عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: أتي رسول الله ﷺ بصبي، فبال على ثوبه، فدعا بماء، فأتبعه إياه. ورواه مسلم (١).
وجه الاستدلال من هذا الحديث كالاستدلال من الحديث الذي قبله، فإن قيل في الحديث الأول: إن النجاسة كانت على الأرض، فالحديث الثاني النجاسة على ثوب، وهذا دليل على أنه لا فرق بينهما.
الدليل الثالث:
قالوا من جهة المعنى: الماء المنفصل عن المحل المغسول هو من جملة الماء الباقي في المحل المغسول، فالمنفصل بعض المتصل، والماء الباقي في المحل المغسول طهور بإجماع، فوجب أن يكون المنفصل عنه مثله (٢).
الدليل الرابع:
إذا غلب الماء على النجاسة ولم يظهر فيه شيء منها فقد طهرها، ولا تضره ممازجته لها إذا غلب عليها، سواء كان الماء قليلًا أم كثيرًا، فقد جعل الله الماء طهورًا، وأنزله علينا ليطهرنا به، وقال الرسول ﷺ : (الماء لا ينجسه شيء) يعني: إلا ما غلب عليه من النجاسة فغيره، ومعلوم أنه لا يطهر نجاسة حتى يمازجها، فإن غلب عليها ولم يظهر فيه شيء منها، فالحكم له، وإن غلبته النجاسة فالحكم لها إذا ظهر في الماء شيء منها (٣).
وقد أجمع العلماء على طهارة الخمر، إذا صارت خلًا من غير صانع، لاستهلاك ما كان يخامر العقل منها بطريان التحليل عليه، فلأن تطهر النجاسة، ويزول حكمها باستهلاك الماء لها أولى وأحرى (٤).
стр. 212
• دليل الشافعية على كون الماء طاهرًا:
الدليل الأول:
الماء المستعمل ليس ماء مطلقًا، بل هو مقيد بكونه ماء مستعملًا، والذي يرفع الحدث هو الماء المطلق كما في قوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦]، فلم يقيده بشيء (١).
ويجاب عن ذلك من وجهين:
الوجه الأول:
أن لفظ (ماء) في قوله تعالى (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) [المائدة: ٦] نكرة في سياق النفي، فتعم كل ماء، سواء كان مستعملًا أو غيره، ما دام أنه لم يتغير بالنجاسة
الوجه الثاني:
أنه لا فرق من حيث جوهر الماء بين الماء المستعمل وغيره، فهو ماء باق على صفته التي خلقه الله عليها، وهو مناط الحكم، فالمقصود بالمقيد هو ما خرج به الماء عن جوهره كالمرق والشاي، أو ما تغير بالنجاسة.
الدليل الثاني:
كل دليل استدل به الشافعية على طهارة الماء المستعمل في رفع الحدث، استدلوا به على طهارة الماء المستعمل في إزالة النجاسة إذا انفصل ذلك الماء ولم يتغير، وقد طهر المحل، بجامع أن كلًا من الماء المستعمل في رفع الحدث أو في إزالة النجاسة قد طهَّر المحل، وانفصل عن محل طاهر، وسبق بحث هذه المسألة، ومن هذه الأدلة.
(٥٩) ما رواه مسلم في صحيحه من طريق ابن وهب عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، أن أبا السائب مولى هشام بن زهرة حدثه،
стр. 213
أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم، وهو جنب.
فقال: كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال: يتناوله تناولًا (١).
وانظر الجواب عليه في مسألة المستعمل في رفع الحدث.
• ويجاب عن قول الشافعية:
بأن إثبات قسم من الماء يكون طاهرًا غير مطهر قول ضعيف، وقد بينت في مبحث أقسام المياه أن الماء قسمان: طهور، ونجس. ولا يوجد قسم الطاهر، والله أعلم.
• دليل الحنابلة في غسالة النجاسة:
يرى الحنابلة أن الماء المنفصل من الغسلة الأولى حتى الغسلة السادسة نجس؛ لأن الماء قد انفصل والمحل نجس، حتى ولو ذهبت عين النجاسة، فالمحل نجس حكمًا، والتعليل عندهم: أنه ماء قليل لاقى نجاسة، فينجس ولو لم يتغير (٢).
وأما الماء المنفصل من الغسلة السابعة فإنه طاهر، ولماذا لا يكون طهورًا؟
قالوا: لأنه أثر في المحل، فحصل به إزالة حكم النجاسة.
ولماذا لا يكون نجسًا؟
قالوا: لأنه انفصل عن محل طاهر؛ لأن المحل يطهر عندهم في الغسلة السابعة، إذا ذهبت عين النجاسة.
أما المنفصل من الغسلة الثامنة فهو طهور؛ لأن المحل قد طهر من الغسلة السابعة، فلم يتأثر الماء.
стр. 214
والقول بوجوب غسل النجاسات ثلاثًا عند الحنفية أو سبعًا عند الحنابلة قول ضعيف، إلا في ولوغ الكلب حيث ثبت العدد في غسل الإناء من ولوغه سبعًا، وسوف يأتي بسط هذه المسألة إن شاء الله تعالى (١).
