة مخالفًا -يعني: في جواز المسح على الخفين- إلا شيئًا لا يصح عن عائشة، وابن عباس وأبي هريرة، وقد روي عنهم من وجوه خلافه في المسح على الخفين (٢)، وكذلك لا أعلم في التابعين أحدًا ينكر ذلك،
стр. 1312
ولا في فقهاء المسلمين إلا رواية جابر، عن مالك، والروايات الصحاح عنه بخلافه، وهي منكرة يدفعها موطؤه، وأصول مذهبه (١).
ونقل ابن المنذر، عن ابن المبارك، قال: ليس في المسح على الخفين عن الصحابة اختلاف؛ لأن كل من روي عنهم إنكاره، فقد روى عنه إثباته (٢).
(٥١١ - ٨) وروى ابن المنذر، قال: حدثنا علي بن الحسن، ثنا أحمد بن يونس، ثنا محمد بن الفضل بن عطية،
عن الحسن، قال: حدثني سبعون من أصحاب النبي ﷺ أنه ﵇ مسح على الخفين (٣).
قال ابن المنذر بعد أن ساق جملة من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار ممن يرى جواز المسح على الخفين، قال: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، وكل من لقيت منهم على القول به (٤).
وقال أيضًا: «أجمعوا على أن كل من أكمل طهارته، ثم لبس الخفين، وأحدث، أن له أن يمسح عليهما (٥).
• أدلة القائلين بجواز المسح في السفر خاصة:
الدليل الأول:
(٥١٢ - ٩) ما رواه مسلم من طريق عمرو بن قيس الملائي، عن الحكم بن عتيبة، عن القاسم بن مخيمرة، عن شريح بن هانئ، قال:
أتيت عائشة أسألها عن المسح على الخفين، فقالت: عليك بابن أبي طالب، فسله؛
стр. 1313
فإنه كان يسافر مع رسول الله ﷺ ، فسألناه، فقال: جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم (١).
[روي مرفوعًا وموقوفًا، والرفع محفوظ إن شاء الله تعالى] (٢).
وجه الاستدلال:
أخذوه من قول عائشة: (فسله؛ فإنه كان يسافر مع رسول الله ﷺ فعللت الأمر بسؤاله لكونه يسافر مع النبي ﷺ ، وهذا دليل على اختصاص الحكم بالسفر، كما أن المسح لو كان جائزًا في الحضر لعلمته عائشة، ولم يكن لقولها (فإنه كان يسافر مع النبي ﷺ أي معنى، والله أعلم.
• وأجيب على هذا:
قال ابن عبد البر: «ليس في الحديث أكثر من جهل عائشة بالمسح على الخفين، وليس من جهل شيئًا كمن علمه، وقد سأل شريح عليًا كما أمرته عائشة، فأخبره أن رسول الله ﷺ قال في المسح على الخفين: ثلاثة أيام للمسافر، ويوم وليلة للمقيم، وهو حديث ثابت صحيح، نقله أئمة حفاظ» (١).
الدليل الثاني:
(٥١٣ - ١٠) ما رواه البيهقي، قال: أخبرنا أبو محمد، أخبرنا إسماعيل، ثنا أحمد، ثنا
عبد الرزاق، أنا معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه،
عن ابن عباس، قال: أنا عند عمر حين اختصم إليه سعد وابن عمر في المسح على
стр. 1317
الخفين، فقضى لسعد، فقلت: لو قلتم بهذا في السفر البعيد والبرد الشديد (١).
[صحيح] (٢).
وهذا الكلام من ابن عباس يعارضه قول عمر وسعد، وليس قبول كلامه بأولى من قبول كلامهما، خاصة أن رأي عمر وسعد يؤيدهما ما جاء مرفوعًا عن النبي ﷺ من التوقيت للمقيم والمسافر، ثم إن ابن عباس قد جاء عنه القول بالمسح، كما ذكر ذلك البيهقي، وسيأتي ذكره قريبًا إن شاء الله تعالى.
الدليل الثالث:
قال ابن عبد البر: واحتج بعض أصحابنا للمسح في السفر دون الحضر، بأنه رخصة لمشقة السفر، قياسًا على الفطر والقصر.
قال ابن عبد البر: «وهذا ليس بشيء؛ لأن القياس والنظر لا يعرج عليه مع صحة الأثر» (٣).
• أدلة القائلين بأنه لا يجوز المسح:
الدليل الأول:
(٥١٤ - ١١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد،
стр. 1318
عن عائشة، قالت: لأن أجزهما بالسكاكين أحب إلي من أن أمسح عليهما (١).
[صحيح].
قال ابن عبد البر: «لا أعلم أحدًا من الصحابة جاء عنه إنكار المسح على الخفين ممن لا يختلف عليه فيه إلا عائشة» (٢).
