← Фикх общий

Фикх общий · id 157

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 3

دبيان الدبيان

Полный текст (5 371 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

ثالثًا: لعل الغسل بسبب أمر آخر، لا يرجع إلى أبي طالب، ولذلك جاء عند ابن أبي شيبة، من طريق أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن ناجية، عن علي وفيه: (فانطلقت، فواريته، ثم رجعت إليه وعلي أثر التراب والغبار) (١). وعلى الرغم من تفرد أبي الأحوص بهذه الزيادة إلا أن واقع الحال يشهد لها، فإن من أراد أن يحفر للميت حفرة بأرض مثل أرض الحجاز، لا بد أن يصيبه من أثر التراب والغبار، فبعيد أن يشتغل الإنسان بالحفر والدفن، ثم يرجع نظيف البدن. • دليل من قال: غسل الميت يوجب الوضوء فقط: قد تعرضت لأدلة هذا القول في باب نواقض الوضوء، وهل غسل الميت يوجب الوضوء أم لا؟ ورجحت هناك أن غسل الميت لا يوجب الوضوء، وليس حدثًا، ولا مظنة للحدث فارجع إليه غير مأمور. • دليل من قال: يستحب الغسل ولا يجب: استدلوا بأدلة القائلين بالوجوب، إلا أنهم حملوا الأمر فيها على الاستحباب، والذي حملهم على صرف الأمر من الوجوب إلى الندب ما رواه الخطيب البغدادي في تاريخه (٢)، والدارقطني في السنن (٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (٤)، من طريق محمد ابن عبد الله المخرمي، عن أبي هشام المغيرة بن سلمة المخزومي، عن وهيب، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: كنا نغسل الميت، فمنا من يغتسل، ومنا من لم يغتسل. [صحيح] (٥).

стр. 1892

• الراجح من الأقوال: بعد استعراض الأقوال وأدلتها نجد أن القول بوجوب الغسل من تغسيل الميت قول ضعيف، والآثار في ذلك لا تسلم من ضعف، وقد حكم جمع من أئمة الحديث بأنه لا يثبت في الباب حديث، وأما القول بالاستحباب فإنه قول قوي لفعل بعض الصحابة ﵃. قال الخطابي: «ولا أعلم أحدًا من الفقهاء يوجب الاغتسال من غسل الميت، ولا الوضوء من حمله، ويشبه أن يكون الأمر في ذلك على الاستحباب» (١). قلت: أما القول بوجوب الاغتسال من غسل الميت والقول بوجوب الوضوء من حمله فقد حفظ القول بهما، ولكن الأدلة لا تعضدهما، والله أعلم. * * *

стр. 1893

الفصل السادس في غسل الجمعة المبحث الأول في وجوب غسل الجمعة مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • الغسل للجمعة غسل لا يوجبه حدث، ولا نجس، شرع أول ما شرع دفعًا للروائح التي يتأذى بها الناس، ثم أمروا به أمرًا عامًّا، ومن هنا اختلف الناس فيه: هل يجب نظرًا لظاهر النصوص، أو يستحب نظرًا لأنه ليس ناشئًا عن حدث أو نجس، وإنما هو بمنزلة الاغتسال للإحرام والطواف، ونحوهما. • الطهارة متى أمر بها لتحصيل النظافة، ثم دخلتها أحكام العبادة المحضة لزمه الإتيان بها على كل حال، ولم يراع سببها، فيغتسل المسلم وإن عدمت الرائحة، كالرمل في الطواف سبب مشروعيته إغاظة الكفار، واستمر مشروعًا بعد ارتفاع سببه لغلب العبادة عليه. • الحكمة إذا كانت غير منضبطة لم تعلل بها الأحكام الشرعية، كالغسل يوم الجمعة شرع من أجل النظافة ودفع الرائحة، ولما كان تقدير النظافة يختلف الناس فيه علق الغسل بيوم الجمعة وجعل حقًا لله ليكون تشريعًا عامًا، للنظيف

стр. 1894

وغيره، ومثله الترخص في السفر شرع من أجل دفع المشقة، ولما كانت المشقة غير منضبطة علق الحكم بالسفر، ولم ينظر للمشقة. • أمر الرسول ﷺ بالغسل يوم الجمعة، والأصل في الأمر الوجوب، بل إن غسل الجمعة لم يقتصر فيه بالأمر بالغسل، بل اقترن بالأمر فيه ألفاظ تؤكد الوجوب، كقوله: غسل يوم الجمعة واجب، وأنه حق لله على كل مسلم، واستعملت كلمة (على كل مسلم) الظاهرة في الوجوب. • أطلق على الاغتسال بأنه حق لله على كل مسلم، والحق بمعنى الواجب، ففي الصحيحين من حديث معاذ بن جبل ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد؟ فاسْتُعْمِلَتْ كلمة حق في أعظم الواجبات على الإطلاق، وهو توحيد الله بالعبادة. • إذا كان غسل الجمعة سيؤدي إلى فوات سماع خطبة الجمعة، فإنه يترك ويكتفى بالوضوء؛ لأن مصلحة الاستماع للخطبة أعظم من مصلحة الغسل كما فعل عثمان ﵁، فالواجبات إذا تزاحمت رتبت. [م-٣٢١] لا يختلف العلماء أن الغسل للجمعة ليس شرطًا في صحة صلاة الجمعة، واختلفوا في وجوبه: فقيل: الغسل سنة، وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والمالكية (٣)،

стр. 1895

والحنابلة (١). وقيل: الغسل واجب، وهو رواية عن أحمد (٢)، ومذهب الظاهرية (٣). وقيل: يجب من عرق أو ريح يتأذى به الناس، اختاره بعض الحنابلة (٤). • دليل من قال: الغسل يوم الجمعة مسنون . الدليل الأول: (٧٢٢ - ٤٢) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عفان، حدثنا همام، حدثنا قتادة، عن الحسن، عن سمرة أن النبي ﷺ قال من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فذلك أفضل (٥). [ضعيف، الحسن لم يسمع هذا الحديث من سمرة، واختلف عليه على الحسن] (٦).

