← Фикх общий

Фикх общий · id 157

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 3

دبيان الدبيان

Полный текст (5 371 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

ولا تصحيحه عن أحد من أئمة الحديث، ولم أقف على سنده، ولا على من حسنه أو صححه، فالله أعلم كيف هو؟ (١). الدليل الثالث: قالوا: إن العمائم إذا لم تكن محنكة، ولم يكن لها ذؤابة أشبهت عمائم أهل الذمة، فيكون لبسها حرامًا، وما حرم لبسه لم يجز المسح عليه. • وأجيب: بأنه لم يرد نهي عن لبس العمامة غير محنكة أو صماء، وإذا لم يرد نهي، وكانت العمامة بلا ذؤابة ليست من لباسهم الذي يختصون به، ويتميزون به عن غيرهم، فلا تحريم في لبسها، وقد انتشر بين التابعين في المدينة من أولاد المهاجرين والأنصار لبسها بلا تحنيك كما سيأتي. ثم قولهم: كل ما حرم لبسه لم يجز المسح عليه قد ناقشت هذا في الخف المغصوب والمحرم، ورجحت جواز المسح عليه وإن كان لبسه حرامًا. • دليل من قال لا يشترط . الدليل الأول: قالوا: إن الإذن بالمسح ورد مطلقًا، وما ورد مطلقًا فلا يجوز تقييده إلا بدليل مثله من كتاب أو سنة أو إجماع. الدليل الثاني: أن تحنيكها زمن الصحابة كان للحاجة إلى الجهاد، قال ابن تيمية: «والسلف كانوا يحنكون عمائمهم؛ لأنهم كانوا يركبون الخيل، ويجاهدون في سبيل الله، فإن لم يربطوا العمائم بالتحنيك وإلا سقطت، ولم يمكن معها طرد الخيل، ولهذا ذكر أحمد عن أهل الشام أنهم كانوا يحافظون على هذه السنة؛ لأنهم كانوا في زمنه هم المجاهدون، وذكر

стр. 1682

إسحاق بن راهوية بإسناده أن أولاد المهاجرين والأنصار كانوا يلبسون العمائم بلا تحنيك، وهذا لأنهم كانوا في الحجاز في زمن التابعين لا يجاهدون، ورخص إسحاق وغيره في لبسها بلا تحنيك ..... ». إلخ كلامه ﵀ (١). وقولهم: إن غير المحنكة لا يشق نزعها، فالجواب أن هذه العلة ليست علة منصوصًا عليها يمكن أن تخص العام، أو تقيد المطلق، والعلة المستنبطة علة مظنونة، قد تكون هي العلة، وقد تكون غيرها، فلا نستطيع أن نجزم بأنها هي العلة، وقد لا تتعين في مشقة النزع، بل قد تكون الحكمة أن العمامة لو حركها انفلت أكوارها؛ ولأن لبسها في أيام البرد قد يعرق الرأس بسببها فإذا نزعها قد يصاب بضرر بسبب الهواء البارد، المهم أن العلة المستنبطة ينبغي ألا يقيد بها الأحاديث المطلقة، والله أعلم. • الراجح من القولين: بعد استعراض أدلة الفريقين نجد أن القول بعدم الاشتراط أقوى دليلًا، وأن المسح على العمامة يجوز ولو لم تكن محنكة أو ذات ذؤابة. والله الموفق. * * *

стр. 1683

الشرط الثاني الخلاف في اشتراط لبسها على طهارة مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • الأصل عدم الاشتراط إلا بدليل. • شروط العبادة كأصلها لا يثبت منها شيء إلا بدليل صحيح صريح. • أكثر شروط المسح على الحائل هي من صنع الفقهاء، ليس عليها أثر، ولا نظر صحيح. • لا يصح قياس العمامة على الخف؛ لأن طهارة القدم الغسل، وطهارة الرأس المسح فافترقا، فلا يقاس الأخف على الأغلظ، ثم إن العمامة تستوعب في المسح بخلاف الخف حيث يمسح ظاهره على الصحيح. [م-٢٧١] اختلف العلماء القائلون بالمسح على العمامة، هل يشترط لمسحها لبسها على طهارة؟ على قولين: فقيل: تشترط الطهارة، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (١).

стр. 1684

وقيل: لا تشترط، وهو رواية عن أحمد (١)، واختاره ابن حزم (٢)، ورجحه ابن تيمية (٣). • دليل الحنابلة على اشتراط الطهارة . الدليل الأول: القياس على الخف، فإذا كان يشترط للمسح على الخف الطهارة فكذلك في المسح على العمامة، بجامع أن كلًا منهما ممسوح على عضو من أعضاء الوضوء، كان الواجب مباشرة ذلك العضو لولا هذا الحائل. • وأجيب: بأن القياس على الخف فيه نظر؛ لأن طهارة القدم هي الغسل، وطهارة الرأس هو المسح فافترقا، فطهارة الرأس أخف من طهارة الخف، ثم إن العمامة تمسح كلها، والخف يمسح ظاهره على الصحيح، وفرق آخر عندكم: هو أن ظهور شيء من القدم يبطل المسح، وظهور شيء من الرأس كالناصية، وجوانب الرأس لا يبطل المسح على العمامة، ثم إن القياس في مثل هذه الأمور من أضعف الأقيسة. • دليل من قال لا تشترط الطهارة . الدليل الأول: عدم الدليل على الاشتراط، وهذا كاف في نفيه؛ لأن من اشترط شيئًا طلب منه الدليل، ولا دليل على الاشتراط. الدليل الثاني: أن الأحاديث ليس فيها إلا أن الرسول ﷺ مسح على العمامة، ولم تشترط

