← Фикх общий

Фикх общий · id 157

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 3

دبيان الدبيان

Полный текст (5 371 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

قال: قلت يا رسول الله أمسح على الخفين؟ قال: نعم. قال: قلت: يا رسول الله يومًا؟ قال: نعم، ويومين. قلت: يا رسول الله، يومين؟ قال: نعم، وثلاثة، قال: قلت: يا رسول الله، وثلاثة؟ قال: نعم، وما شئت (١). [ضعيف جدًّا مسلسل بالمجاهيل] (٢).

стр. 1542

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1543

الدليل الثالث: (٦١١ - ١٠٨) ما رواه الدارقطني: قال ثنا أبو محمد بن صاعد، نا الربيع بن سليمان، حدثنا أسد بن موسى، نا حماد بن سلمة، عن عبيد الله بن أبي بكر وثابت، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: إذا توضأ أحدكم، ولبس خفيه، فليمسح عليهما،

стр. 1544

وليصل بهما، ولا يخلعهما إن شاء إلا من جنابة (١). [رجاله ثقات إلا أسد بن موسى وهو صدوق وقد اختلف عليه] (٢).

стр. 1545

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1546

• ويجاب عن هذا الأثر بجوابين: أحدهما: أن الراجح من حديث حماد أنه موقوف على عمر، وإذا كان كذلك فقد ذكرت قول عمر في الدليل الأول، وأجبت عنه، ولا يعارض المرفوع بالموقوف. الجواب الثاني: على فرض أن يكون صحيحًا فالصحيح إذا عارضه ما هو أصح منه، فإن أمكن الجمع، وإلا عمل بالأرجح، ولا شك أن أحاديث التوقيت أرجح من غيرها؛ لكثرة رواتها، وقوة إسنادها، وقد سقت جملة من الأحاديث المرفوعة على أن المسح على الخفين عبادة مؤقتة، وسقت جملة من الآثار ذكرتها في القول الأول، والله أعلم. الدليل الرابع: استدلوا ببعض الآثار عن الصحابة رضوان الله عليهم، من ذلك. الأثر الأول: (٦١٢ - ١٠٩) ما رواه ابن المنذر، قال: حدثنا إسحاق -يعني: ابن إبراهيم- عن عبد الرزاق، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: امسح على الخفين ما لم تخلعهما (١).

стр. 1547

[صحيح] (١). قال ابن حزم: «لا حجة فيه؛ لأن ابن عمر لم يكن عنده المسح، ولا عرفه، بل أنكره حتى أعلمه به سعد بالكوفة، ثم أبوه بالمدينة في خلافته، فلم يكن في علم المسح كغيره، ومع ذلك فقد روى عنه التوقيت، (٦١٣ - ١١٠) روينا من طريق حماد بن سلمة، عن محمد بن عبيد الله العرزمي، عن نافع، عن ابن عمر، قال: أين السائلون عن المسح على الخفين؟ للمسافر ثلاثًا، وللمقيم يومًا وليلة» (٢). • ونوقش هذا: بأن محمد بن عبيد الله العرزمي متروك، كما في التقريب. لكن جاء بسند حسن عن ابن عمر القول بالتوقيت، (٦١٤ - ١١١) فقد روى ابن أبي شيبة، حدثنا هشيم، قال أخبرنا غيلان بن عبد الله مولى بني مخزوم، قال: سمعت ابن عمر سأله رجل من الأنصار عن المسح على الخفين، فقال: ثلاثة أيام للمسافر، وللمقيم يوم وليلة (٣).

стр. 1548

[حسن] (١). الأثر الثاني: (٦١٥ - ١١٢) ما رواه ابن أبي شيبة، قال حدثنا أبو بكر الحنفي، عن أسامة بن زيد، عن إسحاق مولى زائدة، أن سعد بن أبي وقاص خرج من الخلاء، فتوضأ، ومسح على خفيه، فقيل له: أتمسح عليهما، وقد خرجت من الخلاء، قال: نعم، إذا أدخلت القدمين الخفين، وهما طاهرتان، فامسح عليهما، ولا تخلعهما إلا لجنابة (٢). [ضعيف، وقد ثبت عن سعد القول بالتوقيت] (٣).

стр. 1549

وعلى فرض ثبوته فقد يكون مقصود سعد ﵁ أن الحدث الأصغر لا يوجب نزع الخف، بخلاف الحدث الأكبر؛ لأن الإنكار عليه كان متوجهًا إلى المسح، وقد خرج من الخلاء، ولم يقصد سعد ﵁ أن يتكلم في توقيت المسح، والله أعلم. الأثر الثالث: (٦١٦ - ١١٣) رواه الدارقطني من طريق أسد بن موسى، أخبرنا حماد بن سلمة، عن محمد بن زياد، عن زبيد بن الصلت، قال: سمعت عمر ﵁ يقول: إذا توضأ أحدكم، ولبس خفيه، فليمسح عليهما، وليصل فيهما، ولا يخلعهما إن شاء إلا من جنابة (١). [سبق الكلام عليه، وبيان الاختلاف فيه على حماد في الدليل الثالث من هذا القول]. • الجواب على هذه الآثار: اتضح لنا أن الصحابة الذين قالوا بعدم التوقيت، نقل عنهم أيضًا القول بالتوقيت، فعمر وسعد بن أبي وقاص وابن عمر جاء عنهم القولان، وإن كان الراجح عن سعد وابن عمر القول بالتوقيت، ولم يصح عنهما القول بعدم التوقيت، ولو فرضنا أنه لم ينقل عنهم إلا قول واحد، وهو القول بعدم التوقيت، فيقابل أقوالهم بأقوال غيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، كعلي، وابن مسعود، وصفوان بن

