وعلى فرض صحة الحديث إنما مسح جوربين منعلين، وليس معناه أنه مسح على جوربين مرة، ومرة مسح على نعلين، فالحديث حكاية لفعل واحد.
• وأجيب:
بأنه مع ضعف الحديث فإن ذلك لا يكفي لمنع المسح على الجوربين؛ لأن هناك أدلةً أخرى أصح من هذا الحديث تكفي في الدلالة.
стр. 1334
وقد روى المسح على الجوربين ثلاثة عشر صحابيًا منهم علي، وعمار،
وأبو مسعود الأنصاري، وأنس، وابن عمر، والبراء، وبلال، وعبد الله بن أبي أوفى، وسهل بن سعد، وأبو أمامه، وعمرو بن حريث، وعمر، وابن عباس.
والعمدة في الجواز على هؤلاء ﵃، لا على حديث أبي قيس، مع أن المنازعين في المسح وهم الفقهاء لا يعرفون الإعلال بالتفرد، وإنما هذه طريقة المحدثين، فكم من حديث تفرد به راو مخالفًا كل من رواه، ومع ذلك تجد الفقهاء يحتجون به، ويقولون: هذه زيادة من ثقة، والزيادة من الثقة مقبولة، فكيف خالف الفقهاء طريقتهم في الاستدلال في هذه المسألة؟
وقد نص أحمد على جواز المسح على الجوربين، وعلل رواية أبي قيس، وهذا من إنصافه وعدله ﵀، وإنما عمدته هؤلاء الصحابة وصريح القياس؛ فإنه لا يظهر بين الجوربين والخفين فرق مؤثر يصح أن يحال الحكم عليه.
الدليل الثاني:
(١٩) ما رواه بن ماجه من طريق عيسى بن يونس، عن عيسى بن سنان، عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب،
عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله ﷺ توضأ، ومسح على الجوربين والنعلين.
قال المعلى في حديثه: لا أعلمه إلا قال: والنعلين (١).
[ضعيف] (٢).
стр. 1335
الدليل الثالث:
(٥٢٣ - ٢٠) ما رواه الطبراني من طريق ابن فضيل، عن يزيد بن أبي زياد، عن ابن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة،
عن بلال رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يمسح على الخفين والجوربين (١).
[ضعيف] (٢).
стр. 1336
الدليل الرابع:
(٥٢٤ - ٢١) ما رواه أحمد من طريق ثور، عن راشد بن سعد،
عن ثوبان، قال: بعث رسول الله ﷺ سرية، فأصابهم البرد، فلما قدموا على النبي ﷺ شكوا إليه ما أصابهم من البرد، فأمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين (١).
[رجاله ثقات، وأعله بعضهم بالانقطاع] (٢).
стр. 1337
وجه الاستدلال:
قوله: (التساخين) قال الخطابي في غريب الحديث: قال بعضهم: التساخين: كل ما يسخن به القدم من خف وجورب ونحو ذلك (١).
وذكر ابن الجوزي في غريب الحديث عن أبي عبيد أنه قال: التساخين: هي
стр. 1338
الجوارب، والمنقول عن أبي عبيد أنه فسرها بالخفاف (١).
• واعترض عليه:
بأن التساخين أطلقها أهل اللغة على الخفاف (٢).
وعلى فرض أن تشمل الخفاف وغيرها فإن الحديث إنما يدل على المسح على التساخين في حال البرد خاصة؛ لأنه جواب السائل في تلك الحالة، فالدليل أخص من الدعوى.
• وأجيب:
قال القاسمي في رسالته: «تقرر في الأصول أن اللفظ العام على سبب خاص يحمل على عمومه، ولا يخص بالسبب الذي ورد فيه، قال الإمام أبو إسحاق الشيرازي: والدليل عليه هو: أن الحجة في قول رسول الله ﷺ دون السبب، فوجب أن يعتبر عمومه .... ». إلخ كلامه (٣).