الراجح:
أن غسالة النجاسة إن تغيرت بالنجاسة فهي نجسة، وإن لم تتغير فالماء طهور، وأما القول بأن الغسالة نجاسة حتى ولو كان الماء باقيًا على صفته التي خلقه الله عليها فهذا قول ضعيف جدًّا.
* * *
стр. 215
الباب السادس في فضل الوضوء
الفصل الأول حكم وضوء الرجال والنساء جميعًا إذا كانوا من المحارم
[م-٢٧] لا خلاف بين العلماء على جواز وضوء الرجال جميعًا من إناء واحد، ووضوء النساء جميعًا من إناء واحد، ووضوء الرجال والنساء جميعًا إن كان الرجال من المحارم، وقد نقل الإجماع على ذلك جماعة من أهل العلم، منهم:
قال الطحاوي من الحنفية: «الأصل المتفق عليه أن الرجل والمرأة إذا أخذا بأيديهما الماء معًا من إناء واحد، أن ذلك لا ينجس الماء» (١).
وقال القرطبي من المالكية: «اتفق العلماء على جواز اغتسال الرجل وحليلته ووضوئهما معًا من إناء واحد، إلا شيئًا روي في كراهية ذلك عن أبي هريرة، وحديث ابن عمر وعائشة وغيرهما يرده، وإنما الاختلاف في وضوئه أو غسله من فضلها» (٢).
وقال ابن حزم ﵀: واتفقوا على جواز توضؤ الرجلين والمرأتين معًا (٣). اهـ
وقال الترمذي: «وهو قول عامة الفقهاء، أن لا بأس أن يغتسل الرجل والمرأة من إناء واحد».
стр. 216
وقال ابن تيمية: «أحدها: وهو اشتراك الرجال والنساء في الاغتسال من إناء واحد، وإن كان كل واحد منهما يغتسل بسؤر الآخر، وهذا مما اتفق عليه أئمة المسلمين بلا نزاع بينهم، أن الرجل والمرأة أو الرجال والنساء إذا توضؤوا واغتسلوا من ماء واحد جاز، فأما اغتسال الرجال والنساء جميعًا من إناء واحد فلم يتنازع العلماء في جوازه، وإذا جاز اغتسال الرجال والنساء جميعًا، فاغتسال الرجال دون النساء جميعًا، أو النساء دون الرجال جميعًا أولى بالجواز، وهذا مما لا نزاع فيه، فمن كره أن يغتسل معه غيره، أو رأى أن طهره لا يتم حتى يغتسل وحده، فقد خرج عن إجماع المسلمين، وفارق جماعة المؤمنين» (١). اهـ
• مستند هذا الإجماع:
الدليل الأول:
(٦٠) ما رواه مسلم من طريق عاصم الأحول، عن معاذة،
عن عائشة، قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء بيني وبينه واحد، فيبادرني، حتى أقول دع لي دع لي. قالت: وهما جنبان، وهو في البخاري (٢).
الدليل الثاني:
(٦١) ما رواه البخاري من طريق عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن
ابن عباس، أن النبي ﷺ وميمونة كانا يغتسلان من إناء واحد (٣).
الدليل الثالث:
(٦٢) ما رواه البخاري من طريق شعبة، عن عبد الله بن عبد الله بن جبر، قال:
стр. 217
سمعت أنس بن مالك يقول: كان النبي ﷺ والمرأة من نسائه يغتسلان من إناء واحد (١).
ففي هذه الأحاديث دليل على أن الرجل وزوجه يغتسلان معًا من غسل الجنابلة، وإذا اغتسلا معًا كان كل واحد منهما يغتسل بفضل صاحبه (٢).
* * *
стр. 218
الفصل الثاني في الوضوء بفضل المرأة
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• سؤر فضل وضوء المرأة كسؤر شرابها طهور على الصحيح.
• سؤر بهيمة الأنعام حتى الهرة طهور، فسؤر طهور المرأة أولى، فهي ألطف بنانًا وأطيب ريحًا.
• كل ما يرفع حدث المرأة يرفع حدث الرجل، وكذلك العكس.
• إذا كان تغير الماء بالمجاورة لا يسلبه الطهورية فالخلوة بالماء من باب أولى لا تأثير لها في بقاء الطهورية أو رفعها.
• لا توجد علة معقولة في التفريق بين فضل طهور المرأة وفضل طهور الرجل، فإذا كان فضل طهور الرجل طهورًا بالإجماع فالنساء شقائق الرجال.
• قال أحمد: الأحاديث الواردة في منع التطهر بفضل وضوء المرأة، وفي جواز ذلك مضطربة.
[م-٢٨] إذا خلت المرأة بالماء، فهل يجوز الوضوء بفضلها، فيه خلاف:
واختلفوا في معنى الخلوة على قولين:
الأول: انفرادها بالاستعمال، سواء شوهدت أم لا، وهذا مذهب الجمهور (١)،
стр. 219
ورواية عن أحمد (١).
