موسوعة
أحكام الطهارة
أدلة ومسائل وقواعد وضوابط
القسم الأول
طهارة الحدث
المجلد الرابع
طهارة الغسل
تأليف
دبيان بن محمد الدبيان
стр. 1752
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن سار على دربهم واقتفى أثرهم، أما بعد:
فهذا هو الكتاب الرابع من طهارة الحدث بالماء، وهو خاص بالطهارة من الحدث الأكبر، أعني: الغسل، وجاء ترتيبه متأخرًا عن طهارة الحدث الأصغر موافقة لآية المائدة، حيث ذكرت الوضوء، ثم ثنت بالغسل، فكان الأولى تقديم ما قدم الله ذكره.
وطهارة الغسل على قسمين:
طهارة حسية: وهي كل طهارة لا يكون موجبها حدث، كغسل الجمعة، والإحرام، ونحوهما.
وطهارة تعبدية: وكل طهارة يكون موجبها حدث، أو انقطاع الحدث، كغسل الجنابة، والحيض والنفاس، فالأول كنزول المني، ولا تحصل الطهارة منه بغسل المني، بل بغسل جميع البدن، لهذا كان طهارة تعبدية.
والثاني انقطاع دم الحيض والنفاس فهو يوجب غسل البدن، فالانقطاع طهارة حسية، وتوجب طهارة تعبدية، وهو غسل البدن، ولا يكفي غسل المحل من دم
стр. 1753
الحيض، وهكذا الفروق بين الطهارة التعبدية والطهارة الحسية ..
واختلفوا في غسل الميت، هل يلحق بالطهارة الحسية، أو التعبدية، أو أنه قد يجمع بينهما. فالغسلة الأولى إلى الثالثة تعبدية، وما زاد فهو من الحسية.
وسيكون البحث إن شاء الله تعالى في طهارة الغسل وفق الخطة التالية:
خطة البحث:
سيكون قوام البحث إن شاء الله تعالى من ستة أبواب، مقسمًا إلى فصول يتفرع منها مباحث، وفروع، ومسائل، على النحو التالي:
الباب الأول: في موجبات الغسل.
الفصل الأول: خروج المني.
المبحث الأول: خروجه في اليقظة.
الفرع الأول: في اشتراط أن تكون اللذة مقارنة للخروج.
الفرع الثاني: في تكرار خروج المني.
الفرع الثالث: إذا أنزل دون الفرج، فسال الماء حتى دخل في الفرج، ثم خرج.
المبحث الثاني: خروج المني حال النوم.
الفرع الأول: إذا التذ في نومه، ثم خرج منه المني في اليقظة من غير لذة.
الفرع الثاني: في الرجل يذكر احتلامًا ولم ير بللًا.
الفرع الثالث: إذا رأى منيًا في ثوب ينام فيه هو وغيره.
الفصل الثاني: في إيجاب الغسل من التقاء الختانين.
المبحث الأول: في إيجاب الغسل بمجرد الإيلاج.
المبحث الثاني: في الإيلاج في فرج الصغيرة التي لا يوطأ مثلها.
стр. 1754
المبحث الثالث: في الإيلاج في فرج الميت.
المبحث الرابع: في إيجاب الغسل على الصغير إذا جامع.
المبحث الخامس: في إدخال ذكر النائم والمجنون ونحوهما في الفرج.
المبحث السادس: في الإيلاج في فرج البهيمة.
المبحث السابع: في إدخال بعض الحشفة.
المبحث الثامن: في إيلاج مقطوع الحشفة.
المبحث التاسع: في الإيلاج في الدبر.
المبحث العاشر: في إدخال الأصبع ونحوها في الفرج.
المبحث الحادي عشر: في الإيلاج مع وجود حائل.
المبحث الثاني عشر: إذا أولج في قبل أو دبر خنثى مشكل.
المبحث الثالث عشر: لو غيب الرجل ذكره في دبر نفسه.
الفصل الثالث: في الشك في موجب الغسل.
الفصل الرابع: في إيجاب الغسل على الكافر إذا أسلم.
الفصل الخامس: في إيجاب الغسل بالموت أو تغسيل الميت.
المبحث الأول: في وجوب غسل الميت.
المبحث الثاني: في الغسل من تغسيل الميت.
الفصل السادس: في غسل الجمعة.
المبحث الأول: في وجوب غسل الجمعة.
المبحث الثاني: غسل الجمعة للصلاة لا لليوم.
المبحث الثالث: في غسل من لا تجب عليه الجمعة.
الفصل السابع: من موجبات الغسل حيض المرأة.
стр. 1755
مبحث: خلاف العلماء في الموجب للغسل.
الفصل الثامن: من موجبات الغسل النفاس.
الباب الثاني: في الأغسال المستحبة.
الفصل الأول: الغسل للإحرام.
الفصل الثاني: الغسل لدخول مكة.
الفصل الثالث: الغسل من زوال العقل.
الفصل الرابع: الغسل للعيدين.
المبحث الأول: في وقت الاغتسال للعيد.
المبحث الثاني: غسل العيد لليوم أو للصلاة.
الفصل الخامس: الغسل يوم عرفة.
الفصل السادس: في الاغتسال للوقوف بمزدلفة.
الفصل السابع: في الاغتسال لرمي الجمار.
الفصل الثامن: الاغتسال لصلاة الكسوف والاستسقاء.
الفصل التاسع: الغسل من الحجامة.
الباب الثالث: أحكام الجنب.
الفصل الأول: تحريم فعل الصلاة.
الفصل الثاني: في طواف الجنب.
الفصل الثالث: في مكث الجنب في المسجد.
الفصل الرابع: في قراءة الجنب للقرآن.
الفصل الخامس: في مس الجنب للمصحف.