стр. 1685

الأحاديث لبسها على طهارة كالمسح على الخف، فنقف عند حدود النص، ولا نقيد أو نخصص إلا بدليل. قال ابن حزم في الرد على من قاس العمامة على الخف: «القياس باطل، وليس هنا علة جامعة بين حكم المسح على العمامة والخمار، والمسح على الخفين، وإنما نص رسول الله ﷺ في اللباس على الطهارة على الخفين، ولم ينص ذلك في العمامة والخمار، قال تعالى: (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) [النحل: ٤٤] وقال تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً) [مريم: ٦٤] فلو وجب هذا في العمامة والخمار لبينه ﵇ كما بين ذلك في الخفين، ومدعي المساواة في ذلك بين العمامة والخمار مدع بلا دليل، ويكلف البرهان على صحة دعواه في ذلك (١). الدليل الثالث: العادة أن من توضأ مسح رأسه، ورفع العمامة، ثم أعادها، ولا يبقى مكشوف الرأس إلى آخر الوضوء (٢). * * *

стр. 1686

الشرط الثالث الخلاف في توقيت المسح على العمامة مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • التقدير والتوقيت في العبادات طريقها التوقيف أو الإجماع، لا دخل للعقل فيها. • شروط العبادة كأصلها لا يثبت منها شيء إلا بدليل صحيح صريح. • لا يصح قياس العمامة على الخف؛ لأن طهارة القدم الغسل، وطهارة الرأس المسح فافترقا، فلا يقاس الأخف على الأغلظ، ثم إن العمامة تستوعب في المسح على قول بخلاف الخف حيث يمسح ظاهره على الصحيح. [م-٢٧٢] اختلف العلماء هل مسح العمامة مؤقت أم لا؟ فقيل: يمسح يومًا وليلة للمقيم، والمسافر ثلاثة أيام بلياليها، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (١). وقيل: بل يمسح عليها بلا توقيت، وهو مذهب الظاهرية (٢). وهو الراجح.

стр. 1687

• دليل الحنابلة على اشتراط التوقيت . الدليل الأول: (٦٦٦ - ١٦٣) ما رواه الطبراني في الكبير من طريق مروان أبي سلمة، حدثنا شهر بن حوشب، عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ كان يمسح على الخفين والعمامة ثلاثًا في السفر ويومًا وليلة في الحضر (١). [إسناده ضعيف] (٢). الدليل الثاني: قال ابن حزم: «قد جاء عن عمر بن الخطاب ﵁ التوقيت في ذلك ثابتًا عنه» (٣). يعني: التوقيت في المسح على العمامة. ولم أقف على إسناده عن عمر في مصنف عبد الرزاق وابن أبي شيبة، وسنن البيهقي والدارقطني، والأوسط لابن المنذر وشرح معاني الآثار وغيرها من الكتب التي تعنى بالآثار، وفعل عمر يصلح للاستدلال بثلاثة شروط: الأول: ألا يخالف المرفوع عن النبي ﷺ . الثاني: ألا يعارضه قول صحابي مثله.

стр. 1688

الثالث: أن يصح عنه هذا القول. وإثبات هذه الأمور فيما ذكره ابن حزم لم أقدر عليه، وإذا كان عمر ﵁ نقل عنه عدم التوقيت في المسح على الخفين، فكيف ينقل عنه التوقيت في المسح على العمامة الذي لم يأت نص باشتراط التوقيت فيه، والله أعلم. الدليل الثالث: القياس على الخف، بجامع أن كلا منهما ممسوح، والمسح عليه من قبيل الرخصة. وقد أجبت على القول بالقياس في المسألة التي قبل هذه فراجعه إن احتاج الأمر. • دليل من قال يمسح بلا توقيت: الدليل الأول: عدم الدليل على كون المسح مؤقتًا. والأصل أن التوقيت يحتاج إلى توقيف؛ فلا يقال به إلا بدليل؛ لأنه ليس معقول المعنى، ولا دليل على التوقيت. الدليل الثاني: أن أحاديث المسح على العمامة ليس فيها إلا أن الرسول ﷺ مسح على العمامة، ولم يوقت في ذلك وقتًا كالمسح على الخف، فنقف عند حدود النص، ولا نقيد أو نخصص إلا بدليل. وهذا القول هو الراجح، والله أعلم. * * *