الثاني: أن تخلو به فلا يشاهدها مميز، سواء كان ذكرًا أم أنثى، وهو المشهور عند المتأخرين من الحنابلة (٢).
[م-٢٩] وقد اختلف الفقهاء في الوضوء بفضل المرأة على أقوال:
فقيل: يجوز الوضوء بفضل المرأة، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد، اختارها ابن عقيل من الحنابلة (٣).
стр. 220
ورجحه ابن المنذر (١)، وهو رأي ابن عباس ﵄ (٢).
وقيل: لا يستعمل في رفع حدث الرجل خاصة، ويستعمل في إزالة النجاسة،
стр. 221
وفي رفع حدث المرأة والصبي، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد (١)، ومذهب ابن حزم قريب منه (٢).
وقيل: يكره الوضوء بفضل المرأة، وهو مذهب سعيد بن المسيب والحسن، واختاره بعض الشافعية (٣).
стр. 222
وقيل: لا بأس أن يغتسل بفضل طهور المرأة ما لم تكن جنبًا أو حائضًا، وهو رأي ابن عمر ﵄ (١).
• دليل الجمهور على أن فضل المرأة طهور:
الدليل الأول:
أن فضل وضوء المرأة ماء باق على خلقته التي خلقه الله عليها، وقد قال تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦] فلا يجوز التيمم مع وجود مثل هذا الماء بنص القرآن.
الدليل الثاني:
(٦٣) ما رواه مسلم في صحيحه من طريق ابن جريج، أخبرني عمرو بن دينار، قال:
أكبر علمي والذي يخطر على بالي أن أبا الشعثاء أخبرني، أن ابن عباس أخبره، أن رسول الله ﷺ كان يغتسل بفضل ميمونة (٢).
[الحديث معلول، والمحفوظ ما أخرجه الشيخان أن رسول الله ﷺ وميمونة كانا يغتسلان من إناء واحد] (٣).
стр. 223
الدليل الثالث:
(٦٤) ما رواه أحمد من طريق سماك بن حرب، عن عكرمة،
عن ابن عباس أن امرأة من نساء النبي ﷺ استحمت من جنابة، فجاء النبي ﷺ يتوضأ من فضلها، فقالت: إني اغتسلت منه، فقال: إن الماء لا ينجسه شيء (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
стр. 224
الدليل الرابع:
الأصل في الماء أنه طهور، ولا ينتقل عنه إلى غيره إلا بدليل صحيح صريح سالم من النزاع.
الدليل الخامس:
فضل وضوء الرجل طهور بالإجماع، والنساء شقائق الرجال.
الدليل السادس:
إذا كان سؤر بهيمة الأنعام حتى الهرة طهور، فسؤر طهور المرأة أولى، فهي ألطف بنانًا وأطيب ريحًا.
الدليل السابع:
لو كان انفرادها بالماء مؤثرًا في طهورية الماء لكانت مشاركتها للرجل في الطهور مؤثرة في طهورية الماء أيضًا؛ لأن التأثير يأتي من استعمالها للماء، وليس من انفرادها به.
• دليل من قال: لا يغتسل بفضل المرأة:
الدليل الأول:
(٦٥) روى الإمام أحمد في مسنده، قال: حدثنا يونس وعفان، قالا: ثنا أبو عوانة، عن داود بن عبد الله الأودي،
стр. 225
عن حميد الحميري، قال: لقيت رجلًا صحب النبي ﷺ أربع سنين، كما صحبه أبو هريرة أربع سنين قال: نهانا رسول الله ﷺ أن يمتشط أحدنا كل يوم، وأن يبول في مغتسله، وأن تغتسل المرأة بفضل الرجل، وأن يغتسل الرجل بفضل المرأة وليغترفا جميعًا (١).
[رجاله ثقات] (٢).
стр. 226
الدليل الثاني:
(٦٦) ما رواه أحمد، قال: ثنا سليمان بن داود، ثنا شعبة، عن عاصم الأحول، قال: سمعت أبا حاجب يحدث عن الحكم بن عمرو الغفاري، أن رسول الله ﷺ نهى أن يتوضأ الرجل من فضل وضوء المرأة (١).
[رجاله ثقات، وقد أعل بالوقف] (٢).
الدليل الثالث:
(٦٧) ما رواه ابن ماجه، قال: حدثنا محمد بن يحيى، ثنا المعلى بن أسد، ثنا عبد العزيز بن المختار، ثنا عاصم الأحول،
عن عبد الله بن سرجس، قال: نهى رسول الله ﷺ أن يغتسل الرجل بفضل المرأة والمرأة بفضل الرجل، ولكن يشرعان جميعًا.
стр. 229
[المحفوظ وقفه على عبد الله بن سرجس] (١).
الجمع بين حديث النهي عن الوضوء بفضل المرأة، وحديث ابن عباس أن النبي ﷺ توضأ بفضل ميمونة.
• أجاب المانعون بأحد جوابين:
الجواب الأول:
قالوا: إن حديث ابن عباس غير محفوظ: أن النبي ﷺ توضأ بفضل ميمونة،
стр. 230
وأن المحفوظ ما جاء في الصحيحين من كون الرسول ﷺ يغتسل هو وميمونة من إناء واحد (١).