الفصل السادس: في صيام الجنب.
стр. 1756
مبحث: في الحائض والنفساء تطهر قبل الفجر، ولا تغتسل إلا بعد طلوع الصبح.
الفصل السابع: في أذان وإقامة الجنب للصلاة.
المبحث الأول: في أذان الجنب.
المبحث الثاني: في إقامة الجنب للصلاة.
الفصل الثامن: في نوم الجنب.
الفصل التاسع: في أكل الجنب وشربه.
الفصل العاشر: في استحباب الوضوء لمعاودة الوطء.
الفصل الحادي عشر: في طهارة جسد الجنب وعرقه.
الفصل الثاني عشر: في انغماس الجنب في الماء الدائم.
المبحث الأول: في حكم اغتسال الجنب في الماء الدائم.
المبحث الثاني: أثر انغماس الجنب على الماء القليل.
الفصل الثالث عشر: في ذبيحة الجنب.
الباب الرابع: في آداب الغسل.
الفصل الأول: تجنب الإسراف في الغسل.
الفصل الثاني: التستر عن أعين الناس.
المبحث الأول: في حكم ستر العورة.
الفرع الأول: ستر العورة عن النظر إليها من الأجانب.
الفرع الثاني: في كشف العورة بالخلوة من غير حاجة.
الفرع الثالث: في كشف العورة للغسل ونحوه إذا كان خاليًا.
المبحث الثاني: في ستر سائر البدن حال الغسل.
المبحث الثالث: في دخول الحمام من أجل الاغتسال.
стр. 1757
الفرع الأول: في تعريف الحمام.
الفرع الثاني: في دخول الحمام.
المبحث الرابع: إذا دخل الحمام بنية الاغتسال، ثم شك في حصول الاغتسال.
الفصل الثالث: في اغتسال الرجل وزوجه من إناء واحد، وهما جنبان.
الفصل الرابع: التسمية في الغسل.
الفصل الخامس: البداءة بغسل فرجه وما أصابه من أذى قبل الاغتسال.
الفصل السادس: غسل اليدين قبل الوضوء وقبل غسل الفرج.
المبحث الأول: في محل غسل اليدين من غسل الجنابة.
المبحث الثاني: هل يغسل يديه كليهما، أو اليمنى فقط لأنها آلة الغرف.
المبحث الثالث: الموجب لغسل اليدين في غسل الجنابة.
المبحث الرابع: في عدد غسل الكفين في ابتداء الغسل.
الفصل السابع: من سنن الغسل الوضوء قبله.
المبحث الأول: في حكم الوضوء في غسل الجنابة.
المبحث الثاني: في موضع الوضوء من غسل الجنابة.
المبحث الثالث: في ارتفاع الحدث الأكبر في الاغتسال.
المبحث الرابع: نية الوضوء في غسل الجنابة.
المبحث الخامس: في التثليث في وضوء الغسل.
الفصل الثامن: في استحباب المضمضة والاستنشاق في الغسل.
الفصل التاسع: في السنن الواردة في غسل الرأس.
المبحث الأول: العمل في الرأس في وضوء الغسل.
المبحث الثاني: تخليل الشعر في غسل الجنابة.
стр. 1758
المبحث الثالث: في استحباب التثليث في غسل الرأس.
المبحث الرابع: الفرق بين الرجل والمرأة في عدد غسلات الرأس.
المبحث الخامس: في نقض الضفائر في غسل الجنابة.
المبحث السادس: في غسل المسترسل.
الفصل العاشر: في استحباب التيامن في الاغتسال.
الفصل الحادي عشر: التثليث في غسل البدن.
الفصل الثاني عشر: في تأخير غسل الرجلين.
الفصل الثالث عشر: في الموالاة في غسل الجنابة.
الفصل الرابع عشر: في تدليك البدن في الغسل.
الباب الخامس: في فروض الغسل.
الفرض الأول: الماء الطهور مع القدرة عليه.
الفرض الثاني: النية.
الفرض الثالث: تعميم جميع البدن بالغسل.
الباب السادس: في ذكر صفة الغسل الكامل والمجزئ.
هذه خطة البحث في هذا الكتاب، وسأل الله وحده العون والتوفيق.
* * *
стр. 1759
الباب الأول في موجبات الغسل
الفصل الأول خروج المني
المبحث الأول خروجه في اليقظة
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• أسباب الحدث، وكيفية التطهر منها أمور تعبدية متلقاة من الشارع، لا دخل للقياس فيها، فالمني طاهر على الصحيح ويوجب غسل البدن كله، والبول والمذي نجسان، ويوجبان غسل الأعضاء الأربعة.
• ما ثبت في حق الرجل ثبت في حق النساء إلا بدليل.
• خروج المني بلا دفق وبلا لذة صورة نادرة مرضية غير معتادة، فلا تدخل في العام والمطلق من قوله ﷺ : إنما الماء من الماء.
• ليس موجب الغسل هو خروج المني كيف ما خرج، بل موجبه خروجه دفقًا بلذة؛ لأنه هو الخروج المعتاد المجمع عليه، وما عداه نادر مختلف فيه، والأصل عدم وجوب الغسل.
стр. 1760
• خروج المني بغير الصفة المعتادة يشبه دم الاستحاضة بجامع أن خروجهما على غير الصفة المعتادة فلم يوجبا الغسل.
وقيل:
• العام والمطلق في النصوص الشرعية يشمل الصور المعتادة والنادرة؛ إذ العام ظاهر في عمومه وشموله جميع الأفراد، فيجب العمل به إلا بدليل صالح للتخصيص (١).