стр. 1896

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1897

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1898

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1899

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1900

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1901

الدليل الثاني: (٧٢٣ - ٤٣) ما رواه مسلم من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : من توضأ، فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة، فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصى فقد لغا (١). وجه الاستدلال: أنه ﷺ أثنى على المتوضئ، ولم يذكر الغسل، فلو كان واجبًا لذكره ﵊. قال القرطبي: ذكر الوضوء وما معه مرتبًا عليه الثواب المقتضي للصحة، فدل على أن الوضوء كاف (٢). • وأجيب: قال ابن حجر: «ليس فيه نفي الغسل، وقد ورد من وجه آخر في الصحيحين بلفظ: (من اغتسل) فيحتمل أن يكون ذكر الوضوء لمن تقدم غسله على الذهاب، فاحتاج إلى إعادة الوضوء» (٣).

стр. 1902

قلت: كلام ابن حجر ظاهر، فهذا الدليل لا يمنع وجوب الغسل بدليل آخر، ولا يوجد دليل واحد يقوم بكل الواجبات الشرعية، فهذا دليل يوجب السعي للجمعة عند سماع النداء، وآخر يوجب الغسل، وثالث يوجب الاستماع وعدم الكلام وهكذا، وعلى التنزل أن يكون هذا الدليل فيه تلويح بعدم وجوب الغسل، فيكون ذلك على البراءة الأصلية، والأحاديث التي توجب الغسل تكون مقدمة؛ لأنها ناقلة عنها، وشاغلة للذمة، والله أعلم. الدليل الثالث: (٧٢٤ - ٤٤) ما رواه البخاري من طريق الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن ابن عمر ﵄ أن عمر بن الخطاب بينما هو قائم في الخطبة يوم الجمعة إذ دخل رجل من المهاجرين الأولين من أصحاب النبي ﷺ ، فناداه عمر، أية ساعة هذه؟ قال: إني شغلت، فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت التأذين، فلم أزد أن توضأت. فقال: والوضوء أيضًا، وقد علمت أن رسول الله ﷺ كان يأمر بالغسل (١). وجه الاستدلال: قالوا: لما لم يترك عثمان الصلاة للغسل، ولم يأمره عمر بالخروج للغسل فدل ذلك على أنهما قد علما أن الأمر بالغسل للاختيار (٢). وزاد بعضهم بأن من حضر من الصحابة الصلاة قد وافقوهما على ترك عثمان للغسل، فكان إجماعًا. وقال ابن عبد البر: «ومن الدليل على أن أمر رسول الله ﷺ بالغسل يوم الجمعة ليس بفرض واجب، أن عمر ﵁ في هذا الحديث لم يأمر عثمان بالانصراف للغسل، ولا انصرف عثمان حين ذكره عمر بذلك، ولو كان الغسل واجبًا فرضًا

стр. 1903

للجمعة ما أجزأت الجمعة إلا به، كما لا تجزئ الصلاة إلا بوضوء للمحدث أو بالغسل للجنب، ولو كان كذلك ما جهله عمر ولا عثمان» (١). قال القاضي عياض: «هذا قول من عمر، وإقرار بمحضر جماعة من الصحابة، ولا منكر له، ولا مخالف، فهو كالإجماع، وعامة الفقهاء والأصوليين منهم يعدون هذا إجماعًا» (٢). • وأجيب: بأنه لم يقل أحد: بأن غسل الجمعة شرط لصحة الصلاة، لا تجزئ صلاة الجمعة إلا به، ولم يأت نصٌّ نبويٌّ يقول: (لا يقبل الله صلاة الجمعة إلا بالغسل) كما قيل ذلك في الوضوء، ولو صلى تاركًا للغسل عمدًا مع القدرة عليه صحت صلاته، وقد حكي إجماعًا صحة صلاة الجمعة ولو لم يغتسل (٣)، وإنما قالوا: الغسل واجب، وليس بشرط، وإذا فهم ذلك فلا يمكن أن تكون قصة عثمان ﵁ مع عمر دليلًا على نفي وجوب الغسل، بل إن الحديث ظاهر في وجوب الغسل، من وجهين: الأول: كون عمر يقطع الخطبة، ويشتغل بمعاتبة عثمان ﵁، ويقوم بتوبيخه على رؤوس الناس، كل ذلك دليل على وجوب الغسل، فلو كان ترك الغسل مباحًا لما فعل ذلك عمر ﵁. الثاني: أن عمر ﵁ قد أعلن في خطبته، بأن الرسول ﷺ كان يأمر بالغسل، والأصل في الأمر الوجوب، وإنما لم يرجع عثمان للغسل لضيق الوقت، إذ لو فعل لفاتته الجمعة، خاصة وأن الخطبة كانت على عهد الخلفاء الراشدين قصيرة، كما كانت على عهد الرسول ﷺ ، ولم يلزم من ذلك تأثيم عثمان؛ لأنه إنما تركه ذاهلًا عن الوقت، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن الإنسان إذا خشي لو توضأ أن تفوته

