قال: رأيت قيس بن سعد بن عبادة بال، ثم أتى دجلة، فمسح على الخف، وفرج بينهما، فرأيت أثر أصابعه في الخف (١).
[ضعيف، فيه أبو العلاء يريم] (٢).
الدليل الثاني:
(٥٦٩ - ٦٦) ما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، قال:
رأيت الحسن بال، ثم توضأ، فمسح على خفيه مسحة واحدة على ظهورهما، قال: فرأيت أثر أصابعه على الخف (٣).
[صحيح] (٤).
وجه الاستدلال من الأثرين:
قوله في الأثرين: (فرأيت أثر أصابعه)، والأصابع: اسم جمع، وأقل الجمع
стр. 1472
الصحيح ثلاثة، فكان هذا تقديرًا للمسح ثلاثة أصابع اليد. وقدرناها بأصابع اليد؛ لأنها آلة المسح؛ ولأن الفرض يتأدى بها بيقين؛ لأنها ظاهرة محسوسة، فأما أصابع الرجل فمستترة بالخف، لا يعلم مقداره إلا بالحرز والظن، فكان التقدير بأصابع اليد أولى.
• دليل من قال يجب استيعاب ظاهر الخف:
الدليل الأول:
(٥٧٠ - ٦٧) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا محمد بن رافع، ثنا يحيى بن آدم، قال: ثنا يزيد بن عبد العزيز، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن عبد خير،
عن على رضي الله تعالى عنه قال: ما كنت أرى باطن القدمين إلا أحق بالغسل حتى رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظهر خفيه (١).
[رجاله ثقات] (٢).
وجه الاستدلال:
هذا الحديث نص على مسح ظاهر الخف، وظاهره استيعاب الظاهر، إذ لو كان أكثر الظاهر يغني أو بعضه لنقل.
الدليل الثاني:
(٥٧١ - ٦٨) ما رواه أحمد، قال: حدثنا إبراهيم بن أبي العباس، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبي الزناد، عن عروة، قال:
قال المغيرة بن شعبة: رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظهور الخفين.
قال عبد الله: قال أبي: حدثنا سريج والهاشمي أيضًا (١).
[ذكر المسح على ظهور الخفين انفرد به عبد الرحمن بن أبي الزناد، وفيه لين، وباقي رجاله ثقات] (٢).
وجه الاستدلال من هذا الحديث كالاستدلال بالذي قبله.
الدليل الثالث:
(٥٧٢ - ٦٩) ما رواه ابن المنذر في الأوسط (١)، والبيهقي في السنن (٢)، من طريق
стр. 1478
عبد الله بن يزيد، عن سعيد بن أبي أيوب،
عن حميد بن مخراق الأنصاري، أنه رأى أنس بن مالك بقباء مسح ظاهر خفيه بكفيه مسحة واحدة. هذا لفظ البيهقي.
[ضعيف] (١).
الدليل الرابع: من الآثار .
(٥٧٣ - ٧٠) ما رواه مالك في الموطأ، عن هشام بن عروة،
أنه رأى أباه يمسح على الخفين، قال: وكان لا يزيد إذا مسح على الخفين على أن يمسح على ظهورهما، ولا يمسح بطونهما (٢).
• دليل من قال يجزئ ما يقع عليه اسم المسح:
قالوا: إن المسح ورد مطلقًا، ولم يصح عن النبي ﷺ في تقدير واجبه شيء، فتعين الاكتفاء بما يصدق عليه اسم المسح.
فإن قيل: لم ينقل عن النبي ﷺ الاكتفاء بما يصدق عليه مطلق المسح.
قيل: لا يفتقر ذلك إلى نقل؛ لأنه مستفاد من إطلاق إباحة المسح، فإنه يتناول القليل والكثير، ولا يعدل عنه إلا بدليل.
• دليل من قال يجب أن يمسح أكثر ظاهر الخف .
الدليل الأول:
(٥٧٤ - ٧١) ما رواه ابن ماجه من طريق بقية، عن جرير بن يزيد، قال: حدثني منذر، حدثني محمد بن المنكدر،
стр. 1479
عن جابر، قال: مر رسول الله ﷺ برجل يتوضأ، ويغسل خفيه، فقال بيده -كأنه دفعه- إنما أمرت بالمسح، وقال رسول الله ﷺ بيده هكذا من أطراف الأصابع إلى أصل الساق، وخطط بالأصابع (١).