стр. 1689

الشرط الرابع لا تمسح العمامة إلا في الحدث الأصغر مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • طهارة المسح على الحائل مختصة بالوضوء، لا مدخل للغسل فيه بإجماع، فإذا وجب الغسل بطل المسح (١). • ليس في الطهارة الكبرى بالماء عضو ممسوح، لا في رأس، ولا خف، ولا غيرهما، إلا ما كان من باب الضرورات كالجبيرة. [م-٢٧٣] لا تمسح العمامة إلا في الحدث الأصغر، وهذا الشرط متفق عليه عند من يرى المسح على العمامة، وأما الحدث الأكبر فلا يجزئ المسح عليها، بل ولا على الشعر كما لو لم يكن هناك عمامة، ولا بد في الحدث الأكبر من إيصال الماء إلى ما تحت الشعر، وقد نقلت الدليل على ذلك في شروط المسح على الخفين. (٦٦٧ - ١٦٤) وقد روى البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل بيده شعره حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده الحديث (٢).

стр. 1690

وجه الاستدلال: أنه مع كونه خلل شعره بيده حتى رأى أنه قد أروى بشرته، ومع ذلك أفاض الماء على رأسه ثلاث مرات، كل ذلك ليعلم أن الماء قد وصل إلى ما تحت الشعر، ولا يشرع التثليث في غسل البدن من الجنابة إلا الرأس. * * *

стр. 1691

الشرط الخامس الخلاف في اشتراط استيعاب العمامة في المسح مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • مسح العمامة جاء على وجه الرخصة، فأجزأ مسح بعضها قياسًا على الخف. • المسح مبني على التخفيف، فلا يجب الاستيعاب كمسح الخف. • إذا كان الأصل، وهو مسح الرأس لا يجب استيعابه على الصحيح، لم يجب الاسيتعاب بالبدل من باب أولى. [م-٢٧٤] اختلف في وجوب استيعاب العمامة بالمسح فقيل: يجب الاستيعاب، وهو قول في مذهب الحنابلة (١). وقيل: يجزئ مسح أكثرها، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٢). وقيل: يجزئ مسح بعضها، اختاره القاضي أبو يعلى (٣). • دليل من قال لا يجب الاستيعاب . أن مسح العمامة جاء على وجه الرخصة، فأجزأ مسح بعضها قياسًا على الخف.

стр. 1692

• دليل من قال بوجوب الاستيعاب . الدليل الأول: قالوا: يجب الاستيعاب لظاهر النصوص، فإن فيها (ومسح على العمامة)، فظاهر الخبر أنه شملها كلها بالمسح؛ إذ لو كان مقتصرًا على البعض لنقل، ولذلك لما مسح معها الناصية أحيانًا نقلوه. الدليل الثاني: أن فرض الرأس وجوب استيعابه بالمسح، (٦٦٨ - ١٦٥) فقد روى البخاري من طريق مالك، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، أن رجلًا قال لعبد الله بن زيد - وهو جد عمرو بن يحيى - أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بماء، فأفرغ على يديه، فغسل مرتين، ثم مضمض، واستنثر ثلاثًا، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه (١). وجه الاستدلال: قال ابن قدامة: ولأن مسح العمامة بدل من الجنس - يعني: أن المفروض في الرأس المسح، والمفروض في العمامة المسح كذلك، فهما من جنس واحد- قال: فيقدر بقدر المبدل، كقراءة غير الفاتحة من القرآن بدلًا من الفاتحة يجب أن يكون بقدرها، ولو كان البدل تسبيحًا لم يتقدر بقدرها، ومسح الخف بدل من غير الجنس؛ لأنه بدل عن الغسل، فلم يتقدر به، كالتسبيح بدلًا عن القرآن، والمنقول عن أحمد أنه قال: يمسح على العمامة كما يمسح على رأسه، فيحتمل أنه أراد التشبيه في صفة المسح دون

стр. 1693

الاستيعاب، وأنه يجزئ مسح بعضها؛ لأنه ممسوح على وجه الرخصة، فأجزأ مسح بعضه كالخف، ويحتمل أنه أراد التشبيه في الاستيعاب فيخرج فيها من الخلاف ما في وجوب استيعاب الرأس، وفيه روايتان: أظهرهما: وجوب استيعابه بالمسح (١). هذا فيما يتعلق بالعمامة، أما ما يتعلق بجوانب الرأس التي لم تشمله العمامة، فهل يجب مسحه أم لا؟ فقيل: يجب، وهو وجه في مذهب الحنابلة. وقيل: يستحب، ولا يجب، وهو رواية في مذهب أحمد (٢). • دليل من قال بالوجوب . الدليل الأول: أن الرسول ﷺ مسح على الناصية والعمامة وفي هذا دليل على وجوب الاستيعاب، (٦٦٩ - ١٦٦) فقد روى مسلم من طريق التيمي، عن بكر بن عبد الله، عن الحسن، عن بن المغيرة بن شعبة، عن أبيه. قال بكر: وقد سمعت من ابن المغيرة، أن النبي ﷺ توضأ، فمسح بناصيته، وعلى العمامة، وعلى الخفين (٣). فلم يكتف بالمسح على العمامة حتى مسح الناصية (٤). • وأجيب: بأن أكثر الرواة عن المغيرة لم يذكروا المسح على العمامة، وبأنه قد روي أن الرسول ﷺ مسح بالعمامة وحدها، فلا يدل على الوجوب.