стр. 1904

الجمعة فإنه يتيمم، فما بالك بالغسل الذي هو مجرد واجب، وليس شرطًا في صحة الصلاة، على أن عثمان قد يكون قد اغتسل في أول النهار، لما ثبت في صحيح مسلم عن حمران، أن عثمان لم يكن يمضي عليه يوم حتى يفيض عليه الماء (١)، وإنما لم يعتذر بذلك لعمر كما اعتذر عن التأخير؛ لأنه لم يتصل غسله بذهابه إلى الجمعة، كما هو الأفضل (٢). الدليل الرابع: (٧٢٥ - ٤٥) ما رواه البخاري من طريق عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: كان الناس ينتابون يوم الجمعة من منازلهم والعوالي، فيأتون في العباء يصيبهم الغبار والعرق، فيخرج منهم العرق، فأتى رسول الله ﷺ إنسان منهم، وهو عندي، فقال النبي ﷺ : لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا (٣). وجه الاستدلال: قوله (لو أنكم تطهرتم) فكلمة (لو) حرف للتمني، أو للشرط، والجواب محذوف لكان حسنًا، وهذا يدل على الحض والترغيب في الغسل، لا على الوجوب. • وأجيب: بأن حديث عائشة هذا ليس فيه الأمر بالغسل، وإنما عرض عليهم الغسل عرضًا، وحثهم عليه، فليس فيه دليل على وجوب الغسل، ثم أمرهم النبي ﷺ بعد ذلك أمر إلزام، فصار الغسل واجبًا لذلك، ولو لم يرد إلا هذا الحديث ما قال أحد بوجوب الغسل، وإنما وردت مجموعة من الأحاديث تأمرهم بالغسل، وبعضها يعبر بالوجوب، (غسل الجمعة واجب) وبعضها بلفظ: (الغسل على كل بالغ) وهي

стр. 1905

ظاهرة في الوجوب، وبعضها بلفظ: (الغسل على كل مسلم) ولا يمنع أن يكون الرسول ﷺ رغبهم بالغسل أول الأمر، ثم أوجبه عليهم، فيكون الرسول ﷺ تدرج بهم كشأن بعض الأحكام الشرعية، والله أعلم. الدليل الخامس: (٧٢٦ - ٤٦) ما رواه البخاري، من طريق عمرو بن سليم الأنصاري، قال: أشهد على أبي سعيد، قال: أشهد على رسول الله ﷺ قال: الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وأن يستن، وأن يمس طيبًا إن وجد. قال عمرو: أما الغسل فأشهد أنه واجب، وأما الاستنان والطيب فالله أعلم، أواجب هو أم لا؟ ولكن هكذا في الحديث. ورواه مسلم دون قول عمرو (١). وجه الاستدلال: ظاهر الحديث وجوب الاستنان والطيب لذكرهما بالعطف على الغسل، فالتقدير الغسل واجب، والاستنان والطيب كذلك، وليس الطيب والاستنان بواجبين اتفاقًا، فدل على أن الغسل ليس بواجب، إذ لا يصح تشريك ما ليس بواجب مع الواجب بلفظ واحد. • وأجيب بعدة أجوبة، منها: الأول: لا نسلم أن دلالة الاقتران، تعني التساوي في الحكم، لا سيما ولم يقع التصريح بحكم المعطوف، وقد قال : (كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) [الأنعام: ١٤١]، والأكل مباح، ودفع الحق واجب. ثانيًا: على التسليم بأن الحديث ظاهر في وجوب الاستنان والطيب، فيقال: قد دل الإجماع على خروج الطيب والاستنان من القول بالوجوب، وبقي ما عداه على الأصل، وهو وجوب الغسل.

стр. 1906

ثالثًا: لا نسلم حكاية الإجماع بأن الطيب والاستنان ليسا واجبين، فالخلاف محفوظ فيهما، فأما الاستنان، فالقول بوجوبه ذهب إليه داوود الظاهري (١)، ونُسِبَ هذا القول إلى إسحاق بن راهوية (٢). وقد استعرضت أدلة الأقوال في كتابي سنن الفطرة، وهو جزء من هذه السلسلة، والله الموفق. وأما الطيب، فقد قال الحافظ ابن حجر: روى سفيان بن عيينة في جامعه عن أبي هريرة أنه كان يوجب الطيب يوم الجمعة. وإسناده صحيح، وكذا قال بوجوبه بعض أهل الظاهر (٣). وإن كنت أرجح أن الطيب والاستنان ليسا واجبين، وظاهر حديث أبي سعيد يفيد الوجوب في الجميع، لكن لا يمنع أن يقال: خرج الطيب والاستنان من القول بالوجوب بدليل آخر، وبقي غسل الجمعة على الوجوب، ولذلك روى البخاري عن عمرو بن سليم الأنصاري الراوي لحديث أبي سعيد قوله: أما الغسل فأشهد أنه واجب، وأما الاستنان والطيب فالله أعلم أواجب هو أم لا؟ ولكن هكذا في الحديث. مما يدل على أن فهم السلف للوجوب على ظاهره، وهو الإلزام، ولذلك شهد

