نزع الأسفل؛ وهو وجه في مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة؛ لأن المسح على اللفائف لا يجوز عندهما، وقد سبق الكلام على المسح على اللفائف، فأغنى عن الكلام على هذا الوجه.
الوجه الثالث:
أن الخف الأعلى بمنزلة الظهارة، والأسفل بمنزلة البطانة، وبناء عليه إذا خلع الأعلى فكما لو زالت الظهارة فعند الشافعية لا يجوز له المسح عليه، وعند الحنابلة يجوز كما لو تمزقت الظهارة (١).
الوجه الرابع:
الصحيح من مذهب الحنابلة أن الخف الفوقاني والتحتاني بدل مستقل عن الغسل. وعليه إذا نزع الفوقاني وجب نزع التحاني.
قال في الإنصاف: «لو نزع خفًا فوقانيًا فالصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب يلزمه نزع التحتاني، فيتوضأ كاملًا أو يغسل قدميه على الخلاف السابق ...... واعلم أن كلًا من الخف الفوقاني والتحتاني بدل مستقل عن الغسل» (٢).
• الراجح:
أن الخف الأعلى ليس بدلًا عن الخف الأسفل، وإنما يعتبر الخفان بمنزلة الخف الواحد وحتى يكونا كذلك فإنه يشترط لهما أن يلبسا معًا على طهارة مائية، كما أن الظهارة والبطانة تلبسا معًا على طهارة مائية، فإذا خلع الأعلى أكمل المدة مع الخف
стр. 1612
الأسفل، ولا يلزمه مسح الأسفل، ولا استئناف الوضوء، ولا يصح له إعادة الأعلى بعد خلعه ليمسح عليه، أما إذا مسح على الأسفل فقد تعلق الحكم به، فلا يمسح الأعلى بطهارة المسح؛ لأن شرط المسح على الخف الأعلى هو شرط المسح على الخف الأسفل، وهو لبسه على طهارة مائية، والله أعلم.
* * *
стр. 1613
الباب السابع مبطلات المسح على الخفين
الفصل الأول إذا نزع خفيه بعد المسح وقبل تمام المدة
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• من ثبتت طهارته بدليل لم تبطل إلا بدليل صحيح صريح.
• خلع الخف ليس حدثًا، وزوال الممسوح لا يبطل المسح، فهو بمنزلة حلق شعر الرأس بعد المسح عليه.
• قال ﷺ : دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، فرتب ترك الغسل على شرطين إدخالهما، وعلى طهارة، فخلعهما مناف لقوله: أدخلتهما، والذي هو شرط المسح، فإذا فقد المسح شرطه بطل المسح، وإبطال المسح لا يعني إبطال الطهارة.
• خلع الخف غايته أن يكون اللابس أراد إنهاء المسح قبل انتهاء مدته، وإنهاء المسح ليس حدثًا فلا يبطل الطهارة.
• خلع الخف لا يوجب غسل القدم على الصحيح؛ لأن الطهارة إذا انتقض بعضها انتقض جميعها.
• التعبد برفع الحدث هو في مسح الخف، لا في بقاء الممسوح فإذا مسح فقد حصل المراد، وسواء بقي الممسوح أو زال فحدثه لا يعود إلا بما يعتبر حدثًا.
стр. 1614
[م-٢٦٣] إذا خلع خفيه، وهو على طهارة المسح، فهل تبطل طهارته؟
فقيل: يجب عليه أن يغسل قدميه، ولا تشترط الموالاة، وهو مذهب الحنفية، والقول الجديد للشافعي، ورواية عن أحمد (١).
وقيل: إن غسل قدميه مباشرة، كفاه، وإن أخر حتى طال الفصل، استأنف الوضوء، لفقد شرط الموالاة، وهو مذهب المالكية، ورواية عن أحمد (٢).
وقيل: تبطل طهارته، وهو القول القديم للشافعي (٣)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٤).
стр. 1615
وقيل: طهارته باقية، ولا شيء عليه، مالم يحدث، وهو الراجح، اختاره ابن حزم (١)، ورجحه ابن تيمية (٢).
• دليل الحنفية على وجوب غسل القدم .