[ضعيف جدًّا أو موضوع] (٢).
الدليل الثاني:
(٥٧٥ - ٧٢) ما رواه عبد الرزاق (٨٥١) عن معمر، عن أيوب، قال:
رأيت الحسن بال، ثم توضأ، فمسح على خفيه مسحة واحدة على ظهورهما، قال: فرأيت أثر أصابعه على الخف.
[صحيح] (٣).
وجه الاستدلال:
إذا كان المسح بالأصابع على ظاهر الخف، فإن هذا دليل على أنه لا يستوعب
стр. 1480
الظاهر بل يكفي مسح أكثر الظاهر.
الدليل الثالث:
(٥٧٦ - ٧٣) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، عن ابن أبي ليلى، عن أخيه عيسى بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال:
رأيت عمر بن الخطاب بال، فتوضأ، ومسح على خفيه، قال: حتى إني لأنظر إلى أثر أصابعه على خفيه (١).
[ضعيف] (٢).
الدليل الرابع:
(٥٧٧ - ٧٤) ما رواه ابن المنذر في الأوسط من طريق زياد بن عبد الله البكائي، حدثنا الفضل بن مبشر، قال:
رأيت جابر بن عبد الله يتوضأ، ويمسح على خفيه على ظهورهما مسحة واحدة إلى فوق، ثم يصلي الصلوات كلها، قال: ورأيت رسول الله ﷺ يصنعه، فأنا أصنع كما رأيت رسول الله ﷺ (٣).
[إسناده فيه لين] (٤).
стр. 1481
الدليل الخامس:
(٥٧٨ - ٧٥) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف قال: حدثنا الثقفي، عن أبي عامر الخزاز، قال: حدثنا الحسن،
عن المغيرة بن شعبة، قال: رأيت رسول الله ﷺ بال، ثم جاء حتى توضأ، ومسح على خفيه، ووضع يده اليمنى على خفه الأيمن، ويده اليسرى على خفه الأيسر، ثم مسح أعلاهما مسحة واحدة حتى كأني أنظر إلى أصابع رسول الله ﷺ على الخفين (١).
[ضعيف] (٢).
стр. 1482
• الراجح:
القول بأن الواجب مسح أكثر ظاهر الخف هو الراجح، لأن من مسح الأكثر فهو في حكم من مسح الكل، ولأن للأكثر حكم الكل، ولأن استيعاب ظاهر الخف شاق جدًّا خاصة إذا علمنا أن آلة المسح هي الأصابع، والله أعلم.
* * *
стр. 1483
الفصل الثاني في مسح أسفل الخف
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• القول في صفة العبادة كالقول في العبادة مبناها على التوقيف.
• المسح لا ينظف، فكان مسح الأعلى أولى من مسح الأسفل.
• لم يصح حديث في مسح أسفل الخف.
• من قال بمسح الأسفل: إما قاله قياسًا على الغسل، ولا قياس مع النص.
أو قاله لاعتقاده بأن المسح ورد مطلقًا، والمسح المطلق يقتضي الاستيعاب، والحق أن المطلق من نصوص المسح يجب حمله على المقيد منها، وهو الاقتصار على مسح الأعلى.
[م-٢٤٦] اختلف العلماء في مسح أسفل الخف،
فقيل: لا يمسح أسفل الخف، وهو مذهب الحنفية (١)، والحنابلة (٢).
стр. 1484
وقيل: يمسح الظاهر والباطن، فإن مسح الباطن فقط لم يجزئ، وحكي إجماعًا والخلف محفوظ. وإن مسح الأعلى فقط أجزأه ذلك. وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢).
قال مالك: إن مسح الأعلى فقط وصلى، يعيد الصلاة ما دام في الوقت، فإن خرج الوقت أجزأه (٣).
• دليل من قال: لا يمسح أسفل الخف:
الدليل الأول:
(٥٧٩ - ٧٦) ما رواه أبو داود من طريق الأعمش، عن أبي إسحاق، عن عبد خير،
عن علي رضي الله تعالى عنه قال: ما كنت أرى باطن القدمين إلا أحق بالغسل حتى رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظهر خفيه (٤).