стр. 1907

عمرو بن سليم بوجوب الغسل يوم الجمعة، ولم يشهد على وجوب الطيب والاستنان، ولو كان الوجوب بمعنى التوكيد كما تأوله الجمهور لشهد بذلك للجميع. الدليل السادس: قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى: «أجمع المسلمون قديمًا وحديثًا على أن غسل الجمعة ليس بفرض واجب، وفي ذلك ما يكفي ويغني عن الإكثار .... ومع إجماعهم على أن غسل الجمعة ليس بفرض واجب، اختلفوا فيه: هل هو سنة مسنونة للأمة؟ أم هو استحباب وفضل؟ أو كان لعلة فارتفعت؟» (١). ودعوى الإجماع على أنه ليس بواجب فيه نظر كبير، فالقول بوجوبه قد شهد به عمرو بن سليم الأنصاري الراوي للحديث عن أبي سعيد، وقوله في البخاري، وسبق تخريجه، كما أنه رواية عن الإمام أحمد، ومذهب الظاهرية، وقال الحافظ: وحكاه ابن المنذر عن أبي هريرة وعمار بن ياسر (٢). قلت: وهو مقتضى صنيع عمر حين أنكر على عثمان بن عفان ترك الاغتسال، وهو على المنبر محتجًا بأن الرسول ﷺ كان يأمر بالغسل، وهو في الصحيحين، وسبق تخريجه. • دليل من قال: غسل الجمعة واجب . الدليل الأول: (٧٢٧ - ٤٧) ما رواه البخاري من طريق نافع وسالم فرقهما، عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل (٣).

стр. 1908

وجه الدلالة: قوله ﷺ : (فليغتسل) وهذا أمر بالغسل يوم الجمعة، والأصل في الأمر الوجوب. (٧٢٨ - ٤٨) لما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ ، قال: لولا أن أشق على أمتي أو على الناس لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة (١). ولو أمرنا بالسواك لكان واجبًا علينا. الدليل الثاني: (٧٢٩ - ٤٩) ما رواه مسلم من طريق وهيب، حدثنا عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: حق لله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام، يغسل رأسه وجسده. ورواه البخاري (٢). وجه الدلالة: قوله (حق لله) فالحق بمعنى الواجب، ففي الصحيحين من حديث معاذ بن جبل ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئًا (٣). فاسْتُعْمِلَتْ كلمة حق في أعظم الواجبات على الإطلاق، وهو ما خلق الخليقة من أجله، قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَاّ لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: ٥٦]. الدليل الثالث: (٧٣٠ - ٥٠) ما رواه البخاري من طريق صفوان بن سليم، عن عطاء ابن يسار،

стр. 1909

عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم. ورواه مسلم (١). فالواجب هو اللازم شرعًا، وقد حاول الجمهور تأويل الحديث؛ فقالوا: إن كلمة واجب المقصود بها التوكيد، كما تقول: إكرامك علي واجب، والذي حملهم على هذا التأويل المخالف لظاهر الحديث: إما لأنهم فهموا من كلمة واجب، أن الغسل شرط في صحة الصلاة، فقالوا: الإجماع منعقد على صحة الصلاة، ولو لم يغتسل للجمعة، فحملهم هذا على تأويل الحديث عن ظاهره، والحق أن الحديث نص في وجوب الغسل، وليس نصًّا على شرطية الغسل، فلا يصح الاعتراض (٢). أو لأنهم حاولوا الجمع بين الأحاديث التي توجب الغسل وبين أحاديث تعارضها، ولكن ليست صحيحة، مثل حديث: (من اغتسل يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل). قالوا: فقوله: (الغسل أفضل) فإنه يقتضي اشتراك الوضوء والغسل في أصل

стр. 1910

الفضل، فيستلزم إجزاء الوضوء، فحملهم ذلك على تأويل (غسل يوم الجمعة واجب) إلى ما ذكرنا من أن المقصود به توكيد الغسل، وليس لزومه. والحق أن سند هذا الحديث لا يمكن أن يعارض به أحاديث الصحيحين، فقد علمت ما في الحديث من اختلاف من خلال الكلام على سنده ومتنه. قال ابن دقيق العيد: «ذهب الأكثرون إلى استحباب غسل الجمعة، وهم محتاجون إلى الاعتذار عن مخالفة هذا الظاهر -يعني من الأمر بالغسل، ومن الحكم بأنه واجب ـ وقد أولوا صيغة الأمر على الندب، وصيغة الوجوب على التأكيد، كما يقال: إكرامك علي واجب، وهو تأويل ضعيف إنما يصار إليه إذا كان المعارض راجحًا على هذا الظاهر، وأقوى ما عارضوا به هذا الظاهر حديث: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل) ولا يعارض سنده سند هذه الأحاديث. إلخ كلامه ﵀ (١). قلت: وكلمة (واجب) في الحقيقة الشرعية تعني اللزوم، قال ﷺ : (لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم). وقد أخرج أبو داود (٢)، والنسائي (٣)، وابن الجارود (٤)، والطبراني في المعجم الأوسط (٥)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٦)، وابن خزيمة (٧)، وابن حبان (٨)،

стр. 1911

والبيهقي (١)، من طرق عن مفضل بن فضالة، عن عياش بن عباس، عن بكير بن عبد الله الأشج، عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة، قالت: قال رسول الله ﷺ : على كل محتلم رواح الجمعة، وعلى كل من راح إلى الجمعة الغسل. فجمع بكلمة (على) الظاهرة في الوجوب بين الرواح وبين الغسل (٢).