الدليل الأول:
قالوا: إن المانع من سراية الحدث إلى القدم استتارها بالخف، وقد زال بالنزع، فسرى الحدث السابق إلى القدمين، ولما كان قد غسل سائر أعضاء الوضوء، وبقيت القدمان فقط، فلم يجب إلا غسلهما، والموالاة عند الحنفية ليست بشرط لصحة الطهارة، فلما غسل جميع أعضاءه إلا القدمين، ثم غسل القدمين بعد نزعهما صدق عليه أنه غسل جميع ما يجب غسله، غاية ما هنالك أنه فاته سنة الموالاة، وهي ليست بشرط في مذهبهم.
الدليل الثاني:
(٦٣٥ - ١٣٢) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد السلام بن حرب، عن يزيد الدالاني، عن يحيى بن إسحاق بن أبي طلحة،
عن رجل من أصحاب النبي ﷺ في الرجل يمسح على خفيه، ثم يبدو له أن ينزع خفيه، قال: يغسل قدميه (٣).
[ضعيف] (٤).
стр. 1616
الدليل الثالث:
(٦٣٦ - ١٣٣) ما رواه البيهقي، من طريق الحسن بن علي بن عفان، عن زيد بن الحباب، حدثني عبد الوهاب الثقفي، عن خالد الحذاء، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة،
عن أبيه، عن النبي ﷺ في قصة المسح، قال: وكان أبي ينزع خفيه، ويغسل رجليه، ويذكر عن عطاء مثل ذلك (١).
[وهذا منكر سندًا ومتنًا] (٢).
стр. 1617
الدليل الرابع:
أننا إذا لم نقل بغسل القدمين لزم من ذلك أن يصلي بقدمين، لا مغسولتين، ولا ممسوح عليهما، وهذ لا يصح.
• ويجاب:
بأن المسح على الخفين إذا وقع فقد ارتفع الحدث، وحصل التعبد لله بالمسح، فخلع الخف لا يبطل أثر هذه العبادة، كما لو مسح رأسه، ثم حلقه.
• دليل المالكية على وجوب غسل القدمين مباشرة .
دليل المالكية هو دليل الحنفية إلا أنهم اشترطوا أن يغسل رجليه مباشرة؛
стр. 1618
لأن الموالاة عندهم شرط، وتسقط مع العذر، وكونه يوجد فاصل طويل بين أول الطهارة، وبين غسل الرجلين يعتبرون هذا من العذر الذي يسقط به الموالاة، فإذا خلع خفيه وجب غسلهما فورًا؛ لأنه ليس هناك عذر في تأخير الموالاة، فلو نسي غسل قدميه فيبني باعتبار أن النسيان عذر، فالفرق بين قول الحنفية والمالكية، أن المالكية يشترطون الموالاة إلا من عذر، بخلاف الحنفية، فليست شرطًا عندهم.
وأما الشافعية في أحد القولين فاختلف الأصحاب في تخريج صحة غسل القدمين بعد نزع الخفين:
فقيل: هذه المسألة مبنية على القول بصحة تفريق الوضوء كما في القول الجديد للشافعي.
وقيل: القول أصل بنفسه، فإن المسح قائم مقام الغسل، فإذا بطل المسح رجع وجوب الغسل.
وقيل: مبني على أن الحدث يرتفع عن كل عضو وحده، فإذا انتقضت الطهارة في القدمين لم تنتقض في سائر الأعضاء.
وقيل: القول مبني على أن المسح لا يرفع الحدث، وإنما هو مبيح فقط، فإذا زال الخف وجب رفع الحدث عن القدم، فكفاه الغسل، وقيل: غير ذلك.
• دليل من قال ببطلان الطهارة:
فالشافعي في القديم يبطل الطهارة، واختلفوا في تخريج القول بالبطلان:
فقيل: بناء على أن خلع الخف يبطل طهارة القدم، فيجب استئناف الوضوء؛ لأنه لا يصح تفريق الوضوء بحسب القول القديم للشافعي.
وقيل: القول أصل بنفسه.
وقيل: بناء على أن انتقاض بعض الأعضاء في الطهارة يبطل الطهارة في الباقي؛ لأن الحدث لا يتجزأ، فيجب استئناف الوضوء.
стр. 1619
وقيل: بناء على أن المسح يرفع الحدث، فإذا خلع الخف عاد الحدث إلى القدم، فيعود إلى الجميع.