стр. 231
الجواب الثاني:
قالوا: حديث أن النبي ﷺ توضأ بفضل ميمونة يحتمل أن يكون مع المشاهدة. ولذلك يشترطون أن تخلو به المرأة لطهارة كاملة. ومعنى تخلو به عندهم ليس معناه أن تنفرد به ولكن معناه ألا يشاهدها مميز أثناء الطهارة (١).
وهذا الكلام عليه مأخذان.
الأول: أنه يبعد أن تشاهد المرأة وهي تغتسل من الجنابة.
الثاني: أن اشتراط ألا يشاهدها أحد ليس ظاهرًا من الحديث، ولكن يكون الماء فضلها إذا انفردت باستعماله .. ولذا جاء في الحديث (وليغترفا جميعًا) ولو كان مجرد المشاهدة يؤثر ما أرشد إلى الاغتنراف جميعًا، وكان ممكن أن يقول نهى أن يتوضأ الرجل بما خلت به المرأة، وكان ممكن أن يقول: ولتغترف عند أحد.
القول الثاني في الجمع بين الحديثين:
أن النهي محمول على الكراهة، والفعل دال على الجواز (٢)، وهذا هو الراجح على القاعدة الأصولية التي تقول: إن فعل النبي ﷺ لا يعارض قوله.
стр. 232
فإذا أمر بشيء وتركه دل ذلك على أن الأمر للاستحباب، وإذا نهى عن شيء وفعله دل على أن النهي للكراهة، إلا أن يقوم دليل خاص على أن المخالفة مختصة بالنبي ﷺ ، فيبقى الأمر على أصله للوجوب، والنهي على أصله للتحريم، وليس عندنا دليل على أن النبي ﷺ حين اغتسل بفضل ميمونة أن هذا الحكم خاص به، بل عندنا دليل على أنه عام بدليل أن الرسول ﷺ علل الحكم بقوله (إن الماء لا ينجسه شيء) أو على اللفظ المرجوح (إن الماء لا يجنب) ولم يقل: إني لست كهيئتكم كما قال ذلك عند الوصال في الصيام.
القول الثالث في الجمع:
حملوا النهي عن فضل وضوء المرأة من الجنب والحائض وأما إذا كانت طاهرًا فلا بأس به (١).
(٦٨) فقد روى مالك في الموطأ (٢)، وعنه عبد الرزاق (٣)، من طريق نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول: لا بأس أن يغتسل بفضل المرأة ما لم تكن جنبًا أو حائضًا.
وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق أيوب عن نافع به (٤).
وهذا القول ضعيف:
لأن اشتراط أن تكون المرأة حائضًا أو جنبًا لم يرد في شيء من الأحاديث.
وقد قال ﷺ لعائشة وهي حائض: إن حيضتك ليست في يدك، رواه مسلم (٥).
فإذا كانت حيضتها ليست في يدها فهي كذلك ليست في وجهها ولا في رأسها
стр. 233
ولا في قدمها ولا في شيء من أعضائها سوى مكان الأذى. فلا دليل على اشتراط الحيض أو الجنابة، وبدن الجنب، وبدن الحائض سوى مكان الأذى لا فرق بينه وبين غيره إلا أن هذا محدث وهذا غير محدث.
القول الرابع في الجمع:
قيل: إن النهي عن استعمال ما تقاطر من أعضائه عند التطهر، والجواز وارد على ما بقى في الماء من الإناء.
وهذا القول قدمه الخطابي ورجحه على غيره في معالم السنن (١)، وهذا القول أيضًا ضعيف. فما كان من شأن الصحابة أن يجمعوا ما تقاطر من أعضائهم لاستعماله مرة أخرى حتى يفرق بين ما استعملته المرأة وبين ما استعمله الرجل.
• الراجح:
أن النهي لا يثبت، والقول بعدم الكراهة أقوى، وإذا كان الإمام أحمد يقول: إن المسألة ليس فيها حديث ثابت، وإنما العمل بقول بعض الصحابة، فالجواب أن الصحابة مختلفون، وابن عباس يرى جواز الوضوء من فضل المرأة، وابن عمر لا يرى به بأسًا إلا من الحائض والنفساء، وإذا كان الصحابة مختلفين كان السبيل طلب الترجيح من جهة الدليل. ولا دليل يسلم في المسألة.
وإذا كان سؤر بهيمة الأنعام لا يمنع من الوضوء منه، بل ولا الهرة مع أن طهارتها لعلة التطواف، وإلا فالأصل نجاستها، فسؤر المرأة أولى بالجواز، وانظر إلى فقه ابن عباس حين قال: هي ألطف بنانًا وأطيب ريحًا، ولو كان في المسألة نص سالم من النزاع لم أعارضه بالفهم القاصر، ولكن ما دامت النصوص لم تثبت، والصحابة مختلفين فينظر في أقربها للحق.
* * *
стр. 234
الفصل الثالث في الوضوء بفضل الرجل
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• فضل وضوء الرجل طهور بالإجماع.
• فضل الطهور لا يدخل في الماء المستعمل.