стр. 1550

عسال، وخزيمة بن ثابت، وغيرهم، وإذا اختلف الصحابة وجب الرد إلى كتاب الله، وسنة رسول ﷺ : (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) [النساء: ٥٩]، فرجعنا إلى السنة المرفوعة عن رسول الله ﷺ ، فوجدنا فيها جملة من الأحاديث القائلة بالتوقيت، منها حديث علي بن أبي طالب، وصفوان، وعوف بن مالك، وأبي بكرة، وخزيمة، وغيرها، فتعين الأخذ بها، وترك ما سواها، والله أعلم. • دليل من قدر التوقيت بعدد الصلوات: قالوا: لما اختلف أهل العلم في هذا الباب نظرنا إلى أقل ما قيل، وهو أن يصلي بالمسح خمس صلوات، إن كان مقيمًا، وخمس عشرة صلاة إن كان مسافرًا، فقلنا به، وتركنا ما زاد على ذلك حين اختلفوا؛ لأن الرخص لا يستعمل فيها إلا أقل ما قيل، وإذا اختلفوا في أكثر من ذلك وجب الرجوع إلى الأصل، وهو غسل الرجلين. وهذا القول ضعيف جدًّا، مخالف للنص؛ لأن الحديث أذن للمقيم أن يمسح يومًا وليلة كاملين، بينما هم يقولون لمن مسح لصلاة الصبح، إذا صلى به العشاء لم يجز له أن يمسح، ولا أن يصلي به الوتر، فكان مدته يومًا وبعض ليلة، وهكذا يقال في الثلاثة أيام، فتبين ضعف هذا القول، كما أن الخلاف ليس سببًا في ترك القول الراجح، وإلا لزمكم ترك القول بالمسح على الخفين؛ لأنه قد اختلف فيه، فبعض السلف أنكره، وبعضهم ادعى أنه منسوخ بآية المائدة. وقد ذكر بعض مشايخنا أن هذا القول هو من قول العامة، لكن وجدنا أن القول به محفوظ لبعض العلماء كالشعبي، وإسحاق بن راهوية، وسليمان بن داود الهاشمي، وأبي ثور، والله أعلم. • دليل من قال لا توقيت في حال الضرورة والمشقة الكبيرة: قال ابن تيمية: «لو كان في خلعه بعد مضي الوقت ضرر، مثل أن يكون هناك برد شديد متى خلع خفيه تضرر، كما يوجد في أرض الثلوج وغيرها، أو كان في رفقة،

стр. 1551

متى خلع، وغسل لم ينتظروه، فينقطع عنهم، فلا يعرف الطريق، أو يخاف إذا فعل ذلك من عدو، أو سبع، أو كان إذا فعل ذلك فاته واجب، ونحو ذلك، فهنا قيل: إنه يتيمم. وقيل: إنه يمسح عليها للضرورة، وهذا أقوى؛ لأن لبسها هنا صار كلبس الجبيرة من بعض الوجوه، فأحاديث التوقيت فيها الأمر بالمسح يومًا وليلة، وثلاثة أيام ولياليهن، وليس فيها النهي عن الزيادة إلا بطريق المفهوم، والمفهوم لا عموم له، ثم قال: «وعلى ذلك يحمل حديث عقبة بن عامر، لما خرج من دمشق إلى المدينة، يبشر الناس بفتح دمشق، ومسح أسبوعًا بلا خلع، فقال له عمر: أصبت السنة، وهو حديث صحيح، وليس الخف كالجبيرة مطلقًا فإنه لا يستوعب بالمسح بحال، ويخلع بالطهارة الكبرى، ولا بد من لبسه على طهارة، لكن المقصود أنه إذا تعذر خلعه فالمسح أولى من التيمم» (١). وقال أيضًا: «لما ذهبت على البريد، وجد بنا السير، وقد انقضت مدة المسح، فلم يمكن النزع والوضوء إلا بانقطاع عن الرفقة، أو حبسهم على وجه يتضررون بالوقوف، فغلب على ظني عدم التوقيت عند الحاجة، كما قلنا في الجبيرة، ونزلت حديث عمر، وقوله لعقبة بن عامر: أصبت السنة على هذا توفيقًا بين الآثار، ثم رأيته مصرحًا به في مغازي ابن عائد، أنه قد كان ذهب على البريد كما ذهبت لما فتحت دمشق، ذهب بشيرا بالفتح من يوم الجمعة إلى يوم الجمعة، فقال له عمر: منذ كم لم تنزع خفيك؟ فقال: منذ يوم الجمعة، قال: أصبت، فحمدت الله على الموافقة، وهذا أظنه أحد القولين لأصحابنا، وهو أنه إذا كان يتضرر بنزع الخف، صار بمنزلة الجبيرة ... إلخ كلامه ﵀» (٢).

стр. 1552

وقول الجمهور أحوط، وهو المتيقن، وحمل حديث عقبة بن عامر في حال الضرر ليس ظاهرًا من اللفظ، وإذا كان على الرفقة أن ينتظروا للصلاة، كان عليهم أن ينتظروا لشروطها، وإذا كان عليهم أن ينتظرو لكي يغسل وجهه ويديه، ويمسح برأسه، فلن يعجزوا عن الانتظار لغسل قدميه، وممكن أن يخلع خفيه مسبقًا قبل الوقوف بقليل حتى لا يعيق الرفقة، ولا يقال: إن أحاديث التوقيت فيها الأمر بالمسح يومًا وليلة، وليس فيها النهي عن الزيادة إلا بطريق المفهوم؛ لأن الأصل وجوب غسل الرجلين، جاء الإذن يومًا وليلة للمقيم، وثلاثة أيام للمسافر، وما عداه يرجع للأصل المستقر المجمع عليه، وهو وجوب غسل الرجلين، وقد قال ﷺ في الحديث المتفق عليه: (ويل للأعقاب من النار) خالفنا هذا الأصل لدليل صحيح في مدة معلومة فرقًا بين المقيم والمسافر لا يتجاوزها المسلم، فمن تجاوزها فقد تجاوز حدود الله، والله أعلم. * * *

стр. 1553

الفصل الثاني في مقدار المسافة التي يسوغ فيها مسح المسافر مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • السفر في النصوص مطلق غير مقيد بزمن ولا مسافة؛ والسفر إذا لم يكن له حقيقة شرعية، ولا لغوية كان الرجوع فيه إلى عرف الناس فما عده الناس سفرًا فهو سفر. • إذا قيل: المرجع في ذلك إلى العرف، فالمقصود به العرف المنضبط التي يمكن أن تناط به الأحكام، والذي لا يختلف فيه أكثر الناس. • الرجوع إلى عرف الناس في معرفة ما يعد سفرًا مع سعة البلاد وكثرة العباد يؤدي إلى التلاعب في ركنين من أركان الإسلام، وهما القصر والفطر. • إذا كان الفقهاء يحيلون المستفتي إلى عرف الناس، مع أنهم من جملة أهل العرف فلو كان العرف منضبطًا لوجدوه معلومًا معروفًا لهم، فلم يبق بعد الفقهاء إلا العوام، وهم لا يصح تقليدهم في الدين. • من العرف ما هو مطرد منضبط، كالرجوع إلى العرف في مدلولات ألفاظ الناس ومرادهم منها، وتقدير النفقات، ومعرفة الشروط العرفية في المعاملات إذا