وأما الحنابلة فعللوا ذلك بأن المسح يقام مقام الغسل، فإذا زال المسح بطلت الطهارة في القدمين، وإذا بطلت في بعض الأعضاء، بطلت في جميعها؛ لأن الطهارة لا تتبعض. والقول عند الحنابلة ليس مبنيًا على اشتراط الموالاة بين غسل الرجلين، وما قبلهما من أعضاء الوضوء حتى يقال: إذا غسل رجليه مباشرة هل تتحقق الموالاة أم لا، ولذلك لو توضأ، ومسح على قدميه، وقبل جفاف أعضاء الوضوء خلع خفيه، بطلت طهارته عندهم، ولا يقال: ما دام الأعضاء لم تجف اغسل قدميك؛ لأن الموالاة متحققة هنا بلا خلاف، فالعلة عندهم أنه بخلع أحد الخفين عاد الحدث إلى الرجل، فيسري إلى بقية الأعضاء، وإذا سرى وجب الاستئناف، ولو قرب الزمن، وهذا القول قد اختاره بعض التابعين.
(٦٣٧ - ١٣٤) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن الأوزاعي،
عن مكحول والزهري، قالا: إذا مسح، ثم خلع، قالا: يعيد الوضوء (١).
[صحيح]
(٦٣٨ - ١٣٥) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو أسامة، عن إسماعيل،
عن ابن سيرين، قال: يعيد الوضوء (٢).
[صحيح]
• دليل من قال طهارته صحيحة .
الدليل الأول:
(٦٣٩ - ١٣٦) ما رواه ابن أبي شيبة، عن ابن إدريس، عن الأعمش، عن
стр. 1620
أبي ظبيان، قال: رأيت عليًا بال قائمًا، ثم توضأ، ومسح على نعليه، ثم أقام المؤذن، فخلعهما. زاد البيهقي: ثم تقدم، فأم الناس.
[صحيح] (١).
وهذا الفعل من خليفة راشد، وهو ممن أمرنا باتباع سنته.
الدليل الثاني:
أن هذا الرجل قد تطهر الطهارة الشرعية، وعليه خفاه، وحكمنا بطهارته، وطهارته ثابتة بمقتضى الدليل الشرعي الصحيح، فلا تنتقض طهارته بخلع خفيه إلا بدليل شرعي مثله أو إجماع، ولا دليل هنا.
الدليل الثالث:
أن خلع الخف ليس حدثًا حتى يعتبر ناقضًا للطهارة الثابتة، فليس من الأحداث المتفق عليها، ولا المختلف فيها، وإذا لم يكن حدثًا بقي طاهرًا حتى يحدث.
الدليل الرابع:
أن هذا القول هو مقتضى القياس الصحيح، فلو كان على رجل شعر كثيف، ثم مسح شعره بحيث لا يصل إلى بشرة الرأس، ثم حلق شعره، لم تنتقض طهارته مع زوال الممسوح، فكذلك خلع الخفين.
ولابن حزم مناقشة جيدة للأئمة الأربعة إلا أني كرهت نقلها حرفيًا لما فيها من الألفاظ القاسية التي لا تليق في مناقشة المخالف فضلًا عن الأئمة، لذا رأيت أن اختار منها، وعفى الله عن ابن حزم، فقد كان معظمًا للدليل، متبعًا له، على قسوة في عبارته لم يحتملها الخلاف الفقهي، قال ما معناه مناقشًا لمذهب المالكية والحنفية: أما القول بغسل الرجلين فقط، فهو باطل متيقن؛ لأنه قد كان بإقرارهم قد تم وضوؤه،
стр. 1621
وجازت له الصلاة، ثم يأمرونه بغسل الرجلين فقط، ولا يخلو من أحد وجهين لا ثالث لهما:
إما أن يكون الوضوء الذي قد تم، قد بطل أو لم يبطل. فإن كان لم يبطل، فهذا قولنا. وإن كان قد بطل فعليه أن يبتدئ الوضوء، وإلا فمن المحال أن يكون وضوء قد تم، ثم ينتقض بعضه، ولا ينتقض البعض الآخر (١).
ثم أن التعبد هو بالمسح، لا في بقاء الممسوح فإذا مسح فقد حصل المراد، وسواء بقي الممسوح أو زال فحدثه لا يعود إلا بما يعتبر حدثًا، والله أعلم.