الدليل الخامس:
من الآثار، فقد جاء القول بالمسح على الجوربين عن جملة من الصحابة، منهم
أبو مسعود، وأنس، والبراء بن عازب، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، وسهل بن سعد، وابن عمر، وبلال وغيرهم، فمنها:
(٥٢٥ - ٢٢) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: أخبرنا ابن نمير، عن الأعمش، عن إبراهيم،
стр. 1339
عن همام، أن أبا مسعود كان يمسح على الجوربين (١).
[صحيح] (٢).
стр. 1340
(٥٢٦ - ٢٣) وأما ما جاء عن أنس بن مالك، فقد رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن هشام، عن قتادة،
عن أنس، أنه كان يمسح على الجوربين (١).
[صحيح وقتادة مكثر عن أنس] (٢).
стр. 1341
(٥٢٧ - ٢٤) وأما ما جاء عن البراء بن عازب، فقد رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن الأعمش، قال: حدثنا إسماعيل بن رجاء،
عن أبيه، قال: رأيت البراء بن عازب توضأ فمسح على جوربين (١).
[حسن] (٢).
(٥٢٨ - ٢٥) وأما ما جاء عن علي بن أبي طالب، فقد رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن يزيد بن مردانبة، عن الوليد بن سريع، عن عمرو بن حريث، أن عليًا توضأ، ومسح على الجوربين (٣).
[حسن] (٤).
стр. 1342
(٥٢٩ - ٢٦) وأما ما روي عن سهل بن سعد، فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا زيد ابن الحباب، عن هشام بن سعد، عن أبي حازم،
стр. 1343
عن سهل بن سعد، أنه مسح على الجوربين (١).
[ضعيف] (٢).
(٥٣٠ - ٢٧) وأما ما يروى عن ابن عمر، فرواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، قال: أخبرنا أبو جعفر الرازي، عن يحيى البكاء، قال:
سمعت ابن عمر يقول: المسح على الجوربين كالمسح على الخفين (٣).
[ضعيف] (٤).
(٥٣١ - ٢٨) وأما ما يروى عن أبي أمامة، فرواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن حماد بن سلمة،
عن أبي غالب، قال: رأيت أبا أمامة يمسح على الجوربين (٥).
стр. 1344
[حسن] (١).
(٥٣٢ - ٢٩) وأما ما جاء عن بلال، فرواه ابن المنذر، من طريق أبي سعد البقال، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال:
رأيت بلالًا قضى حاجته، ثم توضأ، ومسح على جوربيه وخفيه (٢).
[ضعيف] (٣).
الدليل السادس:
ما حكي من الإجماع.
قال ابن قدامة: «الصحابة ﵃ مسحوا على الجوارب، ولم يظهر لهم مخالف في عصرهم، فكان إجماعًا» (٤).
الدليل السابع:
أن أحاديث المسح على الجوربين وردت مطلقة، من غير تقييد بأن تكون منعلة أو مجلدة، وتقييد ما أطلقه الشارع لا يجوز إلا بدليل من كتاب أو سنة أو إجماع، ولا دليل.
стр. 1345
الدليل الثامن:
من النظر، إذا جاز المسح على الخف جاز المسح على الجورب؛ لأن كلًا منهما لباس للقدم، ولا فرق.
فإما أن تكون الجوارب داخلة في مسمى الخف لغة، وإما أن تلحق الجوارب بالخفاف قياسًا.
قال ابن تيمية: يجوز المسح على الجوربين إذا كان يمشي فيهما، سواء كانت مجلدة، أو لم تكن في أصح قولي العلماء، ففي السنن أن النبي ﷺ مسح على جوربيه ونعليه، وهذا الحديث إذا لم يثبت فالقياس يقتضي ذلك؛ فإن الفرق بين الجوربين والخفين إنما كون هذا من صوف، وهذا من جلد، ومعلوم أن مثل هذا الفرق غير مؤثر في الشريعة، فلا فرق بين أن يكون جلودًا أو قطنًا أو كتانًا أو صوفًا، كما لم يفرق بين سواد اللباس في الإحرام وبياضه، وغايته أن الجلد أبقى من الصوف، وهذا لا تأثير له، كما لا تأثير لكون الجلد قويًا، بل يجوز المسح على ما يبقى، وعلى ما لا يبقى، وأيضًا فمن المعلوم أن الحاجة إلى المسح على هذا كالحاجة إلى المسح على هذا سواء، ومع التساوي في الحكمة والحاجة يكون التفريق بينهما تفريقًا بين متماثلين، وهذا خلاف العدل والاعتبار الصحيح، الذي جاء به الكتاب والسنة» (١).