[م-٣٠] ذكرنا في ما سبق الخلاف في الوضوء بفضل المرأة، وعلمنا أن قول الجمهور جواز الوضوء بفضل المرأة.
ومنع الحنابلة (١)، وابن حزم (٢)، الوضوء بفضلها كما سبق.
ولا شك أن من أجاز الوضوء بفضل المرأة يجيز الوضوء بفضل الرجل حيث لا فرق.
وأما الحنابلة وابن حزم (٣)، الذين منعوا الوضوء بفضل المرأة فقد أجازوا للمرأة
стр. 235
الوضوء بفضل الرجل، ففرقوا بين المسألتين، وقد حكي الإجماع على صحة الوضوء بفضل الرجل، نقله جماعة من أهل العلم.
قال ابن عبد البر: لا بأس بفضل وضوء الرجل المسلم يتوضأ منه، وهذا كله في فضل طهور الرجل إجماع من العلماء والحمد لله (١).
وقال النووي ﵀: واتفقوا على جواز وضوء الرجل والمرأة بفضل الرجل.
وقال أيضًا: وأما تطهير المرأة بفضل الرجل فجائز بالإجماع أيضًا (٢).
ومع نقل الإجماع إلا أن الحديث الوارد قد جمع النهي عن الوضوء بفضل الرجل كما نهى عن الوضوء بفضل المرأة، فإن صح الإجماع فذاك، وإلا فلينظر في الحديث.
(٦٩) فقد روى الإمام أحمد من طريق داود بن عبد الله الأودي،
عن حميد الحميري، قال: لقيت رجلًا صحب النبي ﷺ أربع سنين، كما صحبه أبوهريرة أربع سنين قال: نهانا رسول الله ﷺ أن يمتشط أحدنا كل يوم، وأن يبول في مغتسله، وأن تغتسل المرأة بفضل الرجل، وأن يغتسل الرجل بفضل المرأة وليغترفا جميعًا (١ (٣).
وهذا حديث رجاله ثقات، وما حكي من الإجماع فينظر في صحة دعواه، فإن صح كان دليلًا لقول الإمام أحمد في تضعيف النهي عن الوضوء بفضل المرأة؛ لأنه لا يمكن أن ينهى الرسول ﷺ أن تغتسل المرأة بفضل الرجل، وأن يغتسل الرجل بفضل المرأة، ويسوي الحديث بينهما في النهي، ثم ينقل الإجماع على عدم النهي عن وضوء المرأة بفضل الرجل إلا إذا كان النهي الوارد لا يثبت عن الرسول ﷺ ، والله أعلم.
* * *
стр. 236
الباب السابع في الشك والاشتباه
الفصل الأول في حكم الماء ونحوه إذا كان مشكوكًا فيه
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• ليس في الشريعة شيء مشكوك فيه أبدًا.
• الشك الطارئ لا يؤثر على اليقين السابق، سواء أطرأ الشك على أصل محرم، فيبقى محرمًا، أم طرأ على أصل مباح فيبقى مباحًا، أم شك فيما لا يعرف أصله، فتبقى الإباحة الأصلية (١).
• التردد في الشيء يسمى شكًّا لدى الفقهاء، لا فرق بين المساوي والراجح.
وعند الأصوليين: إن كان التردد مع تساوي الاحتمالين فهو الشك، وإلا فالراجح
стр. 237
ظن والمرجوح وهم (١).
• إذا تعارض الأصل والظاهر قدم الأقوى منهما، وليس ثم قاعدة مطردة.
[م-٣١] ينبغي أن يعلم أنه ليس في الشريعة شيء مشكوك فيه البتة، وإنما يعرض الشك للمكلف بتعارض أمارتين فصاعدًا، فتصير المسألة مشكوكًا فيها بالنسبة إليه، فهي شكية عنده، وربما تكون ظنية عند غيره، وقطعية عند آخرين، فكون المسألة شكية أو ظنية أو قطعية ليس وصفًا ثابتًا لها، وإنما هو أمر يعرض لها عند إضافتها إلى حكم المكلف (٢).
وينبغي أن يعلم أن مراد كثير من الفقهاء بالشك في الماء والحدث والنجاسة والصلاة والصوم والطلاق والعتق وغيرها هو التردد بين وجود الشيء وعدمه، سواء كان الطرفان في التردد سواء، أو أحدهما راجحًا، فهذا معناه في استعمال الفقهاء في كتب الفقه خلافًا لأصحاب الأصول حيث قالوا: التردد بين الطرفين إن كان على السواء فهو الشك، وإلا فالراجح ظن والمرجوح وهم (٣).
وقد يجتمع في هذه المسائل أصل وظاهر، وذلك نحو آنية الكفار المتدينين باستعمال النجاسة، وثياب القصابين، والصبيان الذين لا يتقون النجاسة
فقيل: إنه محكوم بنجاستها عملًا بالظاهر.
وقيل: إنه محكوم بطهارتها عملًا بالأصل.