стр. 1485
[رجاله ثقات] (١).
الدليل الثاني:
(٥٨٠ - ٧٧) ما رواه أحمد، قال: ثنا إبراهيم بن أبي العباس، ثنا عبد الرحمن ابن أبي الزناد، عن أبي الزناد، عن عروة، قال:
قال المغيرة بن شعبة: رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظهور الخفين.
قال عبد الله: قال أبي: حدثنا سريج والهاشمي أيضًا (٢).
[تفرد بذكر المسح على ظهور الخفين عبد الرحمن بن أبي الزناد، وفيه لين، وباقي رجاله ثقات، وسبق بحثه] (٣).
الدليل الثالث:
(٥٨١ - ٧٨) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا الثقفي، عن أبي عامر الخزاز، قال: حدثنا الحسن،
عن المغيرة بن شعبة، قال: رأيت رسول الله ﷺ بال، ثم جاء حتى توضأ، ومسح على خفيه، ووضع يده اليمنى على خفه الأيمن، ويده اليسرى على خفه الأيسر، ثم مسح أعلاهما مسحة واحدة حتى كأني أنظر إلى أصابع رسول الله ﷺ على الخفين (٤).
[ضعيف] (٥).
الدليل الرابع:
(٥٨٢ - ٧٩) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي العلاء،
стр. 1486
قال: رأيت قيس بن سعد بن عبادة بال، ثم أتى دجلة، فمسح على الخف، وفرج بينهما، فرأيت أثر أصابعه في الخف (١).
[ضعيف] (٢).
الدليل الخامس:
(٥٨٣ - ٨٠) ما رواه ابن المنذر في الأوسط من طريق زياد بن عبد الله البكائي، حدثنا الفضل بن مبشر، قال:
رأيت جابر بن عبد الله يتوضأ، ويمسح على خفيه على ظهورهما مسحة واحدة إلى فوق، ثم يصلي الصلوات كلها، قال: ورأيت رسول الله ﷺ يصنعه، فأنا أصنع كما رأيت رسول الله ﷺ (٣).
[إسناده فيه لين] (٤).
الدليل السادس:
(٥٨٤ - ٨١) من الآثار، ما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، قال:
رأيت الحسن بال، ثم توضأ، فمسح على خفيه مسحة واحدة على ظهورهما، قال: فرأيت أثر أصابعه على الخف.
[صحيح] (٥).
• دليل من قال: يمسح أسفل الخف:
الدليل الأول:
(٥٨٥ - ٨٢) ما رواه أحمد، قال: ثنا الوليد بن مسلم، ثنا ثور، عن رجاء
стр. 1487
ابن حيوة، عن كاتب المغيرة،
عن المغيرة أن رسول الله ﷺ توضأ فمسح أسفل الخف وأعلاه (١).
[الحديث معلول] (٢).
الدليل الثاني:
(٥٨٦ - ٨٣) ما رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال:
قال عطاء: رأيت ابن عمر يمسح عليهما -يعني خفيه- مسحة واحدة بيديه كلتيهما، بطونهما وظهورهما، وقد أهرق قبل ذلك الماء، فتوضأ هكذا لجنازة دعي إليها.
[رجاله ثقات] (١).
والجواب عن هذا:
أن هذا الأثر موقوف على ابن عمر ﵁، مخالف لما هو مرفوع، فلا يقبل.
الدليل الثالث:
من النظر أن المسح بدل من الغسل، وإذا كان في الغسل يغسل أعلى القدم وأسفله، فكذلك المسح ينبغي أن يستوعب القدم أعلاه وأسفله.
• الراجح:
أن الأحاديث التي تذكر الاقتصار على مسح الظاهر أقوى وأكثر، من الأحاديث
стр. 1491
الواردة في مسح الأسفل مع الأعلى، وأصح ما ورد في مسح الأسفل فعل ابن عمر، وهو مع كونه موقوفًا فهو حكاية فعل، وابن عمر له نزعة احتياطية خاصة في الطهارة، وكان يمكن الأخذ بما روي عن ابن عمر باعتباره من فقهاء الصحابة رضوان الله عليه وعلى أبيه إلا أنه حين كان مخالفًا للمرفوع من حديث علي ﵁ قدم عليه.
