← Фикх общий

Фикх общий · id 157

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 3

دبيان الدبيان

Полный текст (5 371 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

الفصل الرابع إذا مسح في السفر ثم أقام مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • العبرة بالمسح واعتبار السفر أو الإقامة بالنهاية لا بالبداية. [م-٢٥٥] رجل لبس خفيه، وهو في السفر، ثم أقام، فما حكمه؟ الجواب: لا يخلو هذا الرجل إما أن يكون قد مسح في سفره أم لا. فإن كان لم يمسح في سفره حتى أقام مسح يومًا وليلة مسح مقيم، وإن كان قد مسح في سفره، فلا يخلو فإما أن يكون قد استوفى مسح يوم وليلة أم لا. فإن كان قد استوفى مسح يوم وليلة في سفره، فقد انتهت مدته، ولا يصح أن يمسح في إقامته شيئًا، وإن لم يستوف مسح يوم وليلة أتم مسح مقيم، هذا مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، ممن يرى توقيت المسح.

стр. 1577

وقال المزني: إذا مسح في السفر يومًا وليلة، ثم أقام مسح ثلث يومين وليلتين، وذلك ثلثا يوم وليلة؛ لأنه لو مسح ثم أقام في الحال، مسح ثلث ما بقي، وهو يوم وليلة، فإذا بقي له يومان وليلتان، جاز له أن يمسح ثلثيهما (١). واختار بعض الحنابلة: أنه يمسح مسح مسافر إن كان مسح في سفره أكثر من يوم وليلة (٢)، ولا أعلم له دليلًا. • دليل الجمهور . الدليل الأول: أن هذا المسافر لما أقام أصبح حكمه حكم المقيم، ولا يجوز للمقيم أن يمسح أكثر من يوم وليلة. الدليل الثاني: أن المسح ثلاثة أيام ولياليهن إنما هي للمسافر، فإذا انتفى السفر، انتفت الرخصة. الدليل الثالث: أنه اجتمع في حاله حضر وسفر، فغلب حكم الحضر احتياطًا. وهنا الحنفية قد وافقوا الشافعية والحنابلة في الحكم، وإن كانوا يختلفون في العلة، فالعلة عند الحنابلة والشافعية أن الإقامة أغلظ الحالتين: أعني حالة السفر والإقامة. والعلة عند الحنفية: أن الإقامة نهاية الحالتين، فالاعتبار بالنهاية، لا بالأغلظ، ولذلك إذا مسح، وهو مقيم، ثم سافر يختلف الحكم عند الحنابلة والشافعية من

стр. 1578

جهة، وعند الحنفية من جهة أخرى، لاختلافهم في العلة، فيمنع الشافعية والحنابلة من المسح، لأن الاعتبار للأغلظ، ويجوز الحنفية المسح؛ لأن الاعتبار بالنهاية، والله أعلم. وأما دليل المزني، فقد ذكرت تعليله مع قوله، وتعليله ضعيف جدًّا، وإنما ذكرته ليعلم أن المسألة ليست إجماعًا عند من يرى التوقيت. وأما مذهب المالكية فلا تتأتى هذه المسألة عند المشهور من مذهبهم؛ لأنهم لا يرون التوقيت أصلًا، فهو يمسح حتى يخلع لا فرق بين المسافر والحاضر، والله أعلم. ويلحق بهذه المسألة لو مسح أحد الخفين في الحضر، والآخر في السفر، ففيها وجهان للشافعية: الأول: يمسح مسح مقيم، تغليبًا لجانب الحضر، اختاره النووي. وقيل: يتم مسح مسافر، اعتبارًا بتمام المسح. ولا يتأتى هذا التفصيل على القول الراجح، لأن المعتبر في المسح وقت الأداء، فإذا مسح في الإقامة، ثم سافر أتم مسح مسافر ما دام مسافرًا لما علمت (١). * * *

стр. 1579

الفصل الخامس إذا شك في ابتداء المسح مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • إذا شك هل ابتدأ المسح في الحضر أم في السفر؟ فالمعتبر حاله وقت المسح، فإن كان مقيمًا، فالمسح مسح مقيم، وإن كان مسافرًا فإنه يمسح مسح مسافر؛ لأن المعتبر حالته وقت المسح، لا وقت ابتداء المسح، وإن شك في ابتداء وقت المسح، هل بدأ المسح في الظهر أم في العصر؟ جعله في الظهر مطلقًا، لأنه المتيقن. [م-٢٥٦] إذا شك في ابتداء المسح، هل كان في الحضر أم في السفر؟ فالحنفية لا فرق عندهم هل كان ابتداء المسح في الحضر أم في السفر؟ لأن المعتبر عندهم حاله الآن في المسح، فالعبرة بالانتهاء، لا بالابتداء، فإن كان مسافرًا مسح مَسْحَ مسافر، وإن كان مقيمًا أتم مسح مقيم، وقد سبق النقل عنهم، مع ذكر أدلتهم. وأما الشافعية (١)، والحنابلة (٢)، الذين يقولون: يغلب جانب الحضر متى اجتمع حضر وسفر، فإن الشك مؤثر عندهم، ليعلم هل يمسح مسح مقيم أو يمسح مسح مسافر، فالمشهور عندهم أنه يمسح مسح مقيم؛ لأن الأصل غسل الرجل، والمسح رخصة، فإذا لم يتيقن شرط الرخصة، رجع إلى أصل الفرض، وهو الغسل، وإذا شك