وقد يترجح الظاهر في بعض المسائل على الأصل فيؤخذ به، وقد يقدم الأصل،
стр. 238
وقد يستوى الظاهر والأصل، وهذا هو السبب في عدم طرد فروع هذه المسائل عند بعض المذاهب (١).
[م-٣٢] إذا عرفنا هذا فقد اختلف العلماء في حكم الشيء إذا تيقن طهارته أو نجاسته، وشك في نقيض ذلك.
فقيل: يبني على اليقين، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة (٢).
стр. 239
وقيل: يختلف الشك في الماء، عن الشك في نجاسة الثوب، عن الشك في الحدث، والشك في الحدث يختلف في داخل الصلاة، عنه في خارجها، وهذا مذهب المالكية وإليك بيان مذهبهم في هذه المسائل.
إذا شك في نجاسة الثوب ونحوه وجب نضحه (١).
وإذا شك في نجاسة البدن وجب غسله (٢).
وإذا شك في حصول الحدث، ففيه قولان:
فقيل: ينقض مطلقًا، وهو رواية ابن القاسم عن مالك.
وقيل: الشك ينقض الوضوء خارج الصلاة، ولا ينقض داخلها، وهو المشهور من مذهب المالكية (٣)، ونسب هذا القول للحسن ﵀ (٤).
стр. 240
وروى ابن نافع عن مالك أنه لا وضوء عليه مطلقًا كالجمهور (١).
وأما مذهب المالكية في الشك في الماء، فيعمل بالأصل، وهو الطهارة كمذهب الجمهور (٢).
• دليل الجمهور على البناء على اليقين:
الأصل العظيم، أن اليقين لا يزول بالشك، فمن تيقن الطهارة وشك بالحدث، أو تيقن النجاسة وشك في الطهارة، بنى على اليقين، وهذا الأصل له أدلة شرعية صحيحة، أشهرها:
ما رواه البخاري من طريق الزهري، عن عباد بن تميم،
عن عمه، قال: شكي إلى النبي ﷺ الرجل يجد في الصلاة شيئا أيقطع الصلاة؟ قال: لا حتى يسمع صوتا أو يجد ريحًا (٣).
• دليل المالكية على وجوب النضح إذا شك في طهارة الثوب:
(٧٠) ما رواه مالك في الموطأ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب،
أنه اعتمر مع عمر بن الخطاب في ركب فيهم عمرو بن العاص، وأن عمر بن
стр. 241
الخطاب عرس ببعض الطريق قريبًا من بعض المياه، فاحتلم عمر، وقد كاد أن يصبح فلم يجد مع الركب ماء، فركب حتى جاء الماء، فجعل يغسل ما رأى من ذلك الاحتلام حتى أسفر، فقال له عمرو بن العاص: أصبحت ومعنا ثياب، فدع ثوبك يغسل. فقال عمر بن الخطاب: واعجبًا لك يا عمرو بن العاصِ، لئن كنت تجد ثيابًا أفكل الناس يجد ثيابًا، والله لو فعلتها لكانت سنة، بل أغسل ما رأيت، وأنضح ما لم أر (١).
[إسناده منقطع] (٢).
وجه الاستدال:
لا شك أن النضح هنا هو الرش، بدليل قوله: (اغسل ما رأيت وأنضح ما لم أر). فجعل النضح غير الغسل.
قال ابن عبد البر في الاستذكار: ولا خلاف بين العلماء أن النضح في حديث عمر هذا معناه الرش، وهو عند أهل العلم طهارة ما شك فيه، كأنهم جعلوه دفعًا للوسوسة.
ثم قال بعد: فمن استيقن حلول المني في ثوبه غسل موضعه منه إذا اعتقد نجاسته، كغسله سائر النجاسات على ما قد بينا، وإن لم يعرف موضعه غسله كله، فإن شك هل أصاب ثوبه شيء منه أم لا؟ نضحه بالماء على ما وصفنا، وعلى هذا مذهب الفقهاء كما ذكرنا.
قلت: هذا الاستدلال فيه نظر بين؛ لأنه مبني أولًا على نجاسة المني والدليل خلافه، ومبني أيضًا على أن فعل عمر يدل على الوجوب، وإذا كان فعل الرسول ﷺ المجرد لا يدل على الوجوب فكيف بفعل غيره (٣).
стр. 242
الدليل الثاني على وجوب النضح:
(٧١) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة،
عن أنس بن مالك، أن جدته مليكة دعت رسول الله ﷺ لطعام صنعته له، فأكل منه، ثم قال: قوموا فلأصل لكم، قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد أسود من طول ما لبس، فنضحته بماء، فقام رسول الله ﷺ وصففت واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا، فصلى لنا رسول الله ﷺ ركعتين، ثم انصرف (١).
• وأجيب:
بأن النضح هنا ليس عن نجاسة؛ إذ لو كان عن نجاسة لانتشرت النجاسة بالنضح، ولكن النضح حتى يلين الحصير لاستعماله، وقد نقل ابن عبد البر مثل ذلك عن إسماعيل بن إسحاق من المالكية (٢)، وهو الراجح؛ لأن ثوب المسلم ونحوه محمول على طهارته، ولا يؤثر الشك فيه حتى تستيقن النجاسة.