* * *
стр. 1622
الفصل الثاني في بطلان الطهارة بظهور بعض محل الفرض
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• هل للأكثر حكم الكل؟
• إذا كان خلع الخف يبطل المسح، فإذا خلع أكثر الخف، فهل يعطى الأكثر حكم الكل؟
[م-٢٦٤] إذا ظهر بعض محل الفرض ولم يخلع الخف، فهل يبطل مسحه أم لا؟
فقيل: إن خرج أكثر عقبه بطل مسحه، وهو مذهب أبي حنيفة (١).
وقيل: إن نزع من ظهر القدم قدر ثلاثة أصابع، انتقض مسحه، وهو اختيار
أبي يوسف من الحنفية (٢).
стр. 1623
وقيل: إن بقي من ظهر القدم مقدار ثلاثة أصابع، لم يبطل، لبقاء محل المسح، وهو اختيار محمد بن الحسن (١).
وقيل: إن خرج أكثر القدم لساق الخف انتقض، وإلا فلا، وهو مذهب المالكية (٢).
وقيل: لو أخرجها من قدم الخف إلى الساق لم يؤثر إلا إذا كان الخف طويلًا خارجًا عن العادة، فأخرج رجله إلى موضع لو كان الخف معتادًا لظهر شيء من محل الفرض بطل مسحه، وهو مذهب الشافعية (٣)، ورواية عن أحمد (٤).
وقيل: تبطل طهارته، وهو مذهب الحنابلة (٥).
والصحيح أن طهارته لا تبطل سواء ظهر بعض القدم أو خلع الخف، وهو
стр. 1624
مذهب ابن حزم (١)، ورجحه ابن تيمية (٢).
• دليل من قال تبطل الطهارة بظهور أكثر القدم .
التعليل الأول:
أن للأكثر حكم الكل، فإذا ظهر أكثر القدم، فكما لو ظهر القدم كله، فإذا كانت تبطل الطهارة بظهور القدم كله بطلت بظهور أكثر القدم.
التعليل الثاني:
أن المشي يتعذر بخروج أكثر القدم، فالمقصد من لبس الخف هو المشي عليه، فإذا تعذر المشي انعدم اللبس فيما قصد له.
التعليل الثالث:
قالوا: إن الاحتراز عن خروج القليل متعذر؛ لأنه ربما يحصل دون قصد، كما إذا كان الخف واسعًا إذا رفع القدم يخرج العقب، وإذا وضعها عادت العقب إلى مكانها، فلو قلنا بنقض المسح في مثله وقع الناس في الحرج، بخلاف الكثير فإن الاحتراز عنه ليس بمتعذر.
وحيث قلنا: بطل مسحه، يعني يعطى حكم خلع الخف، وقد حررنا ما يترتب على خلع الخف في المسألة السابقة، والله أعلم.
• دليل من قال تبطل طهارته بظهور أكثر العقب .
دليلهم هو نفس دليل القول السابق، من أنه لا يمكن المشي بهذه الصفة. ولأن الأكثر له حكم الكل .
• دليل من قال إذا نزع من ظهر القدم قدر ثلاثة أصابع بطل مسحه .
الحنفية يقدرون الكثير بثلاثة أصابع، فالخرق في الخف إن ظهر منه مقدار ثلاثة
стр. 1625
أصابع لم يصح المسح عليه، والمسح على الخف يجزئ فيه إن مسح بثلاثة أصابع، وعليه إن نزع من ظهر القدم مقدار ثلاثة أصابع لم يصح المسح عندهم، وهذا القول ضعيف؛ لأنه يقابل بقول محمد بن الحسن إن بقي مقدار ثلاثة أصابع من القدم، لم تنتقض الطهارة، لبقاء محل المسح.
• الدليل على قول محمد بن الحسن:
قال: لو قطعت رجله، وبقي من ظهر القدم مقدار ثلاثة أصابع فلبس عليه الخف جاز له أن يمسح، فكذلك إذا نزع الخف، وبقي منه مقدار ثلاثة أصابع لم يبطل المسح، لبقاء محله.
• دليل الشافعية:
قالوا: إن من نزع الخف من قدم الخف إلى الساق، لم يبطل المسح؛ لأنه لم تظهر الرجل من الخف.
• دليل من قال تبطل طهارته مطلقًا:
ذكرنا دليلهم في مسألة خلع الخف، فانكشاف بعض القدم، ولو كان من خرق يسير، حكمه حكم نزع الخف عندهم، وقد قدمنا دليل الحنابلة في إبطال طهارة من نزع خفه.