стр. 1580

هل كان أول مسحه وقت الظهر أم وقت العصر جعله وقت الظهر؛ لأن الأصل غسل الرجلين، فلا يجوز المسح إلا فيما يتيقنه. والراجح في هذه المسألة أنه إن كان شك في ابتداء مسحه، وهو الآن مقيم، فالمسح مسح مقيم، وإن كان مسافرًا مسح مسح مسافر، لأن المعتبر حالته وقت المسح، وليس المعتبر ابتداء مسحه، وأما لو شك هل مسح في الظهر أم في العصر، فإن جعله في الظهر مطلقًا، فهو أحوط، وإن أراد أن يعمل بغلبة ظنه، فله ذلك، وقد شرع التحري في السهو في الصلاة، وعمل بالظن في أمور كثيرة، منها دخول وقت الصلاة، ومنها طلوع الفجر في الإمساك للصائم، وغروب الشمس للفطر، والاستجمار، وغسل الجنابة إذا غلب على ظنه تعميم الماء، ومثلها مسائل كثيرة يكفي فيها غلبة الظن. * * *

стр. 1581

الفصل السادس في مسح المسافر العاصي بسفره مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • العصيان هل ينافي الترخص أم لا؟ • الرخصة هل هي باب الإعانة، والعاصي لا يحل أن يعان أم هي تشريع عام فتتناوله. • النصوص في الرخص مطلقة، تشمل المطيع والعاصي كقوله تعالى: (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ) وقال ﷺ : يمسح المسافر، ولا يقيد النصوص الشرعية إلا نص أو إجماع. • على القول بأن الرخص لا تستباح بالمعاصي فهذا إنما يؤثر في رخصة تختص بالسفر كقصر الصلاة، وأما الرخصة التي تكون فيه وفي الحضر كالمسح على الخفين فلا أثر للعصيان بالسفر فيها. • السفر الذي هو مناط القصر ليس معصية بعينه، وإنما الموصوف بالمعصية هو العاصي نفسه، فصار الشأن كمسح الخف المغصوب والصلاة في الدار المغصوبة. وقيل:

стр. 1582

• الرخص لا تنال بالمعاصي، وأما مقارنة المعاصي لأسباب الرخص فلا تمنع إجماعًا، فيجوز لأفسق الناس وأعصاهم التيمم عند عدم الماء، وكذلك الفطر إذا أضر به الصوم (١). [م-٢٥٧] إذا كان المسافر عاصيًا بسفره، فهل يمسح على الخفين أم لا؟ فقيل: يمسح مطلقًا، وهو مذهب الحنفية (٢)، واختاره ابن حزم (٣). وقيل: لا يمسح ما زاد على اليوم والليلة مطلقًا، وهو مذهب الشافعية (٤)، والحنابلة (٥). وقيل: لا يمسح مطلقًا لا مسح مقيم، ولا مسح مسافر، وهو وجه في مذهب الشافعية (٦). وقيل: كل رخصة جازت في الحضر كالمسح على الخفين والتيمم، وأكل الميتة، فتفعل، ولو كان عاصيًا بسفره، وكل رخصة تختص بالسفر، كقصر الصلاة، والفطر في رمضان، فشرطه ألا يكون عاصيًا بسفره، فلا تفعل، وهذا مذهب المالكية (٧). • دليل الحنفية على جواز المسح: الدليل الأول: النصوص في الكتاب والسنة مطلقة، لم تفرق بين مسافر وآخر، قال تعالى:

стр. 1583

(فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ) [البقرة: ١٨٤]. وقال ﷺ : (يمسح المسافر ثلاثة أيام بلياليها) فلو كان سفر المعصية غير داخل في النصوص لبينه الشرع: (وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً) [مريم: ٦٤]. ولا يجوز تقييد ما أطلقه الله سبحانه، وأطلقه رسوله ﷺ إلا بنص أو إجماع، وما دام الإذن مطلقًا بالمسح فلا مانع أن يمسح المسافر، ولو كان عاصيًا بسفره. الدليل الثاني: أن السفر نفسه لا يوصف بطاعة ولا معصية، وإنما تكون المعصية أو الطاعة مما يفعل فيه، فلا يقال: سفر طائع، أو عاص، وإنما يتصف بالطاعة والمعصية العبد بحسب أفعاله. الدليل الثالث: أن المقيم قد يكون على معصية وظلم للمسلمين وعدوان عليهم وفي ذلك ما هو أشد أحيانًا من سفر المعصية بل أنكم ترون المسح على الخفين من باب الرخص، ومع ذلك تسمحون للمقيم أن يمسح، ولو كانت إقامته للمعصية، فيكون استباح الرخصة بالمعصية، فينتقض دليلكم. الدليل الرابع: القياس على من نوى سفرًا مباحًا، ثم نوى المعصية بعده، فإذا كان هذا يمسح، فكذلك العاصي بسفره؛ إذ لا فرق (١).

стр. 1584

الدليل الخامس: قال الحنفية: نحن لا نجعل المعصية سببًا في الرخصة، وإنما السبب لحوق المشقة الناشئة من نقل الأقدام، والحر والبرد وغير ذلك، والمحظور ما يجاوره من المعصية، فكان السفر من حيث إفادته الرخصة مباحًا؛ لأن ذلك مما يقبل الانفصال. • دليل من قال: لا يمسح مسح مسافر: الدليل الأول: قوله تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْه) [البقرة: ١٧٣]. وقال تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ) [المائدة: ٣]. قال ابن قدامة: «أباح الأكل لمن لم يكن عاديًا ولا باغيًا، فلا يباح لباغ ولا عاد. قال ابن عباس: غير باغ على المسلمين، مفارق لجماعتهم، يخيف السبيل، ولا عاد عليهم» (١). • وأجيب: ما نسبه ابن قدامة لابن عباس غير معروف عنه، والمعروف عن ابن عباس في قوله: (غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ) أي غير باغ في أكل الميتة ولا عاد في أكله (٢). وهذا قول قتادة، والحسن، ورجحه ابن جرير الطبري في تفسيره (٣). وقال ابن تيمية: «أكثر المفسرين قالوا: المراد بالباغي: الذي يبغي المحرم من الطعام مع قدرته على الحلال، والعادي: الذي يتعدى القدر الذي يحتاج إليه، وهذا