стр. 1554

كانت مطردة، وصفة القبض والحرز ونحوها. ومنه ما لا يمكن انضباطه واطراده كالشأن في التنقل بين الأماكن المختلفة، في البلدان المختلفة، وما يعد منها سفرًا في العرف وما لا يعد، وأين اطراد العرف في مثل هذا مع اتساع رقعة البلاد، وكثرة الناس واختلافهم، ففي الوقوف على عرف منضبط لدى الناس اليوم فيه صعوبة لا تخفى. • يؤخذ في تقدير المسافة في السفر بأكثر مدة قالها الفقهاء، وما دونها يكون مختلفًا فيه، وإذا اختلف العلماء في مبيح القصر والفطر رجعنا إلى الأصل وهو أن الأصل عدم السفر، وأنه مقيم حتى نتيقن السفر. • ليس المقصود أنه لا يترخص إلا فيما أجمع المسلمون على القصر والفطر فيه، فهذا ليس خلافًا في المسافة، وإنما هو خلاف في نوع السفر الذي يترخص فيه، لا في مسافته، والراجح أنه يترخص في كل سفر، مباحًا كان أو غيره. • إذا شك، هل السفر مبيح للقصر أو لا؟ لم يبح له القصر؛ لأن الأصل وجوب الائتمام فلا يزول بالشك. [م-٢٥٣] اختلف العلماء في المسافة التي يسوغ فيها الترخص بالمسح ثلاثة أيام ولياليهن، إلى أقوال: فقيل: المعتبر مسيرة ثلاثة أيام للسير الوسط، بسير الإبل محملة بالأثقال، مع اعتبار النزول المعتاد للنوم والأكل والصلاة، وهو مذهب الحنفية (١). وقيل: المعتبر أربعة برد، وهي ثمانية وأربعون ميلًا، وهو مذهب الجمهور من

стр. 1555

المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). وقيل: مسيرة يوم وليلة، روي هذا عن مالك، وقيل: إنه رجع عنه (٤). وقيل: أقل مسافة للترخص ثلاثة أميال (٥). وقيل: إن مشى ميلًا قصر الصلاة، وإن مشى أقل من ميل صلى أربعًا، وهذا اختيار ابن حزم (٦). وقيل: جوازه في كل ما يسمى سفرًا عرفًا، وهو اختيار ابن تيمية (٧). وقيل: أقوال غير ذلك حتى حكى ابن المنذر عشرين قولًا في المسألة (٨).

стр. 1556

• دليل الجمهور القائلين بأربعة برد: الدليل الأول: (٦١٧ - ١١٤) ما رواه الدارقطني من طريق إسماعيل بن عياش، عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه وعطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: يا أهل مكة لا تقصروا الصلاة في أدنى من أربعة برد، من مكة إلى عسفان (١). [ضعيف جدًّا] (٢). والمعروف أنه من قول ابن عباس موقوفًا عليه. (٦١٨ - ١١٥) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن عيينة، عن عمرو، قال: أخبرني عطاء، عن ابن عباس، قال: لا تقصر الصلاة إلى عرفة، وبطن نخلة، واقصر إلى عسفان والطائف وجدة، فإذا قدمت على أهل أو ماشية فأتم (٣). [صحيح موقوفًا وقول الصحابي حجة]. قال مالك في الموطأ: «ما بين مكة والطائف، وفي مثل ما بين مكة وعسفان، وفي

стр. 1557

مثل ما بين مكة وجدة ... وذلك أربعة برد، وذلك أحب ما تقصر إلي فيه الصلاة» (١). • وأجيب: بأن قول الصحابي حجة بشرط ألا يخالفه مثله، فالصحابة إذا اختلفوا طلب مرجح، كما هو الحال هنا. الدليل الثاني: (٦١٩ - ١١٦) ما أخرجه البخاري تعليقًا في كتاب تقصير الصلاة، قال البخاري: كان ابن عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهم يقصران ويفطران في أربعة برد، وهي ستة عشر فرسخًا (٢). [صحيح عنهما] (٣). • وأجيب: بأن الصحابة مختلفون، قال ابن قدامة: «ولا أرى لما صار إليه الأئمة حجة؛ لأن أقوال الصحابة متعارضة مختلفة، ولا حجة فيها مع الاختلاف، وقد روي عن ابن عمر وابن عباس خلاف ما احتج به أصحابنا» (٤). وقال الحافظ ابن حجر: «وقد اختلف عن ابن عمر في تحديد ذلك -يعني: مسافة القصر- اختلافًا غير ما ذكر، فروى عبد الرزاق، عن ابن جريج، أخبرني نافع، أن ابن عمر كان أدنى ما يقصر فيه الصلاة مال له بخيبر، وبين المدينة وخيبر ستة وتسعون ميلًا.

стр. 1558

وروى وكيع من وجه آخر عن ابن عمر، أنه قال: يقصر من المدينة إلى السويداء، وبينهما اثنان وسبعون ميلًا. وروى عبد الرزاق، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، أنه سافر إلى ريم، فقصر الصلاة. قال عبد الرزاق: وهي على ثلاثين ميلًا من المدينة (١). (٦٢٠ - ١١٧) وروى ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن مسعر، عن محارب: سمعت ابن عمر يقول: إني أسافر الساعة من النهار، فأقصر (٢). وقال الثوري: «سمعت جبلة بن سحيم يقول: سمعت ابن عمر يقول:

стр. 1559

لو خرجت ميلًا لقصرت الصلاة، إسناد كل منهما صحيح، وهذه أقوال متغيرة جدًّا، والله أعلم» (١). اهـ نقلًا من فتح الباري قلت: وهذه أسانيد صحيحة عن ابن عمر، وإن كان ما رواه سالم ونافع أرجح. • دليل من حدد بمسيرة ثلاثة أيام: الدليل الأول: (٦٢١ - ١١٨) ما رواه البخاري، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، قال: قلت لأبي أسامة: حدثكم عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم (٢). • وأجيب: بأن العدد لا مفهوم له، فقد جاء النهي عن سفر المرأة يومًا وليلة، بلا محرم، وجاء النهي عن سفر المرأة يومين، وجاء النهي عن السفر مطلقًا إلا ومعها محرم، والحديث لم يذكر في المسافة التي يطلق عليها سفرًا حتى يقال: إنه قصد به الحد. (٦٢٢ - ١١٩) روى البخاري في صحيحه من طريق سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال النبي ﷺ : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة، ليس معها حرمة (٣).