وسبق لنا كلام أنس ﵁ في تخريج الأثر الوارد عنه، فقد قال عن الجوربين: إنهما خفان، ولكنهما من صوف.
وعلق أحمد شاكر بكلام جميل طويل أقتصر منه على قوله: «المعنى في حديث أنس أدق، فليس الأمر قياسًا للجوربين على الخفين، بل هو أن الجوربين داخلان في مدلول كلمة الخفين بدلالة الوضع اللغوي للألفاظ على المعاني، والخفان ليس عليهما موضع خلاف، فالجوربان من مدلول كلمة (الخفين) فيدخلان فيهما بالدلالة
стр. 1346
الوضعية اللغوية، وأنس بن مالك صحابي من أهل اللغة قبل دخول العجمة، واختلاط الألسنة فهو يبين أن معنى الخف أعم من أن يكون من الجلد وحده، ولم يأت دليل من الشرع يدل على حصر الخفاف في التي تكون من الجلد فقط، وقول أنس هذا أقوى حجة ألف مرة من أن يقول مثله مؤلف من مؤلفي اللغة كالخليل والأزهري والجوهري وابن سيده، وأضرابهم؛ لأنهم ناقلون للغة، وأكثر نقلهم يكون من غير إسناد، ومع ذلك يحتج بهم العلماء، فأولى ثم أولى إذا جاء التفسير اللغوي من مصدر من مصادر اللغة، وهو الصحابي العربي من الصدر الأول بإسناد صحيح إليه ... ». إلخ كلامه ﵀ (١).
• دليل من منع المسح أو اشترط أن تكون الجوارب مجلدة أو منعلة:
الدليل الأول:
قالوا: الأصل هو غسل الرجلين، كما هو ظاهر القرآن، والعدول عنه لا يجوز إلا بأحاديث صحيحة اتفق على صحتها أئمة الحديث كأحاديث المسح على الخفين، أما أحاديث المسح على الجوربين ففي صحتها كلام عند أئمة الفن، وإلى هذا أشار مسلم بقوله: «لا يترك ظاهر القرآن بمثل أبي قبيس وهزيل». اهـ
والجواب على هذا من وجوه:
الوجه الأول:
قد بينت أن الأحاديث ليست كلها ضعيفة، فحديث ثوبان رجاله كلهم ثقات، وحديث بلال، وحديث أبي موسى الأشعري وإن كان فيهما ضعف فهو يسير منجبر صالح في الشواهد، أضف إلى ذلك الآثار الصحيحة عن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
стр. 1347
الوجه الثاني:
كيف يظن بالصحابة ﵃ بأنهم تركوا ظاهر القرآن، وخالفوه بالمسح على الجوربين.
قال ابن القيم: «الذين سمعوا القرآن من النبي ﷺ ، وعرفوا تأويله، مسحوا على الجوربين، وهم أعلم الأمة بظاهر القرآن، ومراد الله منه» (١).
الوجه الثالث:
إذا كان ظاهر القرآن لا ينافي المسح على الخفين، فكذلك لا ينافي المسح على الجوربين.
الوجه الرابع:
أن الحكمة التي شرع من أجلها المسح على الخفين موجودة في المسح على الجورب.