стр. 1912

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1913

• دليل من قال: الغسل واجب على من كان به رائحة كريهة . الدليل الأول: (٧٣١ - ٥١) ما رواه البخاري من طريق عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: كان الناس ينتابون يوم الجمعة من منازلهم والعوالي، فيأتون في العباء يصيبهم الغبار والعرق، فيخرج منهم العرق، فأتى رسول الله ﷺ إنسان منهم، وهو عندي، فقال: النبي ﷺ لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا. رواه مسلم (١). • وأجيب: بأن هذا الحديث لا ينافي الوجوب، فبيان سبب الوجوب لا ينافي استصحاب الحكم، مع أن حديث عائشة ليس فيه أمر بالغسل، وإنما كان مجرد عرض وحث على الغسل، ثم أمرهم أمر إلزام بالغسل بعد ذلك، وكون السبب قد ارتفع لا يرتفع الحكم، أرأيت إلى مشروعية الرمل في الطواف، كان سبب مشروعيته إغاظة المشركين، ودحض ما أشاعوه بين الناس، بأن الصحابة رضوان الله عليهم قد وهنتهم حمى يثرب، ولا يزال الناس يرملون إلى اليوم، مع أن الله قد طهر مكة من رجس المشركين.

стр. 1914

الدليل الثاني: (٧٣٢ - ٥٢) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا عبد الله بن مسلمة، حدثنا عبد العزيز، يعني ابن محمد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، أن أناسا من أهل العراق جاءوا، فقالوا: يا ابن عباس، أترى الغسل يوم الجمعة واجبًا؟ قال: لا، ولكنه أطهر وخير لمن اغتسل، ومن لم يغتسل فليس عليه بواجب، وسأخبركم كيف بدء الغسل، كان الناس مجهودين يلبسون الصوف، ويعملون على ظهورهم، وكان مسجدهم ضيقًا مقارب السقف، إنما هو عريش، فخرج رسول الله ﷺ في يوم حار، وعرق الناس في ذلك الصوف حتى ثارت منهم رياح آذى بذلك بعضهم بعضًا، فلما وجد رسول الله ﷺ تلك الريح قال: أيها الناس إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا، وليمس أحدكم أفضل ما يجد من دهنه وطيبه. قال ابن عباس: ثم جاء الله بالخير، ولبسوا غير الصوف، وكفوا العمل، ووسع مسجدهم، وذهب بعض الذي كان يؤذي بعضهم بعضا من العرق (١). [ضعيف] (٢). • وأجاب عنه الحافظ بعدة أجوبة، منها: أولًا: الثابت عن ابن عباس خلافه. قلت: لعل الحافظ يشير إلى ما رواه ابن عباس مرفوعًا عن الرسول ﷺ بالأمر

стр. 1915

بالغسل أمرًا مطلقًا (١)، فإن كان مقصود الحافظ بقوله: «خلافه» أنه يخالفه مخالفة معارضة، بحيث يلزم من قبول هذا طرح ذاك، فليس بصواب، فابن عباس ساق سبب وجوب الغسل، ثم روى عن رسول الله ﷺ الأمر بالغسل أمرًا مطلقًا، وهما لا يتعارضان، خاصة فيما يتعلق بالمرفوع، أما فهم ابن عباس، بأن السبب إذا ارتفع ارتفع الحكم، فهذا فهم من عنده، موقوفًا عليه، والحجة في المرفوع خاصة، كما سيشير إليه الحافظ في الكلام التالي. ثانيًا: قال الحافظ: «على تقدير الصحة، فالمرفوع منه ورد بصيغة الأمر الدالة على الوجوب، وأما نفي الوجوب فهو موقوف؛ لأنه من استنباط ابن عباس، وفيه نظر؛ إذ لا يلزم من زوال السبب زوال المسبب، كما في الرمل والجمار» (٢). هذا فيما يتعلق بأهم الأدلة لكل فريق، وبعد استعراض الأدلة نجد أن الخلاف في المسألة قوي جدًّا، وأجد نفسي تميل إلى القول بالوجوب، لأنه ظاهر الأحاديث، والقائلون بالسنية يحتاجون إلى تأويل النصوص، وصرفها عن ظاهرها، لمعارض ليس من القوة بحيث نضطر إلى تأويل النصوص عن ظاهرها، والله أعلم، ومع القول بوجوب الغسل فإن من صلى بدون أن يغتسل فصلاته صحيحة، حتى ولو تركه بدون عذر؛ لأن الغسل واجب، وليس شرطًا في صحة الصلاة هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن وجوب الغسل إنما كان من أجل النظافة وإزالة العرق، وليس عن حدث أو خبث، والله أعلم. * * *