قال ابن رشد في بداية المجتهد «وسبب اختلافهم تعارض الآثار الواردة في ذلك، وتشبيه المسح بالغسل، وذلك أن في ذلك أثرين متعارضين:
أحدهما: حديث المغيرة بن شعبة، وفيه: (أنه مسح أعلى الخف وباطنه).
والآخر: حديث علي: (لو كان الدين بالرأي، لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه).
فمن ذهب مذهب الجمع بين الحديثين، حمل حديث المغيرة على الاستحباب، وحديث علي على الوجوب، وهي طريقة حسنة، ومن ذهب مذهب الترجيح أخذ إما بحديث علي، وإما بحديث المغيرة، فمن رجح حديث المغيرة على حديث علي رجحه من قبل القياس، أعني: قياس المسح على الغسل، ومن رجح حديث علي، رجحه من قبل مخالفته للقياس، أو من جهة السند ... إلخ كلامه ﵀.
قلت: وإذا كان الاكتفاء بالظاهر مخالفًا للقياس، كان من قال به لابد أنه اطلع على سنة في هذا؛ لأن مجرد القياس قد لا يدل عليه، ومن مسح الأعلى والأسفل اجتهد برأيه قياسًا على الغسل، ولا شك أن الأول أولى، على أن قولنا مخالف للقياس هذا بحسب الفهم القاصر، وإلا فلا يوجد في الشرع ما يخالف القياس الصحيح، فإن التخفيف بالمسح على وفق القياس.
وأنكر ابن حزم على المالكية كونهم يأمرون من ترك مسح أسفل الخف دون أعلاه، أن يعيد صلاته ما دام في الوقت.
قال ابن حزم: «إن كان قد أدى فرض طهارته وصلاته فلا معنى للإعادة، وإن
стр. 1492
كان لم يؤدها، فيلزمه عندهم أن يصلي أبدًا» (١). يعني في الوقت أو خارج الوقت. والحق ما قال ابن حزم.
وتكلف النووي في المجموع في تأويل حديث علي، ليوافق مذهب إمامه أن المجزئ في المسح أقل ما يصدق عليه أنه مسح.
قال النووي: «لو كان الدين بالرأي لكان ينبغي لمن أراد الاقتصار على أقل ما يجزئ أن يقتصر على أسفله، ولكني رأيت رسول الله ﷺ اقتصر على أعلاه، ولم يقتصر على أسفله، فقوله عفى الله عنه: «لكان ينبغي لمن أراد الاقتصار على أقل ما يجزئ» هذا اللفظ من كيس النووي بلا ريب، وليست من اللفظ النبوي، ثم قال عفى الله عنه:
«فليس فيه نفي استحباب الاستيعاب، وهذا كما صح أن النبي ﷺ مسح بناصيته، ولم يلزم منه نفي استحباب استيعاب الرأس، وإنما المقصود منه بيان أن الاستيعاب ليس بواجب».
قلت: حمل حديث المغيرة على الاستحباب حمل جيد لو كان الحديث صحيحًا؛ لأن الجمع أولى من الترجيح، لكن إذا ثبت أن حديث المغيرة ضعيف ضعفه أئمة العلل كالإمام أحمد، والبخاري، وأبي حاتم وأبي زرعة، وأبي داود والترمذي، والدارقطني وغيرهم كما نقلته عنهم، فلا داعي للجمع، فيبقى القول الأول هو الصحيح المتعين، والله أعلم.
* * *
стр. 1493
الفصل الثالث في غسل الخف بدلًا من مسحه
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• كل ممسوح في طهارة الحدث لا يشرع تكرار مسحه فالغسل أولى ألا يشرع.
• المسح طهارة مبناها على التخفيف، والغسل ينافي ذلك.
[م-٢٤٧] هل يكفي غسل الخف عن مسحه، اختلف في ذلك
فقيل: يكفي مع الكراهة، وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، واختاره محمد بن الحسن من الحنفية (٤).
وقيل: لا يجزئ، اختاره القفال من الشافعية (٥)، والقاضي أبو يعلى من الحنابلة (٦).
стр. 1494
وقيل: إن مسح بيديه على الخفين حال الغسل أجزأه، وإلا فلا (١).
• دليل من قال يجزئ مع الكراهة:
الدليل الأول:
المشروع هو المسح فقط، والغسل خلاف المشروع.