стр. 1585

التفسير هو الصواب دون الأول .... ثم ذكر ابن تيمية أدلته على هذا الترجيح، فذكر منها: أولًا: أن الضرورة لا تختص بسفر، ولا من شرط الخارج على الإمام أن يكون مسافرًا، والبغاة الذين أمر الله بقتالهم في القرآن لا يشترط فيهم أن يكونوا مسافرين، ولا كان الذين نزلت الآية فيهم أولًا مسافرين، بل كانوا من أهل العوالي مقيمين، واقتتلوا بالنعال والجريد، فكيف يجوز أن تفسر الآية بما لا يختص بالسفر. ثانيًا: لم يكن على عهد النبى ﷺ إمام يخرج عليه. ثالثًا: أن قوله تعالى: (غَيْرَ بَاغٍ) حال من اضطر، فيجب أن يكون حال اضطراره وأكله الذي يأكل فيه، غير باغ ولا عاد. رابعًا: أن قوله: (فَلا إِثْمَ عَلَيْه) ومعلوم أن الإثم إنما ينفى عن الأكل، الذي هو الفعل، لا عن نفس الحاجة إليه. خامسًا: أن الله تعالى يقرن بين البغي والعدوان، فالبغى: ما جنسه ظلم، والعدوان: مجاوزة القدر المباح كما قرن بين الإثم والعدوان في قوله: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) [المائدة: ٢]. فالإثم: جنس الشر. والعدوان: مجاوزة القدر المباح فالبغي من جنس الإثم (١). الدليل الثاني: الإجماع، نقل النووي الإجماع على أن الرجل إذا كان سفره معصية كقطع الطريق، وإباق العبد أنه لا يمسح ثلاثة أيام بلا خلاف (٢). ودعوى الإجماع فيها نظر؛ فإن الحنفية لا يفرقون بين العاصي بسفره، والعاصي في سفره، فكلاهما يحل له الترخص عندهم.

стр. 1586

قال في مراقي الفلاح: «فيقصر فرض الرباعي من السفر، ولو كان عاصيًا بسفره، كآبق من سيده، وقاطع طريق، لإطلاق الرخصة» (١). الدليل الثالث: أن الإقامة نفسها ليست معصية؛ لأنها كف، وإنما الفعل الذي يوقعه في الإقامة معصية، والسفر وسيلة للمعصية، والوسائل لها أحكام المقاصد، فما كان وسيلة للمعصية فهو معصية، لهذا ما زاد على اليوم والليلة إنما يستبيحه بسبب سفر المعصية، والرخص لا تستباح بالمعاصي، وذلك أن الترخص تخفيف، والتخفيف على العاصي إعانة له على معصيته، والله يقول: (وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) [المائدة: ١]. • ويجاب: قال ابن تيمية: «قولهم: إن هذا إعانة على المعصية فغلط؛ لأن المسافر مأمور بأن يصلي ركعتين، كما هو مأمور إذا عدم الماء في السفر المحرم أن يتيمم ويصلي، وما زاد على الركعتين ليست طاعة ولا مأمورًا بها أحد من المسافرين، وإذا فعلها المسافر كان قد فعل منهيًا عنه، فصار صلاة الركعتين مثل أن يصلي المسافر الجمعة خلف مستوطن، فهل يصليها إلا ركعتين، وإن كان عاصيًا بسفره، وإن كان إذا صلى وحده صلى أربعًا. وكذلك صومه فى السفر ليس برًا، ولا مأمورًا به؛ فإن النبى ﷺ ثبت عنه أنه قال: ليس من البر الصيام فى السفر، وصومه إذا كان مقيمًا أحب إلى الله من صيامه فى سفر محرم، ولو أراد أن يتطوع على الراحلة فى السفر المحرم لم يمنع من ذلك، وإذا اشتبهت عليه القبلة أما كان يتحرى ويصلي، ولو أخذت ثيابه أما كان يصلي عريانًا. فإن قيل: هذا لا يمكنه إلا هذا. قيل: والمسافر لم يؤمر إلا بركعتين، والمشروع فى حقه أن لا يصوم، وقد اختلف الناس لو صام، هل يسقط الفرض عنه؟ واتفقوا على أنه إذا صام بعد رمضان أجزأه، وهذه المسألة ليس فيها احتياط، فإن طائفة يقولون:

стр. 1587

من صلى أربعًا، أو صام رمضان في السفر المحرم لم يجزئه ذلك، كما لو فعل ذلك في السفر المباح عندهم. وطائفة يقولون: لا يجزيه إلا صلاة أربع وصوم رمضان، وكذلك أكل الميتة واجب على المضطر، سواء كان في السفر أو الحضر، وسواء كانت ضرورته بسبب مباح أو محرم، فلو ألقى ماله في البحر واضطر إلى أكل الميتة كان عليه أن يأكلها، ولو سافر سفرًا محرمًا، فأتعبه، ولو قاتل قتالًا محرمًا حتى أعجزته الجراح عن القيام، صلى قاعدًا. فإن قيل: فلو قاتل قتالًا محرمًا هل يصلي صلاة الخوف؟ قيل: يجب عليه أن يصلي، ولا يقاتل، فإن كان لا يدع القتال المحرم، فلا نبيح له ترك الصلاة، بل إذا صلى صلاة خائف كان خيرًا من ترك الصلاة بالكلية، ثم هل يعيد؟ هذا فيه نزاع، ثم إن أمكن فعلها بدون هذه الأفعال المبطلة فى الوقت وجب ذلك عليه؛ لأنه مأمور بها، وأما إن خرج الوقت ولم يفعل ذلك ففي صحتها وقبولها بعد ذلك نزاع» (١). الدليل الرابع: أن في منعه من ترخص السفر كالمسح والقصر والفطر ونحوها تذكيرًا له في جوب التوبة عليه والرجوع عما عصى الله فيه. • وأجيب: لو أن هذا العاصي في سفره أمرناه بترك التيمم إذا احتاج لاستعمال الماء، فهو بَيْنَ أن نلزمه باستعمال الماء في الطهارة ويهلك، وإهلاك النفس مفسدة كبرى لا يمكن أن يأمر بها الشرع، وبين أن يترك الصلاة فلا يتيمم، ولا يغتسل، ومن ثم لا يصلي، وترك الصلاة مصيبة كبرى، وبين أن يتيمم ويؤدي الصلاة، ويأثم بسفره، وهو أخف