стр. 1916

المبحث الثاني غسل الجمعة للصلاة لا لليوم مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • غسل يوم الجمعة معقول المعنى، ومشروعيته من أجل اجتماع الناس في المسجد دفعًا لما قد يتأذى بعضهم من بعض نتيجة انبعاث الروائح الكريهة عند اجتماع الناس. • إطلاق يوم الجمعة على الصلاة، قال ﷺ : إذا جاء أحدكم الجمعة وفي رواية: إذا راح أحدكم إلى الجمعة فليغتسل، فجعل الجمعة اسمًا للصلاة، وأمر بالاغتسال من جاءها، وذلك يقتضي تعلق الاغتسال بالصلاة. • حمل النصوص المطلقة في إضافة الغسل ليوم الجمعة على النصوص المقيدة والتي أضافت الغسل للصلاة، كقوله: إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل، من اغتسل يوم الجمعة ثم راح فكأنما قرب بدنة. [م-٣٢٢] اختلف الفقهاء هل غسل الجمعة للصلاة، أو لليوم؟ فقيل: الغسل للصلاة، ويدخل وقته بطلوع الفجر، وهو مذهب الجمهور

стр. 1917

من المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). وقيل: الغسل للصلاة، ووقته أن يصلي الجمعة بذلك الغسل، حتى ولو اغتسل قبل طلوع الفجر، فإن اغتسل قبيل صلاة الجمعة، ثم أحدث قبل أن يصلي، أعاد الغسل، وهو اختيار أبي يوسف من الحنفية (٤). وقيل: الغسل لليوم، فلو اغتسل قبل غروب يوم الجمعة حقق السنة، اختاره بعض الحنفية (٥)، وهو اختيار ابن حزم (٦). • دليل من قال: الغسل يوم الجمعة للصلاة: الدليل الأول: (٧٣٣ - ٥٣) ما رواه البخاري من طريق نافع وسالم فرقهما، عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل (٧). الدليل الثاني: ما رواه أبو داود، قال: حدثنا عبد الله بن مسلمة، حدثنا عبد العزيز، يعني

стр. 1918

ابن محمد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة أن أناسا من أهل العراق جاءوا فقالوا: يا ابن عباس، أترى الغسل يوم الجمعة واجبًا؟ قال: لا، ولكنه أطهر وخير لمن اغتسل، ومن لم يغتسل فليس عليه بواجب، وسأخبركم كيف بدء الغسل، كان الناس مجهودين يلبسون الصوف، ويعملون على ظهورهم، وكان مسجدهم ضيقًا مقارب السقف، إنما هو عريش، فخرج رسول الله ﷺ في يوم حار، وعرق الناس في ذلك الصوف، حتى ثارت منهم رياح آذى بذلك بعضهم بعضًا، فلما وجد رسول الله ﷺ تلك الريح قال: أيها الناس إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا، وليمس أحدكم أفضل ما يجد من دهنه وطيبه. قال ابن عباس: ثم جاء الله بالخير، ولبسوا غير الصوف، وكفوا العمل، ووسع مسجدهم، وذهب بعض الذي كان يؤذي بعضهم بعضا من العرق (١). [ضعيف] (٢). فكان مشروعية الغسل من أجل اجتماع الناس في المسجد، ودفعًا لما قد يتأذى

стр. 1919

بعضهم من بعض نتيجة انبعاث الروائح الكريهة عند اجتماع الناس. الدليل الثالث: (٧٣٤ - ٥٤) ما رواه البخاري من طريق الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن ابن عمر ﵄، أن عمر بن الخطاب بينما هو قائم في الخطبة يوم الجمعة، إذ دخل رجل من المهاجرين الأولين من أصحاب النبي ﷺ ، فناداه عمر، أية ساعة هذه؟ قال: إني شغلت، فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت التأذين، فلم أزد أن توضأت. فقال: والوضوء أيضًا، وقد علمت أن رسول الله ﷺ كان يأمر بالغسل (١). وجه الاستدلال: أنكر عمر على عثمان إتيانه الجمعة مقتصرًا على الوضوء، وتاركًا للغسل، وقد ذكرنا نصه في الأدلة السابقة، ولو كان وقت الغسل لم يذهب بعد، لم يكن الإنكار في محله، فكان يمكن لعثمان أن يغتسل بعد الجمعة، فدل هذا على أن الغسل لحضور الصلاة، وليس لذات اليوم. الدليل الرابع: (٧٣٥ - ٥٥) ما رواه البخاري من طريق سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر. ورواه مسلم (٢). قوله: (من اغتسل ثم راح) التعبير بـ (ثم) دليل على الترتيب، فكان الغسل

стр. 1920

قبل الرواح. • دليل من قال: الغسل لليوم، وليس للصلاة: الدليل الأول: (٧٣٦ - ٥٦) ما رواه البخاري من طريق صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم. ورواه مسلم (١). وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ أضاف الغسل إلى يوم الجمعة، ويوم الجمعة يمتد إلى غروب الشمس. الدليل الثاني: (٧٣٧ - ٥٧) ما رواه البخاري من طريق عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: كان الناس ينتابون يوم الجمعة من منازلهم والعوالي، فيأتون في العباء يصيبهم الغبار والعرق، فيخرج منهم العرق، فأتى رسول الله ﷺ إنسان منهم، وهو عندي، فقال النبي ﷺ : لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا (٢). وجه الاستدلال: قوله ﷺ : (لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا) فجعل الطهر من أجل اليوم، وليس من أجل الصلاة.