الدليل الثاني:
أن الغسل قد يدخل في الاعتداء بالطهور، وأقل أحواله أن يكون مكروهًا.
(٥٨٧ - ٨٤) فقد روى أحمد، قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد ابن سلمة، عن سعيد الجريري، عن أبي نعامة،
أن عبد الله بن مغفل سمع ابنًا له يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض من الجنة إذا دخلتها عن يميني، قال فقال له: يا بني سل الله الجنة، وتعوذه من النار؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: سيكون من بعدي قوم من هذه الأمة يعتدون في الدعاء والطهور (٢).
[ضعيف] (٣).
ومن الاعتداء بالطهور مجاوزة الحد المشروع، وأنها من الإساءة والظلم.
الدليل الرابع:
(٥٨٨ - ٨٥) ما رواه أحمد، قال: ثنا يعلى، ثنا سفيان، عن موسى بن أبي عائشة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال:
جاء أعرابي إلى النبي ﷺ يسأله عن الوضوء، فأراه ثلاثًا ثلاثًا، قال: هذا الوضوء، فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم (١).
стр. 1497
[رجاله ثقات إلى عمرو بن شعيب، فهو حسن عند من يحسن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده] (١).
ولا شك أن غسل الخف زيادة على المشروع، فيكون قد أساء وتعدى وظلم بهذه الزيادة.
• دليل من قال لا يجزئ:
(٥٨٩ - ٨٦) ما رواه البخاري، قال: حدثنا يعقوب، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن القاسم بن محمد،
عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: قال رسول الله ﷺ : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد (١).
وفي رواية لمسلم: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد.
فالرسول ﷺ إنما أمر بالمسح، فغسل الخف حدث في الوضوء ليس عليه أمر الله، ولا رسوله فهو رد على صاحبه.
• دليل من قال إن مسح بيده على الخفين حال الغسل أجزأ:
أصحاب هذا القول يرون أن المطلوب هو المسح، وقد حصل بإمرار اليد على الخفين.
وهذا القول ربما يكون أقرب مع الكراهة؛ لأن الغسل فيه مخالفة للمشروع، ومن جهة قد يتلف الخف، لكن إن كان هناك حاجة إلى هذا الفعل ربما ترتفع الكراهة، والله أعلم.
* * *
стр. 1500
الفصل الرابع في تكرار المسح
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• كل ممسوح في الطهارة لا يشرع تكراره إلا محل الاستنجاء ثلاثًا وإن أنقى بما دونها (١).
[م-٢٤٨] اختلف العلماء في حكم تكرار المسح على الخفين.
فقيل: لا يسن تكرار المسح، وهو مذهب الحنفية، والشافعية (٢).
وقيل: يكره، هو مذهب المالكية (٣)،
والمشهور من مذهب الحنابلة (٤).
стр. 1501
وقيل: يشرع تكرار المسح ثلاثًا، وهو اختيار عطاء (١).
• دليل من قال لا يسن أو قال: يكره تكرار المسح (٢).
الدليل الأول:
لم ينقل تكرار المسح لا قولًا ولا فعلًا، وليس في الأحاديث إلا أنه مسح على خفيه، وهذا يصدق بفعله مرة واحدة.
الدليل الثاني:
أن تكرار المسح يحول المسح إلى غسل.
الدليل الثالث:
أن كل شيء فرضه المسح فشأنه التخفيف فهذا الرأس لا يشرع تثليثه على الصحيح، ولا يشرع تثليث المسح على الجبيرة على القول بمسحها.
قال في مواهب الجليل: «وإذا كانت الجبيرة في موضع يغسل في الوضوء ثلاثًا فإنه يمسح عليها مرة واحدة لا ثلاثًا، قاله عبد الحق في النكت، قال: ودليله المسح على الخفين إنما يمسح مرة واحدة، وهو بدل عن مغسول ثلاثًا؛ وذلك لأن شأن المسح التخفيف» (٣).
• دليل من قال يستحب تكرار المسح ثلاثًا:
هذا القول يرى أن المسح بدل عن الغسل، فالبدل له حكم المبدل.
стр. 1502
وأجيب:
بأن هذا قياس في مقابل النص، فيكون قياسًا فاسدًا، ثم إن التيمم بدل عن الوضوء، ولا يشرع فيه التثليث، فالبدل له حكم المبدل في الحكم لا في الصفة، ولذلك يكتفى في مسح الخف بظاهره، ولم يجب التعميم كالأصل.