قلت: قد اعترفت عائشة على نفسها كما في حديث شريح بن هانئ، عن علي، بأنها ليس عندها علم في المسألة، ولهذا أشارت على شريح بأن يسأل عليًا، ولو كان ما قالته عن علم بلغها عن النبي ﷺ ما ردت شريحًا إلى علي، والاجتهاد في ما يخالف النص غير مقبول، وقد خالفها غيرها من الصحابة.
الدليل الثاني:
(٥١٥ - ١٢) ما رواه أحمد من طريق أبي عوانة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير،
عن ابن عباس، قال: قد مسح رسول الله ﷺ على الخفين، فاسألوا هؤلاء الذين يزعمون أن النبي ﷺ مسح قبل نزول المائدة، أو بعد المائدة؟ والله ما مسح بعد المائدة، ولأن أمسح على ظهر عابر بالفلاة أحب إلي من أن أمسح عليهما (٣).
[ضعيف] (٤)
стр. 1319
• وأجيب:
قد ذكر جرير في حديثه أن رأى رسول الله ﷺ مسح على الخفين بعد نزول المائدة، والحديث في الصحيحين، وسبق تخريجه.
وأخرج مسلم: عن بريدة الأسلمي، أن النبي ﷺ صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد، ومسح على خفيه، فقال له عمر: لقد صنعت اليوم شيئًا لم تكن تصنعه،
стр. 1320
قال: عمدًا صنعته يا عمر (١)، ونزول آية المائدة قبل الفتح.
ومسح رسول الله ﷺ في غزوة تبوك من حديث المغيرة في الصحيحين، وهي متأخرة، وسبق تخريجه.
ثم لو فرض أن المسح قبل نزول المائدة، فإن آية المائدة ليست معارضة للمسح على الخفين، حتى تكون ناسخة له، بل هي توجب غسل الرجلين إذا لم يكن هناك خفان.
قال الشوكاني في النيل: «واعلم أن في المقام مانعًا من دعوى النسخ لم ينتبه إليه أحد فيما علمت، وهو أن الوضوء ثابت قبل نزول المائدة بالاتفاق، فإن كان المسح على الخفين ثابتًا قبل نزولها فورودها بتقدير أحد الأمرين: أعني الغسل، مع عدم التعرض للآخر، وهو المسح لا يوجب نسخ المسح على الخفين، لا سيما إذا صح ما قاله البعض من أن قراءة الجر في قوله تعالى في الآية: ﴿وأرجلِكم﴾ مراد بها مسح الخفين، وأما إذا كان المسح غير ثابت قبل نزولها فلا نسخ بالقطع، نعم يمكن أن يقال على التقدير الأول: أن الأمر بالغسل نهي عن ضده، والمسح على الخفين من أضداد الغسل المأمور به، لكن كون الأمر بالشيء نهيًا عن ضده محل نزاع واختلاف، وكذلك كون المسح على الخفين ضدًا للغسل، وما كان بهذه المثابة حقيق بأن لا يعول عليه، ولا سيما في إبطال مثل هذه السنة التي سطعت أنوار شموسها في سماء الشريعة المطهرة».اهـ
قلت: ما ورد عن ابن عباس من القول بعدم المسح مطلقًا، مع ضعفه، فقد سقت أنه يقول بجوازه في السفر والبرد الشديد، وجاء عنه بجوازه مطلقًا.
(٥١٦ - ١٣) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن الزبير ابن عدي، عن عطاء، عن ابن عباس أنه مسح (٢).
стр. 1321
[صحيح] (١).
الدليل الثالث لمن منع المسح:
(٥١٧ - ١٤) ما رواه ابن أبي شيبة من طريق إسماعيل بن سميع، قال: حدثني أبو رزين، قال:
قال أبو هريرة: ما أبالي على ظهر خفي مسحت، أو على ظهر حماري (٢).
стр. 1322
[رجاله ثقات إلا ابن سميع فهو صدوق وتكلم فيه لبدعة الخوارج] (١).
• وأجيب:
بأنه قد جاء عن أبي هريرة ما يدل على أنه مسح على خفيه.
(٥١٨ - ١٥) فقد روى أحمد عن أبي أحمد الزبيري، عن أبان -يعني ابن عبد الله البجلي-، حدثني مولى لأبي هريرة، قال:
سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله وضئني، فأتيته بوضوء، فاستنجى، ثم أدخل يده في التراب، فمسحها، ثم غسلها، ثم توضأ، ومسح على خفيه، فقلت: يا رسول الله رجلاك لم تغسلهما؟ قال إني أدخلتهما، وهما طاهرتان (٢).
[ضعيف] (٣).