[م-٢٩٢] خروج المني دفقًا بلذة موجب للغسل بلا خلاف بين الفقهاء،
قال الكاساني: «الجنابة تثبت بأمور بعضها مجمع عليها، وبعضها مختلف فيه، أما المجمع عليها فنوعان:
أحدهما: خروج المني عن شهوة دفقًا من غير إيلاج، بأي سبب حصل الخروج كاللمس والنظر والاحتلام حتى يجب الغسل بالإجماع» (٢).
وقال ابن جزي: «فإن خرج بلذة معتادة من الجماع فما دونه وجب الغسل إجماعًا» (٣).
وقال النووي: «وقد أجمع المسلمون على وجوب الغسل على الرجل والمرأة بخروج المني» (٤).
وقال ابن قدامة: «خروج المني الدافق بشهوة، يوجب الغسل من الرجل والمرأة في يقظة أو في نوم. وهو قول عامة الفقهاء، قاله الترمذي، ولا نعلم فيه خلافًا» (٥).
стр. 1761
[م-٢٩٣] واختلفوا في خروج المني بدون لذة كما لو خرج لعلة من مرض أو برد ونحوهما؟
فقيل: لا يوجب الغسل، وهو مذهب الجمهور (١).
وقيل: إذا خرج المني وجب الغسل على أي صفة خرج، وهو مذهب الشافعي (٢).
• دليل الجمهور على اشتراط الدفق بلذة:
الدليل الأول:
من القرآن قوله تعالى: (فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ) [الطارق: ٥، ٦].
وجه الاستدلال:
أن الماء الذي يجب منه الغسل إنما هو الماء الذي يكون منه الولد، وقد ذكر الله لنا صفته، بقوله: (خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ) فإذا خرج بدون دفق فلا يعتبر هو الماء الذي يكون منه الولد، والذي يجب به الغسل.
الدليل الثاني:
(٦٨١ - ١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبيدة بن حميد التيمي أبو عبد الرحمن،
стр. 1762
حدثني ركين، عن حصين بن قبيصة،
عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنت رجلًا مذاءً، فجعلت أغتسل في الشتاء حتى تشقق ظهري، قال: فذكرت ذلك للنبي ﷺ أو ذكر له، قال: فقال: لا تفعل، إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك وتوضأ وضوءك للصلاة، فإذا فضخت الماء فاغتسل (١).
وفي رواية لأحمد، عن علي قال: كنت رجلًا مذاءً، فسألت النبي ﷺ فقال: إذا حذفت فاغتسل من الجنابة، وإذا لم تكن حاذفًا فلا تغتسل (٢).
[الحديث في الصحيحين دون ذكر زيادة الاغتسال بفضخ الماء أو بحذف الماء وأكثر الرواة على عدم ذكرها، فهي زيادة شاذة] (٣).
قال ابن الأثير: قوله: «(وإذا رأيت فضخ الماء فاغتسل) أي دفقه، يريد المني» (١).
стр. 1765
• دليل الشافعية على وجوب الغسل بخروج المني كيفما كان:
الدليل الأول:
(٦٨٢ - ٢) ما رواه مسلم من طريق عمرو بن الحارث، عن ابن شهاب حدثه، أن أبا سلمة بن عبد الرحمن حدثه،
عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ أنه قال: إنما الماء من الماء (١).
[الحديث له قصة، وهو في من جامع زوجته، ولم ينزل، وقد نسخ هذا الحكم كما سيأتي إن شاء الله تعالى] (٢).
الدليل الثاني:
القياس على إيلاج الحشفة، فكما أن إيلاج الحشفة يجب به الغسل، سواءً كان هذا بلذة أم بغير لذة، فكذلك نزول المني موجب للغسل، سواءً كان ذلك بلذة أم بغيرها.
ويُجاب:
بأن هذا قياس موجب على آخر، فيما لا يدخله القياس، ولا يعقل معناه، وقد يعكس، فيقال: إذا كان الإنزال هو موجب الغسل مطلقًا بلذة أو بدونها لم يجب الغسل من الإيلاج بدون إنزال، إلا أن مثل هذا الكلام مصادم للنص، ولا مجال للاجتهاد فيه.
الدليل الثالث:
القياس على خروج المني حال النوم، فكما أنه يجب عليه الغسل إذا استيقظ ورأى
стр. 1766
ماء، ولو كان خروجه بدون لذة، فكذلك رؤيته حال اليقظة لا تشترط فيها اللذة.
• ويُجاب:
بأن نزول المني حال النوم محمول على النزول المعتاد للمني، وهو كونه دفقًا بلذة، كما حمل النائم على أنه قد خرج منه حدث، وهو لا يدري، وقد لا يكون خرج منه شيء أصلًا.
• الراجح من الخلاف:
الغسل بخروج المني إنما يجب بخروجه المعتاد المعروف، وهو خروجه بلذة وفي حالة الدفق؛ لأن خروجه على خلاف هذا لا يختلف المني فيه عن المذي، ثم إن الأصل عدم وجوب الغسل حتى نتيقن أو يغلب على ظننا وجوبه، فالأمر المتيقن هو خروجه في حالة اللذة؛ وذلك لأنه مجمع عليه، وما عداه فإن الأصل بقاء الطهارة، ولا ننتقل عنها إلا بيقين أو غلبة ظن راجح، والله أعلم.
* * *
стр. 1767
الفرع الأول في اشتراط أن تكون اللذة مقارنة للخروج
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• كل إنزال لم يكن خروجه مقرونًا بلذةٍ معتادةٍ فإنه لا يوجب الغسل على الصحيح إلا ما كان في النوم.
• خروج المني بلا لذة صورة نادرة والصور النادرة لا تدخل تحت العام والمطلق من قوله ﷺ : إنما الماء من الماء.
• موجب الغسل هو خروج المني دفقًا بلذة؛ لأنه هو الخروج المعتاد المجمع عليه، وما عداه نادر مختلف فيه، والأصل عدم وجوب الغسل.
