стр. 1401
← Фикх общий следующие страницы →
Фикх общий · id 157
موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 3
دبيان الدبيان
Полный текст (5 371 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1402
• دليل من قال بجواز المسح .
الدليل الأول:
قد جاء الإذن بالمسح على الخفين مطلقًا غير مقيد، وما جاء مطلقًا فهو على إطلاقه، لا يقيده إلا نص مثله من كتاب أو سنة أو إجماع، ولايوجد دليل يمنع الرجل من المسح إذا لبس الخفين على طهارة تامة، فمن منع فعليه الدليل، ولا دليل.
الدليل الثاني:
أن الإنسان إنما يلبس الخفين ليمسح عليهما، فالغرض من لبس الخف هو المسح عليه، مع ما في ذلك من تدفئة القدمين في البرد الشديد، والريح الشديدة، فطلب المسح غرض صحيح، ليس محرمًا حتى يكون قصده مؤثرًا في الحكم، فيمنع.
• دليل من قال لا يمسح .
الدليل الأول:
القياس على من سافر ليفطر، فإذا كان من سافر ليفطر حرم عليه الفطر، فكذلك من لبس ليمسح.
• وأجيب:
هناك فرق بين من سافر ليفطر، ومن لبس ليمسح؛ لأن الفطر الأصل فيه التحريم، جاز للمسافر لعلة السفر، فمن سافر طلبًا للفطر فقد تحايل على إسقاط الواجب، والحيل على المحرمات لا يبيحها، وعلى الواجبات لا يسقطها، ولا يوجد أحد يسافر من أجل الفطر، بخلاف الخف، فإن الإنسان يلبسه من أجل أن يمسح عليه، والمسح ليس محرمًا، فالغرض من لبس الخف هو المسح سواء قصد دفع المشقة أم لا، فقصد الفطر في السفر محرم، وقصد المسح في لبس الخف مباح، فافترقا.
الدليل الثاني:
أن القاعدة الفقهية تقول: إن تعاطي سبب الترخص لقصد الترخص لا يبيح
стр. 1403
الرخص، والمسح رخصة، فلبس الخف من أجل المسح من هذا الباب.
• وأجيب:
أولًا: المسح على الخفين هل هو رخصة أو عزيمة، فيه خلاف، وقد سبق الكلام عليه.
ثانيًا: على التسليم أن المسح رخصة، فإن الرخصة تارة يكون قصدها لا يسقط واجبًا، ولا يرتكب محرمًا، فيكون قصده صحيحًا، وليس محرمًا، وتارة تكون الرخصة سببًا في إسقاط واجب، أو ارتكاب محرم، فيكون قصد الترخص لا يجوز، كالسفر من أجل الفطر، فالفطر محرم، فالتحايل على إسقاطه لا يجوز، وأما اللبس من أجل المسح فليس محرمًا، لأن اللبس يقصد به المسح، فقصده غرض صحيح كما قدمنا، والله أعلم.
• دليل من قال لا يستحب .
لعل الحنابلة أخذوه من حال النبي ﷺ بأنه لم يكن يتحرى لبس الخفين ليمسح عليهما، بل كان يغسل قدميه إذا كانتا مكشوفتين، ويمسح إذا كان لابسًا للخفين، وهذا دليل لا يرقى للمنع، ولذا قالوا: لا يستحب لبس الخفين ليمسح عليهما.
قال ابن القيم: «لم يكن يتكلف ضد حاله التي عليها قدماه، بل إن كانتا في الخف مسح عليهما، ولم ينزعهما، وإن كانتا مكشوفتين غسل القدمين، ولم يلبس الخفين ليمسح عليهما» (١).
* * *
стр. 1404
الفصل التاسع في مسح من به حدث دائم
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• كل طهارة مائية تصح بها الصلاة إذا لبس الخف على طهارتها جاز له أن يمسح عليها.
• من ابتلي بحدث دائم يحق له المسح كغيره.
• أكثر شروط المسح على الخفين لا دليل عليها.
• من به حدث دائم إن كان حكمه حكم المحدث لم يكن له أن يصلي؛ لأن الله لا يقبل صلاة أحدنا إذا أحدث حتى يتوضأ، وإن كان في حكم الطاهر لم يمنع صاحبه من المسح على الخفين.
• الرخص الشرعية عامة للصحيح والمريض، ومن أخرج المريض فعليه الدليل، بل إن المريض أولى بالرخصة من غيره.
[م-٢٢٩] اختلف العلماء في من كان حدثه دائمًا كالمستحاضة، ومن به سلس بول، ونحوهما:
فقيل: إذا لبس الخفين بعد الطهارة، وقبل أن يسيل شيء، مسح كغيره، وإن توضأ، والحدث قائم، أو أحدث بعد الوضوء، وقبل اللبس مسح ما دام الوقت باقيًا،
стр. 1405
ولم يكن له أن يمسح بعد خروج الوقت، وهذا مذهب الحنفية (١).
وقيل: المستحاضة ومن به حدث دائم كغيرهما له أن يمسح على خفيه، وهو المشهور من مذهب المالكية (٢)، والحنابلة (٣).
وقيل: إن لبس الخف بعد وضوئه، فإن أحدث بغير حدثه الدائم وقبل أن يصلي به فريضة، مسح وصلى به فريضة واحدة، وما شاء من النوافل، وإن كان حدثه بعد صلاته تلك الفريضة، مسح لما شاء من النوافل، ولا يمسح به لصلاة أي فريضة. وهو مذهب الشافعية (٤).
وقيل: لا يمسح مطلقًا من به حدث دائم، وهو وجه في مذهب الشافعية (٥)، والحنابلة (٦).
وسبب اختلافهم خلافهم في طهارة المستحاضة، ومن به حدث دائم مقيس عليها.
(٥٥٥ - ٥٢) فقد روى البخاري من طريق أبي معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت:
جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : لا؛ إنما ذلك عرق، وليس
стр. 1406
بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي.
قال: وقال أبي: ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت (١).
[زيادة قال هشام قال أبي الراجح أنها موقوفة على عروة، ورفعها غير محفوظ] (٢).
وعليه فالمالكية لا يعتبرون خروج دم الاستحاضة حدثًا ناقضًا للوضوء، بل يستحب منه الوضوء ولا يجب؛ لأنه معفو عنه، مغلوب عليه، فإذا كان خروجه لا ينقض الوضوء، فكذلك لا يوجبه (٣)، وهو الراجح.