* * *
стр. 1503
الفصل الخامس في تقديم الرجل اليمنى بالمسح
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• الأصل في الطهور استحباب التيامن إن أمكن.
• المسح إن كان بدلًا من الغسل فالبدل له حكم المبدل
• القدمان عضوان، فقدم اليمين على الشمال، والأذنان مع الرأس عضو واحد، يؤخذ لهما ماء واحد، فلم يراع تقديم اليمين على الشمال.
[م-٢٤٩] اختلف العلماء في سنة المسح، وأما الفرض فكيف أتى بالمسح على ظهر القدم بكل اليد، أو ببعضه أجزأه على الصحيح (١).
وقال ابن حزم: ما وقع عليه اسم مسح، فقد أدى فرضه إلا أن أبا حنيفة قال: لا
стр. 1504
يجزئ المسح على الخفين إلا بثلاثة أصابع (١).
وقال الصنعاني: «لم يرد في الكيفية ولا الكمية حديث يعتمد عليه، إلا حديث علي في بيان المسح، والظاهر أنه إذا فعل المكلف ما يسمى مسحًا على الخف لغة أجزأه» (٢).
وهل يمسح الخفين معًا كالأذنين، أو يسن أن يقدم اليمنى ثم اليسرى؟
فقيل: يمسح الخفين معًا، بحيث يضع أصابع يده اليمنى على مقدم خفه الأيمن، وأصابع يده اليسرى علىمقدم خفه الأيسر، ويمدهما جميعًا إلى الساق. وهذا مذهب الحنفية (٣)، وقول في مذهب الحنابلة (٤).
وقيل: يستحب تقديم اليمنى على اليسرى، وهو قول في مذهب الحنابلة (٥)، وظاهر مذهب من يرى مسح أسفل الخف مع أعلاه، كالمالكية والشافعية (٦).
• دليل من قال يمسحان معًا:
الدليل الأول:
(٥٩٠ - ٨٧) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا الثقفي، عن أبي عامر الخزاز، قال: حدثنا الحسن،
стр. 1505
عن المغيرة بن شعبة، قال: رأيت رسول الله ﷺ بال، ثم جاء حتى توضأ، ومسح على خفيه، ووضع يده اليمنى على خفه الأيمن، ويده اليسرى على خفه الأيسر، ثم مسح أعلاهما مسحة واحدة حتى كأني أنظر إلى أصابع رسول الله ﷺ على الخفين (١).
[ضعيف] (٢).
الدليل الثاني:
(٥٩١ - ٨٨) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا زكريا، عن عامر، عن عروة بن المغيرة،
عن أبيه، قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر، فأهويت لأنزع خفيه، فقال: دعهما؛ فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما (٣).
فقوله: (فمسح عليهما) ولم يقل بدأ باليمنى، ولو كان مشروعًا لنقلت هذه الصفة، وحفظت؛ لأنه من شرع الله .
• وأجيب:
بأن الحديث مجمل غير مبين، وليس صريحًا في التيامن، ولا في عدمه.
الدليل الثالث:
القياس على الأذنين، فطهارة المسح لا تيمن فيها، فكما أن الأذنين عضوان مستقلان، ومع ذلك لم يشرع التيمن فيهما، فكذلك الرجلان في حالة المسح.
• وأجيب:
بأن الأذنين يمسحان مع الرأس، وهو عضو واحد، ولذلك لا يشرع أخذ ماء جديد لهما، بل يكفي ماء الرأس، وإذا كانا تبعًا للرأس، لم يكن هناك محل للتيامن،
стр. 1506
فلا يمكن في عضو واحد، يتيامن في بعضه، ولا يتيامن في بعضه الآخر، والله أعلم.
• دليل من قال تقدم اليمنى على اليسرى:
الدليل الأول:
أن المسح بدل من الغسل، والبدل له حكم المبدل، فكما أنه يشرع تقديم غسل اليمنى في الرجلين واليدين، فكذلك يشرع تقديم مسح اليمنى على اليسرى.