قال ابن حزم في مناقشة هذه الأقوال:
«أما من قال: إن الحكم يتعلق بأكثر القدم، فهم ليس لهم قول مطرد باعتبار الأكثر، فمرة الكثير أكثر من النصف، ومرة الثلث، ومرة الربع، ومرة شبرًا في شبر، ومرة أكثر من قدر الدرهم، وهذا لا دليل عليه من قرآن، ولا سنة، ولا قياس، ولا قول صاحب، ولا رأي مطرد.
وأما فرق مالك ﵀ بين إخراج العقب إلى موضع الساق، فلاينتقض المسح، وبين إخراج القدم كلها إلى موضع الساق فينتقض المسح، فتحكم أيضًا لا
стр. 1626
يجوز القول به، ولا يوجبه قرآن ولا سنة صحيحة، ولا رأي مطرد؛ لأنه يرى أن بقاء العقب في الوضوء لا يطهر، وأن فاعل ذلك لا وضوء له، فإن كان المسح قد انتقض عن الرجل بخروجها عن موضع القدم، فلا بد من انتقاض المسح عن العقب بخروجها عن موضعها إلى موضع الساق، لا يجوز غير ذلك، وإن كان المسح لا ينتقض عن العقب بخروجها إلى موضع الساق؛ فإنه لا ينتقض أيضًا بخروج القدم إلى موضع الساق، كما قال الشافعي.
وأما تفريقهم جميعهم بين المسح على الخفين، ثم يخلعان فينتقض المسح، ويلزمه إتمام الوضوء، وبين الوضوء ثم يجز الشعر، وتقص الأظفار فلا ينتقض الغسل عن مقص الأظفار، ولا المسح على الرأس ففرق فاسد ظاهر التناقض، ولو عكس إنسان هذا القول، فأوجب مسح الرأس على من حلق شعره، ومس مجز الأظفار بالماء، ولم ير المسح على من خلع خفيه لما كان بينهما فرق.
وما وجدنا لهم في ذلك متعلقًا أصلًا إلا أن بعضهم قال: وجدنا مسح الرأس وغسل القدمين في الوضوء إنما قصد به الرأس لا الشعر، وإنما قصد به الأصابع لا الأظفار، فلما جز الشعر وقطعت الأظفار بقي الوضوء بحسبه، وأما المسح فإنما قصد به الخفان، لا الرجلان، فما نزعت بقيت الرجلان لم توضآ، فهو يصلي برجلين لا مغسولتين ولا ممسوح عليهما، فهو ناقص الوضوء.
قال ابن حزم: وهذا لا شيء؛ لأنه باطل وتحكم بالباطل، فلو عكس عليه قوله، فقيل له: بل المسح على الرأس وغسل الأظفار إنما قصد به الشعر والأظفار فقط، بدليل أنه لو كان على الشعر حناء، وعلى الأظفار كذلك لم يجز الوضوء، وأما الخفان فالمقصود بالمسح القدمان لا الخفان؛ لأن الخفين لولا القدمان لم يجز المسح عليهما، فصح أن حكم القدمين الغسل، وإن كانتا مكشوفتين، والمسح إن كانتا في خفين، لما كان بين القولين فرق.
стр. 1627
ثم يقال لهم: هبكم أن الأمر كما قلتم في أن المقصود بالمسح الخفان، وبالمسح في الوضوء الرأس، وبغسل اليدين للأصابع لا للأظفار، فكان ماذا؟
أو من أين أوجب مِنْ هذا أن يعاد المسح بخلع الخفين، ولا يعاد بحلق الشعر؟
قال علي: فظهر فساد هذا القول.
وأما قولهم: إنه يصلي بقدمين لا مغسولتين، ولا ممسوح عليهما فباطل، بل ما يصلي إلا على قدمين ممسوح على خفين عليهما. فبطل هذا القول كما بينا .... » إلخ كلامه ﵀ (١).