стр. 1588

الضررين، ويوافق يسر الشريعة وسماحتها (١). • دليل المالكية على المنع من الرخص المختصة بالسفر دون غيرها: قالوا: إن كل رخصة تختص بالسفر كالقصر والفطر لا يجوز له الترخص فيها، وأدلتهم هي نفس أدلة الشافعية والحنابلة ذلك أن الرخص لا تستباح بالمعاصي. وأما الرخص التي لا تختص بالسفر كالتيمم عند عدم الماء، وأكل الميتة عند الاضطرار، فإن حكمه حكم المقيم العاصي، فإذا كان المقيم يترخص بهذه الرخص، ولو كان عاصيًا، فكذلك المسافر العاصي في سفره فإن له الترخص فيها؛ لأن استباحة هذه الرخص لم تكن بسبب السفر حتى يمنع منها. وكيف يجوز منعه من أكل الميتة ومن التيمم لأجل معصية ارتكبها، وفي ترك الأكل تلف نفسه، وتلك أكبر المعاصي، وفي تركه التيمم إضاعة للصلاة، أيجوز أن يقال: ارتكبت معصية فارتكب أخرى، أيجوز أن يقال لشارب الخمر: ازن، وللزاني اقتل. • الراجح: أن الرخص تشريع عام، تشمل العاصي وغيره، والنصوص في الترخص مطلقة، ولا تقيد إلا بنص من الشارع، ولم يأت من منع بدليل قوي سالم من النزاع يصار إليه، والله أعلم. * * *

стр. 1589

مبحث في ترخص العاصي في سفره مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • العاصي في سفره له أن يترخص برخص السفر بالإجماع؛ لأن سفره ليس سببًا في فعل المحرم. [م-٢٥٨] هناك فرق بين العاصي بسفره، والعاصي في سفره، فالأول أنشأ السفر من أجل المعصية، ولولا السفر لم يتمكن من فعلها، كما في قطع الطريق، وإباق العبد، وكما لو سافر بقصد عمل الفواحش، ومنه السفر من أجل طلب العلوم المحرمة كالسحر والموسيقى. وأما العاصي في سفره بأن يكون الباعث على السفر أمرًا مباحًا، لكنه في سفره فعل فيه أمورًا محرمة، كالغيبة، وشرب الدخان، وسماع الغناء وغيرها كثير، فهذا يقال عاص في سفره، وليس عاصيًا بسفره. والعاصي في سفره له أن يترخص برخص السفر؛ لأن سفره ليس سببًا في فعل المحرم، وقد نقل الإجماع على ذلك ابن عابدين من الحنفية (١)، والدسوقي في

стр. 1590

حاشيته (١)، وغيرهما. قال الصاوي من المالكية: «بخلاف المعصية في السفر، فلا تمنع اتفاقًا كالسفر لتجارة، ثم تعرض له معاص» (٢). قال النووي: «أما العاصي في سفره، وهو من خرج في سفر مباح وقصد صحيح، ثم ارتكب معاصي في طريقه كشرب الخمر وغيره، فله الترخص بالقصر وغيره بلا خلاف؛ لأنه ليس ممنوعًا من السفر، وإنما يمنع من المعصية، بخلاف العاصي بسفره» (٣). وجاء في حاشية العنقري: «خرج بقولنا: (العاصي بسفره) العاصي فيه، فإن له الترخص، نقله من فيروز» (٤). وقال في كشاف القناع: «ويقصر من ابتدأ سفرًا، ولو عصى في سفره الجائز، كأن شرب مسكرًا ونحوه، كأن زنى فيه، أو قذف، أو اغتاب؛ لأنه لم يقصد السفر لذلك» (٥). * * *

стр. 1591

الباب السادس في أحكام لبس الخف على الخف الفصل الأول في جواز المسح إذا لبس خفًّا على خف مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • إذا جاز المسح على خف لبس على جورب، جاز المسح على خف لبس على خف، ولا فرق. • الخفان بحكم الخف الواحد، إذا لبسا معًا، فيعتبر الأعلى في حكم الظهارة، والأسفل في حكم البطانة. [م-٢٥٩] هل له أن يلبس خفًا على خف؟ اختلف العلماء في هذا: فقيل: يجوز أن يلبس خفًا على خف، وهو مذهب الحنفية (١)، والحنابلة، ورواية في مذهب مالك (٢)، والقول القديم للشافعي (٣).

стр. 1592

وقيل: لا يجوز، وهو رواية عن مالك (١)، والقول الجديد للشافعي (٢). قال ابن رشد: «وسبب الخلاف: هل كما تنتقل طهارة القدم إلى الخف إذاستره الخف، كذلك تنتقل طهارة الخف الأسفل الواجبة إلى الخف الأعلى، فمن شبه النقلة الثانية بالأولى أجاز المسح على الخف الأعلى، ومن لم يشبهها بها، وظهر له الفرق لم يجز ذلك» (٣). قلت: هذا التنظير على مذهب المالكية، وليس بلازم، فإن الخف الأعلى ليس بدلًا عن الخف الأسفل، وإنما الخفان كالشيء الواحد انتقل فرض الغسل إلى المسح حين لبسهما. • أدلة القائلين بالجواز . الدليل الأول: (٦٣٢ - ١٢٩) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي إدريس، عن بلال ﵁، قال: رأيت رسول الله ﷺ يمسح على الموقين والخمار (٤). [منقطع، وفي إسناده اختلاف كثير] (٥).