• دليل المالكية على وجوب الغسل إذا شك في نجاسة البدن:
(٧٢) استدلوا بما رواه مسلم من طريق خالد، عن عبد الله بن شقيق،
عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا؛ فإنه لا يدري أين باتت يده. وهو في البخاري دون قوله: ثلاثًا (٣).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ أمر بغسل اليد للشك في نجاستها، فهذا يقتضي وجوب غسل البدن إذا شك في نجاسته.
стр. 243
قالوا: وإنما لم نقل بالنضح؛ لأن النضح خلاف القياس، فيقتصر فيه على ما ورد، وهو الحصير والثوب والخف، وجعل ابن رشد هذا القول هو المذهب (١).
وقد ناقشت الحديث فيما سبق، وبينت العلة من الأمر، وأنها ليست للنجاسة، ولو كان الغسل من النجاسة لكفى في ذلك غسلة واحدة، كما في نجاسة دم الحيض يصيب الثوب.
• وأما دليل المالكية على أن الشك في الحدث ينقض الطهارة:
قالوا: إنما أوجب الوضوء بالشك؛ لأن الطهارة شرط، والشك في الشرط مؤثر، بخلاف الشك في طلاق زوجته، أو عتق أمته، أو شك في الرضاع لا يؤثر؛ لأنه شك في المانع، وهو لا يؤثر، وإنما أثر في الشرط دون المانع، لأن العبادة محققة في الذمة فلا تبرأ منها إلا بطهارة محققة، والمانع يطرأ على أمر محقق وهو الإباحة أو الملك من الرقيق، فلا تنقطع بأمر مشكوك فيه (٢).
ولأن الشك في الشرط وهو الطهارة يوجب الشك في المشروط وهو الصلاة، والشك في أحد المتقابلين يوجب الشك في الآخر، فالشك في الحدث يوجب الشك في الوضوء.
• وأما وجه الفرق بين الحدث داخل الصلاة وخارج الصلاة:
(٧٣) فقد أخذوا ذلك من ظاهر الحديث، فقد روى البخاري، قال: حدثنا علي، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا الزهري، عن سعيد بن المسيب (ح) وعن عباد ابن تميم،
عن عمه، أنه شكا إلى رسول الله ﷺ الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: لا ينفتل أو لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا، ورواه مسلم (٣).
стр. 244
فأمره الرسول ﷺ إذا شك في الصلاة أن يستمر فيها، ولا ينصرف عنها إلا بيقين، قالوا: وأما إذا شك خارج الصلاة، فالحكم مختلف، فيلزمه أن يأتي بالطهارة بيقين.
قال الدسوقي في حاشيته: «من شك، وهو في الصلاة طرأ عليه الشك فيها بعد دخوله، فوجب أن لا ينصرف عنها إلا بيقين، ومن شك خارجها طرأ عليه الشك في طهارته قبل الدخول في الصلاة، فوجب أن لا يدخلها إلا بطهارة متيقنة» (١).
وتعليل آخر: قالوا: قياسًا على النوم، فإن وجوب الوضوء من النوم لوجود الشك في الحدث، فكذلك إذا شك في الحدث بدون نوم فإنه يوجب الوضوء.
قال ابن حجر تعليقًا على ذلك: إن كان ناقضًا خارج الصلاة فينبغي أن يكون كذلك في الصلاة كبقية النواقض (٢).
هذا محصل مذهب مالك في الشك سواء كان في الماء أم في الثوب، أم في البدن، أم في الحدث، وله تفصيل في كل مسألة، ومذهبه لا يطرد، وما كان قولًا له موافقًا للجمهور تركت ذكر دليله اكتفاء بذكر دليل الجمهور، وما خالف فيه ذكرت وجه الدليل عنده. والله أعلم.
• الراجح:
الراجح هو قول الجمهور، وهو العمل باليقين، إلا أني أرى إن أمكن العمل بالظن عمل به؛ لأننا قد تعبدنا بالظن إذا تعذر اليقين، إلا في مسألة الماء إذا شك في طهارته أو نجاسته، فإن هذه المسألة نادرة الوقوع خاصة إذا رجحنا أن الماء لا ينجس إلا بالتغير، فإن تغير الماء حكمنا عليه بالنجاسة وهو أمر محسوس مشاهد، وإن لم يتغير فهو طهور، والله أعلم.
* * *
стр. 245
الفصل الثاني إذا اشتبه الماء الطهور بالماء النجس
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• إذا اشتبه الطهور بالنجس هل يتحرى مطلقًا كقول المالكية، أو لا يتحرى مطلقًا كقول الحنابلة، أو يتحرى بشرط غلبة المباح، أو يتحرى بشرط نفي البدل فلا يتحرى للوضوء لوجود بدله وهو التيمم بخلاف الشرب، وهذا قول الحنفية (١).
стр. 246
إذا علم الموقف من التحري، نأتي إلى ذكر بعض الضوابط:
• الطهارة عبادة تؤدى تارة بيقين، وتارة بظاهر، لذا جاز دخول التحري عند الاشتباه.