فالراجح: أن خلع الخفين أو بعضهما، أو بعض الخف ليس بحدث، ولا تنتقض الطهارة، ولكن لا يمسح عليهما إذا أعاد لبسهما إلا على طهارة مائية، فالرسول ﷺ أذن أن يبقى الخف على القدم إذا لبس على طهارة مائية ليمسح يومًا وليلة، وخلعها ليس حدثًا ناقضًا للطهارة، لكنه ينهي مدة المسح فيما يستقبل، ولو كانت إعادة لبسه ممكنة ليمسح على طهارة ممسوح عليها لم يكن للتوقيت فائدة، فتذهب الحكمة من التوقيت، لكن إذا اشترطنا إعادة الخف بطهارة مائية كما لبس في الطهارة الأولى، لم نتحايل على إسقاط التوقيت، والله أعلم بالصواب.
* * *
стр. 1628
الفصل الثالث في استئناف الوضوء بانتهاء مدة المسح
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• من ثبتت طهارته بدليل لم تبطل إلا بدليل صحيح صريح.
• انتهاء مدة المسح تعني الامتناع عن المسح ولا تعني الرجوع على الطهارة بالإبطال وقد تمت بشروطها.
• توقيت المسح على الخفين لا يعني توقيت الطهارة.
• توقيت الوضوء ينافي أصول الطهارات فإنها دائرة مع أسبابها، لا مع أزمانها.
[م-٢٦٥] إذا انتهت مدة المسح، يومًا وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر فما الحكم؟
فقيل: يكفيه غسل رجليه، وهو مذهب الحنفية (١)، والراجح في مذهب الشافعية (٢).
стр. 1629
وقيل: يستأنف الوضوء، وهو المشهور في مذهب الحنابلة (١)، والقول القديم في مذهب الشافعية (٢).
وقيل: لا تبطل طهارته بانتهاء مدة المسح، وهو اختيار ابن حزم (٣)، ورجحه
ابن تيمية (٤). وهو الصحيح.
وأما المالكية فالمشهور في مذهبهم أن المسح غير مؤقت. وقد سبق ذكر الخلاف (٥).
وهذا الخلاف هل هو مبني على اعتبار حكم الموالاة في الوضوء، فلو أن المدة انتهت قبل جفاف الأعضاء، كفاه غسل القدمين، وجهان.
وقيل: مبني على أن المسح هل يرفع الحدث أم لا؟ وقد حرر الخلاف في هذا القول، فإن قيل: لا يرفع الحدث عن القدمين، فقد ارتفع عن الوجه واليدين والرأس، وبقي الرجلان، فيكفيه غسلهما.
وإن قلنا: المسح رافع للحدث، فإنه بخلع الخف عاد الحدث إلى القدم، والحدث لا يتبعض، فيجب استئناف الوضوء.
وقيل: مبني على أن الطهارة لا تتبعض بالنقض، وإن تبعضت بالثبوت، كالصلاة والصيام.
• دليل من قال يجب غسل القدمين:
قال السرخسي: إذا انقضى مدة مسحه، ولم يحدث، فعليه نزع خفيه، وغسل القدمين؛ لأن الاستتار كان مانعًا في المدة، فإذا انقضى سرى ذلك الحدث إلى القدمين،
стр. 1630
فعليه غسلهما، وليس عليه إعادة الوضوء، كما لو كانت السراية بخلع الخفين» (١).
• دليل من قال يجب استئناف الوضوء:
قالوا: إن المسح أقيم مقام الغسل في المدة، فإذا انقضت المدة بطلت الطهارة في الممسوح، وإذا بطلت الطهارة في الممسوح، بطلت في سائر الأعضاء؛ لأن الحدث لا يتبعض.
• دليل من قال لا تبطل طهارته .
الدليل الأول:
أحاديث التوقيت للمقيم والمسافر تضمنت ابتداء وانتهاء مدة المسح، لا الطهارة، فهي تنهى أن يمسح أكثر من يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام للمسافر، ومن قال: بأنها تدل على انتهاء مدة الطهارة، فقد قال في الحديث ما ليس فيه.
الدليل الثاني:
أن هذا الرجل قد تطهر بمقتضى الكتاب والسنة، فلا تنقض طهارته إلا بدليل من كتاب أو سنة، أو إجماع، ولا دليل هنا.
الدليل الثالث:
أن الطهارة لا ينقضها إلا حدث، وهذا قد صحت طهارته، ولم يحدث، فهو طاهر، وانتهاء مدة المسح ليس حدثًا حتى يحكم ببطلان طهارته، والأصل بقاء الطهارة.