وأما الحنفية (٤)، والحنابلة (٥) فيرون وجوب الوضوء لوقت كل صلاة، فحملوا
стр. 1407
قوله: (وتوضئي لكل صلاة) أي لوقت كل صلاة.
وأما الشافعية فحملوا قوله: (وتوضئي لكل صلاة) أي لكل فريضة مؤداة أو مقضية، وأما النوافل فتصلي ما شاءت (١).
وأما ابن حزم فأوجب الوضوء لكل صلاة، فرضًا كانت أو نفلًا، خرج الوقت أو لم يخرج (٢).
وليس هذا موضع بسط هذه المسألة، وقد بسطت أدلتها في كتابي الحيض والنفاس رواية ودراية، فارجع إليه غير مأمور.
إذا عرفنا هذا نأتي إلى استدلالهم في مسألة المسح على الخفين.
• دليل من قال يمسح من به حدث دائم كغيره:
الدليل الأول:
قالوا: إن الطهارة كاملة في حق من به حدث دائم، وإذا كانت كذلك، فقد لبس الخفين على طهارة فله أن يمسح، ولا يوجد دليل يمنع من به حدث دائم من المسح على الخفين.
الدليل الثاني:
إذا كان خروج الحدث لم يؤثر في نقض طهارته، وجاز له أن يستبيح بتلك الطهارة الصلاة، فكونه يستبيح به المسح على الخفين من باب أولى.
قال زفر: «لما كان سيلان الدم عفوًا في حقها، بدليل جواز الصلاة معه، كان اللبس حاصلًا على طهارة» (٣).
стр. 1408
الدليل الثالث:
من المعلوم في قواعد الشريعة أن الإنسان المريض ليس كالصحيح، والمغلوب ليس كالمتعمد، والحدث الدائم ليس كالمنقطع، فالمستحاضة وكذا من به حدث دائم مريض مغلوب، لهذا يعتبر حدثه كأن لم يوجد.
الدليل الرابع:
الحدث لا يبطل المسح حتى مع الرجل الصحيح، فكذلك من به حدث دائم، فكوننا نحكم عليه أنه محدث بعد خروج الوقت لا يبطل مسحه ما دام قد لبس الخف، وهو محكوم بطهارته.
الدليل الخامس:
قال ابن عقيل: «ولأنها مضطرة إلى الترخص، وأحق من يترخص المضطر» (١).
• دليل من قال يمسح ما لم يخرج الوقت:
الدليل الأول:
قال في المبسوط: «سيلان الدم عفو في الوقت لا بعده، حتى تنتقض الطهارة بخروج الوقت، وخروج الوقت ليس بحدث، فكان اللبس حاصلًا على طهارة معتبرة في الوقت لا بعد خروج الوقت، فلهذا كان لها أن تمسح في وقت الصلاة، لا بعد خروج الوقت» (٢).
الدليل الثاني:
قالوا: بخروج الوقت عاد إليها الحدث السابق المتقدم على لبس الخف، فتكون كأنها لبست الخف، وهي محدثة، وقاسوها بمن تيمم، ثم لبس خفيه، ثم وجد الماء، فإنه بوجود الماء رجع إليه حدثه السابق المتقدم على لبس الخف، فوجب نزعه، والذي
стр. 1409
جعلهم يقولون برجوع الحدث السابق أن خروج الوقت على المستحاضة ليس حدثًا في ذاته، وإنما حكم لها برجوع حدثها السابق المتقدم على تلك الطهارة، والله أعلم.
• وأجيب:
بأن هذا القول لا يصح إلا بعد التسليم بصحة زيادة: (وتوضئي لكل صلاة) وأن المراد منه: (توضئي لوقت كل صلاة) وأنه بخروج الوقت يعود لها الحدث السابق على الطهارة ولبس الخف، وليس اعتبارًا للحدث القائم الذي لم ينقطع، وكل هذه الأمور محل نزاع، وليس إثباتها بظاهر.
• دليل من قال يمسح فريضة واحدة:
قالوا: بأن طهارتها مقصورة على استباحة فريضة واحدة ونوافل، وهي محدثة بالنسبة لما زاد على ذلك، فكأنها لبست الخفين على حدث، بل لبست على حدث حقيقة، فإن طهارتها لا ترفع الحدث عندهم.
وهذا أضعف الأقوال، لأنه فيه بعض التناقض؛ إذ كيف يسمح لها أن تصلي بتلك الطهارة نوافل، ولا تصلي بها فرائض، فإن كانت حين صلت تلك النافلة محدثة، لم تصح النافلة منها، وإن كانت طاهرة صحت، وصحت منها الفريضة، فما صح في النفل صح في الفرض إلا بدليل، ولا دليل هنا على التفريق.
• دليل من قال لا تمسح مطلقًا:
قالوا: لأنها محدثة، وإنما جوزت لها الصلاة مع الحدث الدائم للضرورة، ولا ضرورة للمسح على الخفين، بل هي رخصة بشرط لبسه على طهارة كاملة، ولم توجد مع من حدثه دائم.
قلت: بل هي أولى بالمراعاة من إنسان لا يجب عليه الوضوء إلا إذا أحدث، بينما أنتم توجبون عليها الوضوء لكل صلاة، بل إن الشرع رخص لها بجمع الصلوات التي تجمع، ولم يرخص لغيرها إلا بسبب.
стр. 1410
• القول الراجح:
بعد استعراض أدلة كل قول، يتبين لي أن مذهب المالكية والحنابلة أقوى الأقوال، وأن من كان به حدث دائم يمسح كغيره، وذلك لقوة أدلته، وللجواب عن الأدلة السابقة، ولكون المبتلى بهذا البلاء أحوج من غيره إلى الرخصة، ولعدم الدليل الدال على منع المستحاضة ومن به حدث دائم من المسح على الخفين، والله أعلم.
* * *
стр. 1411
الباب الثاني في شروط المسح على الخفين
الشرط الأول في طهارة الخف
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• كل نجاسة لا تمنع وصول الماء إلى العضو الواجب غسله أو مسحه، فطهارته صحيحة.
• لا يشترط لرفع الحدث طهارة سائر البدن من النجاسة.