стр. 1593

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1594

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1595

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1596

الدليل الثاني: (٦٣٣ - ١٣٠) ما رواه البيهقي في سننه، قال: أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، ثنا أبو جعفر محمد بن محمد بن نصير الصوفي، ثنا علي بن عبد العزيز، نا الحسن بن الربيع، ثنا أبو شهاب الحناط، عن عاصم الأحول، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ كان يمسح على الموقين والخمار (١). [أعله الدارقطني وأبي حاتم الرازي، والمحفوظ فيه المسح على الخفين موقوفًا على أنس] (٢). الدليل الثالث: (٦٣٤ - ١٣١) ما رواه الطبراني في الأوسط من طريق المسيب بن واضح، قال: نا مخلد ابن الحسين، عن هشام بن حسان، عن حميد بن هلال، عن عبدالله بن الصامت، عن أبي ذر، قال: رأيت رسول الله ﷺ يمسح على الموقين والخمار. قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن هشام بن حسان إلا مخلد بن الحسين، تفرد به المسيب بن واضح (٣). [ضعيف جدًّا] (٤).

стр. 1597

الدليل الرابع: أن الخف الأعلى خف ساتر، يمكن متابعة المشي عليه، أشبه المنفرد. الدليل الخامس: جاء الإذن بالمسح على الخف، ولا فرق بين أن يكون خفًا واحدًا أو أكثر، ومن منع فعليه الدليل. الدليل السادس: أن الخفين بحكم الخف الواحد، حيث يعتبر الأعلى في حكم الظهارة، والأسفل في حكم البطانة، أو أن الأسفل كاللفافة فوقها خف، أو أن الخف الثاني بمنزلة الجورب، فإذا كان يجوز المسح على خف تحته جورب، فيجوز المسح على خف تحته خف. الدليل السابع: ولأن الحاجة قد تدعو إليه لا سيما في البلاد الباردة جدًّا، فقد لا يكفي خف واحد أو جورب واحد. الدليل الثامن: الإجماع على جواز المسح، قال المزني: لا أعلم بين العلماء في جوازه خلافًا. وقال الشيخ أبو حامد: هو قول العلماء كافة.

стр. 1598

قال الماوردي: واختيار المزني أن المسح عليه جائز، لعموم قوله ﷺ : يمسح المقيم يومًا وليلة (١). • أدلة المانعين: الدليل الأول: أن الحاجة لا تدعو إلى لبسه في الغالب، وإنما تدعو إليه في النادر، فلا تتعلق به رخصة عامة، ولأن المسح على الخف أبيح لضرورة مشقة خلعه ولبسه، وذلك معدوم في الموق كالنعل. • وأجيب: بأن الشرع يعلق الحكم بعلة منضبطة، ولذلك فالعلة في الفطر للمسافر هي السفر، وليس المشقة، وأن أصل الرخصة مراعاة المشقة، فكذلك العلة في المسح على الخفين لبسهما على طهارة، سواء كان اللابس لهما محتاجًا إلى ذلك أو غير محتاج، في زمن البرد وغيره، شق نزعه أو لم يشق. الدليل الثاني: قالوا: إن الرخصة جاءت بالمسح على خف واحد، فلا نتعداها. • وأجيب: بأنه لم يأت شرط في الشرع بأن يكون الخف واحدًا، وكون الفعل وقع على خف واحد؛ لأن الرسول ﷺ كان في بلاد الحجاز، وهي لا تحتاج إلى لبس خف على خف، ومجرد الفعل لا يكون شرطًا، مع أن الرسول ﷺ مسح على الموق، وقد قدمنا قول أهل اللغة في تفسير الموق، وتصححون المسح على خف ملبوس على جورب، مع أن هذا لباس على لباس.

стр. 1599

الدليل الثالث: أن الخف الأعلى ملبوس على ممسوح، فلم يجز أن يمسح في الوضوء لغير ضرورة كالعمامة، وبمعنى آخر: أن الأصل في مسح الخف كونه بدلًا عن الرجل، والبدل لا يكون له بدل، ولهذا لما كان التيمم بدلًا عن الماء لم يجعل للتيمم بدل. • ويجاب: بأن الخف ليس بدلًا عن الرجل، وإنما فرض القدم الغسل إن كانت مكشوفة أو المسح إن كانت داخل الخف، وليس هذا بدلًا عن ذاك، وعلى فرض أن يكون الخف بدلًا عن الرجل فإن الخف الأعلى ليس بدلًا عن الأسفل، وإنما هو بدل عن الرجل، ولذا نشترط لبسه على طهارة الماء، لا على طهارة المسح. • القول الراجح: بعد استعراض الأدلة يتبين أن القول بجواز مسح خف على خف أقوى من حيث الأدلة، وأقرب من حيث الحكمة من إباحة المسح على الخفين، وخاصة في بعض بلاد المسلمين كالبلاد التي يكون فيه البرد قارصًا، وقد لا يكفي خف واحد، أو جورب واحد، بحيث يتجمد الدم في عروق الأصابع، ومن جرب هذا عرف قدر حاجة تلك البلاد إلى لبس خف على خف، وجورب على جورب، والله أعلم. * * *

стр. 1600

الفصل الثاني في مسح الخف الثاني إذا لبسه بعد الحدث مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • المسح لا يكون إلا على خف ملبوس بطهارة مائية، هذا شرط المسح، وما كان شرطًا في الخف الأسفل فهو شرط في الخف الأعلى، ومن أخرج الخف الأعلى من هذا الشرط فعليه الدليل. • قال ﷺ : دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، وإذا كانت القدم لا توصف بالطهارة إلا بإتمام طهارة سائر الأعضاء، فمن لبس خفًا وهو محدث لم يتحقق شرط المسح. • قال ﷺ : دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، المقصود بقوله: (طاهرتين) الطهارة الشرعية (الطهارة من الحدث)، وليس الطهارة اللغوية النظافة؛ لأن ألفاظ الشارع تحمل على الحقيقة الشرعية. وهل المقصود بطهارة الحدث: مطلق الطهارة، ولو كانت عن مسح، أو الطهارة المائية؟ الراجح الثاني. • لو كان المطلوب مطلق الطهارة لم يكن للتوقيت فائدة؛ إذ قبل انتهاء المدة يخلع خفيه، ثم يعيد لبسهما، فيستأنف مدة جديدة، خاصة مع القول بأن خلع الخف

