الماء، فنكره التطهر به خروجًا من الخلاف.
وقد سبق لك مناقشة كراهة الشيء مراعاة للخلاف، وأنه قول ضعيف جدًّا، وليس الخلاف من أدلة الشرع المتفق عليها، ولا المختلف فيها، والخلاف إن كان له حظ من النظر بحيث تكون له أدلة معتبرة فحينئذ يكون له اعتبار من أجل الأدلة الثابتة، وإن لم يكن له أدلة معتبرة، فلا حظ له ولا اعتبار، ومع ذلك فليس التعليل بالخلاف حجة شرعية، وإنما العبرة بالدليل الشرعي.
* * *
стр. 177
الفصل الرابع الماء المستعمل في التبرد والنظافة
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• المستعمل في طهارة واجبة كالمستعمل في طهارة مستحبة أو للتبرد؛ لأن الوجوب والاستحباب يتعلق بالمكلف، وانتقال الماء عن الطهورية خطاب وضعي، ولا ارتباط بينهما.
• كل استعمال للماء لا يسلبه الطهارة لا يسلبه الطهورية على الصحيح.
وقيل:
• علة سلب الماء المستعمل الطهورية، هل هي أداء العبادة، فيدخل فيها التجديد والمسنون، أو أداء الفرض، وزوال المانع فيختص برفع الحدث؟
[م-٢١] إذا استعمل الماء للتبرد، فهل يكون مستعملًا أم يبقى طهورًا، اختلف العلماء في ذلك،
فقيل: إن كان محدثًا صار الماء مستعملًا في مذهب أبي حنيفة، لوجود إزالة الحدث؛ لأن الحدث عنده يرتفع، ولو لم ينو، وإن كان استعمله للتبرد، وهو متوضئ، فهو طهور (١).
وقيل: الماء طهور بلا كراهة، وهذا مذهب المالكية، والشافعية والحنابلة (٢).
стр. 178
وهذا هو الراجح؛ فإذا كنا رجحنا أن الماء المستعمل في رفع الحدث أنه طهور غير مكروه، فمن باب أولى أن يكون الماء المستعمل للتبرد طهورًا غير مكروه، وغاية ما فيه ماء طهور لاقى بدنًا طاهرًا فلم يخرجه عن حكمه، ومن ادعى خروجه عن حد الطهورية فليس معه دليل، والماء نوعان لا ثالث لهما: نجس، وهو ما تغير أحد أوصافه الثلاثة من لونه أو طعمه أو ريحه بنجاسة وقعت فيه.
وطهور: وهو خلاف الماء النجس، وهو الماء الباقي على خلقته حقيقة أو حكمًا، ولا يوجد قسم ثالث لهما، وقد ناقشنا أدلة من قسم الماء إلى ثلاثة أقسام، مثبتًا القسم الطاهر، فإذا لم يثبت قسم الماء الطاهر، لم تثبت كل مسألة حكم فيها الفقهاء بأن الماء طاهر غير طهور، ومنها مسألتنا هذه، والله أعلم.
* * *
стр. 179
الفصل الخامس الماء المستعمل في غمس يد القائم من النوم
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• اليقين لا يزول بالشك.
• الأصل في الماء واليد الطهارة.
• هل النهي يقتضي الفساد؟
• سلب الطهورية من الماء بغمس يد النائم خطاب وضعي، والنهي عن غمس اليد خطاب تكليفي ولا ارتباط بينهما (١).
ويبنى عليه: لا فرق بين يد الصبي والبالغ، ويد الكافر والمسلم.
• سلب الطهورية عن الماء لا يكون إلا بتغير صفات الماء أو أكثرها.
• الأحكام إنما تناط بالحقائق الظاهرة، لا بالأشياء الخفية على الصحيح.
• ما قيد غسله من الطاهرات بعدد فإن علته تعبدية غير معقولة المعنى.
وقيل:
• النجاسة المتحققة يكفي فيها غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة، فالمتوهمة من باب أولى.
[م-٢٢] اختلف العلماء في الماء إذا غمس فيه يد قائم من نوم الليل،
стр. 180
فقيل: الماء طهور، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد، ومذهب الظاهرية (١).
قال ابن تيمية: وهو قول أكثر الفقهاء (٢)، ورجحه ابن القيم (٣).
وقيل: ينجس إن كان الماء قليلًا، وهو مذهب الحسن البصري، وإسحاق بن راهوية، ومحمد بن جرير الطبري، وهو رواية عن أحمد (٤).
وقيل: الماء طاهر غير مطهر، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، وهو من المفرادت (٥).
• دليل الجمهور على أن الماء طهور:
الدليل الأول:
الأمر بغسل اليد على وجه الاستحباب؛ لأن طهارة اليد متيقنة، ونجاستها مشكوك فيها؛ لقوله ﷺ : فإنه لا يدري أين باتت يده. والشك لا يقضي على اليقين.
الدليل الثاني:
وكون الرسول ﷺ أرشد إلى غسل اليد ثلاث مرات قبل غمسها في الإناء قرينة على أن الغسل ليس بواجب إذ لو كان واجبًا لكفى فيها غسلة واحدة قياسًا على دم الحيض، وإذا كان الغسل ليس واجبًا لم يكن غمسها مؤثرًا في الماء، فيبقى الماء على طهوريته حتى يأتي دليل صحيح صريح ينقله عن الطهورية.
وسوف نناقش علة النهي عن غمس اليد في مبحث مستقل إن شاء الله تعالى.