стр. 1694

الدليل الثاني: أن العمامة نابت عما استتر فقط، فوجب مسح الباقي، كما لو ظهر سائر رأسه. • دليل من قال لا يجب: الدليل الأول: قالوا: إن العمامة نابت مناب الرأس، فانتقل الفرض إليها، وتعلق الحكم بها، فلم يبق لما ظهر حكم. الدليل الثاني: أن الجمع بينهما يفضي إلى الجمع بين البدل والمبدل في عضو واحد، فلم يجز من غير ضرورة كالمسح على الخفين. وأجيب: بأن الرسول ﷺ جمع بينهما في مسحه على الناصية والعمامة كما نقلنا قبل قليل. • الراجح: والله أعلم أن لها حكم مسح الرأس، وإذا كان الرأس لا يجب استيعابه كما سيأتي بيان ذلك في الوضوء لم يجب استيعاب المسح على العمامة، وكون ظاهر النصوص الاستيعاب فهذا حكاية فعل تدل على الاستحباب ولا تبلغ الوجوب، وأما جوانب الرأس فلم ينقل أن الرسول ﷺ مسحها، فلا أرى استحباب مسحها، والله أعلم، ولا يترجح لي قياس جوانب الرأس على الناصية؛ لأنه لو كان مشروعًا لنقل فعله عن الرسول ﷺ ولو مرة واحدة، والله أعلم. [م-٢٧٥] وهل تمسح الأذنان مع العمامة؟ قال في الشرح الكبير: «ولا يجب مسح الأذنين مع العمامة، لا نعلم فيه خلافًا؛

стр. 1695

لأنه لم ينقل، وليستا من الرأس إلا على وجه التبع» (١). اهـ قلت: نفي الوجوب لايدل على نفي الاستحباب لكن ظاهر استدلاله نفي المشروعية، فإن ثبت ما يحكيه من الإجماع فهو حجة، وإلا فلادليل على كونهما لايمسحان إلا سكوت الراوي، وعدم تعرضه لذلك، وسكوته لا يلغي ما ثبت من مشروعية مسحهما، وقد ذكر في الفروع (٢)، وفي الإنصاف (٣)، رواية عن أحمد بوجوب مسح الأذنين مع العمامة، فأين دعوى الإجماع. * * *

стр. 1696

الشرط السادس يشترط أن تكون العمامة مباحة مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • هل النهي يقتضي الفساد؟ • النهي إذا لم يكن عائدًا لذات المنهي عنه، ولا لوصف لازم لا ينفك عنه، بل لأمر خارج عنه، لم يكن النهي دالًا على الفساد. [م-٢٧٦] فإن كانت العمامة محرمة، سواء كانت محرمة لحق الله، كما لو كانت من حرير أو ذهب. أو كانت العمامة محرمة لحق الغير، كما لو كانت مسروقة أو مغصوبة، ففي المسح عليها خلاف (١)، والخلاف فيه كالخلاف في الخف المحرم، وقد ذكرنا أدلة الأقوال

стр. 1697

هناك، وما رجحناه هناك نرجحه هنا، وهو جواز المسح على العمامة المحرمة؛ لأن التحريم ليس عائدًا إلى المسح، وإنما هو لأمر خارج عنه، والله أعلم. * * *

стр. 1698

الشرط السابع أن تكون العمامة ساترة لما جرت العادة بستره مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • الأصل عدم الاشتراط إلا بدليل. • شروط العبادة كأصلها لا يثبت منها شيء إلا بدليل صحيح صريح. • أكثر شروط المسح على الحائل هي من صنع الفقهاء، ليس عليها أثر، ولا نظر صحيح. [م-٢٧٧] اختلف العلماء في العمامة، هل يشترط أن تكون العمامة ساترة لجميع الرأس إلا ما جرت العادة بكشفه، كمقدام الرأس والأذنين وشبههما من جوانب الرأس، فإنه يعفى عنه، على قولين. والحنابلة رغم أنهم كانوا يتشددون في الخف المخرق، وأنه لا يمسح عليه ولو كان الخرق يسيرًا إلا أنهم في العمامة قد قبلوا الانكشاف اليسير: قال أحمد: إذا زالت عن رأسه فلا بأس ما لم يفحش. وقال ابن عقيل: ما لم يرفعها بالكلية. وقال صاحب المحرر: إن رفع العمامة يسيرًا لم يضر.