• صحة المسح على الخفين النجسين منفكة عن منع الصلاة بهما.
[م-٢٣٠] ضد الطاهر النجس، والنجس تارة يكون نجسًا، وتارة يكون متنجسًا.
فإن كانت عينه نجسة كما لو كان الخف من جلد خنزير فحكي الإجماع بأنه لا يمسح عليه.
قال في مواهب الجليل: «لا يمسح على خف من جلد ميتة، لو دبغ على المشهور ... » (١).
стр. 1412
وهذا بناء على أن الدباغ لا يطهر.
وقال النووي: لا يصح المسح على خف من جلد كلب أو خنزير، أو جلد ميتة لم يدبغ، وهذا لا خلاف فيه (١).
وقال في الإنصاف: «ومنها طهارة عينه -يعني الخف- إن لم تكن ضرورة بلا نزاع» (٢).
فهذا النووي من الشافعية والمرداوي من الحنابلة ينقلان الإجماع على أنه لا يجوز المسح على الخف النجس في غير ضرورة، واستدلوا بالمنع:
أولًا: ما حكي من الإجماع.
ثانيًا: أن الخف بدل عن الرجل، ولو كانت الرجل نجسة لم تطهر من الحدث مع بقاء النجاسة.
والصحيح في مسألة جلد الميتة إذا دبغ أنه طاهر، وليس هذا موضع بحثه.
وإن كان الخف متنجسًا لا نجسًا، فقد اختلف العلماء في اشتراط طهارته من أجل المسح عليه.
فقيل: لا يمسح عليه، فالمتنجس كالنجس، وهو مذهب المالكية (٣)، والشافعية (٤).
قال النووي: «وكذا لا يصح المسح على خف أصابته نجاسة إلا بعد غسله؛ لأنه لا يمكن الصلاة فيه» (٥).
стр. 1413
وأجاز الحنابلة المسح على الخف المتنجس، ويستبيح به مس المصحف، ولا يصلي به إلا بعد غسله إن تمكن (١).
وصحح الحنابلة هنا الطهارة مع أنهم يمنعون الطهارة قبل الاستنجاء، وفرقوا بينهما: بأن النجاسة الموجبة للاستنجاء قد أوجبت طهارتين الحدث والخبث بخلاف الطهارة هنا، والصحيح أنه لا فرق بينهما.
والراجح صحة الطهارة إذا مسح على خف متنجس؛ لأن طهارة الحدث لا يشترط لها أن يكون البدن طاهرًا، وما دام أن النجاسة لا تمنع وصول الماء إلى العضو الواجب غسله أو مسحه، فطهارته صحيحة، ولولا ما حكي في المسألة من إجماع في الخف إذا كان نجس العين لقلت بصحة طهارته أيضًا، ويجوز له فيها مس المصحف على القول بوجوب الطهارة لمسه، وفي المسألة خلاف.
فإذا حضرت الصلاة وجب عليه تطهير الخف أو خلعه، والدليل على أنه لا يجوز الصلاة في الخف المتنجس،
(٥٥٦ - ٥٣) ما رواه أحمد من طريق أبي نعامة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري،
أن رسول الله ﷺ صلى، فخلع نعليه، فخلع الناس نعالهم، فلما انصرف قال: لم خلعتم نعالكم؟ فقالوا: يا رسول الله رأيناك خلعت فخلعنا. قال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن بهما خبثًا فإذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعله فلينظر فيها فإن رأى بها خبثًا فليمسه بالأرض ثم ليصل فيهما (٢).
[صحيح] (٣).
وحكم الخفين حكم النعلين، فإذا كان لا يصلي في نعليه إذا كان بهما أذى، فكذلك
стр. 1414
لا يصلي في خفيه إذا كان بهما خبث، إلا أن صحة المسح منفكة عن منع الصلاة بهما، فإذا حضرت الصلاة خلع خفيه، ولا يعيد المسح عليهما لصحته، والله أعلم.
وقال في الإنصاف: «لو مسح على خف طاهر العين، ولكن بباطنه أو قدمه نجاسة لا يمكن إزالتها إلا بنزعه جاز المسح عليه، ويستبيح بذلك مس المصحف والصلاة إذا لم يجد ما يزيل النجاسة وغير ذلك» (١).
كما أنه إذا اضطر إلى لبس الخف النجس عينًا كما لو كان في بلاد الثلوج، وخشي سقوط أصابعه بخلعه، ففي مذهب الحنابلة وجهان:
الأول: له أن يمسح عليه؛ لأنه لما أذن له في لبسه، جاز له أن يمسح عليه؛ ولأنه كالجنب إذا اغتسل، وعليه نجاسة لا تمنع وصول الماء ارتفع حدثه.
ورجحه ابن تيمية، قال: إن الخف الذي يتضرر بنزعه في حكم الجبيرة، وضرره يكون بأشياء، إما أن يكون في ثلج وبرد عظيم إذا نزعه ينال رجليه ضرر، أو يكون الماء باردًا لا يمكن معه غسلهما، فإن نزعهما تيمم، فمسحهما خير من التيمم، ووجه ترجيح المسح على التيمم، أن المسح يكون بالماء، والتيمم بالتراب، والمسح يكون على العضو المتعذر غسله، والتيمم يكون على عضوين فقط: الوجه واليدين، وليس على القدم، فإذا جاز له ترك طهارة الماء إلى التيمم، فلأن يجوز ترك طهارة الغسل إلى المسح أولى (٢).
الوجه الثاني: هو المشهور من مذهب الحنابلة أنه يتيمم، ولا يمسح.
اختاره ابن عقيل وابن عبدوس والمجد؛ لأنه منهي عنه في الأصل، وهذه ضرورة نادرة (٣).
стр. 1415
كما أن المشهور من مذهب الحنابلة أنه يصلي بالخف النجس، ويعيد ما صلى؛ لأنه صلى، وهو حامل للنجاسة، والطهارة من النجاسة شرط في صحة الصلاة عندهم، والراجح أنه لا يعيد؛ لأنه فعل ما أمره الله به بحسب وسعه وطاقته، فلا إعادة عليه، ولم يوجب الله على العباد الصلاة مرتين إلا بتفريط. والله أعلم.