• دليل من قال إن الماء ينجس:
لا أعلم لهم دليلًا على نجاسة الماء، ولذلك قال النووي عن القول بالنجاسة: وهو ضعيف جدًّا؛ فإن الأصل في اليد والماء الطهارة، فلا ينجس بالشك، وقواعد الشريعة متظاهرة على هذا.
وقال ابن القيم: «القول بنجاسته من أشذ الشاذ» (١).
• دليل الحنابلة على أن الماء طاهر:
(٤٨) ما رواه مسلم، قال: حدثنا نصر بن علي الجهضمي وحامد بن عمر
стр. 183
البكراوي قالا: حدثنا بشر بن المفضل، عن خالد، عن عبد الله بن شقيق، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا؛ فإنه لا يدري أين باتت يده (١).
وجه الاستدلال:
قالوا: إن الحديث نهى عن غمس اليد في الإناء قبل غسلها، ولولا أن غمسها يؤثر في الماء لم ينه عنه، ولم نقل بنجاسة الماء؛ لأن اليد معلوم طهارتها، وليست نجسة، فهي يد طاهرة قابلت ماء طهورًا، ولم نقل: إن الماء طهور، لكون الرسول ﷺ نهى عن غمسها حتى تغسل ثلاثًا، فلولا أنه يفيد منعًا لم ينه عنه، فدل على أن الماء يكون طاهرًا غير مطهر.
• ونوقش من وجهين:
الوجه الأول:
بأن الحديث لم يتعرض لحكم الماء، والأصل أنه طهور حتى يأتي دليل صحيح على منع التطهر به، ولا دليل.
الوجه الثاني:
لا يوجد دليل على وجود قسم من الماء طاهر غير مطهر، فكل ماء طاهر باق على خلقته، فهو طهور، ولا ينتقل عنه إلا أن يتغير بنجس، أو يتغير بطاهر يغلب على الماء حتى لا يكون ماء مطلقًا كالشاي والمرق.
* * *
стр. 184
الفرع الأول حكم غسل اليد قبل إدخالها الإناء
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• الأصل في الأمر الوجوب، وفي النهي التحريم إلا لقرينة.
ومن القرائن:
• كل غسل لا يوجبه حدث ولا نجس لا يكون واجبًا كسائر الأغسال.
• الشك لا يقتضي وجوبًا في الحكم، خاصة إذا كان الأصل مستصحبًا، وهو طهارة اليد.
• النوم إن كان حدثًا فهو بمنزلة البول، أو كان مظنة للحدث فهو بمنزلة لمس الفرج، وهما لا يوجبان غسل اليد قبل إدخالها الإناء، فكذلك القيام من النوم.
• إيجاب الغسل بعلة مبيت الشيطان على يده لا يصح؛ لأنه لا ذكر للشيطان في الحديث، ولا يتأتى القياس على الخيشوم لكون مثل هذا يحتاج إلى توقيف، والخيشوم طريق إلى قلب الآدمي وجوفه بخلاف اليد، فإنها عضو خارجي كسائر الأعضاء، وعلى التسليم بصحة القياس فإن الاستنثار ثلاثًا بعد القيام من الليل ليس بواجب، فكذلك هنا.
[م-٢٣] اختلف الفقهاء في حكم غسل يد الرجل إذا قام من نومه قبل إدخالها الإناء:
стр. 185
فقيل: سنة، وهو مذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد (١).
وقيل: غسلها ثلاثًا واجب، وإليه ذهب أحمد في الرواية المشهورة عنه (٢)، وإسحاق، وداود الظاهري، وابن حزم (٣)، والحسن البصري (٤).
• دليل الجمهور على كون الغسل سنة:
الدليل الأول:
قوله تعالى: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) [المائدة: ٦].
الدليل الثاني:
(٤٩) ما رواه مسلم، من طريق شعبة، عن جامع بن شداد، عن حمران بن أبان،
أن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله ﷺ : من أتم الوضوء كما أمره الله تعالى، فالصلوات المكتوبات كفارات لما بينهن (٥).
وجه الاستدلال من الآية والحديث:
أن آية المائدة وحديث عثمان: (من أتم الوضوء كما أمره الله) لم يقدم فيهما على الوجه فرضًا، فلو كان غسل اليد فرضًا لقدم ذكره، والله أعلم.
стр. 186
• وأجيب:
لا خلاف في أن غسل اليدين للوضوء من سنن الوضوء، ولكن غسلها لمن قام من الليل لا يتعلق بالوضوء فقط، وإنما هو لمن أراد غمسها في الإناء سواء كان لوضوء أم لغيره.
• ورد هذا الجواب:
إذا كان غسل اليدين في الطهارة الصغرى والكبرى ليست واجبة، فغسلها للنظافة أبعد عن الوجوب؛ لأن غسل اليد لا يخرج عن ثلاثة أمور، إما عن حدث، كما في غسل اليد بعد غسل الوجه، وهذا من فروض الوضوء، وإما عن نجاسة، فهذا يجب غسلها مرة واحدة تذهب بعين النجاسة، وإما للنظافة، فلا يتعلق بها وجوب، والأصل في تنظيف اليد الإباحة إلا أن يغلب عليها جانب التعبد كالعدد في النظافة فهذا يلحقها بالمستحبات.
الدليل الثاني:
طهارة اليد متيقنة، ونجاسة اليد مشكوك فيها لقوله ﷺ : (فإنه لا يدرى أين باتت يده)، فالوجوب يتعلق بالعلم وليس بالشك، وقد كانت اليد طاهرة قبل النوم فيستصحب ذلك، لأن الشك بمجرده لا يقضي على اليقين، فدل ذلك على أن النهي عن غمسها ليس للتحريم، وأن غسلها مستحب وليس بواجب.