стр. 1560

(٦٢٣ - ١٢٠) وروى مسلم من طريق عبد الملك، وهو ابن عمير، عن قزعة، عن أبي سعيد، قال: سمعت منه حديثًا فأعجبني، فقلت له: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: فأقول على رسول الله ﷺ ما لم أسمع، قال سمعته يقول: قال رسول الله ﷺ : لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى، وسمعته يقول: لا تسافر المرأة يومين من الدهر إلا ومعها ذو محرم منها أو زوجها (١). (٦٢٤ - ١٢١) وروى البخاري من طريق سفيان، عن عمرو، عن أبي معبد، عن ابن عباس ﵄، أنه سمع النبي ﷺ يقول: لا يخلون رجل بامرأة، ولا تسافرن امرأة إلا ومعها محرم، فقام رجل فقال: يا رسول الله اكتتبت في غزوة كذا وكذا، وخرجت امرأتي حاجة، قال: اذهب فحج مع امرأتك (٢). وهذا مطلق، ولم يذكر مدة، فيقتضي بحكم إطلاقه منع السفر طويله وقصيره. قال البيهقي: وهذه الروايات في الأيام الثلاثة، واليومين واليوم صحيحة، وكأن الرسول ﷺ سئل عن المرأة تسافر ثلاثًا بغير محرم؟ فقال: لا وسئل عن سفرها يومين بغير محرم؟ فقال: لا. وسئل عن يوم، فقال: لا، فأدى كل منهم ما حفظ، ولا يكون شيء من هذا حدًا للسفر (٣). وقال القرطبي: «كل ما دون الثلاث داخل في الثلاث، فيصح أن يعين بعضها، ويحكم عليه بحكم جميعها، فينص تارة على الثلاث، وتارة على أقل منها؛ لأنه داخل فيها» (٤).

стр. 1561

الدليل الثاني: (٦٢٥ - ١٢٢) ما رواه مسلم، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا الثوري، عن عمرو بن قيس الملائي، عن الحكم بن عتيبة، عن القاسم بن مخيمرة، عن شريح بن هانئ قال أتيت عائشة أسألها عن المسح على الخفين، فقالت: عليك بابن أبي طالب فسله؛ فإنه كان يسافر مع رسول الله ﷺ ، فسألناه، فقال: جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام، ولياليهن للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم (١). فالمراد بيان حكم جميع المسافرين؛ لأن الألف واللام في المسافر للجنس، فيدخل في هذا الحكم كل مسافر سفره ثلاثة أيام، فيمسح ثلاثة أيام، أما إذا كان سفره أقل من ثلاثة أيام فلا يعد مسافرًا بالمعنى الشرعي؛ لأنه لا يكرر المسح في الأيام الثلاثة (٢). • وأجيب: بأن الحديث جاء لبيان أكثر مدة المسح، فلا يصح الاحتجاج به؛ على أنه يمكن قطع المسافة القصيرة في ثلاثة أيام (٣). الدليل الثالث: من النظر، أن الثلاثة أقل الكثير، وأكثر القليل، ولا يجوز له القصر في قليل السفر، فوجب أن يكون أقل الكثير وهو الثلاث حدًا له (٤). • دليل من حدد المسافة بثلاثة أميال: (٦٢٦ - ١٢٣) روى الإمام مسلم من طريق محمد بن جعفر غندر، عن شعبة، عن يحيى بن يزيد الهنائي، قال:

стр. 1562

سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة فقال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ - شعبة الشاك- صلى ركعتين (١). وهذا من أقوى الأدلة على التحديد، قال ابن حجر: «وهو أصح حديث ورد في بيان ذلك وأصرحه» (٢). • وأجيب عن هذا الحديث الصريح: الجواب الأول: تضعيف الحديث بتفرد يحيى بن زيد الهنائي، قال ابن عبد البر: «شيخ من أهل البصرة، ليس مثله ممن يحتمل أن يحمل هذا المعنى الذي خالف فيه جمهور الصحابة والتابعين، ولا هو ممن يوثق به في ضبط مثل هذا الأصل» (٣). قلت: لم يرو عنه أحد من الكتاب الستة إلا مسلم وأبو داود، وليس له فيهما إلا هذا الحديث، ولم يوثقه إلا ابن حبان، وقال عنه أبو حاتم الرازي: شيخ، وفي التقريب: مقبول، يعني حيث يتابع، ولم يتابع، وقال الذهبي: صالح، لا بأس به. فكلام ابن عبد البر واضح أنه يتمشى مع قواعد أهل التحديث، وأن التفرد بأمر يحتاج إليه عامة الناس لا يقبل إلا من إمام كالزهري، ومالك، ونحوهما، وأن مخالفة ابن عمر وابن عباس له يدل على وهمه. الجواب الثاني: رده القرطبي بأنه مشكوك فيه، هل هو ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ؛ إذ كل واحد مشكوك فيه (٤). ولا يوافق عليه؛ لأن الشك في الثلاثة أميال، أما الثلاثة فراسخ فليس فيها شك