• خروج المني بغير الصفة المعتادة يشبه دم الاستحاضة بجامع أن خروجهما على غير الصفة المعتادة فلم يوجبا الغسل.
• إذا انتقل المني من أصل مجاريه بلذة، ثم خرج في وقت آخر بعد ذهاب اللذة فلا يجب الغسل على الصحيح؛ لأن المعتبر في الأحداث ليس انتقالها في الباطن، وإنما ظهورها.
• خروج المني بعد ذهاب اللذة يشبه المذي حيث تسبقه لذة يخرج بعدها، فالاعتبار باللذة ما قارن خروج المني.
стр. 1768
• إذا خلا موجب الجنابة من شرطه، فهل يلحق بالحدث الأصغر أم لا؟ قولان (١).
وقيل:
• ما أوجب الاغتسال إذا كان لشهوة أوجبه إذا كان لغير شهوة، كالتقاء الختانين.
إنزال المني يوجب الاغتسال مطلقًا ولو بلا شهوة كالاحتلام (٢).
[م-٢٩٤] اختلف الفقهاء في اشتراط أن تكون اللذة مقارنة للخروج:
فقيل: لا يشترط أن تكون اللذة مقارنة للخروج، فإذا انتقل المني من مكانه على وجه اللذة، ثم خرج بعد ذلك من غير لذة وجب عليه الغسل، وهو مذهب أبي حنيفة ومحمد (٣)، والمشهور من مذهب المالكية (٤).
وقيل: يشترط أن تكون اللذة مقارنة للخروج، وهو اختيار أبي يوسف ﵀ (٥)، وقول في مذهب المالكية (٦).
وقيل: يجب عليه الغسل إذا انتقل المني من مكانه على وجه اللذة، ولو لم يخرج، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٧).
ولا تأتي هذه المسألة على مذهب الشافعي رحمه الله تعالى؛ لأنه يوجب الغسل بخروج المني مطلقًا، سواءً كان لشهوة أم لغير شهوة (٨).
стр. 1769
ويظهر الفرق بين هذه الأقوال فيمن احتلم، فأمسك ذكره حتى سكنت شهوته، ثم سال منه المني، وكذلك المجامع إذا اغتسل، ثم سال منه بقية المني، فمن قال: يشترط أن تكون اللذة مقارنة لظهوره من الجسد لم يشترط الغسل هنا، ومن قال: لا يشترط، أوجب الغسل، ومن لم يشترط خروج المني، واكتفى بانتقاله على وجه اللذة أوجب الغسل في المسألتين، والله أعلم.
• دليل من قال يشترط أن تكون اللذة مقارنة للخروج:
قال: إذا اشترطنا وجود اللذة، فإن المعتبر بوجودها في الحال الذي يجب فيه الغسل، والغسل إنما يجب بخروج المني، لا في انتقاله من مكانه، فإذا كان حال خروجه غير مصحوب بلذة لم يجب الغسل، لأنه في هذه الحالة لا فرق بين خروج المني وخروج المذي، فإن خروج المذي يخرج بعد انكسار الشهوة، ومع ذلك لا يجب فيه غسل.
• دليل من اشترط أن تكون اللذة حال الانتقال، ولو لم تكن مقارنة للخروج .
وجوب الغسل مبني على أمرين: خروج المني، ووجود اللذة، فإذا وجدت اللذة حال انتقال المني من مكانه، ثم خرج المني بعد ذلك فقد وجد موجب الغسل، وهو خروج المني بسبب الشهوة، ولا فرق بين أن تكون اللذة مقارنة أو غير مقارنة.
وصدق عليه حديث أم سلمة (هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ قال: نعم إذا هي رأت الماء).
• دليل من قال: يكفي وجود الشهوة حال انتقال المني ولو لم يخرج المني:
قالوا: الغسل يجب بوجود الجنابة، وحقيقة الجنابة: هي تباعد الماء عن مكانه مع وجود الشهوة، هذا أصلها في اللغة قال تعالى: (وَالْجَارِ الْجُنُبِ) [النساء: ٣٦]، أي البعيد، فإذا انتقل الماء ولو لم يخرج فقد باعد الماء محله، فصدق عليه اسم الجنب، وبالتالي وجب الغسل لوجود الجنابة.
стр. 1770
وهذا أضعف الأقوال؛ لأن المعتبر في الأحداث ليس انتقالها، وإنما ظهورها، فالريح والبول والغائط والمذي وسائر الأحداث لا عبرة بانتقالها من مكانها حتى تخرج من البدن، فإذا خرجت بطلت الطهارة، فكذلك المني.
ولأن النبي ﷺ علَّق وجوب الاغتسال بالرؤية.
قال ابن قدامة: «إن النبي ﷺ علق الاغتسال على الرؤية، وفضخه، بقوله: (إذا رأت الماء) وقوله: (إذا فضخت الماء فاغتسل) فلا يثبت الحكم بدونه، وما ذكره من الاشتقاق لا يصح؛ لأنه يجوز أن يسمى جنبًا لمجانبته الماء، ولا يحصل إلا بخروجه منه، أو لمجانبته الصلاة، أو المسجد، أو غيرهما مما منع منه، ولو سمي بذلك مع الخروج لم يلزمه وجود التسمية من غير خروج، فإن الاشتقاق لا يلزم منه الاطراد، ومراعاة الشهوة للحكم لا يلزم منه استقلالها به، فإن أحد وصفي العلة وشرط الحكم مراعى له، ولا يستقل بالحكم، ثم يبطل بلمس النساء، وبما إذا وجدت الشهوة ها هنا من غير انتقال؛ فإن الشهوة لا تستقل بالحكم في الموضعين مع مراعاتها فيه، وكلام أحمد ها هنا إنما يدل على أن الماء إذا انتقل، لزم منه الخروج. وإنما يتأخر، ولذلك يتأخر الغسل إلى حين خروجه، إلخ كلامه رحمه الله تعالى (١).