стр. 1699

وظاهر المستوعب: تبطل لظهور شيء من رأسه (١). وما رجحناه في المسح على الخف المخرق نرجحه هنا، وأنه لا يوجد دليل من الكتاب أو السنة على اشتراط أن تكون العمامة ساترة لما يجب مسحه، والشروط لا تثبت إلا بدليل، ولا دليل هنا. * * *

стр. 1700

الفصل الخامس خلع العمامة بعد المسح عليها مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • من ثبتت طهارته بدليل لم تبطل إلا بدليل صحيح صريح. • العبادة تحصل بالمسح، لا في بقاء الممسوح. • خلع العمامة ليس حدثًا، وزوال الممسوح لا يبطل المسح، فهو بمنزلة حلق شعر الرأس بعد المسح عليه. [م-٢٧٨] اختلف العلماء القائلون بالمسح على العمامة إذا نزعها من رأسه، فقيل: تبطل الطهارة، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (١). وقيل: لا تبطل، اختاره ابن حزم (٢)، ورجحه ابن تيمية (٣)، وهو الصحيح.

стр. 1701

وقيل: يجب عليه مسح رأسه مباشرة وغسل قدميه، هو رواية عن أحمد (١). وقيل: بل يجب عليه مسح رأسه، ولو لم يكن مباشرة، وهو قول آخر في مذهب الحنابلة (٢). واختلف أصحاب أحمد في مبنى هذه الروايات على أقوال: فقيل: مبنية على الموالاة، قال المرداوي: اختاره ابن الزاغوني، وقطع به المصنف في المغني، والشارح، وابن رزين في شرح، وقدمه في الرعاية الكبرى، فعلى هذا لو حصل ذلك قبل فوات الموالاة، أجزأه مسح رأسه وغسل قدميه قولًا واحدًا لعدم الإخلال بالموالاة (٣). وقيل: الخلاف مبني على أن المسح هل يرفع الحدث أم لا؟ قال المرداوي: قطع بهذه الطريقة القاضي أبو الحسين، واختاره وصححه المجد في شرحه، وابن عبيدان، وصاحب مجمع البحرين، والحاوي الكبير، وقدمه الشيخ تقي الدين في شرح العمدة، وقال هو وأبو المعالي وحفيده: وهو الصحيح من المذهب عند المحققين، واعلم أن المسح يرفع الحدث على الصحيح من المذهب - يعني: مذهب الحنابلة - نص عليه، وجزم به في التلخيص، والبلغة، وقدمه في الفروع ... إلخ كلامه (٤). وقيل: مبني على أن الطهارة لا تتبعض في النقض، وإن تبعضت في الثبوت،

стр. 1702

كالصلاة والصيام (١). وانظر دليل كل قول في مسألة نزع الخف، فإن القول واحد، والدليل واحد. والله أعلم. * * *

стр. 1703

مبحث لو انتقضت العمامة دون أن ينزعها [م-٢٧٩] قال ابن قدامة في المغني: «وإن انتقضت العمامة بعد مسحها، بطلت طهارته؛ لأن ذلك بمنزلة نزعها. وإن انتقض بعضها ففيه روايتان ذكرهما ابن عقيل: أحدهما: لا تبطل طهارته؛ لأنه زال بعض الممسوح عليه مع بقاء العضو مستورًا، فلم تبطل الطهارة، ككشط الخف مع بقاء البطانة. والثانية: تبطل. قال القاضي: لو انتقض منها كور واحد بطلت؛ لأنه زال الممسوح عليه، فأشبه نزع الخف (١). وإذا كنا رجحنا في مسألة نزع الخف أن الطهارة لا تبطل، فكذلك الراجح هنا أن العمامة لو سقطت كلها فالطهارة باقية على حالها، انظر مسألة نزع الخف، فقد بسطت الأدلة هناك. * * *

стр. 1704

الباب التاسع في المسح على الجبيرة الفصل الأول خلاف العلماء في جواز المسح على الجبيرة مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • لا يثبت في المسح على الجبيرة أثر صحيح يمكن الاعتماد عليه، إلا أنه قول أكثر العلماء. • ما ورد موقوفًا على ابن عمر معارض بقول ابن عباس في الجراحات بالانتقال إلى التيمم. • إذا تعذر الغسل فإما أن يصار إلى المسح، وإما إلى التيمم، وإما أن يسقط إلى غير بدل. والمسح على الجبيرة أولى من التيمم؛ لأن المسح يكون بالماء، والتيمم بالتراب، والأصل: استعمال الماء، والمسح يكون في ما يغطي موضع الغسل، وأما التيمم في عضوين فقط، وقد يكونا أجنبين عن موضع الجرح. والمسح أولى من إسقاطه إلى غير بدل؛ لأن من قدر على المسح انتقل فرضه إليه. [م-٢٨٠] اختلف العلماء في جواز المسح على الجبيرة،