* * *
стр. 1416
الشرط الثاني
في اشتراط إباحة الخف
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• هل النهي يقتضي الفساد؟
• النهي إذا لم يكن عائدًا لذات المنهي عنه، ولا لوصف لازم لا ينفك عنه، بل لأمر خارج عنه، لم يكن النهي دالًا على الفساد.
[م-٢٣١] الخف المباح في مقابل الخف المحرم، والمحرم نوعان:
تارة يكون التحريم لحق الله، كما لو لبس الخف، وهو مُحْرِم، أو كان الخف من حرير، وهو رجل.
وتارة يكون التحريم لحق الآدمي كالخف المغصوب والمسروق.
وقد اختلف العلماء في المسح على الخف المحرم على أقوال:
فقيل: يمسح عليه مطلقًا، وهو مذهب الحنفية (١)، وعليه أكثر الشافعية (٢).
وقيل: لا يجوز المسح عليه مطلقًا، سواء كان التحريم لحق الله، أو لحق الآدمي،
стр. 1417
وهو المشهور عند الحنابلة (١)، واختاره بعض الشافعية (٢).
وقيل: التفريق بين ما كان محرمًا لحق الله فلا يصح المسح، وبين ما كان لحق الآدمي فيصح المسح عليه، هو مذهب المتأخرين من المالكية (٣).
• دليل من قال لا يجوز المسح:
القياس على الصلاة في الثوب المسبل، فإذا كانت الصلاة في ثوب حرام لا تصح، فكذلك المسح على شيء محرم لا يصح
(٥٥٧ - ٥٤) فقد روى أحمد من طريق أبي جعفر، عن عطاء بن يسار،
عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: بينما رجل يصلي، وهو مسبل إزاره، إذ قال له رسول الله ﷺ : اذهب، فتوضأ. قال: فذهب، فتوضأ، ثم جاء، فقال له رسول الله ﷺ : اذهب، فتوضأ. قال: فذهب، فتوضأ، ثم جاء، فقال: ما لك يا رسول الله، ما لك أمرته يتوضأ؟ ثم سكت، قال: إنه كان يصلي، وهو مسبل إزاره، وإن الله
стр. 1418
لا يقبل صلاة عبد مسبل إزاره (١).
[حديث ضعيف، ومتنه منكر] (٢).
وجه النكارة فيه:
إذا كانت الصلاة لا تقبل من أجل الإسبال، فلماذا يطلب منه إعادة الوضوء، وهو لم يحدث، ما بال الوضوء؟!
ولماذا لم يبلغه بأن يرفع إزاره، فقد يكون الرجل جاهلًا، والبلاغ تعليمه ما أخطأ فيه، لا أن يحيله على أمر قد أحسنه، فما إعادته للوضوء إلا عبث، حتى تجديد الوضوء لا يشرع في هذه الصورة؛ لأنه ما إن فرغ من وضوئه حتى طلب منه أن يعيده، لا لنقص في الوضوء، ولكن لأن صلاة المسبل إزاره لا تقبل!!.
الدليل الثاني:
أن المسح رخصة على قول، وإذا كان رخصة فإن العاصي لا يستحق أن أن يترخص، قال تعالى:
(فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) [البقرة: ١٧٣].
والباغي عندهم: الخارج على الإمام، والعادي: هو المحارب وقاطع الطريق، فإذا كان الله لم يبح أكل الميتة للمضطر إذا كان عاصيًا، فغيرها من الرخص من باب أولى.
• وأجيب:
بأن المراد بالباغي: من يأكل فوق حاجته، والعادي: من يأكل هذه المحرمات، وهو يجد عنها مندوحة، فليس في الآية دليل على ما ذكرتم.
الدليل الثالث:
إذا صححنا المسح على الخف المحرم نكون بذلك قد رتبنا على الفعل المحرم أثرًا
стр. 1419
صحيحًا، وهذا فيه مضادة لله ولرسوله ﷺ .
(٥٥٨ - ٥٥) وقد روى مسلم من طريق سعد بن إبراهيم، عن القاسم بن محمد قال:
أخبرتني عائشة أن رسول الله ﷺ قال: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد (١).
ومعنى رد: أي مردود عليه، والمسح على الخف المحرم خلاف أمر الله ورسوله ﷺ .
• وأجيب:
بأن التحريم والصحة غير متلازمين، فتلقي الجلب منهي عنه، وإذا تُلُقِيَ كان البيع صحيحًا، وللبائع الخيار إذا أتى السوق، فثبوت الخيار فرع عن صحة البيع، ولأن النهي ليس بسبب الطهارة، وإنما هو عائد إلى أمر خارج، وهو الغصب، والله أعلم.
الدليل الرابع:
جاء في المجموع: «المسح إنما جاز لمشقة النزع، وهذا عاص بترك النزع، واستدامة اللبس، فينبغي ألا يعذر» (٢).
• ويجاب:
بأن مشقة النزع هي الحكمة من مشروعية المسح، وليست علة في المسح، فيجوز المسح على الخف سواء شق نزعه أو لم يشق، وإذا كان العصيان لترك النزع لم يكن المسح نفسه معصية، فكما لو ذبح بمدية مغصوبة لم تحريم الذبيحة، وكما لو كان الصوم يضره، فصام صح صومه، وإن كان عاصيًا بذلك.
الدليل الخامس:
قال بعض الشافعية: تجويز المسح على الخف المغصوب يؤدي إلى إتلافه بالمسح
стр. 1420
عليه، واستعماله بخلاف الصلاة في الدار المغصوبة، فإن الصلاة فيها والجلوس سواء.
ورده الروياني من الشافعية، فقال: هذا غلط؛ لأنه إذا توضأ بالماء المغصوب فقد أتلفه، ولم يمنع ذلك الصحة (١).
قلت: هذا التنظير على مذهب الشافعية.
• أدلة القائلين بصحة المسح:
الدليل الأول:
عدم الدليل المقتضي لفساد الطهارة، فهذا قد تطهر الطهارة الشرعية بغسل ما يجب غسله، ومسح ما يجب مسحه، فطهارته صحيحة، ولا يحكم ببطلانها إلا بدليل من كتاب أو سنة أو إجماع، ولا دليل هنا.