• إذا تعذر اليقين قام الظن مقامه كالاجتهاد في تحري القبلة.
• إذا تيسر اليقين امتنع التحري (١).
وقيل:
• التحري مظنة الشك، فلا يبنى عليه، كما لو اختلطت أخته بأجنبية، والميتة بمذكاة حرم الجميع.
• ما اجتمع الحلال والحرام إلا غلب جانب الحرام.
• ترك النجاسة واجب ولا يتأتى ذلك بيقين إلا بترك الجميع.
• التحري يجوز في كل ما جازت فيه الضرورة، ولا ضرورة في اشتباه الطهور بالنجس للانتقال إلى البدل وهو التيمم بخلاف الشرب.
[م-٣٣] إذا اشتبه الماء الطهور بالماء النجس، كما لو كان هناك أوان فيها ماء طهور، بأوان فيها ماء نجس، واشتبها عليه، فقد اختلف العلماء فيها على أقوال.
القول الأول:
العمل بالتحري، سواء قلنا: يتحرى مطلقًا كما هو اختيار ابن المواز وابن العربي من المالكية (٢).
أو يتحرى بشرط أن تكون الغلبة للأواني الطاهرة، كما هو مذهب الحنفية، فإن
стр. 247
كانت الغلبة للأواني النجسة، أو كانا سواء، وجب تركهما (١).
أو قلنا: يتحرى بشرط أن تكثر الأواني كالثلاثين مثلًا، فإن قلت الأواني صلى بعدد الأواني النجسة، وزيادة إناء، اختاره ابن القصار من المالكية (٢).
أو قلنا: يتحرى بشرط أن يغلب على ظنه طهارته بعلامة تظهر له، فإن ظنه بغير علامة تظهر لم تجز الطهارة به كما هو مذهب الشافعية (٣).
القول الثاني:
يتوضأ بعدد الأواني النجسة، ويصلي كل صلاة بوضوء، وزيادة وضوء وصلاة،
стр. 248
وحينئذ تبرأ ذمته بيقين، وهذا هو المعتمد في مذهب المالكية (١).
القول الثالث:
قالوا: يهرق الإناء الواحد، ثم يحصل الثاني ماء مشكوكًا فيه، فلا يؤثر فيه الشك؛ لأن الأصل في الماء الطهارة، ورجحه ابن عبد البر في الكافي (٢).
القول الرابع:
يتوضأ بأيهما شاء؛ لأن الماء ما دام لم يتغير بنجاسة فهو طهور، ذكره ابن الجلاب في التفريع (٣)، واختاره ابن حزم (٤).
القول الخامس:
المشهور من مذهب الحنابلة أنه يحرم استعمالهما، ولا يجوز التحري، ولا يشترط للتيمم إراقتهما ولا خلطهما، وبه قال سحنون من المالكية (٥).
стр. 249
هذا ملخص الأقوال في المسألة، وبعضها أقوى من بعض، وإليك بيان أدلة كل قول.
• دليل من قال يتيمم:
قالوا: إذا اجتمع مبيح وحاضر، على وجه لا يتميز أحدهما عن الآخر، وجب اجتنابهما جميعًا؛ لأن اجتناب النجس واجب، ولا يمكن اجتنابه إلا بتركهما جميعًا.
(٧٤) ويشهد لهذا ما رواه مسلم من طريق علي بن مسهر، عن عاصم، عن الشعبي،
عن عدي بن حاتم، قال: قال لي رسول الله ﷺ : وإن وجدت مع كلبك كلبًا
стр. 250
غيره، وقد قتل، فلا تأكل، فإنك لا تدري أيهما قتله ... الحديث، والحديث رواه البخاري (١).
هذا الدليل الأثري، وأما الدليل النظري، فإن هذا الرجل إن توضأ بأحدها لم يؤد الصلاة بطهارة متيقنة؛ لاحتمال أن يكون الماء نجسًا، وإذا توضأ بكل واحد منها وصلى لزمته صلاتان للظهر مثلًا، وهو خلاف الأصول، فوجب العدول إلى التيمم.
• دليل من قال يتحرى:
الدليل الأول:
(٧٥) ما رواه البخاري من طريق منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، قال:
قال عبد الله: صلى النبي ﷺ قال: إبراهيم: لا أدري زاد أو نقص، فلما سلم، قيل له: يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء، قال: وما ذاك؟ فأخبر، وفيه قال رسول الله ﷺ : وإذا شك أحدكم في صلاته، فليتحر الصواب، فليتم عليه، ثم ليسلم، ثم يسجد سجدتين (٢).
وجه الاستدلال:
إذا كان المسلم يتحرى في الصلاة إذا شك فيها، مع أنها المقصود الأعظم من الطهارة، فكونه يتحرى في شرطها من باب أولى.
الدليل الثاني:
القياس على مشروعية التحري في إصابة القبلة، فكما أنه يجوز التحري إجماعًا إذا اشتبهت القبلة، فكذلك هنا.
الدليل الثالث:
ولأنه تعذر اليقين هنا، وكلما تعذر اليقين رجعنا إلى غلبة الظن.