الدليل الثاني:
المسح على الجوربين لا يثبت إلا بعد أن يثبت أن الجوربين اللذين مسح عليهما النبي ﷺ كانا من صوف، ولم يثبت هذا قط، وإنما قلنا بجواز المسح على الجوربين إذا كانا مجلدين لأنهما في معنى الخف، والخف لا يكون إلا من أديم، نعم لو كان الحديث قوليًا، بأن قال النبي ﷺ : امسحوا على الجوربين، لكان يمكن الاستدلال بعمومه على كل أنواع الجوارب.
فإن قلت: ويحتمل أن يكون الجوربان اللذان مسح عليهما النبي ﷺ من صوف.
قيل: الاحتمال وارد، لكن الأحكام لا تثبت بالاحتمالات، والأصل الغسل، والاحتياط للعبادة أن نقصر المسح على الخف أو على جوارب مجلدة أو منعلة، وقد قال النبي ﷺ : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك.
стр. 1348
• وأجيب بأكثر من وجه:
الوجه الأول:
قال المباركفوري: «هذا القول لا يثبت إلا بعد أن يثبت أن الجوربين اللذين مسح عليهما النبي ﷺ كانا مجلدين، ولم يثبت هذا قط».
الوجه الثاني:
أن العام والمطلق يعمل به على عمومه وعلى إطلاقه، ولو كان الحكم يختلف بين ما كان مجلدًا أو غير مجلد، لبين هذا الصحابة رضوان الله عليهم وهم ينقلون لنا جواز المسح على الجوربين، ولو كان الحكم يختلف لجاء نهي من الشرع أو من الصحابة عن المسح على الجورب إذا كان من صوف، أو قطن.
الوجه الثالث:
الأصل في الجورب ما عرفه أهل اللغة وأهل الفقه، وليس فيها ما يدل على أن الجوارب فيها ما هو منعل أو مجلد، بحيث يمكن أن يدعى أن الجوارب التي مسح عليها النبي ﷺ وأصحابه كانت منعلة أو مجلدة.
ففي كتب اللغة، عرفت الجورب بأنه لفافة الرجل (١).
ونقل صاحب تاج العروس عن أبي بكر بن العربي قوله: الجورب غشاءان للقدم من صوف، يتخذ للدفء (٢).
وقال خليل في التوضيح: «الجوارب ما كان على شكل الخف، من كتان أو صوف أو غير ذلك» (٣).
стр. 1349
وفي الروض المربع للبهوتي الحنبلي: «الجورب: ما يلبس في الرجل على هيئة الخف من غير الجلد».
وقال العيني: «الجورب هو الذي يلبسه أهل البلاد الشامية الشديدة البرد، وهو يتخذ من غزل الصوف المفتول يلبس في القدم إلى ما فوق الكعب» (١).
فهذه النقول كلها ليس فيها ما يدل على أن الجوارب فيها ما هو منعل أو مجلد حتى يكون هناك احتمال أن تكون الجوارب التي مسح عليها الصحابة مجلدة أو منعلة.
الدليل الثالث:
قالوا: إن الجوارب إذا لم تكن منعلة أو مجلدة لا يمكن متابعة المشي عليها، فإذا لم يمكن لم يصح المسح عليها.
• وأجيب:
أين الدليل على اشتراط إمكان متابعة المشي عليها، وهل يسوغ أن تعارض الأدلة الشرعية بهذا التعليل الذي لا دليل عليه، فلا يعارض الدليل الشرعي إلا دليل مثله، على أننا نقول: لا نسلم أنه لا يمكن متابعة المشي عليها، وكونها قد يسرع إليها التلف فهذا أمر غير معتبر؛ لأنه معلوم أن القطن أضعف من الصوف، والصوف أضعف من الجلد، وبعض الجلود أضعف من بعض، وكل هذا لا تأثير له في الحكم الشرعي كما أسلفت، ومشقة النزع كما هي موجودة في الخف موجودة في الجورب، والحاجة إلى هذه كالحاجة إلى تلك.
• اعتراض والجواب عليه:
قال المانعون: بأن المراد من حديث أن النبي ﷺ مسح على الجوربين والنعلين. بأن ذلك محمول على أنه مسح على جوربين منعلين.