الدليل الثاني:
أن المنع في المسح على الخف لا يختص بالطهارة، فالغاصب مأذون له في المسح في الجملة، والمنع عارض أدركه من جهة الغصب، لا من جهة الطهارة، فأشبه غاصب ماء الوضوء، ومدية الذبح، وكلب الصيد، فيأثمون، ويصح فعلهم.
والقاعدة الشرعية: أن العبادة الواقعة على وجه محرم:
إن كان التحريم عائدًا إلى ذات العبادة، كصوم يوم العيد، لم تصح العبادة.
وإن كان التحريم عائدًا إلى شرطها على وجه يختص بها كالصلاة بالثوب النجس على القول بأن الطهارة من النجاسة شرط، لم تصح إلا لعاجز أو عادم على الصحيح.
وإن كان التحريم عائدًا إلى شرط العبادة، ولكن لا يختص بها، ففيها روايتان:
فقيل: يصح، وهو الأرجح.
وقيل: لا يصح، وهو المشهور من مذهب الحنابلة.
стр. 1421
وإن كان التحريم عائدًا على أمر خارج لا يتعلق بشرطها، كالوضوء من الإناء المحرم، فالراجح صحة العبادة، وعليه الأكثر (١).
وهنا المنع ليس عائدًا على شرط العبادة التي هي الطهارة، وإنما عائد على أمر خارج، وهو الغصب، فهو وصف عارض لا تعلق له بالطهارة، فيصح المسح، والله أعلم.
وهذا هو القول الراجح، والله أعلم.
* * *
стр. 1422
الشرط الثالث
في اشتراط كون الخف ساترًا لما يجب غسله
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• شروط العبادة متلقاة من الشارع، ومبناها على التوقيف.
• الأصل في شروط العبادة كالأصل في العبادة نفسها، الأصل فيهما المنع والحضر إلا بدليل، والأصل في شروط العقود كالأصل في العقود الصحة والجواز.
[م-٢٣٢] إذا كان الخف فيه فتق أو خرق نظر:
فإن كان الخرق فوق الكعب جاز المسح عليه بلا خلاف (١).
وإن كان الخرق في محل الفرض، فاختلفوا:
فقيل: يمسح عليه مطلقًا ما أمكن المشي فيها، وهو قول سفيان الثوري، وإسحاق، وابن المبارك، وابن عيينة (٢)، واختاره ابن تيمية (٣).
وقيل: لا يمسح عليه مطلقًا، ما دام أنه يظهر منه شيء، وهو القول الجديد في
стр. 1423
مذهب الشافعية (١)، والمشهور عند الحنابلة (٢).
وقيل: التفريق بين الخرق اليسير والخرق الكبير، وهو مذهب الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، على خلاف بينهم في حد اليسير والكثير (٥).
• دليل من قال: لا يجوز المسح على الخف المخرق:
الدليل الأول:
قالوا: إن القدر الذي ظهر من القدم فرضه الغسل، والجمع بين المسح والغسل لا يجوز.
• واعترض:
بأننا لا نسلم بالمقدمة، حتى نسلم بالنتيجة، فأين الدليل على أن ما ظهر فرضه الغسل، قال ابن تيمية: «قول القائل: إن ما ظهر فرضه الغسل ممنوع، فإن الماسح على
стр. 1424
الخف لا يستوعبه بالمسح كالمسح على الجبيرة، بل يمسح أعلاه دون أسفله وعقبه، وذلك يقوم مقام غسل الرجل، فمسح بعض الخف كاف عما يحاذي الممسوح، وما لا يحاذيه، فإذا كان الخرق في العقب لم يجب غسل ذلك الموضع، ولا مسحه، ولو كان على ظهر القدم لم يجب مسح كل جزء من ظهر القدم .. » إلخ كلامه ﵀ (١).
وأما قولكم: إنه لا يجتمع مسح وغسل في عضو واحد فهذا منتقض بالجبيرة إذا كانت في نصف الذراع، فإنك تغسل الذراع، وتمسح الموضع الذي فيه الجبيرة، فاجتمع مسح وغسل في عضو واحد، على أننا لا نرى في الخف المخرق أن يغسل ما ظهر، بل يكفي مسح ظاهر القدم سواء كان مخرقًا أو مستترًا، ولا دليل لمن قال: يغسل ما ظهر، ويمسح ما استتر.
الدليل الثاني:
أن الأصل وجوب غسل الرجلين، قال تعالى: (فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ) [المائدة: ٦].
فكان مطلق الآية يوجب غسل الرجلين إلا ما قام دليله من المسح على خفين صحيحين.
• وأجيب:
بل الإذن مطلق لكل ما يسمى خفًا، فأين الدليل على كون الخفين سالمين من الخرق، فهذا هو موضع النزاع، فلو كان الدليل يدل على اشتراط كون الخفين صحيحين لم نختلف معكم، ولكن لا يوجد دليل يدل على اشتراط ذلك، والله أعلم.
الدليل الثالث:
قالوا: إذا انكشفت إحدى الرجلين لم يجز المسح على الأخرى، فكذلك إذا انكشف بعض القدم لم يجز المسح على الباقي من باب أولى؛ لأنه إذا كان انكشاف
стр. 1425
إحدى الرجلين يؤثر على الأخرى، وهي منفصلة عنها، فكونه يؤثر في الرجل نفسها المتصلة ببعض من باب أولى.
• وأجيب:
ليست العلة هي انكشاف القدم، ولكن العلة هي النهي عن المشي في نعل واحدة، ومثله الخف، فإن كان ترك إحدى القدمين لعلة، فلا مانع من المسح على الأخرى، وسوف يأتي بحث هذه المسألة إن شاء الله تعالى.
• أدلة القائلين بجواز المسح على الخف المخرق:
الدليل الأول:
أن النبي ﷺ مسح على الخفين، وأذن بالمسح، وإذنه ﷺ عام أو مطلق والعام والمطلق على عمومه وإطلاقه فكلما وقع عليه اسم خف، فالمسح عليه جائز على ظاهر الأخبار، ولا يخصص العام ولا يقيد المطلق إلا بدليل؛ لأن تقييد ما أطلقه الله ورسوله ﷺ كإطلاق ما قيده الله ورسوله ﷺ سواء بسواء.
الدليل الثاني:
اشتراط كون الخف سليمًا من الخروق هذا الشرط هل هو في كتاب الله، أو في سنة رسول الله ﷺ ، أو من عمل الصحابة رضوان الله عليهم، فإن لم يكن، فكل شرط ليس في كتاب الله أي في حكم الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط.