стр. 1601

لا يبطل الطهارة، وهو الصحيح. • يشترط للمسح على الخف الأعلى ما يشترط للأسفل، وهو لبسه على طهارة مائية إلا أن يلبسهما معًا فيكونا في حكم الخف الواحد. • شروط لبس الخف على آخر هي شروط لبس الخف على القدم؛ لأن الخف الأعلى ألغى حكم الأسفل، فإن لبس على طهارة مائية مسح على الخف الأعلى، وإن لبسه على حدث أو على طهارة مسح لم يمسح عليه عند الوضوء، لفقد شرط المسح. • الخف الأعلى والأسفل إنما يصح اعتبار أحدهما ظهارة والآخر بطانة إذا لبس معًا فإن فرَّق لبسهما لم يكونا في حكم الخف الواحد، فالظهارة والبطانة إنما تلبس وتخلع معًا. • إذا مسح على خفيه، ثم لبس عليه آخر فإنه ينزعه إذا أراد أن يمسح عليه؛ لأن الأعلى يحول بينه وبين الخف الواجب مسحه، كما لو علق بالخف طين فإنه لا يمسح عليه؛ لأنه حائل بينه وبين الخف الواجب مسحه. [م-٢٦٠] إذا لبس خفًا على خف على طهارة مائية، وقبل الحدث مسح على الخف الفوقاني قولًا واحدًا عند من يجيز المسح على الخف فوق الخف. وإذا لبس الخف الأول، ثم أحدث، ثم لبس خفًا عليه، وهو محدث، فله حالتان: الأولى: أن يكون ذلك قبل أن يمسح على الأسفل، وفيه قولان: فقيل: لا يمسح إلا على الأسفل وهو مذهب الحنفية (١)، وأحد القولين في

стр. 1602

مذهب المالكية (١)، والحنابلة (٢)، وقول العراقيين من الشافعية (٣). وقيل: يجوز المسح على الأعلى، ولو لبسه، وهو محدث، ما دام قد لبس الأسفل على طهارة، وهو أحد القولين في مذهب المالكية، واختاره الخراسانيون من الشافعية (٤). • تعليل الجمهور: التعليل الأول: يشترط للمسح على الخف الأعلى ما يشترط للأسفل، وهو لبسه على طهارة مائية؛ لأنك حين لبست الخف الأعلى فقد ألغيت الخف الأسفل، فكان وجوده كعدمه، إلا أن يلبسهما معًا فيكونا في حكم الخف الواحد. التعليل الثاني: الخف الأعلى والأسفل إنما يصح اعتبار أحدهما ظهارة والآخر بطانة إذا لبس معًا فإن فرَّق لبسهما لم يكونا في حكم الخف الواحد، فالظهارة والبطانة إنما تلبس وتخلع معًا. التعليل الثالث: لا يصح المسح على الأعلى بعد الحدث؛ لأن المسح قد تعلق بالخف الملبوس على طهارة مائية، فصار الخف الأعلى يمنع وصول المسح إلى الخف الواجب مسحه، كما لو علق بالخف طين فإنه لا يمسح عليه؛ لأنه حائل بينه وبين الخف الواجب مسحه.

стр. 1603

• وتعليل الخرسانيين: قاس الخرسانيون هذه المسألة على من لبس خفًا، ثم أحدث، ثم رقع فيه رقعة، فيجوز المسح، فكذلك الأعلى بمثابة الرقعة للأسفل، ما دام أنه قد لبس الأسفل على طهارة. • ونوقش: بأن الرقعة تابعة، لا تمنع من مسح الخف الأسفل بخلاف الخف المستقل فإنه يلغي الخف الأسفل. الحالة الثانية: أن يلبس الخف الأعلى بعد أن مسح على الخف الأسفل، وقبل الحدث. فقيل: لا يمسح إلا على الأسفل، وهو مذهب الحنفية (١)، والحنابلة (٢)، وقول في مذهب المالكية (٣)، ووجه في مذهب الشافعية (٤). وقيل: بل يمسح على الأعلى، وهو قول في مذهب المالكية، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية (٥). • تعليل القائلين بجواز المسح. قالوا: إذا كان المسح على الخفين رافعًا للحدث، فإذا لبس الخف الأعلى بعد المسح يصدق عليه أنه أدخل رجليه الخف، وهما طاهرتان، فجاز له أن يمسح.

стр. 1604

• تعليل الجمهور. قالوا: إن الخف الأعلى لم يلبسه على طهارة مائية، وهي شرط في صحة المسح على الخف، وليس المطلوب مطلق الطهارة، ولذلك لو كانت طهارته بالتيمم لم يمسح الخف فيها إذا وجد الماء، ولا يقال: ما دام أن التيمم مطهر فليمسح عليهما؛ لأنه يصدق عليه أنه لبسهما، وهو طاهر، ولهذا يعلقون المدة بالخف الأسفل، لا بالخف الأعلى، ولو كان لبسه على طهارة المسح مؤثرًا لعلق الحكم بالأعلى، فهم في مدة المسح ألغوا الخف الأعلى، وهذا دليل على ضعف القول بالمسح عليه، ويلزم على قولهم إلغاء التوقيت، فقبل أن تنتهي المدة، ينزع الرجل خفيه قبل انتقاض طهارته، ثم يلبسه مرة أخرى ليستأنف مدة جديدة، ويصدق عليه أنه لبسه على طهارة، وبالتالي تذهب الحكمة من القول بالتوقيت في المسح على الخفين، وهم لا يقولون بهذا، ويشترطون أن تكون الطهارة مائية، فإذا كان ذلك كذلك لزم أن تكون الطهارة مائية للخف الأعلى أيضًا إذا كان المسح سوف يعلق به، والله أعلم. * * *