• الراجح من الخلاف:
أرى والله أعلم أن الغسل يجب بخروج المني دفقًا بلذة، فإذا تخلف ذلك، فإن كان المانع من قبل الإنسان، بأن أمسك ذكره حتى لا يخرج المني على وجه الدفق، ثم خرج المني بعد ذلك، فإن الغسل يجب عليه، وإن كان المانع ليس من كسب الإنسان، فقد تخلف موجب الغسل، وهو خروجه دفقًا بلذة، والله أعلم.
* * *
стр. 1771
الفرع الثاني في تكرار خروج المني
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• تكرار خروج المني قبل الاغتسال لا يوجب إلا غسلًا واحدًا، سواءً كان هذا الخارج ماء جديدًا، أو كان جزءًا من الماء السابق؛ لأن الحدث لا يتعدد بتعدد موجبه.
• إذا تكرر خروج المني بعد الاغتسال، فالخلاف في هذه المسألة راجع إلى الخلاف في موجب الغسل:
هل يجب بخروج المني مطلقًا، أو يجب بالخروج المعتاد، وهو خروجه دفقًا بلذة، والراجح الثاني؛ لأن الحكم منوط بوصفين: خروج المني، وكونه مقرونًا بلذة، فوجود أحد الوصفين لا يكفي في إناطة الحكم به استقلالًا، أشبه ما لو اشتهى ولم يخرج منه شيء.
وهل يجب عليه الوضوء؟ قولان: أصحهما نعم؛ لأنه بمنزلة الحدث الأصغر.
• إذا خرج المني بعد الاغتسال بدون لذة لم يغتسل ثانية؛ لأن الإنزال سبب واحد اغتسل في خلاله فلم يلزمه إعادة الغسل، فلم يتجدد الموجب.
стр. 1772
[م-٢٩٥] إذا اغتسل ثم خرج المني منه مرة ثانية، فهل يعيد الاغتسال؟
فقيل: لا يجب الغسل، وهو مذهب المالكية (١)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢).
وقيل: يجب الغسل، وهو مذهب الشافعية (٣)، وقول في مذهب أحمد (٤).
وقيل: يجب إذا خرج قبل البول أو النوم أو المشي الكثير، فإن خرج بعد البول أو النوم أو المشي الكثير لم يجب، وهو مذهب الحنفية (٥).
وقيل: عكسه، أي يجب الغسل إن خرج بعد البول، فإن خرج قبل البول لم يجب به غسل، وهو مذهب الأوزاعي (٦).
• تعليل القائلين بعدم وجوب الغسل:
التعليل الأول:
أن هذا مني واحد، يوجب غسلًا واحدًا، كما لو خرج دفعة واحدة.
التعليل الثاني:
أن هذا الماء خارج لغير شهوة، وإنما يجب الغسل بخروج المني لشهوة، وبه علل أحمد: قال: «لأن الشهوة ماضية، وإنما هو حدث أرجو أن يجزيه الوضوء» (٧).
стр. 1773
• دليل من قال: يجب عليه الغسل مطلقًا:
الدليل الأول:
عموم قوله ﷺ في حديث أبي سعيد: (إنما الماء من الماء)، رواه مسلم (١). فلم يفرق بين ماء وآخر.
وأجيب:
بأن مطلق قوله ﷺ : (الماء من الماء) غير مراد، بدليل أن الرجل لو أولج ذكره في قبل امرأة حتى التقى الختانان وجب عليهما الغسل، وإن لم يكن هناك ماء منهما، فالمراد من قوله ﷺ : الماء من الماء، هو جواب على سؤال، وهو إذا احتلمت المرأة في المنام، فهل يجب عليها الغسل بمجرد الاحتلام؟ فقال ﷺ : الماء من الماء. وكذلك قاله ﷺ في أول الإسلام لمن جامع امرأته، ثم نزع قبل أن ينزل، وقد نسخ هذا الأمر بعد، وصار الغسل واجبًا بالتقاء الختانين، كما سيأتي بحثه إن شاء الله تعالى في مسألة مستقلة، والله أعلم.
الدليل الثاني:
ولأن هذا ماء آدمي خرج من محله، فأوجب الغسل، كما لو خرج ابتداء.
الدليل الثالث:
أن ما أوجب الغسل في الأول أوجبه في الثانية بلا فرق.
• وأجيب عنهما:
بأن الغسل إنما يجب بخروجه دفقًا بلذة، كما سبق التدليل على ذلك، وهو ما لم يوجد مع الماء الثاني.
• دليل من قال: يجب عليه الغسل إن خرج قبل البول:
قالوا: إن خرج بعد البول، فإن هذا ماء جديد لا علاقة له بالماء الأول، وقد
стр. 1774
خرج بدون شهوة، فلا يجب به غسل، وإن خرج قبل البول فهو جزء من الماء السابق، وقد خرج مع الشهوة فيوجب غسلًا جديدًا.
• دليل من قال: يجب عليه الغسل إن خرج بعد البول:
عكسوا التعليل السابق، فقالوا: إن ما قبل البول هو من المني الأول، وكفاه الغسل الأول، وما بعد البول هو مني ثان، فلزمه غسل ثان.
• الراجح من الخلاف:
القول بعدم وجوب الغسل مرة أخرى؛ لأنه موجب واحد، لم يتعدد، وقد اغتسل له، فلا يوجب ماء واحد غسلين؛ ولأنه بقية الماء السابق، وقد خرج بدون شهوة، فيكتفى في الغسل الأول، والله أعلم.