стр. 1563

باعتبارها الأكثر. الجواب الثالث: قال بعضهم: إن ذلك حكاية لفعله ﷺ ، وأنه قصر في هذه المسافة، وذلك لا يمنع جواز القصر في غيرها إذا كان يسمى سفرًا، فليس في الحديث تحديد الترخص بهذه المسافة. ورد هذا: بأن السؤال عن المسافة التي يقصر فيها، وقد جاء الجواب بلفظ: (كان) الدالة على الاستمرار غالبًا، وأن قوله: (كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ قصر الصلاة) مفهومه أنه إذا خرج أقل من ذلك لم يقصر، لكن القول بثلاثة فراسخ أرجح؛ لأنه هو المتيقن. الجواب الرابع: حمل بعضهم الحديث على أن المراد به المسافة التي يبتدئ منها القصر، لا غاية السفر، وهذا بعيد. قال الحافظ في الفتح: «ولا يخفى بعد هذا المحمل، مع أن البيهقي ذكر في روايته من هذا الوجه، أن يحيى بن يزيد، رواه عن أنس، قال: سألت أنسًا عن قصر الصلاة، وكنت أخرج إلى الكوفة -يعني من البصرة- فأصلي ركعتين حتى أرجع، فقال أنس: .. فذكر الحديث، فظهر أنه سأل عن جواز القصر في السفر، لا عن الموضع الذي يبتدأ القصر منه، ثم إن الصحيح في ذلك أنه لا يتقيد بمسافة، بل مجاوزة البلد الذي يخرج منها» (١). (٦٢٧ - ١٢٤) وقد روى البخاري، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان،

стр. 1564

عن محمد بن المنكدر وإبراهيم بن ميسرة، عن أنس بن مالك، ﵁، قال: صليت الظهر مع النبي ﷺ بالمدينة أربعًا، وبذي الحليفة ركعتين (١). فإذا قصد الرجل سفرًا، فإنه يقصر متى فارق بنيان القرية، وبحث هذه المسألة في موضع غير هذا. الجواب الخامس: قال الخطابي في معالم السنن: «إن ثبت هذا الحديث كانت الثلاثة فراسخ حدًا فيما يقصر إليه الصلاة إلا أني لا أعرف أحدًا من الفقهاء يقول به» (٢). ويقصد والله أعلم من فقهاء المذاهب، وإلا فإن بعض الصحابة قد قال بمثله أو أقل، وسبق لنا قول ابن عمر: إذا خرجت ميلًا قصرت الصلاة، وصحح إسناده ابن حجر، وقال ابن حجر في الفتح: «حكى النووي أن أهل الظاهر ذهبوا إلى أقل مسافة القصر ثلاثة أميال، وكأنهم احتجوا في ذلك بما رواه مسلم وأبو داود من حديث أنس، قال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو فراسخ قصر الصلاة، وهو أصح حديث ورد في بيان ذلك، وأصرحه» (٣). • دليل من قال يمسح في كل ما يسمى سفرًا عرفًا: الدليل الأول: قال تعالى: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً) [النساء: ١٠١].

стр. 1565

وقد سقط شرط الخوف بالخبر المذكور عن يعلى بن أمية، فبقي ظاهر الآية متناولًا لكل ضرب (١). • وأجيب: بأن النبي ﷺ خرج إلى قباء، وإلى العوالي ولم يقصر الصلاة، فليس المراد بالضرب أي ضرب، بل المراد به ضرب مخصوص، بمسافة مخصوصة، وقد جاء في حديث أنس السابق كان إذا خرج ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ قصر الصلاة، ظاهره أنه لا يقصر الصلاة في كل ضرب، والله أعلم. الدليل الثاني: أن لفظ السفر في الكتاب والسنة مطلق غير مقيد بمسافة معينة. قال ابن تيمية: السفر مطلق في الكتاب والسنة، فليس الكتاب والسنة يخصان بسفر دون سفر، ولا بقصر دون قصر، ولم يحد النبي ﷺ مسافة القصر بحد زماني، ولا مكاني، والواجب أن يطلق ما أطلقه صاحب الشرع، ويقيد ما قيده. (٦٢٨ - ١٢٥) قلت: ومن الأحاديث ما رواه مسلم من طريق أبي عوانة، عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم ﷺ في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة (٢). (٦٢٩ - ١٢٦) وما رواه البخاري من طريق عمر بن محمد أن حفص بن عاصم

стр. 1566

حدثه، قال: سافر ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، فقال: صحبت النبي ﷺ ، فلم أره يسبح في السفر، وقال جل ذكره: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [الأحزاب: ٢١] (١). فالسفر في هذه الأحاديث، وفي غيرها مطلق لم يقيد بشيء، فمن قيده بمسافة معينة، فعليه الدليل، ولا دليل. ويجاب عن هذه الأحاديث بما أجيب عنه في الآية الكريمة، وأن السفر ليس المقصود به كل سفور عن محل الإقامة، بل المراد به سفور معين، وإذا لم يصدق السفر على بعض أفراده بطل الاستدلال. الدليل الثالث: أن التقدير بابه التوقيف، فلا يجوز المصير إليه برأي مجرد، سيما وليس له أصل يرد إليه، ولا نظير يقاس عليه. الدليل الرابع: (٦٣٠ - ١٢٧) ما رواه مالك في الموطأ، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب كان إذا قدم مكة صلى بهم ركعتين، ثم يقول: يا أهل مكة أتموا صلاتكم، فإنا قوم سفر (٢). وإسناده صحيح، ولم ينقل عن النبي ﷺ أنه قال لأهل مكة في عرفة أو مزدلفة أو منى: أتموا، وعليه فقد صلى أهل مكة بعرفة، ومزدلفة ركعتين، وهي أقل من أربعة برد. قال ابن تيمية: «وأما القصر فلا شك أنه من خصائص السفر، ولا تعلق له بالنسك، ولا مسوغ لقصر أهل مكة بعرفة وغيرها إلا أنهم سفر، وأي فرق بين سفر أهل مكة إلى عرفة وبين سفر سائر المسلمين إلى قدر ذلك من بلادهم، والله لم يرخص