(٥٣٣ - ٣٠) قال البيهقي: وقد وجدت لأنس بن مالك أثرًا يدل على ذلك، أخبرناه
стр. 1350
أبو علي الروذباري، ثنا أبو طاهر محمد بن الحسن أباذي، ثنا محمد بن عبد الله المنادي، ثنا يزيد بن هارون، ثنا عاصم الأحول،
عن راشد بن نجيح، قال: رأيت أنس بن مالك دخل الخلاء، وعليه جوربان، أسفلهما جلود، وأعلاهما خز (١).
[إسناده حسن] (٢).
• وأجيب:
قال ابن التركماني: «الحديث ورد بعطف النعلين على الجوربين، وهو يقتضي المغايرة، فلفظه مخالف لهذا التأويل، وكون أنس مسح على جوربين منعلين لا يلزم منه أن يكون النبي ﷺ فعل كذلك، فلا يدل فعل أنس على تأويل الحديث بما لا يحتمله لفظه» (٣).
стр. 1351
وقد ثبت عن النبي ﷺ المسح على النعلين بلا جوربين، فيؤيد هذا أن مسحه على الجورب كان بانفراده، وسوف تأتي أحاديث المسح على النعلين في بحث مستقل إن شاء الله تعالى.
والجلد في أسفل الجورب لا يسمى نعلًا في لغة العرب، حتى يقال: مسح على جوربين منعلين.
الدليل الرابع:
قالوا: إن المسح على الخف على خلاف القياس، فلا يصح إلحاق غيره به إلا إذا كان بطريق الدلالة، وهو أن يكون في معناه، ولا يكون الجورب في معنى الخف إلا إذا كان مجلدًا أو منعلًا.
والجواب على هذا:
أننا لم نلحق الجورب بالخف اعتمادًا على القياس وحده، بل اعتمادًا على ما صح من آثار الصحابة ﵃ أجمعين ولو لم يأت إلا فعل الصحابة ﵃ لكفى به دليلًا، فهم أعلم بمراد الله، ومراد رسوله ﷺ ، وهم أهل اللغة، ويعرفون معنى الجورب، ومعنى الخف أكثر من غيرهم، ولذلك قال أنس ﵁ عن الجورب: إنهما خفان، ولكن من صوف.
• الراجح من هذه الأقوال:
الراجح جواز المسح على الجوربين، واشتراط كونهما صفيقين لا دليل عليه، وسوف يأتي بحث هذا الشرط في مسألة مستقلة في شروط المسح على الخفين إن شاء الله تعالى.
* * *
стр. 1352
الفصل الثالث في المسح على النعلين
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• النعال ليست كالخفاف لغة، وهي تختلف عنها معنى، لهذا اختلفوا في جواز المسح عليها، وسبب اختلافهم يرجع إلى:
• هل يقاس على الخف غيره، أم هي عبادة لا يقاس عليها غيرها، ولا يتعدى بها محلها؟
• وسبب آخر:
المسح على النعال لم يثبت مرفوعًا، وكان الرسول ﷺ يلبسه، ولو مسح عليه لنقل إلينا، فلما لم يأت مرفوعًا مع إمكان فعله كان الأصل عدم المسح على النعال.
• من رأى صحة المسح على النعال احتج ببعض الآثار عن الصحابة، وهم أهل اللغة، وأدرى من غيرهم بما يجوز المسح عليه وبما لا يجوز، وبعضهم ممن روى المسح على الخفين.
• وسبب ثالث:
هل يترك القياس لعمل الصحابي؟
فمن رأى أن الأصل الغسل، وقد ترك ذلك في الخفين لورد السنة المرفوعة،
стр. 1353
والنعال ليست في القياس كالخفين، والمسح عليها إنما ورد عن بعض الصحابة، لم يترك الغسل لهذه الآثار.
ومن رأى أن عمل الصحابي حجة، وقد صحت عنده بعض هذه الآثار عنهم ترك القياس لعمل الصحابي.
[م-٢٢٣] ذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، إلى أنه لا يصح المسح على النعل (١).