стр. 1921

الدليل الثالث: (٧٣٨ - ٥٨) ما رواه مسلم من طريق وهيب، حدثنا عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: حق لله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام، يغسل رأسه وجسده. وفي رواية للبخاري: (على كل مسلم حق أن يغتسل في كل سبعة أيام يومًا) (١). وجه الاستدلال: جعل الغسل مشروعًا في السبعة أيام، فإذا اغتسل في اليوم السابع فقد قام بالمشروع، وقد بينت الروايات الأخرى، أن هذا اليوم هو يوم الجمعة، ففي أي ساعة اغتسل فقد امتثل الأمر. (٧٣٩ - ٥٩) فقد روى أحمد ﵀، قال: حدثنا بشر بن المفضل، عن داود ابن أبي هند، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : على كل مسلم غسل في سبعة أيام، كل جمعة (٢). [أخطأ فيه داود بن أبي هند، فرواه على الجادة، عن أبي الزبير، عن جابر، وقد رواه الثقات عن أبي الزبير، عن طاوس، عن أبي هريرة] (٣).

стр. 1922

قلت: الجمع بين هذه الروايات ممكن، فقد يطلق الكل، ويراد به البعض، كما قال تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ) [آل عمران: ١٧٣]. وقد يطلق البعض، ويراد به الكل، كما في قوله تعالى: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) [النساء: ٩٢]، فالأحاديث التي أطلق فيها الغسل يوم الجمعة، لم يرد به كل اليوم، وإنما أراد به بعض اليوم، وهو ما قبل صلاة الجمعة، والقرينة التي تؤيد ذلك الأحاديث الصحيحة المصرحة بالأمر بالغسل من أراد أن يأتي الجمعة، أي الصلاة، والله أعلم. • دليل من قال: لو اغتسل قبل الفجر ثم صلى الجمعة بذلك الغسل أجزأ: استدل من جهة اللغة، فإن النصوص قد نصت على الغسل يوم الجمعة لمن يريد حضور الصلاة، واليوم يطلق ويراد به اليوم والليلة، قال تعالى: (قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَاّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيّاً) [مريم: ١٠]. وقال في آية أخرى: (أَلَاّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَاّ رَمْزاً) [آل عمران: ٤١].

стр. 1923

(٧٤٠ - ٦٠) وقد روى البخاري ومسلم من حديث عمر بن الخطاب ﵁، قال: يا رسول الله إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام (١). وفي رواية لمسلم: (أن أعتكف يومًا)، قال ﷺ : أوف بنذرك (٢). الراجح من الخلاف: أن الغسل للصلاة، ليس من قبيل الغسل عن الأحداث، فهو مراد به النظافة، ومن أجل اجتماع الناس، وقد أمر به الرسول ﷺ ، والأصل في الأمر الوجوب، وجاء بعضها بلفظ (غسل الجمعة حق لله) وفي بعضها (غسل الجمعة واجب) وفي بعضها (على كل مسلم) وهي كلها ألفاظ إن لم تكن صريحة فهي ظاهرة في الوجوب، وقد علق الأمر بالسعي إلى الجمعة: (إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل) وفي بعضها أضاف الغسل إلى يوم الجمعة، فيقال: الغسل للصلاة يوم الجمعة، ويوم الجمعة يدخل من ليلة الجمعة حتى حضور الصلاة، لكن لو أنه عندما نام ليلة الجمعة، تعرض لعرق كثير أذهب فائدة اغتسال ذلك اليوم، كان المطلوب منه إعادة الغسل؛ لأن غسل الجمعة المراد منه النظافة، وليس رفع الحدث، والله أعلم. * * *

стр. 1924

المبحث الثالث في غسل من لا تجب عليه الجمعة مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • الأحاديث التي تأمر بالغسل يوم الجمعة، يجب أن تقيد بالأحاديث التي تعلق الأمر بالغسل على شهود الجمعة، وقد نصت على أن الوجوب على كل محتلم، فغير البالغ، ولو حضر ليس مخاطبًا في الغسل. • الغسل حكم تكليفي، والأحكام التكليفية لا تلزم غير المكلف. [م-٣٢٣] بينت فيما سبق خلاف أهل العلم في وقت الغسل، وهل الغسل مشروع للصلاة أو لليوم؟ وينبني على هذا الخلاف خلاف آخر، فمن قال: إن الغسل للصلاة رأى أن الحكم خاص بمن تلزمه الجمعة، أو بمن أراد حضورها، ولو لم تلزمه. ومن قال: إن الغسل لليوم، رأى أن الغسل مشروع للمرأة، والرجل، والمسافر، وغيرهم، بل ذهب بعض أهل العلم إلى مشروعيته حتى للحائض والنفساء، وإليك بيان الأقوال في هذه المسألة،

стр. 1925

فقيل: يسن لكل من أراد حضور الجمعة، سواءً الرجل والمرأة، والصبي والمسافر والعبد وغيرهم، ولا يسن لمن لم يرد الحضور، وإن كان من أهل الجمعة، وهو الصحيح من مذهب الحنفية (١)، وهو مذهب المالكية (٢)، وأصح الأقوال في مذهب الشافعية (٣). وقيل: يسن للرجل خاصة إذا حضر الجمعة، ولو لم تجب عليه، كالعبد، والمسافر، ولا يستحب للمرأة، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٤). وقيل: لا يسن إلا لمن لزمه الحضور، وهو قول في مذهب الشافعية (٥). وقيل: يسن لمن هو من أهل الجمعة، ومنعه من الحضور عذر ونحوه، وهو قول في مذهب الشافعية (٦). وقيل: الغسل على كل بالغ من الرجال والنساء، حضروا الصلاة أو لم يحضروا، وهو قول أبي ثور (٧)، وقول في مذهب الشافعية (٨)، واختاره ابن حزم حتى للحائض