• ورد على هذا:
قال الإمام مسلم في التمييز: «هذه الرواية في المسح عن أبي هريرة ليست بمحفوظة وذلك أن أبا هريرة لم يحفظ المسح عن النبي ﷺ لثبوت الرواية عنه بإنكاره المسح على الخفين ..... فقد صح برواية أبي زرعة وأبي رزين عن أبي هريرة إنكاره المسح على الخفين، ولو كان قد حفظ المسح عن النبي ﷺ كان أجدر الناس وأولاهم للزومه والتدين به، فلما أنكره الذي في الخبر من قوله: (ما أمرنا الله أن نمسح على جلود البقر والغنم).
والقول الآخر: (ما أبالي على ظهر حمار مسحت أو على خفي).
بان ذلك أنه غير حافظ المسح عن رسول الله ﷺ ، وأن من أسند ذلك عنه عن النبي ﷺ واهي الرواية أخطأ فيه إما سهوًا، أو تعمدًا، فبجمع هذه الروايات، ومقابلة بعضها ببعض، تتميز صحيحها من سقيمها، وتتبين رواة ضعاف الأخبار
стр. 1325
من أضدادهم من الحفاظ، ولذلك أضعف أهل المعرفة بالحديث عمر بن عبد الله بن
أبي خثعم وأشباهم من نقلة الاخبار لروايتهم الأحاديث المستنكرة التي تخالف روايات الثقات المعروفين من الحفاظ» (١).
الدليل الرابع:
(٥١٩ - ١٦) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن جعفر، عن أبيه، قال: قال علي سبق الكتاب الخفين (٢).
[منقطع والراجح عن علي خلافه] (٣).
• الراجح:
لا شك أن الراجح في هذه المسألة جواز المسح على الخفين، والقول بمنع المسح على الخفين قول ضعيف جدًّا.
قال ابن عبد البر: «وفيه -يعني: حديث المغيرة- الحكم الجليل الذي فيه فرق بين أهل السنة وأهل البدع، وهو المسح على الخفين، لا ينكره إلا مخذول أو مبتدع خارج عن جماعة المسلمين أهل الفقه والأثر، لا خلاف بينهم في ذلك، بالحجاز والعراق والشام، وسائر البلدان إلا قومًا ابتدعوا فأنكروا المسح على الخفين، وقالوا: إنه خلاف القرآن، وعسى القرآن نسخه، ومعاذ الله أن يخالف رسول الله ﷺ كتاب الله، بل بين لهم مراد الله منه كما أمره الله في قوله: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ
стр. 1326
لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) [النحل: ٤٤].
وقال تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) [النساء: ٦٥].
والقائلون بالمسح جمهور الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين قديمًا وحديثًا، وكيف يتوهم أن هؤلاء جاز عليهم جهل معنى القرآن؟ أعاذنا الله من الخذلان.
ثم قال: وعمل بالمسح على الخفين أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وسائر أهل بدر والحديبية، وغيرهم من المهاجرين والأنصار، وسائر الصحابة والتابعين أجمعين، وفقهاء المسلمين في جميع الأمصار، وجماعة أهل الفقه والأثر، كلهم يجيز المسح على الخفين في الحضر والسفر للرجال والنساء» (١).
(٥٢٠ - ١٧) وروى عبد الرزاق، قال: عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن،
أن ابن عمر رأى سعد بن أبي وقاص يمسح على خفيه، فأنكر ذلك عبد الله، فقال سعد: إن عبد الله أنكر علي أن أمسح على خفي، قال عمر: لا يختلجن في نفس رجل مسلم أن يتوضأ على خفيه، وإن جاء من الغائط (٢).
[صحيح وأصله في البخاري] (٣).
وقد روى ابن عبد البر بسنده عن المعتمر بن سليمان، قال: كان أبي لا يختلف عليه في شيء من أمر الدين إلا أخذ بأشده، إلا المسح على الخفين، فإنه كان يقول: هو السنة، واتباعها أفضل «(٤).
стр. 1327
وقال ابن تيمية: «خفي أصله على كثير من السلف والخلف حتى أنكره بعض الصحابة، وطائفة من أهل المدينة، وأهل البيت، وإذا علم سبب الخلاف لم يبق في الصدر شيء من المسح على الخفين، وهو هل آية المائدة معارضة للمسح على الخفين أم لا؟ وهل كان المسح قبل نزول المائدة أم بعدها، وقد أثبتنا بالأدلة الصحيحة أن الرسول ﷺ مسح بعد آية المائدة كما في حديث جرير والمغيرة وبريدة، فزال الإشكال، والحمد لله رب العالمين (١).