стр. 1567

في السفر ركعتين إلا لمسافر، فعلم أنهم كانوا مسافرين». اهـ (٦٣١ - ١٢٨) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن عيينة، عن إسماعيل ابن أمية، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يقيم بمكة، فإذا خرج إلى منى قصر (١). [وإسناده صحيح]. قلت: ابن عمر ممن هاجر إلى المدينة، فالمقصود خروجه إلى منى في الحج. الدليل الخامس: أن الشيء إذا كان له حقيقة شرعية قدمت على غيرها من الحقائق، كالصلاة حقيقتها اللغوية: الدعاء، والإيمان حقيقته اللغوية: التصديق لكن جاء في الشرع بيان حقيقتهما الشرعية فقضى على حقيقتهما اللغوية. والسفر ليس له حقيقة شرعية، فتقدم، وليس له حقيقة لغوية، واللفظ إذا لم يكن له حقيقة شرعية ولا لغوية قدمت الحقيقة العرفية، فما عده الناس في عرفهم سفرًا فهو سفر، وما لم يعتبره الناس سفرًا فليس بسفر. • وأجيب: بأن هذا الكلام جيد، ولكن تعليق الأمر بالعرف لا ينضبط، وقد يلتبس الأمر على عامة الناس، وقد يكون سببًا في تلاعب بعض الناس بفرائض الدين ممن لا يقدر الأمور بمقدارها، وأين اطراد العرف مع اتساع رقعة البلاد، وكثرة الناس، وقد كانت البلاد الإسلامية فيما سبق محدودة المكان وعدد الناس قليلًا، ويمكن ضبط العرف، أما الآن ففيه صعوبة. قال ابن العربي: «لم يذكر حد السفر الذي يقع به القصر، لا في القرآن ولا في السنة، وإنما كان ذلك؛ لأنها كانت لفظة عربية مستقر علمها عند العرب الذي

стр. 1568

خاطبهم الله تعالى بالقرآن، فنحن نعلم قطعًا أن من برز عن الدور لبعض الأمور أنه لا يكون مسافرًا لغة، ولا شرعًا. وإن مشى مسافر ثلاثة أيام فإنه مسافر قطعًا، كما أنا نحكم على أن من مشى يومًا وليلة كان مسافرًا؛ لقول النبي ﷺ : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم منها، وهذا هو الصحيح؛ لأنه وسط بين الحالين، وعليه عول مالك، ولكنه لم يجد هذا الحديث متفقًا عليه، وروي مرة (يومًا وليلة) ومرة (ثلاثة أيام) فجاء إلى عبد الله بن عمر، فعول على فعله، فإنه كان يقصر الصلاة إلى رئم، وهي أربعة برد؛ لأن ابن عمر كان كثير الاقتداء بالنبي ﷺ .... وفي البخاري: وكان ابن عمر وابن عباس يفطران ويقصران في أربعة برد: وهي ستة عشر فرسخًا ... » (١). والتقدير في أربعة برد مع كونه هو أصح ما روي عن ابن عمر، وهو ثابت أيضًا عن ابن عباس، فهو أحب إلى نفسي من تحكيم العوام في الرجوع إلى عرف يصعب ضبطه، وبدلًا من ترك الناس يتلاعبون في ركنين من أركان الإسلام، يكون الرجوع إلى التحديد بالمسافة يضبط للناس ما يترخصون فيه، وما لا يترخصون فيه من أحكام السفر، والله أعلم. ومع ذلك إن أمكن ضبط العرف فالقول به قوي أيضًا رغم ما اعترض به عليه، والله أعلم. * * *

стр. 1569

الفصل الثالث إذا لبس الخف وهو مقيم ثم سافر مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • مجرد اللبس لا يتعلق به حكم على الصحيح، وحكي إجماعًا. • هل المسح عبادة واحدة، فإذا مسح في الإقامة ثم سافر لزمه مسح مقيم، أو أن المسح يتجزأ؛ لكون المسحات متفرقة، فإذا سافر أتم مسح مسافر؟ الصحيح الثاني. • هل المعتبر في مدة المسح، والسفر، والإقامة: الابتداء أو الانتهاء؟ • العبرة بالمسح بالنهاية على الصحيح، ولا عبرة بالحدث، ولا في ابتداء المسح، كالصلاة يدخل وقتها، وهو مقيم، ثم يسافر قبل الصلاة فله القصر اعتبارًا بالنهاية، ولو كان مسافرًا، ثم أقام قبل خروج وقتها صلى صلاة مقيم اعتبارًا بالنهاية. • لو كان مسافرًا، ثم أقام اعتبرت النهاية بالإجماع، فكذلك إذا مسح مقيمًا ثم سافر اعتبرت النهاية على الصحيح. وقيل: • المسح عبادة مؤقتة، فيكون ابتداء وقتها من حين جواز فعلها قياسًا على

стр. 1570

الصلاة، فإذا أحدث وهو مقيم كان له أن يمسح مسح مقيم، وإن أحدث وهو مسافر كان له أن يمسح مسح مسافر. • مضي مدة المسح يوجب النزع وإن لم يمسح. • الحدث سبب للمسح على الخفين، فيعلق الحكم به. • إذا اجتمع في العبادة حضر وسفر غلب جانب الحضر. • المسح على الخفين فعل واحد، وعبادة واحدة فالمسح لا يتجزأ، وقد اجتمع فيه الحضر والسفر، فغلب الحضر. • المسح عبادة يختلف قدرها في الحضر والسفر، فإذا وجد أحد طرفيها في الحضر غلب حكمه؛ لأنه المتيقن، ولأن خاتمته محمولة على ابتدائه. [م-٢٥٤] إذا لبس خفيه، وهو مقيم، ثم سافر، فله حالات: الحالة الأولى: أن يسافر بعد لبس خفيه، وقبل حدثه، فهنا يمسح مسح مسافر، لأن مجرد اللبس لا يتعلق به حكم، قال النووي: بالإجماع. الحالة الثانية: أن يحدث، وهو مقيم، ولم يمسح إلا في السفر. فقيل: يمسح مسح مسافر. وهو مذهب الجمهور (١). وقيل: يمسح مسح مقيم، وهو اختيار المزني (٢)، وهو رواية عن أحمد (٣).