قال ابن دقيق العيد: «الأمر -وإن كان ظاهره الوجوب- إلا أنه يصرف عن الظاهر لقرينة ودليل، وقد دل الدليل، وقامت القرينة ههنا؛ فإنه ﷺ علل بأمر يقتضي الشك، وهو قوله: (فإنه لا يدري أين باتت يده)، والقواعد تقتضي أن الشك لا يقتضي وجوبًا في الحكم، إذا كان الأصل المستصحب على خلافه موجودًا. والأصل: الطهارة في اليد، فلتستصحب» (١).
стр. 187
• ويجاب:
أن هذا توجيه يصح لو كانت العلة في النهي عن غمس اليد هي نجاسة اليد، أما من يرى أن العلة تعبدية، أو أن العلة كما ذكر ابن تيمية وابن القيم: هي مبيت الشيطان على يده أو مبيتها عليه فلا يصح هذا الاستدلال. ولو كانت العلة في الغسل النجاسة، لأرشد الرسول ﷺ إلى غسلها مرة واحدة، ألا ترى إلى دم الحيض يصيب الثوب، أرشد الرسول ﷺ إلى غسله مرة واحدة غسله تذهب بعين النجاسة مع أن نجاسته متيقنة، فكيف بالنجاسة المتوهمة.
وسوف نناقش العلة من غسل اليد قبل إدخالها في الإناء في مسألة مستقلة إن شاء الله تعالى، والقول بأن غسلها من أجل مبيت الشيطان عليها قياسًا على مبيته على الخيشوم قول ضعيف؛ حيث لم يذكر الشيطان مطلقًا في غسل اليد، ومثل ذلك لا يقال بالرأي، ولا بالقياس، والله أعلم.
الدليل الثالث:
لما أرشد الرسول ﷺ إلى غسل اليد ثلاث مرات قبل غمسها في الإناء علم أنه ليس بواجب إذ لو كان واجبًا لكفى فيها غسلة واحدة. قياسًا على دم الحيض.
• وأجيب:
بأن الذين قالوا بالوجوب لم يعللوا غسلها بالنجاسة، على أن العدد قد ورد حتى في إزالة النجاسة كالاستجمار والتسبيع في ولوغ الكلب.
• ويجاب:
بأن العدد لم يقتضيه القياس، وإنما النص، فهو لم يرد إلا في غسل نجاسة الكلب، ونجاسة الكلب مستثناة من بين سائر النجاسات، في وجوب التسبيع والتتريب ولو أنقت الغسلة الأولى، ولهذا لم يجب العدد في غسل نجاسة دم الحيض، وأما التثليث في الاستجمار فلأن الحجر ليس كالماء في قوة التطهير لكونه لا ينقي غالبًا فكان اشترط
стр. 188
العدد للعفو عن يسير النجاسة المتبقية على المحل، وليس ذلك واجبًا في الاستنجاء بالماء.
الدليل الرابع:
(٥٠) ما رواه مسلم من طريق عبدالعزيز -يعني: الدراوردي- عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن عيسى بن طلحة،
عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: إذا استيقظ أحدكم من منامه، فليستنثر ثلاث مرات؛ فإن الشيطان يبيت على خياشيمه، ورواه البخاري (١).
وجه الاستدلال:
إذا كان الاستنثار سنة بالإجماع بعد القيام من النوم، فكذلك غسل اليدين بعد القيام من النوم، وقبل غمسهما في الإناء ليس بواجب.
• دليل الحنابلة على الوجوب:
(٥١) ما رواه مسلم من طريق خالد، عن عبد الله بن شقيق،
عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا؛ فإنه لا يدري أين باتت يده. وهو في البخاري دون قوله: ثلاثًا (٢).
وجه الاستدلال:
أن الحديث نهى عن غمس اليد بعد الاستيقاظ إلا بعد غسلها ثلاثًا، والأصل في النهي التحريم إلا لصارف، ولا صارف هنا.
• ونوقش هذا:
بأن هناك صارفًا عن الوجوب، بل أكثر من صارف، وهما:
стр. 189
الأول: أن الأمر معلل بكونه لا يدري، الوجوب إنما يتعلق بالعلم وليس بالشك، وقد تقدم التنبيه على هذا.
الثاني: أن اليد طاهرة، وغسلها لم يشرع من أجل حدث أو خبث، والتثليث في غسل اليد مشعر بغلبة التعبد؛ إذ لو كان عن نجاسة لكفى فيها غسلة واحدة، وغسل الطاهر في غير الحدث لا يلحق بالواجبات وإنما بالمستحبات.
• الراجح:
أن غسل اليد سنة، وليس بواجب، والله أعلم.
* * *
стр. 190
الفرع الثاني في التماس العلة في غسل اليد قبل إدخالها الإناء
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• غسل اليد قبل إدخالها الإناء، هل هو تعبدي للتفريق بين نوم الليل ونوم النهار، وهو غير معقول المعنى، ولغسلها ثلاثًا، والنجاسات يكفي فيها غسلة واحدة تذهب بعينها؟
أو أن الحكم معقول المعنى لظاهر التعليل بقوله: فإنه لا يدري أين باتت يده؟
• التعليل بأن الغسل لمبيت الشيطان على يده لا يصح؛ لأنه لا ذكر للشيطان في الحديث، ولا يتأتى القياس على الخيشوم لكون مثل هذا يحتاج إلى توقيف، والخيشوم طريق إلى قلب الآدمي وجوفه بخلاف اليد، فإنها عضو خارجي كسائر الأعضاء.