стр. 1605

الفصل الثالث في المسح على الخف المخرق مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • شروط العبادة كأصلها لا يثبت منها شيء إلا بدليل صحيح صريح. • أكثر شروط المسح على الخفين هي من صنع الفقهاء، ليس عليها أثر، ولا نظر صحيح. [م-٢٦١] إذا كان الخفان أو أحدهما مخرقًا، فهل يصح المسح عليه؟ أما على قول من يجيز المسح على الخف المخرق فلا إشكال تخرق الخفان أم لا، وهو قول سفيان الثوري، وإسحاق، وابن المبارك، وابن تيمية وغيرهم وقد سبق بحث مسألة المسح على الخف المخرق. وأما على قول من يمنع المسح على الخف المخرق مطلقًا كالشافعية والحنابلة، أو يفرق بين الخرق اليسير والكبير كالحنفية والمالكية، باعتبار أن الخرق اليسير معفو عنه، فللمسألة صور عندهم: الصورة الأولى: أن يكون الخفان مخرقين، الأعلى والأسفل، فيجب نزع الجميع، وهو مذهب الحنفية، ومذهب المالكية، ووجه في مذهب الشافعية، والمشهور من

стр. 1606

مذهب الحنابلة (١). وعللوا ذلك: بأنه لو انفرد كل خف ما جاز المسح عليه، فكذلك إذا اجتمعا. وقيل: يجوز المسح عليهما إن كان الخرقان في موضعين متفاوتين، ويكون أحد الخفين بمنزلة الظهارة والثاني بمنزلة البطانة، وإذا تخرقت البطانة وبقي شيء من الظهارة يستر القدم لم يمنع المسح عليه (٢). ولأن القدم استترا بهما فكانا كخف واحد. والصحيح جواز المسح عليهما مطلقًا، سواء كان الخرقان متحاذيين أم لا، لأن خرق الخف لا يمنع من المسح عليه، وليس التعليل بأن أحدهما ظهارة والأخرى بطانة كما علل. الصورة الثانية: أن يكون الأسفل مخرقًا، والأعلى سليمًا، فهذا يجوز المسح عليه قولًا واحدًا عند من يجيز المسح على الخف فوق الخف. وعللوا ذلك: بأن الحكم للأعلى، والأسفل أصبح في حكم الملغي أو بمنزلة

стр. 1607

اللفافة، وهو القول القديم للشافعي (١)، والمشهور في مذهب الحنابلة (٢). الصورة الثالثة: أن يكون الأعلى مخرقًا والأسفل صحيحًا. فقيل: إن كان الخرق مانعًا من المسح كما لوكان بمقدار ثلاثة أصابع فأكثر لم يجز المسح على الأعلى، بل يمسح على الأسفل، وهو مذهب الحنفية (٣). وقيل: المسح يتعلق بالأسفل دون الأعلى إذا تخرق الأعلى مطلقًا، وهو قول في مذهب الشافعية (٤)، واختاره بعض الحنابلة (٥). ووجهه: أن الأعلى لم يمكن المسح عليه لكونه مخرقًا فوجب المسح على الأسفل. وقيل: يصح المسح على الفوقاني، ولو تخرق الأعلى وهو وجه في مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد (٦).

стр. 1608

وجهه: أن الأعلى بمنزلة الظهارة، والأسفل بمنزلة البطانة، ولو تخرقت الظهارة وبقيت البطانة تستر البشرة لم يمنع من المسح عليها. وقيل: في توجيه المسح على الأعلى: أنهما كنعل مع جورب يمسح عليهما معًا (١). وقيل: يمسح على أيهما شاء، وهو قول في مذهب الحنابلة (٢). وقد بينت في مسألة المسح على الخف المخرق أنه يصح المسح عليه؛ لأنه لا يشترط أن يستر الخف محل الفرض. والله أعلم. * * *

стр. 1609

الفصل الرابع إذا مسح الأعلى ثم خلعه مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • الخفان هل هما بمنزلة الخف الواحد حتى إذا خلع الأعلى لم يؤثر ذلك على المسح وقد بقي الأسفل؟ أو هما خفان منفصلان، فإذا مسح الأعلى تعلق الحكم به، فإذا نزعه لم يصح أن يكون الأسفل بدلًا منه؛ لأن الأعلى إن كان بدلًا عن غسل القدم فقد خلع، وإن كان بدلًا عن الأسفل، فلا يصح أن يتحول الأسفل من مبدل إلى بدل عن البدل. • الخف الأعلى والأسفل إنما يكونا بمنزلة الخف الواحد وكأن أحدهما ظهارة والآخر بطانة إذا لبس معًا فإن فَرَّق لبسهما لم يكونا في حكم الخف الواحد، فالظهارة والبطانة إنما تلبس وتخلع معًا. [م-٢٦٢] إذا مسح الخف الأعلى، ثم خلعه من رجليه أو من أحدهما، فهل يمسح الخف الأسفل أم لا؟ فيه خلاف: فقيل: يكفي أن يعيد المسح على الخف الأسفل، ولا يجب عليه خلع الأسفل ولا استئناف الوضوء، ويكمل ما بقي له من مدة المسح.