* * *
стр. 1775
الفرع الثالث إذا أنزل دون الفرج فسال الماء حتى دخل في الفرج ثم خرج
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• إذا دخل ماء الرجل بنفسه إلى موضع الجماع، ثم خرج لم يجب على المرأة غسل؛ لأن الغسل مناط بأمرين: إما بإنزال مائها بشهوة، أو بإيلاج الذكر فيها، وهل يوجب الوضوء عليها؟ الراجح لا؛ لأن هذا ليس حدثًا منها، فهو بمثابة دخول ونزول ماء الاستنجاء.
• موضع الإيلاج: في حكم الخارج وليس في حكم الباطن، ولذلك اعتبرت عائشة خروج القطن من موضع الإيلاج وفيه أثر للصفرة أن الحيض لم ينقطع.
[م-٢٩٦] إذا جامع الزوج دون الفرج ثم دب ماؤه فدخل في فرج المرأة، ثم خرج منها فهل يوجب ذلك غسلًا؟ اختلف العلماء في هذا:
فقيل: لا غسل عليها إلا أن يظهر عليها الحبل من هذا الماء، وهو مذهب الحنفية (١)، واختاره بعض المالكية (٢).
стр. 1776
وقيل: لا غسل عليها مطلقًا، اختاره بعض المالكية (١)، وهو مذهب الشافعية (٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٣)، واختاره ابن حزم رحمه الله تعالى (٤).
وقيل: عليها الغسل بشرط أن يحصل منها لذة بذلك، وهو قول في مذهب المالكية (٥).
وقيل: عليها الغسل بشرط أن يخرج من الفرج بعد دخوله، وهو قول في مذهب الحنفية (٦)، ووجه في مذهبي الشافعية (٧)، والحنابلة، اختاره ابن عقيل (٨)، وهو مروي عن عطاء والزهري وقتادة (٩).
• تعليل الحنفية:
أن الحبل منها دليل على أنها قد حصل منها إنزال؛ لأن الولد يخلق من مائهما.
стр. 1777
• ويُجاب عن هذا:
بأن هذا الاعتقاد بأن الجنين يخلق من ماء المرأة والرجل رأيته في بعض كتب فقه الحنفية والمالكية، والطب قد حسم هذه المسألة، وثبت له أن الولد إنما يخلق من ماء الرجل وبويضة المرأة، وليس لماء المرأة أي دور في تخلق الجنين بإذن الله تعالى، فإذا صادف جماع الرجل نزول البويضة حبلت، سواءً أنزلت أم لم تنزل، وإذا لم يصادف ذلك نزول البويضة لم تحبل، ولو أنزلت، وهذا الأمر أصبح من الحقائق الطبية.
• دليل من قال: لا غسل عليها:
بأن الغسل إنما يجب بخروج مائها، أو بإيلاج الذكر، ولم يحصل منها إنزال ولم يحدث إيلاج، فلم يجب الغسل، وخروج هذا الماء الأجنبي منها شأنه شأن خروج ماء الاستنجاء ونحوه، والله أعلم.
• دليل من قال: يجب عليها الغسل:
لعله نظر إلى أن موجب الحدث هو خروج المني من فرج المرأة، والمقصود مطلق المني، سواءً كان منها أو من غيرها.
وهذا التعليل ضعيف جدًّا؛ لأن مرور الماء من المخرج ليس هو الموجب، للغسل، ولذلك لم يوجب الغسل خروج دم الاستحاضة، مع أنه دم خارج من المرأة نفسها، وإنما الموجب خروج الماء على صفة مخصوصة توجب فتور البدن وانكسار الشهوة، فلو خرج ماؤها على غير هذه الصفة لم يوجب الغسل كما بينا حتى يكون خروجه على وجه اللذة، فكيف بخروج ماء غيرها، والله أعلم.
• دليل من اشترط اللذة:
قال: إن اللذة قد يحصل منها إنزال في الغالب، وهي لا تدري، فأقيمت اللذة مقام تحقق نزول المني، لكون اللذة هي سبب الإنزال.
وهذا القول ضعيف أيضًا، ولا يوجد دليل من السنة أن اللذة من موجبات
стр. 1778
الغسل، وقد تحصل اللذة ولا يحصل الإنزال، وقد علق الرسول ﷺ وجوب الغسل برؤية الماء، فقال لأم سليم حين سألته هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت، فقال: نعم، إذا رأت الماء، والله أعلم.
• الراجح:
أنه لا يجب عليها شيء إذا دخل ماء الرجل بنفسه ثم خرج، والله أعلم.
* * *
стр. 1779
المبحث الثاني خروج المني حال النوم
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• خروج المني على وجه الاحتلام يجب الغسل منه؛ لأن المني محمول على خروجه المعتاد.
• المحتلم إذا لم ير بللًا لم يجب عليه الغسل؛ لأن موجب الغسل الإنزال، ولم يوجد، ولأن حال النوم كحال اليقظة، ولو تخيل باليقظة، ولم ينزل لم يجب عليه الغسل، فكذلك حال النوم.
• إذا رأى بللًا ولم يذكر احتلامًا، فإن علم أنه مني وجب الغسل؛ لتحقق موجبه، وإن لم يعلم هل هو مني أو مذي ففي وجوب غسله خلاف، ثالثها: إن كان هناك سبب يقتضي خروج غير المني كما لو سبق ذلك مداعبة، أو تفكير قبل نومه لم يجب الغسل؛ لأن إحالة البلل على السبب الموجود المعلوم أولى من إحالته على سبب موهوم (١).
• لا يلزم الغسل بالشك.
стр. 1780
[م-٢٩٧] إذا استيقظ من النوم فرأى بللًا في ثوبه فله ثلاث حالات.
• الحالة الأولى: أن يتيقن أنه مني .