[م-٢٤] إذا تيقن المسلم طهارة اليد فهل يؤمر بغسلها؟
وللجواب على ذلك نقول: هذا يرجع إلى الخلاف في علة الأمر بغسلها، فإن كان غسلها لتوهم النجاسة لم يؤمر بغسلها إذا تيقن طهارتها، وإن كانت العلة غير النجاسة كان مأمورًا بغسلها، لهذا اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
فقيل: لا يسن غسلها، بل يغمسها بدون غسل، اختاره بعض الحنفية (١).
стр. 191
وقيل: يسن مطلقًا، وتقييده بالمستيقظ بالحديث لا ينافي غيره، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية (١).
وقيل: هو بالخيار، إن شاء غسل يده قبل غمسها، وإن شاء غمس يده، ولو لم يغسلها. وهذا مذهب الشافعية (٢).
وقيل: يجب غسلها حتى ولو كانت يده في جراب، أو كانت مكتوفة، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (٣).
• وسبب اختلافهم في هذه المسألة اختلافهم في علة الأمر بغسل اليد:
فقيل: إن العلة هي الشك في نجاسة اليد، حتى قيد بعض الحنفية حديث النهي عن غمس اليد في الإناء حتى يغسلها بما إذا نام مستنجيًا بالأحجار، أو متنجس البدن، لا إذا نام متيقنًا طهارتها، أو مستنجيًا بالماء (٤).
وذكر الشافعية أن أهل الحجاز كانوا يستعملون الأحجار في الاستجمار، وكانت البلاد حارة، فيعرقون، وربما طافت أيديهم في موضع النجاسة فتنجست (٥).
والصحيح: أن الحديث مطلق، وهو عام لمن استنجى بالماء أو بالأحجار، عليه سراويل أم لا، ولا يقيد النص إلا نص مثله، أو إجماع، أو قياس صحيح.
وقيل: إن العلة تعبدية، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، فيجب الامتثال دون النظر إلى سبب الوجوب.
وقيل: إن العلة مبيت الشيطان على يده، وهذا اختيار الشيخين ابن تيمية
стр. 192
وابن القيم رحمهما الله. قالا: هذه العلة نظير تعليل الشارع الاستنشاق بمبيت الشيطان على الخيشوم في قوله ﷺ : (إذا استيقظ أحدكم من نومه فليستنشق بمنخريه من الماء، فإن الشيطان يبيت على خيشومه) متفق عليه، وسبق تخريجه في المسألة التي قبل هذه. فأمر بالغسل معللًا بمبيت الشيطان على خيشومه، فعلم أن ذلك سبب الغسل، والحديث معروف. وقوله: (فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده) يمكن أن يراد به ذلك، فتكون هذه العلة من العلل المؤثرة التي شهد لها النص بالاعتبار، وأما ملابسته ليده خاصة؛ فلأنها أعم الجوارح كسبًا وتصرفًا ومباشرة لما يأمر به الشيطان من المعصية، فصاحبها كثير التصرف والعمل بها، ولهذا سميت جارحة؛ لأنه يجترح بها: أي يكسب، والله أعلم (١).
• ونوقش هذا:
بأن التعليل من أجل مبيت الشيطان على يده لا يصح؛ لأنه لا ذكر للشيطان في الحديث، وقوله: (باتت يده) الفعل أسند إلى اليد، ولم يسند إلى الشيطان، ولا يتأتى القياس على الخيشوم لكون مثل هذا يحتاج إلى توقيف، والخيشوم طريق إلى قلب الآدمي وجوفه بخلاف اليد، فإنها عضو خارجي كسائر الأعضاء، وعلى التنزل فإن الاستنشاق للقيام من النوم ليس بواجب، فإذا كان الأصل ليس واجبًا فإن الفرع أضعف من الأصل، والله أعلم.
* * *
стр. 193
الفرع الثالث في اختصاص الحكم في القيام من نوم الليل
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• غسل اليد قبل إدخالها الإناء، هل هو تعبدي للتفريق بين نوم الليل ونوم النهار عند بعضهم، وهو غير معقول المعنى، ولغسلها ثلاثًا، والنجاسات يكفي فيها غسلة واحدة تذهب بعينها؟
أو أن الحكم معقول المعنى لظاهر التعليل بقوله: فإنه لا يدري أين باتت يده؟
وقيل:
• التفريق بين نوم الليل والنهار خلاف الأصول (١).
• البيات والليل هل خصا بالذكر بالحديث للغلبة، باعتبار أن الحكم يناط بالنوم لا في وقته، أو هما وصفان مقصودان في الحكم؟
[م-٢٥] اختلف العلماء هل غسل اليد قبل إدخالها الإناء مختص بنوم الليل، أو يشمل كل نوم على ثلاثة أقوال:
стр. 194
فقيل: لا فرق بين نوم الليل، ونوم النهار، وهو مذهب الحنفية، والمالكية (١).
وقيل: الحكم ليس مخصوصًا بالقيام من النوم، بل المعتبر فيه الشك في نجاسة اليد، فمتى شك في نجاستها كره له غمسها في الإناء قبل غسلها، سواء قام من نوم الليل أو النهار، أو شك في نجاستها من غير نوم، وأما إذا تيقن طهارتها فوجهان: الأصح منهما، وهو والذي ذهب إليه الجماهير من أصحاب الشافعية أنه لا كراهة في غمس اليد، بل هو مخير إن شاء غمس، وإن شاء غسل قبل الغمس؛ لأن النبي ﷺ ذكر النوم، ونبه على العلة، وهى الشك، فإذا انتفت العلة انتفت الكراهة، وهذا مذهب الشافعية (٢).