الدليل الثاني:
لم يأت نص صريح في مسح الرجلين معًا، وحيث لم يأت نص، يبقى الحكم لا يختلف عن غسلهما حتى يأتي نص صريح في استحباب عدم التيامن، لأن الاستحباب حكم شرعي، يحتاج إلى نص شرعي صريح صحيح، ولم يتوفر هنا، والله أعلم.
• الراجح:
الأمر واسع، ولو كان هناك تفضيل لجاءت السنة واضحة صريحة، فكيف مسح أجزأ، واستحباب التيامن في الطهور هو الأصل.
* * *
стр. 1507
مبحث
في اشتراط ظهور أثر الأصابع خطوطًا من المسح
[م-٢٥٠] قال في الفتاوى الهندية: وإظهار الخطوط ليس بشرط في ظاهر الرواية، كذا في الزاهدي، وهكذا في شرح الطحاوي، ولكنه مستحب، هكذا في منية المصلي (١).
(٥٩٢ - ٨٩) قلت: ربما يؤخذ استحباب إظهار الخطوط، بما رواه ابن أبي شيبة في المصنف قال: حدثنا الثقفي، عن أبي عامر الخزاز، قال: حدثنا الحسن،
عن المغيرة بن شعبة، قال: رأيت رسول الله ﷺ بال، ثم جاء حتى توضأ، ومسح على خفيه، ووضع يده اليمنى على خفه الأيمن، ويده اليسرى على خفه الأيسر، ثم مسح أعلاهما مسحة واحدة حتى كأني أنظر إلى أصابع رسول الله ﷺ على الخفين (٢).
[ضعيف] (٣).
(٥٩٣ - ٩٠) ومن الآثار، ما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، قال:
رأيت الحسن بال، ثم توضأ، فمسح على خفيه مسحة واحدة على ظهورهما، قال: فرأيت أثر أصابعه على الخف.
стр. 1508
[صحيح] (١).
(٥٩٤ - ٩١) وبما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي العلاء، قال: رأيت قيس بن سعد بن عبادة بال، ثم أتى دجلة، فمسح على الخف، وفرج بينهما، فرأيت أثر أصابعه في الخف (٢).
[ضعيف] (٣).
وهل يشرع للإنسان أن يتقصد أن يظهر أثر أصابعه على خفه، وهل يؤخذ ذلك من هذه الأدلة، فيه تأمل، والذي أميل إليه عدم الاستحباب، والله أعلم.
* * *
стр. 1509
الباب الرابع خلاف العلماء في ابتداء مدة المسح
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• التقدير والتوقيت في العبادات طريقها التوقيف أو الإجماع، لا دخل للعقل فيها.
• قال: ﷺ يمسح المقيم يومًا وليلة والمسافر ثلاثة أيام، فقوله: (يومًا وليلة، وثلاثة أيام) ظرف متعلق بالفعل يمسح، فهو صريح أن الوقت المذكور ظرف للمسح فالمدة تبدأ من مباشرة المسح.
• النصوص تذكر المسح ومدته، فتحمل على المسح الواجب، الذي هو محل الرخصة؛ لأن محل الرخص هو الواجب وليس الجائز.
وقيل:
• المسح عبادة مؤقتة، فيكون ابتداء وقتها من حين جواز فعلها قياسًا على الصلاة.
• مضي مدة المسح يوجب النزع وإن لم يمسح.
• الحدث سبب للمسح على الخفين، فعلق الحكم به.
стр. 1510
[م-٢٥١] لما كان الراجح من أقوال أهل العلم أن المسح على الخفين عبادة مؤقتة بوقت معين، فقد اختلف العلماء في ابتداء مدة المسح:
فقيل: من أول حدث بعد لبس الخف، وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٣).
وقيل: من أول مسح بعد الحدث، وهو رواية عن أحمد (٤)، وهو قول الأوزاعي وأبي ثور (٥)، واختاره ابن المنذر (٦)، ورجحه النووي (٧).
وقيل: ابتداء المدة من اللبس، وهو محكي عن الحسن البصري (٨).
وقيل: يمسح خمس صلوات في اليوم والليلة، وعليه تبتدئ مدة المسح من أول صلاة صلاها، وهو قول الشعبي وأبي ثور وإسحاق (٩).
وقيل: يمسح من الوقت الذي مسح إلى مثلها من الغد، وهو رواية عن أحمد (١٠).