وقال قوم: يصح المسح على النعلين كما يمسح على الخفين (٢).
وقيده ابن تيمية بالنعل التي يشق نزعها (٣).
стр. 1354
• دليل من قال بجواز المسح:
الدليل الأول:
(٥٣٤ - ٣١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن أبي قيس، عن هزيل بن شرحبيل،
عن المغيرة بن شعبة، أن رسول الله ﷺ توضأ، ومسح على الجوربين والنعلين (١).
[رجاله ثقات إلا أنه معلول] (٢).
وأجيب:
أولًا: أن الحديث ضعيف؛ وقد علمت كلام أحمد وابن مهدي وسفيان ومسلم والنسائي والدارقطني وغيرهم في تعليل هذا الحديث.
ثانيًا: أن المقصود من حديث المغيرة أنه مسح على جوربين منعلين، لا أنه جورب منفرد، ونعل منفرد، فكأنه قال: مسح على جوربيه المنعلين.
وسبق الجواب على هذا الإشكال في مسألة المسح على الجورب، فارجع إليه إن شئت.
الدليل الثاني:
(٥٣٥ - ٣٢) ما رواه أحمد، قال: ثنا بهز بن أسد، ثنا حماد بن سلمة، أخبرنا يعلى ابن عطاء،
عن أوس بن أبي أوس، قال: رأيت أبي يوما توضأ، فمسح على النعلين، فقلت له: أتمسح عليهما؟ فقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل (٣).
الدليل الثالث:
(٥٣٦ - ٣٣) ما رواه بن ماجه، قال: حدثنا محمد بن يحيى، ثنا معلى بن منصور وبشر ابن آدم، قالا: ثنا عيسى بن يونس، عن عيسى بن سنان، عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب،
стр. 1357
عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله ﷺ توضأ، ومسح على الجوربين والنعلين.
قال المعلى في حديثه: لا أعلمه إلا قال: والنعلين (١).
[ضعيف] (٢).
الدليل الرابع:
(٥٣٧ - ٣٤) ما رواه البزار في مسنده حدثنا إبراهيم بن سعيد، أخبرنا روح بن عبادة، عن ابن أبي ذئب، عن نافع،
أن ابن عمر كان يتوضأ، ونعلاه في رجليه، ويمسح عليهما، ويقول: كذلك كان رسول الله ﷺ يفعل (٣).
[صحيح] (٤).
стр. 1358
الدليل الخامس:
(٥٣٨ - ٣٥) ما رواه ابن جرير الطبري، قال: حدثنا عبد الله بن الحجاج بن المنهال، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا جرير بن حازم، قال: سمعت الأعمش، عن أبي وائل،
عن حذيفة، قال: أتى رسول الله سباطة قوم، فبال عليها قائمًا، ثم دعا بماء، فتوضأ، ومسح على نعليه (١).
[لم أقف على ترجمة عبد الله بن الحجاج بن منهال، والمسح على النعلين ليس محفوظًا من حديث الأعمش] (٢).
стр. 1359
الدليل السادس:
(٥٣٩ - ٣٦) من الآثار، ما رواه ابن أبي شيبة، عن ابن إدريس، عن الأعمش،
عن أبي ظبيان، قال: رأيت عليًا بال قائمًا، ثم توضأ، ومسح على نعليه، ثم أقام المؤذن، فخلعهما (١).
[إسناده في غاية الصحة] (٢).
стр. 1360
الدليل السابع:
(٥٤٠ - ٣٧) ما رواه ابن عدي في الكامل من طريق رواد بن الجراح، عن سفيان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار،
عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ توضأ مرة مرة، ومسح على نعليه (١).
[رواد مجروح في روايته عن سفيان إلا أنه لم ينفرد به، والحديث فيه اختلاف كثير في لفظه] (٢).
وقد وقف العلماء من أحاديث المسح على النعال على مواقف منها:
الأول: القول بالمسح على النعال. وهذا أسعدها بالدليل، وحمل الأحاديث
ابن تيمية على النعل التي يشق نزعها إلا بيد أو رجل (١).