وقيل: الحكم يتعلق بنوم الليل خاصة، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٣).
• وسبب الخلاف في هذه المسألة راجع إلى مسألة أخرى، وهي:
هل غسل اليد من القيام من النوم معلل أو تعبدي، وإذا كان معللًا كما هو ظاهر النص، فهل هو معلل بعلة خفية غيبية، أو علة ظاهرة، وقد سبق مناقشة العلة في المبحث السابق.
• دليل الجمهور على عدم التفريق بين نوم الليل والنهار:
الدليل الأول:
(٥٢) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إذا استيقظ أحدكم من نومه، فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه؛ فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده. ورواه مسلم (٤).
стр. 195
وجه الاستدلال:
قوله: (إذا استيقظ أحدكم من نومه) فكلمة (نومه) نكرة مضافة، فتعم، كقوله سبحانه: (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا) [النحل: ١٨] فيشمل نوم الليل ونوم النهار.
الدليل الثاني:
على فرض أن يكون الحديث في نوم الليل فيدخل فيه نوم النهار من باب القياس الجلي؛ إذ لا فرق، فإذا كان النائم يجب عليه أن يغسل يده قبل أن يدخلها الإناء لما ورد من ذلك في الحديث، فنوم النهار مثل نوم الليل في القياس، فجميع الأحكام المناطة بالنوم لم يفرق فيها بين نوم الليل وبين نوم النهار، كالحدث، ووضوء الجنب.
الدليل الثالث:
قوله في الحديث: (فإنه لا يدري) وهذه العلة موجودة في نوم النهار، فالنائم إذا نام لا يدري سواء كان نومه في الليل أم في النهار؛ لأن النوم يحجب العقل.
قال ابن حجر: لكن التعليل يقتضي إلحاق نوم النهار بنوم الليل، وإنما خص نوم الليل بالذكر للغلبة.
قال الرافعي في شرح المسند: يمكن أن يقال الكراهة في الغمس لمن نام ليلًا أشد منها لمن نام نهارًا؛ لأن الاحتمال في نوم الليل أقرب لطوله عادة (١).
بل ذهب الباجي في المنتقى إلى دخول المغمى عليه والمجنون في الحكم، فقال: تعليق هذا الحكم بنوم الليل لا يدل على اختصاصه به؛ لأن النائم إن كان لا يدري أين باتت يده فكذلك المجنون والمغمى عليه، وكذلك من قام إلى وضوء من بائل أو
стр. 196
متغوط أو محدث فإنه يستحب له غسل يده قبل أن يدخلها في إنائه خلافًا للشافعي؛ لأن المستيقظ لا يمكنه التحرز من مس رفغه ونتف إبطه وفتل ما يخرج من أنفه وقتل برغوث وعصر بثر وحك موضع عرق، وإذا كان هذا المعنى الذي شرع له غسل اليد موجودًا في المستيقظ لزمه ذلك الحكم، ولا يسقط عنه أن يكون علق في الشرع على النائم، ألا ترى أن الشرع علقه على نوم المبيت ولم يمنع ذلك من أن يتعدى إلى نوم النهار لما تساويا في علة الحكم (١).
• وأجيب:
بأن الحكم خص في المبيت، فلم يقل في الحديث: (فإنه لا يدري) وسكت، بل قال: لا يدري أين باتت يده، ولو كانت العلة احتمال نجاسة اليد لكان له وجه في إلحاق المغمى عليه، وسبق لي أن ذكرت الاختلاف في العلة، ولم يظهر لي أن العلة احتمال النجاسة، وإلا لكانت غسلة واحدة كافية إن شاء الله في حصول المقصود، بل إن الغسل ثلاثًا مشروع حتى للمستيقظ عند إرادة الوضوء، فذكر التثليث يلحقه بالتعبد المحض، وإذا كانت العلة تعبدية لم يكن للقياس معنى، لعدم تعدي العلة، والله أعلم.
ويرد على هذا:
بأن المبيت قيد أغلبي لا يدل على التخصيص، فأغلب نوم الناس إنما هو بالليل، كما ذكر الله في كتابه بأنه جعل الليل ليسكنوا فيه، وهو الذي يتوفاكم بالليل، ويعلم ما جرحتم بالنهار، وجعل الله النهار معاشًا، والله أعلم.
• دليل الحنابلة على اختصاصه بنوم الليل:
الدليل الأول:
قوله ﷺ : (فإنه لا يدري أين باتت يده) والبيتوتة لا تكون إلا بالليل، كقوله
стр. 197
تعالى: (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ) [الأعراف: ٩٧، ٩٨]، فخص البيات بالليل ثم ذكر النهار.
• وأجيب:
بقول ابن حزم: ادعى قوم أن هذا في نوم الليل خاصة لقوله ﷺ : (أين باتت يده)، وادعوا أن المبيت لا يكون إلا بالليل.
قال أبو محمد: وهذا خطأ، بل يقال: بات القوم يدبرون أمر كذا وإن كان نهارًا (١).