الدليل الثالث:
معظم الصحابة فقراء، وخفافهم لا تخلو من فتوق أو خروق، ولو كان الفتق والخرق مؤثرًا لوجب على النبي ﷺ أن يبينه لهم؛ لأن الأمر متعلق بالصلاة التي هي أعظم أركان الإسلام العملية، فلما لم يبينه لهم علم أن الفتق والخرق لا يمنع من المسح. وهذا من أوضح الأدلة.
стр. 1426
الدليل الرابع:
فعل الصحابة ﵃، قال ابن تيمية: «أصحاب النبي ﷺ الذين بلغوا سنته، وعملوا بها، لم ينقل عن أحد منهم تقييد الخف بشيء من القيود، بل أطلقوا المسح على الخفين، مع علمهم بالخفاف وأحوالها، فعلم أنهم كانوا قد فهموا عن نبيهم ﷺ جواز المسح على الخفين مطلقًا» (١).
وروى عبد الرزاق في المصنف، قال: قال الثوري: امسح عليها ما تعلقت به رجلك، وهل كانت خفاف المهاجرين والأنصار إلا مخرقة مشققة، مرقعة (٢).
الدليل الخامس:
اشتراط كون الخفاف سليمة من الخروق ينافي المقصود من الرخصة، فإن المقصود من المسح على الخفين التيسير على المكلفين، ولهذا اكتفى الشرع بمسح ظاهره، بينما في غسله يجب غسل جميع القدم.
قال ﷺ في الحديث المتفق عليه: ويل للأعقاب من النار.
فلو قلنا: لا يجوز المسح إلا على الخف السليم بطل المقصود من الرخصة، لا سيما والذين يحتاجون إلى ذلك هم الأكثر، وهم المحتاجون، وهم أحق بالرخصة من غير المحتاجين، فإن سبب الرخصة هو الحاجة، ولهذا قال ﷺ لما سئل عن الصلاة في الثوب الواحد؟ قال: (أو لكلكم ثوبان) فبين أن منكم من لا يجد إلا ثوبًا واحدًا فلو أوجب الثوبين لما أمكن هؤلاء أداء الواجب (٣).
الدليل السادس:
تناقض قول من يشترط أن يكون الخف ساترًا لما يجب غسله خاليًا من الخروق
стр. 1427
يدل على ضعف الشرط، فبعضهم يقول: لا يجوز، ولو كان الخرق بمقدار رأس المخراز، وبعضهم يمنع ظهور ثلاثة أصابع، ولا يمنع ما دونها، وبعضهم يحده بالثلث، وبعضهم يوجب غسل ما ظهر، ومسح الباقي، فهذا الاختلاف دليل على أن الأمر ليس من عند الله، (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) [النساء: ٨٢] فالتحديد بمقدار معين لابد فيه من توقيف شرعي، فإنه لا يبدو فرق بين الأصبعين والثلاثة، ولا ما بين الثلث وما دون الثلث بقليل.
الدليل السابع:
إذا كان المسح على الخفين إنما شرع لمشقة نزعهما، فلا فرق في ذلك بين الخف الذي فيه خرق، وبين الخف الذي لا خرق فيه، فالمشقة موجودة فيهما.
الدليل الثامن:
قالوا: إذا كان لبس الخف المخرق محرمًا على المُحْرِم، ويسمى خفًّا، فلما لم يخرجه خرقه عن مسمى الخف لم يمنع من المسح عليه لبقاء اسم الخف عليه.
• دليل القائلين بالتفريق بين اليسير والكثير:
لا يخلو أي خف من فتوق وخروق، حتى ولو كان جديدًا فأثار الزرور والأشافي خرق فيه (١)، ولهذا يدخله التراب، فجعلنا القليل عفوًا لهذا. فأما إذا كان الخرق كبيرًا فلا يجوز المسح عليه، وقدرنا القليل بما دون ثلاثة أصابع؛ لأنه إذا ظهر ثلاثة أصابع ظهر أكثر الأصابع، وللأكثر حكم الكل (٢).
والدليل على أن القليل معفو عنه أن جماهير أهل العلم كانوا يعفون عن ظهور يسير العورة، وعن يسير النجاسة التي يشق الاحتراز منها، فالخرق اليسير في الخف من باب أولى.
стр. 1428
قال ابن تيمية: «كان أحدهم -يعني الصحابة- يصلي في الثوب الضيق، حتى إنهم كانوا إذا سجدوا تقلص الثوب فظهر بعض العورة، وكان النساء نهين عن أن يرفعن رؤوسهن حتى يرفع الرجال رؤوسهم، لئلا يرين عورات الرجال من ضيق الأزر، مع أن ستر العورة واجب في الصلاة وخارج الصلاة بخلاف ستر الرجلين في الخف» (١).
وأما دليل المالكية بتقدير القليل بما دون الثلث، واعتبار الثلث فما فوق من الكثير، فلعلهم يستدلون بما جاء في حديث سعد بن أبي وقاص في الصحيحين،
(٥٥٩ - ٥٦) فقد روى البخاري من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عامر بن سعد ابن أبي وقاص،
عن أبيه رضي الله تعالى عنه، قال: كان رسول الله ﷺ يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي، فقلت: إني قد بلغ بي من الوجع، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا. فقلت: بالشطر؟ فقال: لا، ثم قال: الثلث، والثلث كبير، أو كثير (٢). الحديث.
فسمى الثلث بأنه كثير، فعموم هذا اللفظ يدل على أن الثلث في كل شيء كثير.
• الراجح من هذه الأقوال:
الراجح القول بجواز المسح على الخف المخرق مطلقًا، سواء كان الخرق يسيرًا أو كبيرًا ما دام أنه يسمى خفًا.
وقد يكون الخف ليس فيه خرق، ولكنه يصف البشرة، بكونه غير صفيق، فالمالكية يمنعون المسح عليه، ويفهم ذلك من اشتراط التجليد عندهم (٣).
стр. 1429
والحنابلة لا يجيزون المسح على ما يبدو منه القدم، سواء كان ذلك لخرق فيه، أو كان واسعًا يرى منه الكعب، أو كان الجورب خفيفًا يصف القدم، كل ذلك عندهم مانع من المسح (١).