إذا تيقن أنه مني وجب عليه الغسل مطلقًا، ذكر احتلامًا أو لم يذكر، ولا يشترط أن يكون خروجه دفقًا أو بلذة (١)؛ لأن الإنسان في حالة النوم قد يخرج منه المني، وهو لا يشعر.
• ودليل هذا القول:
الدليل الأول:
(٦٨٣ - ٣) ما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة،
عن أم سلمة أم المؤمنين أنها قالت: جاءت أم سليم امرأة أبي طلحة إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق، هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال رسول الله ﷺ : نعم إذا رأت الماء. ورواه مسلم (٢).
فلم يشترط لوجوب الغسل إلا رؤية الماء.
الدليل الثاني:
الإجماع على أن النائم إذا رأى منيًا، وجب عليه الغسل، سواءً ذكر احتلامًا أو لم يذكر، نقله الكاساني من الحنفية، والقرافي من المالكية، والنووي من الشافعية،
стр. 1781
وابن قدامة من الحنابلة، وغيرهم (١).
• الحالة الثانية: أن يتيقن أنه مذي .
[م-٢٩٨] اختلف العلماء في النائم يرى ماءً، ويتيقن أنه مذي:
فقيل: يجب عليه الغسل مطلقًا ذكر احتلامًا أو لم يذكر، وهو قول أبي حنيفة ومحمد (٢).
ووجهه، قالوا: إن المني يرق بإطالة المدة، فتصير صورته صورة المذي، لا حقيقة المذي.
فإن قيل: كيف توجبون الغسل في خروج المذي؟
أجاب ابن الهمام بقوله: «لو تيقن أنه مذي لا يجب الغسل اتفاقًا، لكن التيقن متعذر مع النوم» (٣).
ونقل ابن نجيم عن الخلاصة قوله: «ولسنا نوجب الغسل بالمذي، لكن المني يرق بإطالة المدة فتصير صورته صورة المذي، لا حقيقة المذي» (٤).
وقيل: إذا لم يذكر احتلامًا لم يجب عليه الغسل، وهو قول أبي يوسف (٥).
стр. 1782
وقيل: لا يجب عليه الغسل مطلقًا ذكر احتلامًا أو لم يذكر، وهو مذهب الجمهور (١).
ودليله ظاهر: وذلك أن المذي لا يوجب الغسل، وقد أرشد الرسول ﷺ إلى غسل ذكره، والوضوء منه، فقط كما في قصة علي ابن أبي طالب ﵁. وقد تقدم ذكره وتخريجه.
• الحالة الثالثة: أن يشك هل هو مني أو مذي ؟
[م-٢٩٩] اختلف العلماء فيما إذا شك في البلل، هل هو مني أو مذي؟ على أقوال:
القول الأول:
إن شك وذكر احتلامًا وجب عليه الغسل قولًا واحدًا في مذهب الحنفية، وهو قول في مذهب الحنابلة (٢).
وإذا شك، ولم يذكر احتلامًا، وجب عليه الغسل عند أبي حنيفة ومحمد، ولا يجب عند أبي يوسف (٣).
القول الثاني:
يجب عليه الغسل مطلقًا مع الشك، وهو مذهب المالكية (٤).
стр. 1783
• وجه هذا القول:
أن الطهارة شرط لصحة العبادة، ويجب أن تؤدى بيقين، فإذا شك فهل هل هو مني أو مذي فقد شك في طهارته، فوجب عليه الغسل ليتيقن الطهارة.
القول الثالث:
إذا شك، هل هو مني أو مذي تخير، ولو بالتشهي، وهو المعتمد عند الشافعية (١).
• وجه هذا القول:
بأنه إذا أتى بأحدهما من الغسل أو الوضوء صار شاكًّا في الآخر، ولا إيجاب مع الشك.
القول الرابع:
إذا رأى بللًا، وجهل كونه منيًا وجب عليه الغسل، إلا أن يتقدم نومه سبب من نظر، أو فكر، أو ملاعبة، أو انتشار، فلا يجب عليه الغسل، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٢).
• وجه هذا القول:
بأن النائم إذا لم يسبق نومه ملاعبة أو نظر أو فكر أو انتشار وجب عليه الغسل؛ لأن النوم مظنة الاحتلام، فإن تقدمه سبب من ملاعبة ونحوها حمل على أنه مذي لقيام سببه، وعملًا بالظن.
القول الخامس:
لا يجب الغسل مع الشك، وهو اختيار إمام الحرمين من الشافعية، وابن تيمية من الحنابلة (٣).
стр. 1784
• دليل هذا القول:
أن هذا من باب الشك في الحدث، ومن شك في الحدث بنى على اليقين.
لما رواه البخاري من طريق الزهري، عن عباد بن تميم،
عن عمه، قال: شكي إلى النبي ﷺ الرجل يجد في الصلاة شيئًا أيقطع الصلاة؟ قال: لا، حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا (١).
• الراجح من الخلاف:
الراجح أنه لا يجب عليه الغسل مع الشك حتى يتيقن موجب الغسل، أو يغلب على ظنه؛ لأن القاعدة: أن الشك لا يقضي على اليقين.
* * *
стр. 1785
الفرع الأول إذا التذَ في نومه ثم خرج منه المني في اليقظة من غير لذة
[م-٣٠٠] اختلف الفقهاء في هذه المسألة، هل يجب عليه الغسل؟
فقيل: يجب، وهو قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن (١)، وأشهر القولين في مذهب المالكية (٢)، ومذهب الشافعية (٣)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٤).
وقيل: لا يجب، وهو قول أبي يوسف، وقول في مذهب المالكية (٥).