стр. 1705

فقيل: يجب المسح عليها، وهو مذهب المالكية (١)، والقول القديم للشافعي (٢)، واختاره أبو يوسف ومحمد من الحنفية (٣)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٤). وقال أبو حنيفة: ليس المسح على الجبيرة بفرض. واختلف أصحابه في فهم عبارته. فقيل: معناه أن المسح واجب، وليس بفرض (٥). وقيل: بل معنى عبارة الإمام أن المسح مستحب، وليس بواجب (٦). وقيل: يجمع بين المسح والتيمم، وهو قول الشافعي في الأم، وعليه جمهور أصحابه (٧). وقيل: لا يشرع المسح، واختلف القائلون به. فقيل: يسقط المسح إلى غير بدل، وهو اختيار ابن حزم (٨). وقيل: بل يكفيه التيمم، ولا يمسح، حكاه بعض الخرسانيين، وهو قول عند الشافعي مخرج على قول من وجد ماء يكفي بعض الأعضاء فإن لهم فيها قولان،

стр. 1706

أحدهما: يتيمم، ولا يستعمل الماء؛ لأنه في الصورتين تمكن من غسل بعض الأعضاء دون بعض، واختاره أبو عبد الله الحناط (١). • دليل القائلين بجواز المسح على الجبيرة: الدليل الأول: (٦٧٠ - ١٦٧) ما رواه أبو داود من طريق الزبير بن خريق، عن عطاء، عن جابر، قال: خرجنا في سفر، فأصاب رجلًا منا حجر فشجه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه، فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة، وأنت تقدر على الماء، فاغتسل، فمات، فلما قدمنا على النبي ﷺ أخبر بذلك، فقال: قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا؛ فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب ـ شك موسى ـ على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده (٢). [ضعيف، وزيادة ويعصر أو يعصب ثم يمسح عليها زيادة منكرة، تفرد بها الزبير بن خريق، والمعروف أن الحديث من رواية الأوزاعي بلغني عن عطاء عن ابن عباس، وليس فيها ذكر للمسح، ولا للتيمم] (٣).

стр. 1707

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1708

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1709

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1710

الدليل الثاني: (٦٧١ - ١٦٨) ما رواه عبد الرزاق، قال: أخبرنا إسرائيل بن يونس، عن عمرو ابن خالد، عن زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب قال: انكسر إحدى زندي، فسألت رسول الله ﷺ ، فأمرني أن أمسح على الجبائر (١). [ضعيف جدًّا، بل موضوع] (٢).

стр. 1711

الدليل الثالث: (٦٧٢ - ١٦٩) ما رواه الدارقطني من طريق أبي الوليد، وهو خالد بن يزيد المكي، أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، حدثنا الحسن بن زيد، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب ﵁، سألت رسول الله ﷺ عن الجبائر تكون على الكسير كيف يتوضأ صاحبها؟ وكيف يغتسل إذا أجنب؟ قال: يمسحان بالماء عليهما في الجنابة والوضوء، قلت: فإن كان في برد يخاف على نفسه إذا اغتسل؟ قال: يمر على جسده، وقرأ رسول الله ﷺ : (وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً) [النساء: ٢٩] يتيمم إذا خاف (١). [ضعيف جدًّا] (٢). الدليل الرابع: (٦٧٣ - ١٧٠) ما رواه الدارقطني من طريق أبي عمارة محمد بن أحمد بن المهدي، ثنا عبدوس بن مالك العطار، أخبرنا شبابة، أخبرنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد،

стр. 1712

عن ابن عمر أن النبي ﷺ كان يمسح على الجبائر. قال الدارقطني: لا يصح مرفوعًا، وأبو عمارة ضعيف جدًّا (١). الدليل الخامس: (٦٧٤ - ١٧١) ما رواه أحمد، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن ثور، عن راشد بن سعد، عن ثوبان، قال: بعث رسول الله ﷺ سرية، فأصابهم البرد، فلما قدموا على النبي ﷺ شكوا إليه ما أصابهم من البرد، فأمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين (٢). [رجاله ثقات، وأعله بعضهم بالانقطاع] (٣). • وأجيب: بأن المراد بالعصائب: العمائم، والتساخين: الخفاف. الدليل السادس: من الآثار . (٦٧٥ - ١٧٢) ما رواه ابن المنذر، قال: حدثنا موسى بن هارون، حدثنا سماغ، حدثنا الوليد، أخبرنا سعيد بن أبي عروبة، حدثني سليمان بن موسى، عن نافع، قال: جرحت إبهام رجل ابن عمر، فألقمها مرارة، فكان يتوضأ عليها (٤).