стр. 1571

وأما مذهب المالكية، فقال المازري: «ولا أعرف في المذهب فيها نصًا، ولكنها تلاحظ لاختلاف في المدونة فيمن ابتدأ الصيام في الحضر، ثم سافر في أثناء النهار، فأفطر، هل يكفر مراعاة لحال مبتدأ الفعل، أو لا يكفر مراعاة للحال التي هو عليها، فبين المسألتين تناسب من هذه الجهة» (١). • دليل الجمهور على أنه يمسح مسح مسافر: الدليل الأول: الإجماع، نقله ابن قدامة، قال: «لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في أن من لم يمسح حتى سافر، أنه يتم مسح المسافر» (٢). قلت: الخلاف محفوظ، عن أحمد وغيره كما سبق. الدليل الثاني: من النظر، أن كل عبادة اعتبر فيها الوقت، فإن ابتداء وقتها محسوب من الوقت الذي يمكن فيها فعلها، وصفتها معتبرة بوقت أدائها كالصلاة إن كانت ظهرًا، فأول وقتها زوال الشمس، وصفتها في القصر والإتمام بوقت الأداء والفعل، فإن كان وقت فعلها وأدائها مسافرًا قصر، وإن كان مقيمًا أتم، كذلك المسح عند الحنفية والشافعية والحنابلة أول زمانه وقت الحدث، وصفته في مسح المقيم والمسافر معتبر بوقت المسح (٣). • وجه من قال يمسح مسح مقيم: هذا القول مبني على أن ابتداء مدة المسح تبدأ من الحدث، وقد وجد في الحضر،

стр. 1572

فكان بمنزلة من مسح في الإقامة ثم سافر في اعتبار زمان المسح، ألا ترى أنه لو مر عليه بعد حدثه يوم وليلة، ولم يمسح، فقد انقضت المدة، كما لو مسح. ويجاب: بأن الراجح أن المدة تبدأ من المسح بعد الحدث، وقد فصلت هذا القول في مسألة مستقلة. الحالة الثالثة: أحدث في الحضر، ثم سافر بعد خروج وقت الصلاة. فعند الشافعية في هذه المسألة وجهان: الأول: قالوا: يتم مسح مقيم؛ لأن خروج وقت الصلاة عنه في الحضر بمنزلة دخوله في الصلاة في وجوب الإتمام، فكذا المسح. وقيل: يتم مسح مسافر؛ لأنه تلبس بالمسح، وهو مسافر، فهو كما لو سافر قبل خروج الوقت، ويخالف الصلاة، بأن الصلاة تفوت وتقضى، فإذا فاتت في الحضر، ثبتت في الذمة صلاة حضر، فلزمه قضاؤها، والمسح لا يفوت، ولا يثبت في الذمة، فصار كالصلاة قبل فوات الوقت (١). والصحيح أنه يمسح مسح مسافر لا لهذا التعليل، ولكن لأنه حين أراد أن يمسح في السفر كان حكمه حكم المسافر، اعتبارًا بحاله وقت المسح. الحالة الرابعة: أحدث، ومسح في الحضر، ثم سافر. فإن كان قد أكمل مسح يوم وليلة في الحضر قبل سفره، لم يكن له أن يمسح. وقال ابن حزم: يمسح ولو سافر بعد انقضاء اليوم والليلة (٢).

стр. 1573

والأول أقوى؛ لأنه لا يمكن أن يبني على مسح قد انتهاء بانتهاء مدته، فوجب عليه خلعهما قبل سفره. وإن كان قد سافر قبل تمام يوم وليلة، فاختلفوا: فقيل: يمسح مسح مقيم، وهو مذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢)، وبه قال إسحاق (٣). وقيل: يمسح مسح مسافر، وهو مذهب الحنفية (٤)، ورواية عن أحمد (٥)، وبه قال الثوري (٦). • دليل الجمهور: الدليل الأول: أنها عبادة اجتمع فيها الحضر والسفر، فغلب جانب الحضر. الدليل الثاني: ولأن المسح عبادة يختلف قدرها في الحضر والسفر، فإذا وجد أحد طرفيها في الحضر غلب حكمه؛ لأنه المتيقن.

стр. 1574

الدليل الثالث: القياس على الصلاة، قال النووي: «لو أحرم بالصلاة في سفينة في البلد فسارت، وفارقت البلد وهو في الصلاة، فإنه يتمها صلاة حضر باجماع المسلمين» (١). الدليل الرابع: مسحات الخف، وإن كن عبادات لا يرتبط بعضها ببعض، لكن وقتها وقت واحد، بعضه مرتبط ببعض، ولا بد من بناء أحد طرفيه على الآخر، فإذا وقع بعض المدة في الحضر، وجوزنا أن يتم مسح مسافر، لكان قد وقع مسح الثلاث في الإقامة والسفر، وهو خلاف الحديث. • دليل الحنفية على كونه يمسح مسح مسافر . الدليل الأول: أن الرسول ﷺ جعل للمسافر أن يمسح ثلاثة أيام ولياليهن، وهذا مسافر، ولم يفرق الشرع بين مسافر ومسافر، فمن فرق فعليه الدليل. الدليل الثاني: أن المسافر إذا مسح في سفره، ثم أقام، مسح مسح مقيم، فكان النظر في حاله إلى انتهائها، وليس إلى ابتدائها، فكذلك هذا، إذا مسح، وهو مقيم، ثم سافر اعتبرنا حاله بانتهائها، وهو مسح مسافر، ولا فرق. وكل حكم تعلق بالوقت اعتبر فيه آخره، فالحائض إذا طهرت فيه تجب عليها الصلاة، وإذا حاضت فيه سقطت عنها، والمسافر إذا أقام في آخر الوقت أتم، والمقيم إذا سافر فيه قصر، فكذلك المسح. قال ابن المنذر في الأوسط: «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم ممن يقول بالتحديد في المسح على الخفين على أن من مسح، ثم قدم الحضر، خلع خفه، وإن كان

стр. 1575

مسح أقل من يوم وليلة مسافرًا، ثم قدم، فأقام أن له ما للمقيم إن مسح في السفر يومًا وليلة مسح بعد قدومه تمام يوم وليلة، هذا قول سفيان، والشافعي، وأحمد، وأصحاب الرأي» (١). الدليل الثالث: ولكونه سافر قبل مضي مدة المسح، فأشبه من سافر قبل أن يمسح. الدليل الرابع: ولأن العبادة المعتبر فيها وقت الأداء، فالصلاة إذا دخل وقتها، وهو مقيم، ثم سافر، صلى صلاة مسافر. • الراجح: أن من سافر ولم يستكمل مدة المسح في إقامته أنه يبني عليها، فيمسح تمام ثلاثة أيام بلياليها، والله أعلم. * * *

стр. 1576

الفصل الرابع إذا مسح في السفر ثم أقام مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • العبرة بالمسح واعتبار السفر أو الإقامة بالنهاية لا بالبداية. [م-٢٥٥] رجل لبس خفيه، وهو في السفر، ثم أقام، فما حكمه؟ الجواب: لا يخلو هذا الرجل إما أن يكون قد مسح في سفره أم لا. فإن كان لم يمسح في سفره حتى أقام مسح يومًا وليلة مسح مقيم، وإن كان قد مسح في سفره، فلا يخلو فإما أن يكون قد استوفى مسح يوم وليلة أم لا. فإن كان قد استوفى مسح يوم وليلة في سفره، فقد انتهت مدته، ولا يصح أن يمسح في إقامته شيئًا، وإن لم يستوف مسح يوم وليلة أتم مسح مقيم، هذا مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، ممن يرى توقيت المسح.