وأجاز الشافعية المسح على الخف الشفاف.
قال النووي: «إذا لبس خف زجاج يمكن متابعة المشي عليه، جاز المسح عليه، وإن كانت ترى تحته البشرة، بخلاف ما لو ستر عورته بزجاج، فإنه لا يصح إذا وصف لون البشرة؛ لأن المقصود سترها عن الأعين، ولم يحصل، والمعتبر في الخف عسر القدرة على غسل الرجل بسبب الساتر، وذلك موجود، ثم قال: ولا نعلم أحدًا صرح بمنعه، وقد نقل القاضي حسين جوازه عن الأصحاب مطلقًا» (٢).
ومن هذا نفهم أن الذي منع المسح من الجورب إذا كانت تصف البشرة لا دليل معه على المنع، فأين الدليل على اشتراط كونها صفيقة.
وإذا جوزنا المسح على الخف المخرق جوزنا المسح على غيره، سواء كان الخف واسعًا يرى منه الكعب، أو كان الجورب خفيفًا يصف القدم، والله أعلم.
* * *
стр. 1430
الشرط الرابع
في اشتراط ثبوت الخف بنفسه على القدم
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• شروط العبادة متلقاة من الشارع، ومبناها على التوقيف.
• شروط العبادة صفات فيها، وصفات العبادة كالعبادة لا تثبت إلا بدليل.
• القول في شروط العبادة كالقول في العبادة نفسها الأصل فيهما المنع والحضر إلا بدليل.
• أكثر شروط المسح على الخفين هي من صنع الفقهاء لا دليل عليها.
[م-٢٣٣] اختلف الفقهاء في اشتراط أن يثبت القدم بنفسه على الخف،
فقيل: لا يمسح ما يسقط من القدم، وهو مذهب الحنفية (١)، وقول في مذهب المالكية (٢)، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية (٣).
стр. 1431
وإذا كان الخف لا يثبت في القدم إلا بشده لم يجز المسح عليه عند الحنفية (١)، والحنابلة (٢).
وقيل: يجوز المسح على الجوربين وإن لم يثبتا بأنفسهما بل بنعلين، وهو رواية في مذهب أحمد (٣).
وقيل: لا يشترط، اختاره بعض المالكية (٤)، ووجه عند الشافعية (٥)، ورجحه ابن تيمية (٦).
• دليل من قال: لا يجوز المسح عليه:
أولًا: أن ما يسقط من القدم لا فائدة من لبسه؛ لأنه إذا مشى عليه سقط الخف.
ثانيًا: أن ما يسقط من القدم لا يمكن متابعة المشي عليه.
ثالثًا: أن هذا خف غير معتاد، فلا يشمله النص.
стр. 1432
رابعًا: أن ما يسقط من القدم لا يشق نزعه، فيمكن إخراج القدم بسهولة، ثم غسلها وردها.
• دليل من قال بجواز المسح:
أولًا: أن الإذن بالمسح على الخفاف وما في معناها مطلق غير مقيد، فأين الدليل على اشتراط ما ذكرتم، وما ورد مطلقًا لا يجوز تقييده إلا بدليل.
ثانيًا: أن هذا الخف الواسع صالح بنفسه، بدليل أنه لو لبسه رجل، وكانت قدمه كبيرة بحيث لا تسقط جاز المسح عليه اتفاقًا، فإذا كان صالحًا في نفسه فلا يمنع من المسح عليه.
ثالثًا: أن هذا الخف الواسع قد يلبسه من لا يحتاج إلى المشي، كالمريض المقعد والزمن، فمنعه من المسح عليه منع بلا دليل.
قال ابن تيمية: «قد اشترط ذلك -يعني: ثبوت الخف بنفسه- الشافعي، ومن وافقه من أصحاب أحمد، فلو لم يثبت إلا بشده بشيء يسير، أو خيط متصل به، أو منفصل عنه، ونحو ذلك لم يمسح عليه، وإن ثبت بنفسه لكن لا يستر جميع المحل إلا بالشد، ففيه وجهان:
أصحهما أنه يمسح عليه، وهذا الشرط لا أصل له في كلام أحمد، بل المنصوص عنه في غير موضع أنه يجوز المسح على الجوربين ما لم يخلع النعلين، فإذا كان أحمد لا يشترط في الجوربين أن يثبتا بأنفسهما، بل إذا ثبتا بالنعلين جاز المسح عليهما، فغيرهما بطريق الأولى، وهنا قد ثبتا بالنعلين، وهما منفصلان عن الجوربين، فإذا ثبت الجوربان بشدهما بخيوطهما كان المسح عليهما أولى بالجواز» (١).
* * *
стр. 1433
الشرط الخامس
في اشتراط إمكان متابعة المشي على الخف (١)
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• شروط العبادة متلقاة من الشارع، ومبناها على التوقيف.
• شروط العبادة صفات فيها، وصفات العبادة كالعبادة لا تثبت إلا بدليل.
• الأصل في شروط العبادة كالأصل في العبادة نفسها المنع والحضر إلا بدليل.
• أكثر شروط المسح على الخفين هي من استحسان الفقهاء لا دليل عليها.
стр. 1434
[م-٢٣٤] يشترط في الخف حتى يمسح عليه أن يمكن متابعة المشي عليه، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، الحنابلة (٤).
وقيل: إن ذلك ليس بشرط، وهو وجه في مذهب الشافعية (٥).
واختلف القائلون بهذا الشرط، هل يقدر إمكان المشي فيه بمسافة معينة أم لا؟
فذهبت الحنفية إلى تقديره بفرسخ، فأكثر (٦).
وقالت المالكية: أن يمكن المشي فيه عادة (٧).
وقيل: بقدر ما يحتاج إليه المسافر في حوائجه عند الحط والترحال، وهو مذهب الشافعية (٨).
стр. 1435
وقيل: يمكن متابعة المشي عليه عرفًا، وهو مذهب الحنابلة (١).
• دليل من قال بهذا الشرط:
قالوا: إن الذي تدعو الحاجة إلى مسحه هو الخف الذي يمكن متابعة المشي عليه، فإن كان يسقط من القدم لسعته، فلا يشق نزعه، فيجب غسل القدم.