стр. 1713

• وأجيب بجوابين: الجواب الأول: أن الصحابة كلهم كانوا أهل جهاد، وتكثر فيهم الجراحات، والكسور، ولو كان ذلك واجبًا لجاء واضحًا بيانه في السنة المرفوعة لشديد الحاجة إليه، ولم نجد في المسح على الجبيرة حديثًا مرفوعًا يمكن الاعتماد عليه مع شديد الحاجة، ولو كان ذلك من شريعة الله لنقل إلينا نقلًا تقوم به الحجة، فلما لم يأت إلا أثر موقوف عن واحد من الصحابة، علم أن مثل هذا قد لا يكون سبيله الوجوب. الجواب الثاني: بأن فعل ابن عمر، وإن كان صحيحًا فقد عارضه قول ابن عباس فهو يرى التيمم كما سيأتي إن شاء الله تعالى عنه، وإن كان قول ابن عباس في الجراحات، وليس في الجبيرة إلا أن سبيلهما واحد لتعذر استعمال الماء عليهما، بل يعارض فعل ابن عمر ظاهر القرآن، قال تعالى: (وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) [المائدة: ٦] فذكر أن التيمم يشرع إذا كان

стр. 1714

الإنسان مريضًا، والجرح: نوع من المرض. قال ابن حزم: «فإن قيل: قد رويتم عن ابن عمر أنه ألقم أصبعه مرارة، فكان يمسح عليها. قلنا: هذا فعل منه، وليس إيجابًا للمسح عليها، وقد صح عنه ﵁ أنه كان يدخل الماء في باطن عينيه في الوضوء والغسل، وأنتم لا ترون ذلك، فضلًا عن أن توجبوه فرضًا» (١). اهـ فقد يكون ابن عمر فعل ذلك احتياطًا، ويبقى ما دام أن ابن عباس خالفه، يطلب مرجح لأحد القولين من دليل آخر. ويرد على ابن حزم بأن ابن عمر قد ورد عنه الأمر بالمسح على العصابة كما نقلت ذلك في التخريج عنه، وليس مجرد فعل. الدليل السابع: من النظر، قالوا: إن المسح على الجبيرة أولى من التيمم من وجهين: الأول: أن المسح يكون بالماء، والتيمم بالتراب، والأصل: استعمال الماء. الثاني: المسح يكون في ما يغطي موضع الغسل، وأما التيمم في عضوين فقط، وقد يكونا أجنبين عن موضع الجرح، فالجرح إما أن يكون مكشوفًا أو مستورًا، فإن كان مكشوفًا، فالواجب غسله، فإن تعذر غسله بالماء، انتقل إلى مسحه بالماء، فإن تعذر المسح، فالتيمم. وإن كان العضو مستورًا ففرضه المسح، فإن تضرر انتقل إلى التيمم. • وأجيب: بأن هذا الترتيب لا دليل عليه، وهو استحسان في مقابل النص، أعني آية المائدة، فلا يقبل.

стр. 1715

الدليل الثامن: قالوا: يشرع المسح على الجبيرة قياسًا على العمامة والخفين؛ لأن هذا العضو ستر بما يسوغ شرعًا، فجاز المسح عليه كالخفين والعمامة. • وأجيب: بأن هناك فرقًا بين الجبيرة والخفين، فلا يصح القياس، فمن ذلك: أن المسح على الجبيرة واجب، والمسح على الخفين جائز. الثاني: أن المسح على الجبيرة في الطهارتين الصغرى والكبرى، وفي الخف في الطهارة الصغرى فقط. الثالث: المسح على الجبيرة لا توقيت فيها، بخلاف الخف. الرابع: المسح على الجبيرة يستوعبها بالمسح، كما يستوعب الجلد، بخلاف الخف. الخامس: أن المسح على الخفين يشترط له الطهارة، بخلاف الجبيرة على قول. وإذا تبين بينهما هذه الفروق فكيف يصح قياس الجبيرة على الخف؟! • أدلة القائلين بالتيمم: الدليل الأول: من القرآن قوله تعالى: (وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦]. وإذا لم يكن هذا الجرح مرضًا، فما هو المرض المبيح للتيمم؟ فهل يشترط أن يكون مرضًا مانعًا من استعمال الماء مطلقًا؟ أين الدليل على هذا الشرط، وهذا الشرط لو قالوه مخالف لقولهم: إذا كان معه ماء يكفي بعض طهره، استعمله، وتيمم عن الباقي.

стр. 1716

• ونوقش هذا: بأن الكلام في المسح على الجبيرة، وليس في الجراحات المكشوفة التي يتعذر فيها استعمال الماء والمسح. • ورد هذا من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: المفروض في كتاب الله الغسل أو التيمم، وأنتم جعلتم المفروض ثلاثة: الغسل، فإن لم يمكن فالمسح، فإن لم يمكن فالتيمم، مع أنه ليس في المسح حديث يمكن الاحتجاج به إلا ما ورد في حديث صاحب الشجة من حديث جابر وهو منكر. الوجه الثاني: أن التيمم مخرج على قول من وجد ماء يكفي بعض الأعضاء فقد اختار بعض أهل العلم أنه يتيمم، ولا يستعمل الماء، لأنه في الصورتين قد تمكن من غسل بعض الأعضاء دون بعض إلا أن أحدهما لقلة الماء، والثاني لتعذر استعماله، وبابهما في التيمم واحد. الوجه الثالث: لو كان معه قليل من الماء، إن غسل به أعضاء الوضوء لم يمكنه إلا غسل بعضها، وإن تمسح به مسح به جميع أعضاء الوضوء، لا يقال له فرضك المسح فكذلك في وضع الجبيرة فرضه إما الغسل أو التيمم، ولا يوجد في الوضوء ما يقال: إن فرضه المسح إلا ما صح فيه النص كالرأس والخفين. الدليل الثاني: (٦٧٦ - ١٧٣) ما رواه ابن الجارود من طريق حفص بن غياث، قال: أنبأني الوليد بن عبيد الله بن أبي رباح، أن عطاء حدثه، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رجلًا أجنب في شتاء، فسأل، فأمر