ولعله لحظ الحكمة من المسح على الخفين، وهي مشقة النزع فألحق بها ما يشق نزعها من النعال، والله أعلم.
الموقف الثاني:
ضعف بعضهم الأحاديث الواردة في المسح على النعل، وهذا وإن كان قد يُسَلَّم
стр. 1364
في أكثرها، لكن لا يسلم في الكل.
الموقف الثالث:
بعضهم أولها على أنه مسح على جوربين منعلين، وقد أجبت عن هذا التأويل فيما سبق، ومع أن هذا فيه تكلف فإن هذا ممكن أن يقال في أحاديث مسح على الجوربين والنعلين، وأما الأحاديث الكثيرة التي تفيد المسح على النعلين بدون ذكر الجوربين فلا يقبل هذا التأويل.
الموقف الرابع:
ذهب بعضهم إلى معارضة أحاديث المسح على النعلين بأحاديث وجوب غسل الرجلين، وهذا ضعيف؛ لأن أحاديث مسح النعلين لا تعارض غسل القدمين إلا إذا كان المسح على الخفين يعارض أحاديث غسل الرجلين.
الموقف الخامس:
ادعى بعضهم أن أحاديث مسح النعل منسوخة بأحاديث غسل الرجلين، ذكر ذلك ابن القيم في تهذيب السنن.
الموقف السادس:
حمل بعضهم أحاديث المسح على النعلين بأنه في حال تجديد الوضوء؛ وذلك لأنه ثبت عن النبي ﷺ المسح على القدمين في تجديد الوضوء، فكذلك يحمل المسح على النعلين بأنه في حال تجديد الوضوء.
(٥٤١ - ٣٨) فقد روى أحمد، قال: ثنا بهز، ثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، قال: سمعت النزال بن سبرة، قال:
رأيت عليًا رضي الله تعالى عنه صلى الظهر، ثم قعد لحوائج الناس، فلما حضرت العصر أتى بتور من ماء، فأخذ منه كفا، فمسح وجهه وذراعيه، ورأسه ورجليه، ثم أخذ فضله، فشرب قائمًا، وقال: إن ناسًا يكرهون هذا، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 1365
يفعله، وهذا وضوء من لم يحدث (١).
[صحيح] (٢).
الموقف السابع:
قالوا: إن معنى: مسح على النعلين المقصود بالمسح هو الغسل الخفيف، قال
стр. 1366
ابن الأثير: المسح يأتي بمعنى المسح باليد، وبمعنى الغسل (١)، ويكون معنى حديث علي ﵁: (مسح وجهه وذراعيه، ورأسه ورجليه) أي غسلهما غسلًا خفيفًا، والله أعلم.
• والجواب:
أولًا: حمل أحاديث المسح على النعلين على تجديد الوضوء حمل ضعيف؛ لأنه صح عن علي ﵁ غسل الرجلين ثلاثًا، ومَسْحُ النعلين، ومَسْح القدمين بلا نعلين في طهارة تجديد الوضوء، وهذه الأحاديث لا يعارض بعضها بعضًا، مع اختلاف مخارجها.
ثانيًا: ثبت عن علي بسند صحيح كما خرجته عنه أنه بال، ثم توضأ، فمسح على نعليه، ثم أقام المؤذن فخلعهما، ثم صلى، كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢)، وهذا صريح في أنه مسح على نعليه بعد الحدث، وهو نفسه الراوي لمسح القدمين في طهارة تجديد الوضوء.
والقول: بأن المسح يأتي بمعنى الغسل، هذا أيضًا فيه إشكال، وهو أن عليًّا ﵁ جعل هذا وضوء من لم يحدث، ولو كان المسح بمعنى الغسل لم يكن لقيد (ما لم يحدث) معنى، والأصل حمل المسح على حقيقته إلا لقرينة مانعة من حمل اللفظ على حقيقته، ولا قرينة، والله أعلم.