ورد هذا ابن عبد البر، فقال: أما المبيت فيشبه أن يكون ما قاله أحمد بن حنبل صحيحًا فيه؛ لأن الخليل قال في كتاب العين: البيتوتة دخولك في الليل، وكونك فيه بنوم وبغير نوم، قال ومن قال: بت بمعنى نمت، وفسره على النوم فقد أخطأ، قال: ألا ترى أنك تقول بت أراعي النجم، معناه: بت أنظر إلى النجم. قال: فلو كان نومًا كيف كان ينام وينظر، إنما هو ظللت أراعي النجم. قال: وتقول: أباتهم الله إباتة حسنة، وباتوا بيتوتة صالحة، وأباتهم الأمر بياتًا، كل ذلك دخول الليل، وليس من النوم في شيء (٢).
الدليل الثاني:
قوله ﷺ : (إذا استيقظ أحدكم من نومه) فإن النوم عند الإطلاق لا يراد به إلا نوم الليل (٣).
الدليل الثالث:
ولأن نوم الليل أطول من نوم النهار عادة، وعلقت به أحكام كثيرة منها الأذكار
стр. 198
الخاصة بالنوم على الصحيح، ومنها ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة: يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذ هو نام ثلاث عقد يضرب على مكان كل عقدة عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة فإن صلى انحلت عقدة، فأصبح نشيطًا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان (١).
فقوله: (وإلا أصبح) دليل على أن هذا في نوم الليل، والله أعلم.
الدليل الرابع [*]:
(٥٣) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي رزين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إذا قام أحدكم من الليل، فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات؛ فإنه لا يدري أين باتت يده (٢).
[الحديث صحيح، وذكر القيام من الليل ليس محفوظًا، فأكثر الرواة عن أبي هريرة على عدم ذكر الليل، وهي رواية الصحيحين] (٣).
• دليل من قال: الحكم يتعلق بالشك:
استدل الشافعية بأن الحكم يتعلق بالشك، لقوله ﷺ في الحديث: (فإنه لا يدري أين باتت يده) أما من تيقن طهارة يده فلا شيء عليه، فالرسول ﷺ ذكر النوم، ونبه على العلة، وهي الشك، فإذا انتفت العلة انتفت الكراهة (١).
• الراجح من أقوال أهل العلم:
بعد استعراض الخلاف الذي أميل له أن ذكر الليل غير محفوظ في الحديث، فمن حيث الإسناد أجد أن أكثرة الرواة لا يذكر قيد الليل في النوم، وفيهم من هو من أخص أصحاب أبي هريرة كابن سيرين وأبي هريرة، ومن ذكر القيام من نوم الليل قد اختلف عليه في ذكرها، وقد أعرض الصحيحان عن ذكر قيد الليل.
стр. 204
ولأن التفريق بين نوم الليل ونوم النهار غير معقول المعنى.
وعلى فرض أن يكون الليل محفوظًا فهو وصف طردي، وقيد أغلبي لا يقصد منه إخراج نوم النهار، وإنما الليل هو ظرف النوم، قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ).
ولأن دخول نوم الليل متيقن، ودخول غيره مشكوك فيه، والأصل براءة الذمة وعدم التكليف؛ والله أعلم.
* * *
стр. 205
الفصل السادس الماء المستعمل في إزالة النجاسة
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• كل ماء مستعمل لم يتغير بما استعمل فيه فهو طهور على الصحيح.
• الماء المستعمل إن غلب عليه ما استعمل فيه أخذ حكمه حكم مغيره، فإن كان تغيره بنجس تنجس إجماعًا، وإن كان بطاهر، فهل يصير طاهرًا غير طهور؟
• ما غلب على لون الماء، فإن كان موافقًا للماء في الطهارة والتطهير لم يسلبه واحدة منها كالتراب، وإن كان مخالفًا للماء في الطهارة والتطهير كالتغير بالنجاسة سلبه الوصفين معًا، وإن كان موافقًا للماء في الطهارة دون التطهير كتغير الماء بالطاهرات لم يسلبه الطهارة لموافقته لها، وهل يسلبه الطهورية بمطلق التغير، أولا حتى يغلب على أجزائه؟
[م-٢٦] الماء المستعمل في إزالة النجاسة إذا انفصل عن المحل لا يخلو إما أن يتغير بالنجاسة أو لا.
فإن تغير الماء بالنجاسة، فهو نجس بالإجماع، وقد تكلمنا عن الماء المتغير بالنجاسة في فصل الماء المتغير، فارجع إليه إن شئت.
وإن كان الماء المنفصل لم يتغير، فقد اختلف العلماء في حكمه بناء على اختلافهم في وجوب تكرار الغسل، فبعضهم يرى وجوب تكرار غسل النجاسة ثلاث مرات
стр. 206
كالحنفية، وبعضهم يرى تكرارها سبع مرات كالحنابلة، وبعضهم يرى أنه يكفي في غسل النجاسة غسلة واحدة ما لم تكن نجاسة كلب، ومسألة وجوب العدد في غسل النجاسة مسألة أخرى سيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى ومناقشتها، ولكن البحث الآن في الماء المنفصل عند تطهير هذا المحل المتنجس، وهو ما يسمى بغسالة النجاسة، أو الماء المستعمل في إزالة النجاسة، فإذا انفصل عن المحل، وهو لم يتغير هل يكون نجسًا أو طاهرًا أو طهورًا، اختلف العلماء في هذا:
فقيل: الماء المنفصل من غسل النجاسة الحقيقية من الغسلة الأولى حتى الغسلة الثالثة نجس، وهذا مذهب الحنفية (١).
وقيل: الماء المنفصل طهور ما لم يتغير بالنجاسة، وهو مذهب المالكية (٢).