الدليل الرابع:
(٦٤٠ - ١٣٧) استدل بعض مشايخنا بما رواه البخاري، قال: حدثنا علي، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا الزهري، عن سعيد بن المسيب؛
стр. 1631
وعن عباد بن تميم، عن عمه أنه شكا إلى رسول الله ﷺ الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: لا ينفتل أو لا ينصرف حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا (١).
وجه الاستدلال:
قال: لم يوجب النبي ﷺ الوضوء إلا على من تيقن الحدث، فيستصحب بقاء حكم الطهارة حتى يتيقن زوالها، فإذا تطهر ماسح الخفين فلا يوجد نص في المسألة يقطع النزاع، وبناء عليه يستصحب حكم بقاء الطهارة حتى يتيقن بطلان الطهارة فالحديث دال على أن الوضوء لا ينتقض إلا باليقين، وهنا لا يقين.
الدليل الخامس:
القياس على من خلع خفه.
(٦٤١ - ١٣٨) فقد روى ابن أبي شيبة من طريق الأعمش، عن أبي ظبيان، قال:
رأيت عليًا بال قائمًا، ثم توضأ، ومسح على نعليه، ثم أقام المؤذن، فخلعهما. زاد البيهقي: ثم تقدم، فأم الناس.
[صحيح] (٢).
فإذا كان من خلع خفه لا تنتقض طهارته على الصحيح، فكذلك إذا خلع الخف لانتهاء مدة المسح، ولا فرق.
وهذا القول قد اختاره ابن المنذر، وقواه النووي، ورجحه ابن حزم، وابن تيمية، وهو الصحيح.
* * *
стр. 1632
الفصل الرابع في بطلان المسح بوجود الحدث الأكبر
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• المسح على الخفين خاص بالوضوء، لا مدخل للغسل فيه بإجماع، فإذا وجب الغسل بطل المسح (١).
• ليس في الطهارة الكبرى بالماء ممسوح، لا في رأس، ولا خف، ولا غيرهما، إلا ما كان من باب الضرورات كالمسح على الجبيرة.
[م-٢٦٦] والمقصود من بطلان المسح انتهاء مدته بموجب غسل ونحوه.
وهذا بالإجماع، قال النووي: «لا يجزئ المسح على الخف في غسل الجنابة، نص عليه الشافعي، واتفق عليه الأصحاب وغيرهم، ولا أعلم فيه خلافًا لأحد من العلماء، وكذا لا يجزئ مسح الخف في غسل الحيض والنفاس، ولا في الأغسال المسنونة كغسل الجمعة والعيد وأغسال الحج وغيرها، نص عليه الشافعي، واتفق عليه الأصحاب» (٢).
وقال ابن قدامة: «جواز المسح مختص به - يعني الحدث الأصغر - ولا يجزئ
стр. 1633
المسح في جنابة، ولا غسل واجب ولا مستحب، لا نعلم في هذا خلافًا» (١).
والدليل من السنة:
(٦٤٢ - ١٣٩) ما رواه عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن عاصم، عن زر ابن حبيش، قال:
أتيت صفوان، فقال: ما جاء بك؟ فقلت: ابتغاء العلم. فقال: إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضى بما يطلب، قلت: حك في صدري المسح على الخفين بعد الغائط والبول، وكنت امرأ من أصحاب رسول الله ﷺ فأتيتك أسألك عن ذلك، هل سمعت منه في ذلك شيئًا، قال: نعم، كان يأمرنا إذا كنا سفرًا، أو كنا مسافرين لا ننزع أخفافنا ثلاثة أيام بلياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم. الحديث (٢).
[حسن في الجملة] (٣).
وسبق الإشارة إلى هذا في الكلام في الشرط الثامن من شروط المسح على الخفين، وهو كون المسح في الطهارة الصغرى.
* * *
стр. 1634
الباب الثامن في أحكام المسح على العمامة
الفصل الأول في المسح على العمامة
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• المسح على العمامة أصل بنفسه وليس مقيسًا على الخفين.
• إذا كان المسح على الخفين لا يعارض القرآن، فالمسح على العمامة لا يعارض القرآن؛ لأن النبي ﷺ مبين لكلام الله مفسر له، وقد روي أن النبي ﷺ مسح على العمامة، ومسح أصحابه عليها.