هذا ما أمكن جمعه في مسألة المسح على النعلين، والراجح عندي جوازه، بناء على أصل فقهي مشيت عليه، وهو الاحتجاج بما يثبت عن الصحابة، خاصة ما كان معدودًا من الفقهاء منهم إذا لم يخالف من مثله، ولو لم يأت في المسألة إلا الأثر عن علي ابن أبي طالب لانشرح الصدر بالقول به، ما دام أنه لم يعلم له مخالف، وكونه لم ينتشر
стр. 1367
القول به كانتشار المسح على الخفين فهذا ليس كافيًا في رده، وقد أنكر بعض السلف المسح على الخفين من الصحابة ومن بعدهم، أيكون إنكارهم للمسح على الخفين رافعًا لما ثبت شرعًا من جواز المسح عليهما؟ وسواء مسح على النعل، أو رش القدم في النعل فكلاهما جائز، والله أعلم.
* * *
стр. 1368
الفصل الرابع في المسح على الخرق واللفائف
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• لا يقاس على محل الخف، كالكفين داخل القفازين، وهل يقاس على الخف غيره مما هو في معناه مما يلبس على القدم؟
• اختلفوا في القياس على الخف ما كان في معناه مما يوضع على القدم كاللفائف والجوارب، وهذا الاختلاف راجع إلى توصيف المسح:
• هل هو عبادة غير معقولة المعنى، فلا يقاس على الخف غيره، أو أن المسح معقول المعنى فيلحق بالخف ما كان في معناه؟
• وهل تعلق المسح بالمسمى، فما لا يسمى خفًا لا يجوز المسح عليه، أو يتعلق المسح بالمعنى، فكل حائل على القدم فهو في معنى الخف، فيمسح عليه؟
• على القول بأن المسح رخصة، هل الرخص إذا وقعت على خلاف الأصل، يلحق بها ما كان في معناها للعلة الجامعة بينهما، أو يقتصر بها على مورد النص؟
[م-٢٢٤] اختلف العلماء في المسح على اللفائف:
стр. 1369
فقيل: لا يمسح عليها، وهو مذهب الأئمة الأربعة (١).
وقيل: بل يمسح عليها، وهو وجه في مذهب أحمد، وحكاه بعضهم رواية (٢)، واختاره ابن تيمية (٣).
• دليل من قال لا يجوز المسح على اللفائف:
الدليل الأول:
الإجماع بأنه لا يجوز المسح على اللفائف.
نقل الإجماع من المالكية المواق في التاج والإكليل، قال: «لا خلاف أنه لا يجزئ
стр. 1370
المسح على الخرق إذا لف بها رجليه» (١).
وقال ابن قدامة في منع المسح على اللفائف: لا نعلم في ذلك خلافًا (٢).
وسوف أناقش دعوى الإجماع إن شاء الله تعالى في أدلة القول الثاني.
الدليل الثاني:
أن المسح ورد على الخف، وهذه اللفائف لا تسمى خفًا، ولا هي في معناه (٣).
• وأجيب:
بأن الأشياء ليست بمسمياتها، بل بمعانيها، ولا فرق بين اللفائف والجوارب والخفاف في تدفئة الرجل، ومشقة النزع، بل قد يكون نزعها أشق من الخف والجورب.
الدليل الثالث:
قالوا: إن اللفائف لا تثبت بنفسها، وإنما تثبت بشدها، ومن شروط المسح على الخفين أن يثبت بنفسه، لا بشده.
قال ابن قدامة: «لا يجوز المسح على اللفائف والخرق، نص عليه أحمد، وقيل: إن أهل الجبل يلفون على أرجلهم لفائف إلى نصف الساق؟ قال: لا يجزئه المسح على ذلك إلا أن يكون جوربًا؛ وذلك أن اللفافة لا تثبت بنفسها، وإنما تثبت بشدها، ولا نعلم في هذا خلافًا» (٤).
• ويجاب:
بأن الراجح من كلام أهل العلم أنه لا يشترط في الخف أن يثبت بنفسه، وسوف