وقيل: يكون طاهرًا غير مطهر، بشرط أن ينفصل الماء غير متغير، وقد طهر المحل، وهو الأصح عند الشافعية (٣).
стр. 207
وقيل: المنفصل من الغسلة الأولى حتى الغسلة السادسة نجس، حتى ولو زالت عين النجاسة في الغسلة الأولى، والمنفصل من الغسلة السابعة طاهر، غير مطهر، والمنفصل من الغسلة الثامنة طهور. وهذا المشهور من مذهب الحنابلة (١).
• دليل الحنفية على نجاسة الغسلات الثلاث:
القول بنجاسة الغسلات الثلاث مبني على وجوب غسل النجاسة ثلاثًا، ومسألة وجوب العدد في غسل النجاسة سيأتي إن شاء الله تعالى بحثها في مبحث مستقل، وبناء عليه قالوا: الماء المنفصل في الغسلة الأولى والثانية انفصل والمحل نجس فتنجس الماء، وأما الغسلة الثالثة فنجسة، وإن كان المحل قد طهر بناء على أن الماء قد استعمل في إزالة نجاسة، فالماء عندهم ينجس إذا استعمل في الطهارة سواء في طهارة الحدث أم في طهارة الخبث، وسبق لنا تحرير مذهبهم في الماء المستعمل في طهارة الحدث، وأجبنا عليه.
واستدل الحنفية على نجاسة الماء المنفصل من المحل النجس بأدلة منها:
الدليل الأول:
(٥٤) ما رواه أبو داود من طريق عبد الملك- يعني: ابن عمير- يحدث
عن عبد الله بن معقل بن مقرن قال: صلى أعرابي مع النبي ﷺ بهذه القصة يعني: قصة بول الأعرابي في المسجد، وقال: يعني النبي ﷺ : خذوا ما بال عليه من التراب، فألقوه، وأهريقوا على مكانه ماء (٢).
стр. 208
قال أبو داود: وهو مرسل ابن معقل لم يدرك النبي ﷺ .
[الحديث في الصحيحين وليس فيه زيادة الأمر بأخذ ما بال عليه من التراب فهي زيادة منكرة] (١).
وجه الاستدلال:
لولا أن الغسالة نجسة لما احتاج إلى نقل النجاسة قبل غسلها، وإنما الخوف من انتشار النجاسة بالغسالة أوجب نقل العين قبل غسلها.
ويجاب:
بأن الأمر لا يحتاج إلى غسل النجاسة إذا نقلت عينها، فالنجاسة إذا زالت زال حكمها.
الدليل الثاني:
(٥٥) ما رواه الدارقطني من طريق أبي هشام الرفاعي محمد بن يزيد، أخبرنا
أبو بكر بن عياش، حدثنا سمعان بن مالك، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: جاء أعرابي فبال في المسجد، فأمر رسول الله ﷺ بمكانه، فاحتفر، فصب عليه دلوًا من ماء، فقال الأعرابي: يا رسول الله المرء يحب القوم ولما يعمل عملهم، فقال رسول الله ﷺ : المرء مع من أحب (٢).
стр. 209
قال الدارقطني: سمعان مجهول (١).
الدليل الثالث:
(٥٦) ما رواه ابن الجوزي في التحقيق (٢)، وفي العلل المتناهية (٣)، من طريق محمد ابن صاعد، عن عبد الجبار بن العلاء، عن ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن أنس، أن أعرابيًا بال في المسجد، فقال النبي ﷺ : احفروا مكانه، ثم صبوا عليه ذنوبًا من ماء.
[حديث معلول، والمعروف أنه مرسل] (٤).
стр. 210
• دليل المالكية على طهورية غسالة النجاسة غير المتغيرة:
الدليل الأول:
(٥٧) ما رواه البخاري من طريق حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس بن مالك، أن أعرابيًّا بال في المسجد، فقاموا إليه، فقال رسول الله ﷺ : لا تزرموه، ثم دعا بدلو من ماء، فصب عليه، ورواه مسلم (١).
وجه الاستدلال:
أن الماء الذي غسل به بول الأعرابي لو كان نجسًا لم يقض النبي ﷺ بطهارة ذلك المحل، ولأمر أن يصب عليه الماء ثانية وثالثة، فصح أن المغسول به النجاسة طاهر مطهر (٢).
الدليل الثاني:
(٥٨) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه،
стр. 211
عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: أتي رسول الله ﷺ بصبي، فبال على ثوبه، فدعا بماء، فأتبعه إياه. ورواه مسلم (١).
وجه الاستدلال من هذا الحديث كالاستدلال من الحديث الذي قبله، فإن قيل في الحديث الأول: إن النجاسة كانت على الأرض، فالحديث الثاني النجاسة على ثوب، وهذا دليل على أنه لا فرق بينهما.
الدليل الثالث:
قالوا من جهة المعنى: الماء المنفصل عن المحل المغسول هو من جملة الماء الباقي في المحل المغسول، فالمنفصل بعض المتصل، والماء الباقي في المحل المغسول طهور بإجماع، فوجب أن يكون المنفصل عنه مثله (٢).
الدليل الرابع:
إذا غلب الماء على النجاسة ولم يظهر فيه شيء منها فقد طهرها، ولا تضره ممازجته لها إذا غلب عليها، سواء كان الماء قليلًا أم كثيرًا، فقد جعل الله الماء طهورًا، وأنزله علينا ليطهرنا به، وقال الرسول ﷺ : (الماء لا ينجسه شيء) يعني: إلا ما غلب عليه من النجاسة فغيره، ومعلوم أنه لا يطهر نجاسة حتى يمازجها، فإن غلب عليها ولم يظهر فيه شيء منها، فالحكم له، وإن غلبته النجاسة فالحكم لها إذا ظهر في الماء شيء منها (٣).