стр. 1926

والنفساء (١). • دليل من قال: الغسل متعلق بالحضور، ولو لم تلزمه: الدليل الأول: (٧٤١ - ٦١) ما رواه البخاري من طريق نافع وسالم فرقهما، عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل (٢). فكلمة (أحد) نكرة مضافة، فتعم كل أحد ممن جاء إلى الجمعة، سواءً كان صغيرًا أو كبيرًا، ذكرًا كان أو أنثى، مسافرًا أو غير مسافر، ومن قصر اللفظ على بعض أفراده لزمه دليل على تقييد هذا المطلق. الدليل الثاني: (٧٤٢ - ٦٢) ما رواه البخاري من طريق سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر. ورواه مسلم (٣). قوله: «من اغتسل ثم راح» فيه فائدتان: الأولى: أن الغسل قبل الرواح.

стр. 1927

والثانية: أن الرواح سبب في الغسل. الدليل الثالث: (٧٤٣ - ٦٣) ما رواه ابن خزيمة من طريق محمد بن رافع، عن زيد بن الحباب، حدثني عثمان بن واقد العمري، حدثني نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : من أتى الجمعة من الرجال والنساء فليغتسل، ومن لم يأتها فليس عليه غسل من الرجال والنساء (١). [ذكر النساء في الحديث غير محفوظ] (٢).

стр. 1928

• دليل من قال: الغسل يلزم كل بالغ حضر الجمعة أو لا: الدليل الأول: (٧٤٤ - ٦٤) ما رواه البخاري من طريق صفوان بن سليم، عن عطاء ابن دينار، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم (١). فكلمة (كل) من ألفاظ العموم، فتعم الرجال والنساء، مَنْ حضر الجمعة ومن لم يحضر، حتى الحائض والنفساء. الدليل الثاني: (٧٤٥ - ٦٥) ما رواه مسلم من طريق وهيب، حدثنا عبد الله بن طاوس، عن أبيه،

стр. 1929

عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: حق لله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام، يغسل رأسه وجسده. ورواه البخاري (١). وجه الاستدلال: أنه جعل الغسل في كل سبعة أيام، فكأن هذا توقيت لتنظيف الجسد مرة واحدة من كل أسبوع، حضر الجمعة أو لم يحضر. وأجابوا عن حديث (من جاء منكم الجمعة فليغتسل) بأن هذا الحديث فيه الأمر بالغسل على من حضر الجمعة، وليس فيه نص على إسقاط الغسل عمن لم يحضر، وفي الأحاديث الأخرى بينت وجوب الغسل على كل مسلم كما في حديث (حق لله على كل مسلم) وفي بعضها: (واجب على كل محتلم) فهذا قدر زائد فيجب الأخذ به. • دليل من قال: الغسل واجب على الرجال دون النساء: (٧٤٦ - ٦٦) ما رواه البخاري، من طريق سالم بن عبد الله، أنه سمع عبد الله بن عمر ﵄ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من جاء منكم الجمعة فليغتسل. ورواه مسلم. وجه الاستدلال: أن قوله ﷺ : (من جاء منكم الجمعة) يؤخذ منه فائدتان: الأولى: أن الغسل مشروع في حق من يحضر الجمعة. الثانية: أنه نص على وجوب الغسل على الرجال، لقوله: (منكم) ولم يقل: (منكن) فسقط وجوب الغسل على النساء. • وأجيب: بأن الأحكام على عمومها للرجال والنساء إلا بدليل، فما ثبت في حق الرجال

стр. 1930

ثبت في حق النساء، وكذلك العكس، وقد قال تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) فكان هذا خطابًا للرجال، وقد دخل فيه النساء، وكذلك قوله: (وَآتُوا الزَّكَاةَ) عام للرجال والنساء، كما أن قوله ﷺ : (من أتى الجمعة فليغتسل) فإن كلمة (من) اسم شرط، وهو من ألفاظ العموم. • دليل من قال: يلزم الغسل لمن تلزمه الجمعة وإن تركها لعذر: قالوا: هذا الرجل المعذور في ترك الجمعة مشروع في حقه أمران، الأول حضور الجمعة، والثاني الغسل لها، فإذا عجز عن أحدهما لم يسقط الآخر. الراجح من أقوال أهل العلم: بعد استعراض أدلة كل قول، أجد أن القول بأن الغسل مشروع في حق من حضر الجمعة من الرجال والنساء البالغين أقوى من حيث الأدلة، والنصوص تفسر بعضها بعضًا، فالأحاديث التي تأمر بالغسل يوم الجمعة، يجب أن تقيد بالأحاديث التي تعلق الأمر بالغسل على شهود الجمعة، وقد نصت على أن الوجوب على كل محتلم، فغير البالغ، ولو حضر ليس مخاطبًا في الغسل، خاصة إذا علمنا أن سبب مشروعية الغسل هو اجتماع الناس، وقد يتضايق بعضهم من بعض بسبب اجتماع الناس، وقد ينبعث من بعضهم بعضُ الروائح التي تؤذي الآخرين، والله أعلم. * * *
следующие страницы →