стр. 1786
وأدلة هذه المسألة هي الأدلة نفسها والتي ذكرناها في مسألة سابقة: وهي هل يشترط أن تكون اللذة مقارنة للخروج، أو يكفي أن يجد اللذة حال انتقال المني، فإذا خرج بعد ذلك المني ولو بدون شهوة فقد وجب الغسل؟ وما دمنا قد ذكرنا الأدلة في تلك المسألة فلا حاجة إلى إعادتها هنا، والله أعلم.
* * *
стр. 1787
الفرع الثاني في الرجل يذكر احتلامًا ولم يرَ بللًا
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• إذا احتلم، ولم ير بللًا لم يجب عليه الغسل؛ لأن موجبه هو الإنزال، ولم يوجد، ولأن الأصل عدم خروج ما يوجب الغسل.
• الاحتلام بالمنام بمنزلة الشهوة، لا يوجب شيئًا بمفرده حتى يرى المني.
• رؤية المني من النائم توجب الغسل مطلقًا، سواءً أذكر احتلامًا أو شهوة أم لم يذكر؛ تحكيمًا للأصل، وحملًا على الغالب والمعتاد، فالأصل أن المني يخرج بصورته المعتادة مقرونًا بلذة، وخروجه بلا لذة صورة نادرة لا يمكن حمل الظاهر عليها، وعدم الوقوف على اللذة راجع لأمر خارج، وهو غلبة النوم، فتحمل الأمور على الغالب المعتاد دون النادر.
[م-٣٠١] اختلف العلماء فيمن رأى احتلامًا ولم ير بللًا،
فقيل: لا يجب عليه الغسل، وهو قول عامة أهل العلم (١).
стр. 1788
قال الترمذي: إذا رأى احتلامًا، ولم يرى بلة، فلا غسل عليه عند عامة أهل العلم (١).
وقيل: يجب عليه الغسل، وهو رواية عن أحمد (٢).
وقيل: يجب على المرأة دون الرجل، وهو قول في مذهب الحنفية (٣).
• دليل القائلين بعدم وجوب الغسل:
الدليل الأول:
الإجماع، قال ابن المنذر: «أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن الرجل إذا رأى في نومه أنه احتلم أو جامع، ولم يجد بللًا، أنه لا غسل عليه» (٤).
وقال ابن الهمام: «ولو تذكر الاحتلام والشهوة، ولم ير بللًا لا يجب اتفاقًا» (٥).
وسبق أن نقلت لك خلافًا في المسألة في معرض ذكر الأقوال، فتكون حكاية الإجماع فيها نظر، والله أعلم.
стр. 1789
الدليل الثاني:
(٦٨٤ - ٤) ما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة،
عن أم سلمة أم المؤمنين، أنها قالت: جاءت أم سليم امرأة أبي طلحة إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق، هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال رسول الله ﷺ : نعم إذا رأت الماء، ورواه مسلم (١).
وجه الاستدلال:
لم يوجب ﵊ الغسل بمجرد الاحتلام، وإنما اشترط لوجوب الغسل رؤية الماء.
• دليل من قال: يجب عليه الغسل:
استدلوا بما استدلوا به في مسألة سابقة، من وجوب الغسل على الرجل في انتقال المني من محله، ولو لم يخرج، وقد أجيب على دليلهم هناك، وتبين ضعف هذا الدليل، وما بني على دليل ضعيف فهو ضعيف، ويضاف إليه أنه على التسليم بوجوب الغسل بمجرد انتقال المني، فإنه هنا قد لا يتحقق انتقال المني بمجرد ذكر الاحتلام، ووجود اللذة في النوم، فقد يجد النائم كل ذلك ولا ينتقل المني من مكانه، والله أعلم.
• دليل من فرق بين الرجل والمرأة:
قالوا: إن ماء المرأة لا يكون دافقًا كالرجل، وبالتالي قد يوجد منها الماء، ولا يخرج، فإذا وجدت شهوة الإنزال كان عليها الغسل (٢).
وهذا التعليل ضعيف؛ لأن الرسول ﷺ سئل: هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال رسول الله ﷺ : نعم إذا رأت الماء. وسبق تخريجه قبل قليل.
стр. 1790
فعلق الاغتسال على الرؤية، وهي لا تراه إلا إذا خرج منها، فإذا لم يخرج منها لم يجب عليها الغسل.
وقال ابن الهمام: «المراد بالرؤية العلم مطلقًا، بدليل أنها لو تيقنت الإنزال بأن استيقظت في فور الاحتلام، فأحست بيدها البلل، ثم نامت فما استيقظت حتى جف، فلم تر بعينها شيئًا لا يسع القول بأن لا غسل عليها، مع أنه لا رؤية بصر، بل رؤية علم، ورأى يستعمل حقيقة في معنى علم باتفاق اللغة» (١).
• ويُجاب عن هذا القول:
بأن رأى البصرية غير رأى بمعنى علم، فالأولى تتعدى إلى مفعول واحد، والثانية تتعدى إلى مفعولين، وعليه فرأى في الحديث بصرية، وليست علمية، والاعتراض الذي ساقه ابن الهمام لا يعارض الحديث، فإن الإنسان إذا حس المني بيده صار كمن رآه في عينه، وليست المسألة ظاهرية بحته، المهم أن يتحقق من خروج المني بيده كالأعمى، أو بعينه، ولكن أين الدليل على وجوب الغسل على امرأة لم يخرج منها الماء يقينًا، ولم تحسه مطلقًا لا في يدها ولا في عينها، وإنما وجدت اللذة فقط، وإذا كان ابن الهمام ينقل الإجماع على أن الرجل لا بد أن يرى الماء، ولا يكفي الإحساس باللذة، فكذلك المرأة، بل المرأة ورد فيها نص نبوي بخلاف الرجل، والله أعلم.
* * *