ثانيًا: أن الرخصة وردت في الخف المعتاد، وهو ما يمكن المشي فيه، وما لا يمكن المشي فيه فلا يدخل في الرخصة.
• الراجح:
أن ذلك ليس بشرط، وأن الذي لا يمكن المشي فيه إن كان لضيقه، فإن كان لا يضره، وكان لا يحتاج للمشي كما لو كان راكبًا، أو مقعدًا فما المانع من المسح عليه، فهو لا يحتاج إلى المشي حتى نشترط إمكان متابعة المشي عليه، والمسح على الخفاف والجوارب ورد مطلقًا غير مقيد بشيء، فمن وضع قيدًا طلب منه الدليل.
وإن كان الخف ضيقًا يضره حرم لبسه فضلًا عن المسح عليه.
قال العدوي من المالكية: «أما انتفاء ضيقه، فليس بشرط فمتى أمكن لبسه مسح، وإلا فلا» (٢).
وإن كان لا يمكن متابعة المشي عليه لسعته بحيث إذا مشى خرجت قدمه، كما
стр. 1436
لو كان الخف كبيرًا، وقدمه صغيرة، فإن شده على ساقه بحيث يمكنه المشي عليه، رجعت هذه المسألة إلى المسألة السابقة، وهو اشتراط كونه يثبت بنفسه، وقد بينت الراجح في هذه المسألة، وأنه لا يشترط أن يثبت بنفسه.
قال في التاج والإكليل: «ولا بأس بالمسح على الخفين الواسعين، فإن خرجت رجله من مقدم الخف إلى ساقه بطل مسحه، ووجب عليه غسل رجله، وإن خرج عقبه من مقدمه إلى ساقه فلا شيء عليه إلا أن يخرج جل رجله» (١).
وإن كان لا يمكن متابعة المشي عليه لثقله، كخف الحديد الثقيل، فذكر النووي وجهين:
الأول: المنع، وهو الذي قطع به الجمهور.
والثاني: الجواز، واختاره إمام الحرمين والغزالي، قالا: لأن عدم إمكان المشي فيه لضعف اللابس، لا الملبوس، ولا نظر إلى أحوال اللابسين (٢).
ومع أن النووي ضعفه إلا أنه هو المختار فيما أرى؛ لأن من منع شيئًا فعليه الدليل، والخف ورد الإذن فيه مطلقًا، ولا تقييد لما أطلقه الله إلا بنص أو إجماع، والله أعلم.
* * *
стр. 1437
الشرط السادس
في اشتراط أن يكون الخف من الجلد
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• شروط العبادة متلقاة من الشارع، ومبناها على التوقيف.
• شروط العبادة صفات فيها، وصفات العبادة كالعبادة لا تثبت إلا بدليل.
• أكثر شروط المسح على الخفين هي من استحسان الفقهاء لا دليل عليها.
• كل لباس طاهر مختص بالقدم، ولو ظهر منه بعض القدم يجوز المسح عليه، سواء كان من جلد أو صوف، أو قطن، أو كتان أو غيرها.
• خفاف الصحابة كانت من الجلود، فهل تعلق الحكم بالمسمى، فما لا يكون من جلد لا يجوز المسح عليه، أو تعلق المسح بالمعنى، فكل حائل على القدم فهو في معنى الجلد، فيمسح عليه؟ الصحيح الثاني.
[م-٢٣٥] اختلف الفقهاء في اشتراط أن يكون الخف من جلد:
فقيل: لا يشترط، وهو مذهب الجمهور من الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣).
стр. 1438
وقيل: يشترط، وهو مذهب المالكية (١).
• دليل الجمهور:
أولًا: اشتراط كون الخفاف من جلود لا دليل عليه من كتاب أو سنة أو إجماع.
ثانيًا: المسح على الخفين ورد مطلقًا، فكل ما كان يسمى خفًا جاز المسح عليه.
ثالثًا: التفريق بين الخف الذي من جلود، والخف الذي من غيره تفريق بين متماثلين، قال ابن تيمية: «ولا فرق بين أن يكون جلودًا أو قطنًا أو كتانًا أو صوفًا، كما لم يفرق بين سواد اللباس في الإحرام وبياضه، وغايته أن الجلد أبقى من الصوف، وهذا لا تأثير له، كما لا تأثير لكون الجلد قويًا، بل يجوز المسح على ما يبقى وما لا يبقى ... » (٢). إلخ كلامه.
رابعًا: سبب إباحة المسح على الخفين هو الحاجة إلى المسح لدفع برد ونحوه، ومشقة النزع، وهي موجودة في الخف الذي من جلد، كما هي موجودة في غيره من الخفاف.
قال ابن تيمية: «ومعلوم أن الحاجة إلى المسح على هذا كالحاجة إلى المسح على هذا سواء بسواء، ومع التساوي في الحكمة والحاجة يكون التفريق بينهما تفريقًا بين متماثلين، وهذا خلاف العدل والاعتبار الصحيح الذي جاء به الكتاب والسنة، وما أنزل الله به كتبه، وأرسل به رسله» (٣).
• دليل المالكية على اشتراط الجلد:
قالوا: إن الرخصة وردت في الخفاف المعهودة، وكانت خفافهم من الجلود، فيقتصر المسح عليها.
стр. 1439
والصحيح الأول، ولو كان الحكم يتعلق بالاسم لما مسح رسول الله ﷺ على الجوربين؛ فإنهما لا يسميان خفًا، ومع ذلك ثبت المسح عليهما، بل وعلى النعلين.
* * *
стр. 1440
الشرط السابع
في اشتراط كون الخف يمنع وصول الماء إلى القدم
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• شروط العبادة متلقاة من الشارع، وهي مبنية على التوقيف.
• الأصل في شروط العبادة كالأصل في العبادة نفسها المنع والحضر إلا بدليل.
• أكثر شروط المسح على الخفين هي من صنع الفقهاء لا دليل عليها.
• كل لباس طاهر مختص بالقدم، ولو ظهر كثير من القدم يجوز المسح عليه بشرطه، سواء منع وصول الماء إلى القدم أو لم يمنع.
[م-٢٣٦] اختلف الفقهاء هل يشترط في الخف أن يمنع وصول الماء إلى القدم:
فقيل: يشترط، اختاره بعض الحنفية (١)، وهو ظاهر المذهب عند الشافعية (٢).