• إما أن تكون العمامة ليست محلًا للمسح فلا تمسح، أو تكون محلًا للمسح فيجوز الاقتصار عليها، أما أن يقال: إنها محلًا لسنة المسح بشرط أن يمسحها مع الناصية فهذا مخالف للقواعد؛ لأن ما كان محلًا للمسح يجوز الاقتصار عليه.
• العادة أن البعض تبع للكل، وليس الكل تبعًا للبعض، فالحكم دائمًا للأغلب، والقليل يتبع الكثير، والعمامة أغلب الرأس، فهي الأصل، كيف وقد ثبت الاقتصار على مسح العمامة.
[م-٢٦٧] اختلف العلماء في المسح على العمامة،
стр. 1635
فقيل: لا يجوز، هو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)،
والشافعية (٣).
وقيل: يجوز، اختاره الثوري، والأوزاعي (٤)، وهو المشهو من مذهب الحنابلة (٥)، وهو مذهب الظاهرية (٦)، وهو الصحيح.
стр. 1636
• دليل الحنابلة على الجواز:
الدليل الأول:
(٦٤٣ - ١٤٠) ما روا هـ مسلم من طريق بكر بن عبد الله، عن الحسن، عن ابن المغيرة بن شعبة، عن أبيه. قال بكر: وقد سمعت من ابن المغيرة، أن النبي ﷺ توضأ، فمسح بناصيته، وعلى العمامة، وعلى الخفين (١).
[رواه حمزة، عن المغيرة واختلف عليه في ذكر المسح على العمامة، وتابعه عمرو ابن وهب الثقفي، ورواه جماعة عن المغيرة منهم عروة بن المغيرة، ومسروق في الصحيحين، والأسود بن هلال في مسلم، وجماعة خارج الصحيح وليس فيها ذكر للعمامة] (٢).
• وأجيب عن ذلك بجوابين.
الجواب الأول:
يتعلق بالاختلاف في ذكر المسح على العمامة، وأن أكثر الرواة عن المغيرة لم يذكروا فيه المسح على العمامة، منهم عروة، ومسروق.
الجواب الثاني:
أن الفرض هو مسحه على الناصية، وأما مسحه على العمامة فمن أجل سنة الاستيعاب، ولو ترك المسح على العمامة أجزأه، أما لو اقتصر بالمسح على العمامة، ولم يمسح شيئًا من رأسه لم يجزئه.
• ورد على هذا:
بأنه ورد المسح على العمامة دون ذكر الناصية، كما سيأتي، ولم يثبت العكس، فلم يثبت مرفوعًا أنه اقتصر في مسحه على الناصية دون العمامة.
قال ابن القيم: «لم يصح عنه في حديث واحد أنه اقتصر على مسح بعض رأسه
стр. 1644
البتة، ولكن كان إذا مسح بناصيته كمل على العمامة. وأما اقتصاره على الناصية مجردة فلم يحفظ عنه» (١).
فإذا ثبت أنه اقتصر على العمامة في المسح، ولم يثبت أنه اقتصر على الناصية وحدها، كيف تجعل الناصية هي الفرض، والمسح على العمامة مجرد سنة، والعادة أن البعض تبع للكل، وليس الكل تبعًا للبعض فالحكم دائمًا للأغلب، والقليل يتبع الكثير، والعمامة لا شك أنها أغلب الرأس، فهي الأصل.
الدليل الثاني:
(٦٤٤ - ١٤١) ما رواه البخاري من طريق الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن جعفر بن عمرو بن أمية،
عن أبيه قال: رأيت النبي ﷺ يمسح على عمامته، وخفيه.
قال البخاري: وتابعه معمر، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن عمرو قال: رأيت النبي ﷺ (٢).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ مسح هنا على العمامة، ولم يذكر الناصية، فدل على جواز الاقتصار عليها.
• وأجيب:
بأن الأوزاعي قد شذ بذكر المسح على العمامة، وكل من روى الحديث لم يذكر المسح على العمامة.
الدليل الثالث:
(٦٤٥ - ١٤٢) ما رواه مسلم من طريق أبي معاوية وعيسى بن يونس كلاهما عن الأعمش، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة،
عن بلال أن رسول الله ﷺ مسح على الخفين والخمار (١).
стр. 1647
[رواه الأعمش، عن الحكم موصولًا، ورواه شعبة والثوري وزيد بن أبي أنيسة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن بلال منقطعًا ليس فيه كعب بن عجرة] (١).