* * *
стр. 1328
الفصل الثاني خلاف العلماء في المسح على الجوربين
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• هل يقاس على الخف غيره، أم هي عبادة لا يقاس عليها غيرها، ولا يتعدى بها محلها؟
• الجوربان خفان إلا أنهما من صوف، وهذا فرق غير مؤثر.
• الجوارب إما أن تكون داخلة في مسمى الخف لغة، وإما أن تلحق الجوارب بالخفاف قياسًا؛ حيث لا يظهر فرق بين الجوربين والخفين إلا أن الجلد أقوى من الصوف وهذا فرق غير مؤثر.
• علة المسح على الخفين موجودة في الجوربين، وهو كونهما لباس طاهر مختص بالقدم يشق نزعهما، ولم تكن علة المسح على الخفين كونهما من جلد.
• كل لباس طاهر مختص بالقدم، يجوز المسح عليه بشرطه، سواء كان من جلد أو صوف، أو قطن، أو كتان أو غيرها.
[م-٢٢٢] اختلف العلماء في المسح على الجوربين،
فقيل: يجوز المسح على الجوربين الصفيقين.
стр. 1329
وهو اختيار أبي يوسف ومحمد من الحنفية (١)، ويقال: إنه رجع إليه أبو حنيفة في مرضه (٢)، وهو أرجح القولين في مذهب الشافعي (٣)، وهو مذهب الحنابلة (٤).
وقيل: يجوز المسح على الجوربين المجلدين أو المنعلين، هو قول أبي حنيفة، وأحد القولين في مذهب الشافعي، ونص عليه في الأم (٥).
стр. 1330
وقيل: يجوز المسح على الجوربين إن كانا مجلدين، وهو مذهب المالكية (١).
وقيل: لا يجوز المسح على الجوربين مطلقًا، وهو رواية عن مالك (٢).
والفرق بين المنعل والمجلد، أن المنعل ما جعل على أسفله جلدة، والمجلد ما جعل على أعلاه وأسفله.
وقيل: يجوز المسح على الجوربين وإن كانا يشفان القدمين، حكاه النووي قولًا لعمر، وعلي، وإسحاق، وداود (٣).
• دليل القائلين بجواز المسح على الجوارب:
الدليل الأول:
(٥٢١ - ١٨) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن أبي قيس، عن هزيل بن شرحبيل،
عن المغيرة بن شعبة، أن رسول الله ﷺ توضأ، ومسح على الجوربين والنعلين (٤).
стр. 1331
[رجاله ثقات إلا أبا قيس فإنه صدوق، والحديث معلول] (١).
وعلى فرض صحة الحديث إنما مسح جوربين منعلين، وليس معناه أنه مسح على جوربين مرة، ومرة مسح على نعلين، فالحديث حكاية لفعل واحد.
• وأجيب:
بأنه مع ضعف الحديث فإن ذلك لا يكفي لمنع المسح على الجوربين؛ لأن هناك أدلةً أخرى أصح من هذا الحديث تكفي في الدلالة.
стр. 1334
وقد روى المسح على الجوربين ثلاثة عشر صحابيًا منهم علي، وعمار،
وأبو مسعود الأنصاري، وأنس، وابن عمر، والبراء، وبلال، وعبد الله بن أبي أوفى، وسهل بن سعد، وأبو أمامه، وعمرو بن حريث، وعمر، وابن عباس.
والعمدة في الجواز على هؤلاء ﵃، لا على حديث أبي قيس، مع أن المنازعين في المسح وهم الفقهاء لا يعرفون الإعلال بالتفرد، وإنما هذه طريقة المحدثين، فكم من حديث تفرد به راو مخالفًا كل من رواه، ومع ذلك تجد الفقهاء يحتجون به، ويقولون: هذه زيادة من ثقة، والزيادة من الثقة مقبولة، فكيف خالف الفقهاء طريقتهم في الاستدلال في هذه المسألة؟
وقد نص أحمد على جواز المسح على الجوربين، وعلل رواية أبي قيس، وهذا من إنصافه وعدله ﵀، وإنما عمدته هؤلاء الصحابة وصريح القياس؛ فإنه لا يظهر بين الجوربين والخفين فرق مؤثر يصح أن يحال الحكم عليه.
الدليل الثاني:
(١٩) ما رواه بن ماجه من طريق عيسى بن يونس، عن عيسى بن سنان، عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب،
عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله ﷺ توضأ، ومسح على الجوربين والنعلين.
قال المعلى في حديثه: لا أعلمه إلا قال: والنعلين (١).
[ضعيف] (٢).
стр. 1335
الدليل الثالث:
(٥٢٣ - ٢٠) ما رواه الطبراني من طريق ابن فضيل، عن يزيد بن أبي زياد، عن ابن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة،
عن بلال رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يمسح على الخفين والجوربين (١).
[ضعيف] (٢).