стр. 1577

وقال المزني: إذا مسح في السفر يومًا وليلة، ثم أقام مسح ثلث يومين وليلتين، وذلك ثلثا يوم وليلة؛ لأنه لو مسح ثم أقام في الحال، مسح ثلث ما بقي، وهو يوم وليلة، فإذا بقي له يومان وليلتان، جاز له أن يمسح ثلثيهما (١). واختار بعض الحنابلة: أنه يمسح مسح مسافر إن كان مسح في سفره أكثر من يوم وليلة (٢)، ولا أعلم له دليلًا. • دليل الجمهور . الدليل الأول: أن هذا المسافر لما أقام أصبح حكمه حكم المقيم، ولا يجوز للمقيم أن يمسح أكثر من يوم وليلة. الدليل الثاني: أن المسح ثلاثة أيام ولياليهن إنما هي للمسافر، فإذا انتفى السفر، انتفت الرخصة. الدليل الثالث: أنه اجتمع في حاله حضر وسفر، فغلب حكم الحضر احتياطًا. وهنا الحنفية قد وافقوا الشافعية والحنابلة في الحكم، وإن كانوا يختلفون في العلة، فالعلة عند الحنابلة والشافعية أن الإقامة أغلظ الحالتين: أعني حالة السفر والإقامة. والعلة عند الحنفية: أن الإقامة نهاية الحالتين، فالاعتبار بالنهاية، لا بالأغلظ، ولذلك إذا مسح، وهو مقيم، ثم سافر يختلف الحكم عند الحنابلة والشافعية من

стр. 1578

جهة، وعند الحنفية من جهة أخرى، لاختلافهم في العلة، فيمنع الشافعية والحنابلة من المسح، لأن الاعتبار للأغلظ، ويجوز الحنفية المسح؛ لأن الاعتبار بالنهاية، والله أعلم. وأما دليل المزني، فقد ذكرت تعليله مع قوله، وتعليله ضعيف جدًّا، وإنما ذكرته ليعلم أن المسألة ليست إجماعًا عند من يرى التوقيت. وأما مذهب المالكية فلا تتأتى هذه المسألة عند المشهور من مذهبهم؛ لأنهم لا يرون التوقيت أصلًا، فهو يمسح حتى يخلع لا فرق بين المسافر والحاضر، والله أعلم. ويلحق بهذه المسألة لو مسح أحد الخفين في الحضر، والآخر في السفر، ففيها وجهان للشافعية: الأول: يمسح مسح مقيم، تغليبًا لجانب الحضر، اختاره النووي. وقيل: يتم مسح مسافر، اعتبارًا بتمام المسح. ولا يتأتى هذا التفصيل على القول الراجح، لأن المعتبر في المسح وقت الأداء، فإذا مسح في الإقامة، ثم سافر أتم مسح مسافر ما دام مسافرًا لما علمت (١). * * *

стр. 1579

الفصل الخامس إذا شك في ابتداء المسح مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • إذا شك هل ابتدأ المسح في الحضر أم في السفر؟ فالمعتبر حاله وقت المسح، فإن كان مقيمًا، فالمسح مسح مقيم، وإن كان مسافرًا فإنه يمسح مسح مسافر؛ لأن المعتبر حالته وقت المسح، لا وقت ابتداء المسح، وإن شك في ابتداء وقت المسح، هل بدأ المسح في الظهر أم في العصر؟ جعله في الظهر مطلقًا، لأنه المتيقن. [م-٢٥٦] إذا شك في ابتداء المسح، هل كان في الحضر أم في السفر؟ فالحنفية لا فرق عندهم هل كان ابتداء المسح في الحضر أم في السفر؟ لأن المعتبر عندهم حاله الآن في المسح، فالعبرة بالانتهاء، لا بالابتداء، فإن كان مسافرًا مسح مَسْحَ مسافر، وإن كان مقيمًا أتم مسح مقيم، وقد سبق النقل عنهم، مع ذكر أدلتهم. وأما الشافعية (١)، والحنابلة (٢)، الذين يقولون: يغلب جانب الحضر متى اجتمع حضر وسفر، فإن الشك مؤثر عندهم، ليعلم هل يمسح مسح مقيم أو يمسح مسح مسافر، فالمشهور عندهم أنه يمسح مسح مقيم؛ لأن الأصل غسل الرجل، والمسح رخصة، فإذا لم يتيقن شرط الرخصة، رجع إلى أصل الفرض، وهو الغسل، وإذا شك

стр. 1580

هل كان أول مسحه وقت الظهر أم وقت العصر جعله وقت الظهر؛ لأن الأصل غسل الرجلين، فلا يجوز المسح إلا فيما يتيقنه. والراجح في هذه المسألة أنه إن كان شك في ابتداء مسحه، وهو الآن مقيم، فالمسح مسح مقيم، وإن كان مسافرًا مسح مسح مسافر، لأن المعتبر حالته وقت المسح، وليس المعتبر ابتداء مسحه، وأما لو شك هل مسح في الظهر أم في العصر، فإن جعله في الظهر مطلقًا، فهو أحوط، وإن أراد أن يعمل بغلبة ظنه، فله ذلك، وقد شرع التحري في السهو في الصلاة، وعمل بالظن في أمور كثيرة، منها دخول وقت الصلاة، ومنها طلوع الفجر في الإمساك للصائم، وغروب الشمس للفطر، والاستجمار، وغسل الجنابة إذا غلب على ظنه تعميم الماء، ومثلها مسائل كثيرة يكفي فيها غلبة الظن. * * *
следующие страницы →