وقد أجمع العلماء على طهارة الخمر، إذا صارت خلًا من غير صانع، لاستهلاك ما كان يخامر العقل منها بطريان التحليل عليه، فلأن تطهر النجاسة، ويزول حكمها باستهلاك الماء لها أولى وأحرى (٤).
стр. 212
• دليل الشافعية على كون الماء طاهرًا:
الدليل الأول:
الماء المستعمل ليس ماء مطلقًا، بل هو مقيد بكونه ماء مستعملًا، والذي يرفع الحدث هو الماء المطلق كما في قوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦]، فلم يقيده بشيء (١).
ويجاب عن ذلك من وجهين:
الوجه الأول:
أن لفظ (ماء) في قوله تعالى (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) [المائدة: ٦] نكرة في سياق النفي، فتعم كل ماء، سواء كان مستعملًا أو غيره، ما دام أنه لم يتغير بالنجاسة
الوجه الثاني:
أنه لا فرق من حيث جوهر الماء بين الماء المستعمل وغيره، فهو ماء باق على صفته التي خلقه الله عليها، وهو مناط الحكم، فالمقصود بالمقيد هو ما خرج به الماء عن جوهره كالمرق والشاي، أو ما تغير بالنجاسة.
الدليل الثاني:
كل دليل استدل به الشافعية على طهارة الماء المستعمل في رفع الحدث، استدلوا به على طهارة الماء المستعمل في إزالة النجاسة إذا انفصل ذلك الماء ولم يتغير، وقد طهر المحل، بجامع أن كلًا من الماء المستعمل في رفع الحدث أو في إزالة النجاسة قد طهَّر المحل، وانفصل عن محل طاهر، وسبق بحث هذه المسألة، ومن هذه الأدلة.
(٥٩) ما رواه مسلم في صحيحه من طريق ابن وهب عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، أن أبا السائب مولى هشام بن زهرة حدثه،
стр. 213
أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم، وهو جنب.
فقال: كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال: يتناوله تناولًا (١).
وانظر الجواب عليه في مسألة المستعمل في رفع الحدث.
• ويجاب عن قول الشافعية:
بأن إثبات قسم من الماء يكون طاهرًا غير مطهر قول ضعيف، وقد بينت في مبحث أقسام المياه أن الماء قسمان: طهور، ونجس. ولا يوجد قسم الطاهر، والله أعلم.
• دليل الحنابلة في غسالة النجاسة:
يرى الحنابلة أن الماء المنفصل من الغسلة الأولى حتى الغسلة السادسة نجس؛ لأن الماء قد انفصل والمحل نجس، حتى ولو ذهبت عين النجاسة، فالمحل نجس حكمًا، والتعليل عندهم: أنه ماء قليل لاقى نجاسة، فينجس ولو لم يتغير (٢).
وأما الماء المنفصل من الغسلة السابعة فإنه طاهر، ولماذا لا يكون طهورًا؟
قالوا: لأنه أثر في المحل، فحصل به إزالة حكم النجاسة.
ولماذا لا يكون نجسًا؟
قالوا: لأنه انفصل عن محل طاهر؛ لأن المحل يطهر عندهم في الغسلة السابعة، إذا ذهبت عين النجاسة.
أما المنفصل من الغسلة الثامنة فهو طهور؛ لأن المحل قد طهر من الغسلة السابعة، فلم يتأثر الماء.
стр. 214
والقول بوجوب غسل النجاسات ثلاثًا عند الحنفية أو سبعًا عند الحنابلة قول ضعيف، إلا في ولوغ الكلب حيث ثبت العدد في غسل الإناء من ولوغه سبعًا، وسوف يأتي بسط هذه المسألة إن شاء الله تعالى (١).
الراجح:
أن غسالة النجاسة إن تغيرت بالنجاسة فهي نجسة، وإن لم تتغير فالماء طهور، وأما القول بأن الغسالة نجاسة حتى ولو كان الماء باقيًا على صفته التي خلقه الله عليها فهذا قول ضعيف جدًّا.
* * *
стр. 215
الباب السادس في فضل الوضوء
الفصل الأول حكم وضوء الرجال والنساء جميعًا إذا كانوا من المحارم
[م-٢٧] لا خلاف بين العلماء على جواز وضوء الرجال جميعًا من إناء واحد، ووضوء النساء جميعًا من إناء واحد، ووضوء الرجال والنساء جميعًا إن كان الرجال من المحارم، وقد نقل الإجماع على ذلك جماعة من أهل العلم، منهم:
قال الطحاوي من الحنفية: «الأصل المتفق عليه أن الرجل والمرأة إذا أخذا بأيديهما الماء معًا من إناء واحد، أن ذلك لا ينجس الماء» (١).
وقال القرطبي من المالكية: «اتفق العلماء على جواز اغتسال الرجل وحليلته ووضوئهما معًا من إناء واحد، إلا شيئًا روي في كراهية ذلك عن أبي هريرة، وحديث ابن عمر وعائشة وغيرهما يرده، وإنما الاختلاف في وضوئه أو غسله من فضلها» (٢).
وقال ابن حزم ﵀: واتفقوا على جواز توضؤ الرجلين والمرأتين معًا (٣). اهـ
وقال الترمذي: «وهو قول عامة الفقهاء، أن لا بأس أن يغتسل الرجل والمرأة من إناء واحد».