стр. 1717

بالغسل، فاغتسل، فمات، فذكر ذلك للنبي ﷺ قال: ما لهم قتلوه؟ قتلهم الله ثلاثًا قد جعل الله الصعيد، أو التيمم طهورًا، شك ابن عباس، ثم أثبته بعد (١). [رواه الأوزاعي عن عطاء، فخالف فيه الوليد بن عبيد الله] (٢). والغريب أن القائلين بالمسح تركوا هذا الحديث، وأخذوا بحديث جابر، وهو غلط من راويه الزبير بن خريق؛ لأن الأوزاعي والوليد بن عبيد الله قد خالفاه، فروياه عن عطاء من مسند ابن عباس، وليس فيه المسح على الجبيرة، ومع تقديمهم لحديث جابر على نكارته، لم يقولوا بمقتضاه من الجمع بين المسح والتيمم، بل أخذوا بعضه، وتركوا بعضه، وهذا من غرائب الاستدلال! الدليل الثالث: أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا أهل جهاد، فكانت تكثر فيهم الجروح والقروح، فلو كان المسح على الجبيرة مشروعًا لجاء مبينًا في السنة تبيينًا واضحًا لا

стр. 1718

إشكال فيه، كما بين الرسول ﷺ أن الريح حدث يبطل الوضوء، ولا ينازع في ذلك منازع، خاصة أن الأمر يتعلق بالصلاة التي هي أعظم أركان الإسلام العملية، فلما لم يأت المسح إلا من حديث رجل إما متهم بالكذب، وإما ضعيف قد خالفه من هو أوثق منه، علم أن المسح ليس مشروعًا. الدليل الرابع: ثبت عن ابن عباس موقوفًا عليه القول بالتيمم، (٦٧٧ - ١٧٤) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: إذا أجنب الرجل، وبه الجراحة والجدري، فخاف على نفسه إن هو اغتسل، قال: يتيمم بالصعيد (١). [حسن موقوفًا على ابن عباس، وروي مرفوعًا ولا يصح] (٢).

стр. 1719

الدليل الخامس: إذا كان الجنب قد رخص له إذا خاف على نفسه الضرر من الاغتسال أن يتيمم، فكذلك إذا خاف على جرحه، ولا فرق، ولا يقال له: امسح جسدك بالماء إذا خفت من الاغتسال؛ لأنه أولى من التيمم، فهذا بالماء، وذاك بالتراب، وهذا في عضوين، وذاك في الجسم كله، بل نقول له: تيمم، وهذا يكفيك، فكذلك إذا خاف على عضو من أعضائه. فقد روي عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عمرو بن العاص أنه تيمم لشدة البرد (١). وهذا منقطع، عبد الرحمن بن جبير لم يسمع من عمرو بن العاص (٢). وقيل: عبد الرحمن بن جبير، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، أن عمرو بن العاص كان على سرية فذكر الحديث، وذكر الوضوء، وغسل المغابن، ولم يذكر التيمم، وهذا مرسل أيضًا (٣).

стр. 1720

فالإسناد الأول ذكر التيمم فقط. والإسناد الثاني ذكر الوضوء وغسل المغابن، ولم يذكر التيمم، وكلاهما لا يسلم من علة الانقطاع، قال البيهقي: ويحتمل أن يكون قد فعل ما نقل في الروايتين جميعًا، غسل ما قدر على غسله، وتيمم للباقي، والله أعلم (١). • دليل من قال يسقط فرضه ولا يمسح ولا يتيمم: استدل ابن حزم بقوله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَاّ وُسْعَهَا) [البقرة: ٢٨٦]. وقول الرسول ﷺ : (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم). قال ابن حزم فسقط بالقرآن والسنة كل ما عجز عنه المرء، وكان التعويض منه شرعًا، والشرع لا يلزم إلا بقرآن أو سنة، ولم يأت قرآن ولاسنة بتعويض المسح على الجبائر (٢). ولأنه لو فقد العضو كاملًا سقط إلى غير بدل، فكذلك إذا عجز عن إيصال الماء إلى هذا العضو سقط من غير بدل. وفي ما قاله ﵀ نظر؛ لأن القرآن والسنة جاءت بالبدل، وهو التيمم كما
следующие страницы →