стр. 1610

وهذا مذهب الحنفية (١)، ومذهب المالكية إلا أن المالكية اشترطوا أن يكون مسح الأسفل في الحال؛ فإن تأخر في المسح استأنف الوضوء لأن الموالاة عندهم شرط خلافًا للحنفية (٢). • وجه هذا القول: أن الحنفية والمالكية نزلوا الخفين الأسفلين منزلة الرجلين مع الخفين، لهذا لو كان عليه خف واحد، ونزعه، وجب عندهما غسل القدم لبقاء الطهارة، فإذا كان عليه خفان، ونزع الأعلى، فالممسوح قد زال، لهذا وجب عليه مسح الأسفل لبقاء الطهارة. وسوف نناقش في مسألة مستقلة إن شاء الله تعالى حكم الطهارة إذا خلع الخف. وللشافعية في هذه المسألة ثلاثة وجوه لاختلاف قولهم في معنى الخف الأعلى وزاد الحنابلة وجهًا رابعًا (٣). فالأصح والأظهر عند الشافعية: أن الخف الأعلى بدل عن الأسفل، والأسفل بدل الغسل، وعلى هذا فلا يلزمه نزع الأسفل، ولكن هل يكفيه مسح الخفين أم يجب أن يستأنف الوضوء دون نزع الأسفل، فيه القولان في نازع الخفين. الوجه الثاني: أن الخف الأسفل بمنزلة اللفافة، والأعلى هو الخف، فإذا نزع الأعلى، وجب

стр. 1611

نزع الأسفل؛ وهو وجه في مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة؛ لأن المسح على اللفائف لا يجوز عندهما، وقد سبق الكلام على المسح على اللفائف، فأغنى عن الكلام على هذا الوجه. الوجه الثالث: أن الخف الأعلى بمنزلة الظهارة، والأسفل بمنزلة البطانة، وبناء عليه إذا خلع الأعلى فكما لو زالت الظهارة فعند الشافعية لا يجوز له المسح عليه، وعند الحنابلة يجوز كما لو تمزقت الظهارة (١). الوجه الرابع: الصحيح من مذهب الحنابلة أن الخف الفوقاني والتحتاني بدل مستقل عن الغسل. وعليه إذا نزع الفوقاني وجب نزع التحاني. قال في الإنصاف: «لو نزع خفًا فوقانيًا فالصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب يلزمه نزع التحتاني، فيتوضأ كاملًا أو يغسل قدميه على الخلاف السابق ...... واعلم أن كلًا من الخف الفوقاني والتحتاني بدل مستقل عن الغسل» (٢). • الراجح: أن الخف الأعلى ليس بدلًا عن الخف الأسفل، وإنما يعتبر الخفان بمنزلة الخف الواحد وحتى يكونا كذلك فإنه يشترط لهما أن يلبسا معًا على طهارة مائية، كما أن الظهارة والبطانة تلبسا معًا على طهارة مائية، فإذا خلع الأعلى أكمل المدة مع الخف

стр. 1612

الأسفل، ولا يلزمه مسح الأسفل، ولا استئناف الوضوء، ولا يصح له إعادة الأعلى بعد خلعه ليمسح عليه، أما إذا مسح على الأسفل فقد تعلق الحكم به، فلا يمسح الأعلى بطهارة المسح؛ لأن شرط المسح على الخف الأعلى هو شرط المسح على الخف الأسفل، وهو لبسه على طهارة مائية، والله أعلم. * * *

стр. 1613

الباب السابع مبطلات المسح على الخفين الفصل الأول إذا نزع خفيه بعد المسح وقبل تمام المدة مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • من ثبتت طهارته بدليل لم تبطل إلا بدليل صحيح صريح. • خلع الخف ليس حدثًا، وزوال الممسوح لا يبطل المسح، فهو بمنزلة حلق شعر الرأس بعد المسح عليه. • قال ﷺ : دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، فرتب ترك الغسل على شرطين إدخالهما، وعلى طهارة، فخلعهما مناف لقوله: أدخلتهما، والذي هو شرط المسح، فإذا فقد المسح شرطه بطل المسح، وإبطال المسح لا يعني إبطال الطهارة. • خلع الخف غايته أن يكون اللابس أراد إنهاء المسح قبل انتهاء مدته، وإنهاء المسح ليس حدثًا فلا يبطل الطهارة. • خلع الخف لا يوجب غسل القدم على الصحيح؛ لأن الطهارة إذا انتقض بعضها انتقض جميعها. • التعبد برفع الحدث هو في مسح الخف، لا في بقاء الممسوح فإذا مسح فقد حصل المراد، وسواء بقي الممسوح أو زال فحدثه لا يعود إلا بما يعتبر حدثًا.

стр. 1614

[م-٢٦٣] إذا خلع خفيه، وهو على طهارة المسح، فهل تبطل طهارته؟ فقيل: يجب عليه أن يغسل قدميه، ولا تشترط الموالاة، وهو مذهب الحنفية، والقول الجديد للشافعي، ورواية عن أحمد (١). وقيل: إن غسل قدميه مباشرة، كفاه، وإن أخر حتى طال الفصل، استأنف الوضوء، لفقد شرط الموالاة، وهو مذهب المالكية، ورواية عن أحمد (٢). وقيل: تبطل طهارته، وهو القول القديم للشافعي (٣)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٤).

стр. 1615

وقيل: طهارته باقية، ولا شيء عليه، مالم يحدث، وهو الراجح، اختاره ابن حزم (١)، ورجحه ابن تيمية (٢). • دليل الحنفية على وجوب غسل القدم . الدليل الأول: قالوا: إن المانع من سراية الحدث إلى القدم استتارها بالخف، وقد زال بالنزع، فسرى الحدث السابق إلى القدمين، ولما كان قد غسل سائر أعضاء الوضوء، وبقيت القدمان فقط، فلم يجب إلا غسلهما، والموالاة عند الحنفية ليست بشرط لصحة الطهارة، فلما غسل جميع أعضاءه إلا القدمين، ثم غسل القدمين بعد نزعهما صدق عليه أنه غسل جميع ما يجب غسله، غاية ما هنالك أنه فاته سنة الموالاة، وهي ليست بشرط في مذهبهم. الدليل الثاني: (٦٣٥ - ١٣٢) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد السلام بن حرب، عن يزيد الدالاني، عن يحيى بن إسحاق بن أبي طلحة، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ في الرجل يمسح على خفيه، ثم يبدو له أن ينزع خفيه، قال: يغسل قدميه (٣). [ضعيف] (٤).
следующие страницы →