والنفساء (١).
• دليل من قال: الغسل متعلق بالحضور، ولو لم تلزمه:
الدليل الأول:
(٧٤١ - ٦١) ما رواه البخاري من طريق نافع وسالم فرقهما،
عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل (٢).
فكلمة (أحد) نكرة مضافة، فتعم كل أحد ممن جاء إلى الجمعة، سواءً كان صغيرًا أو كبيرًا، ذكرًا كان أو أنثى، مسافرًا أو غير مسافر، ومن قصر اللفظ على بعض أفراده لزمه دليل على تقييد هذا المطلق.
الدليل الثاني:
(٧٤٢ - ٦٢) ما رواه البخاري من طريق سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي صالح السمان،
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر. ورواه مسلم (٣).
قوله: «من اغتسل ثم راح» فيه فائدتان:
الأولى: أن الغسل قبل الرواح.
стр. 1927
والثانية: أن الرواح سبب في الغسل.
الدليل الثالث:
(٧٤٣ - ٦٣) ما رواه ابن خزيمة من طريق محمد بن رافع، عن زيد بن الحباب، حدثني عثمان بن واقد العمري، حدثني نافع،
عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : من أتى الجمعة من الرجال والنساء فليغتسل، ومن لم يأتها فليس عليه غسل من الرجال والنساء (١).
[ذكر النساء في الحديث غير محفوظ] (٢).
стр. 1928
• دليل من قال: الغسل يلزم كل بالغ حضر الجمعة أو لا:
الدليل الأول:
(٧٤٤ - ٦٤) ما رواه البخاري من طريق صفوان بن سليم، عن عطاء ابن دينار،
عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم (١).
فكلمة (كل) من ألفاظ العموم، فتعم الرجال والنساء، مَنْ حضر الجمعة ومن لم يحضر، حتى الحائض والنفساء.
الدليل الثاني:
(٧٤٥ - ٦٥) ما رواه مسلم من طريق وهيب، حدثنا عبد الله بن طاوس، عن أبيه،
стр. 1929
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: حق لله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام، يغسل رأسه وجسده. ورواه البخاري (١).
وجه الاستدلال:
أنه جعل الغسل في كل سبعة أيام، فكأن هذا توقيت لتنظيف الجسد مرة واحدة من كل أسبوع، حضر الجمعة أو لم يحضر.
وأجابوا عن حديث (من جاء منكم الجمعة فليغتسل) بأن هذا الحديث فيه الأمر بالغسل على من حضر الجمعة، وليس فيه نص على إسقاط الغسل عمن لم يحضر، وفي الأحاديث الأخرى بينت وجوب الغسل على كل مسلم كما في حديث (حق لله على كل مسلم) وفي بعضها: (واجب على كل محتلم) فهذا قدر زائد فيجب الأخذ به.
• دليل من قال: الغسل واجب على الرجال دون النساء:
(٧٤٦ - ٦٦) ما رواه البخاري، من طريق سالم بن عبد الله،
أنه سمع عبد الله بن عمر ﵄ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من جاء منكم الجمعة فليغتسل. ورواه مسلم.
وجه الاستدلال:
أن قوله ﷺ : (من جاء منكم الجمعة) يؤخذ منه فائدتان:
الأولى: أن الغسل مشروع في حق من يحضر الجمعة.
الثانية: أنه نص على وجوب الغسل على الرجال، لقوله: (منكم) ولم يقل: (منكن) فسقط وجوب الغسل على النساء.
• وأجيب:
بأن الأحكام على عمومها للرجال والنساء إلا بدليل، فما ثبت في حق الرجال
стр. 1930
ثبت في حق النساء، وكذلك العكس، وقد قال تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) فكان هذا خطابًا للرجال، وقد دخل فيه النساء، وكذلك قوله: (وَآتُوا الزَّكَاةَ) عام للرجال والنساء، كما أن قوله ﷺ : (من أتى الجمعة فليغتسل) فإن كلمة (من) اسم شرط، وهو من ألفاظ العموم.
• دليل من قال: يلزم الغسل لمن تلزمه الجمعة وإن تركها لعذر:
قالوا: هذا الرجل المعذور في ترك الجمعة مشروع في حقه أمران، الأول حضور الجمعة، والثاني الغسل لها، فإذا عجز عن أحدهما لم يسقط الآخر.
الراجح من أقوال أهل العلم:
بعد استعراض أدلة كل قول، أجد أن القول بأن الغسل مشروع في حق من حضر الجمعة من الرجال والنساء البالغين أقوى من حيث الأدلة، والنصوص تفسر بعضها بعضًا، فالأحاديث التي تأمر بالغسل يوم الجمعة، يجب أن تقيد بالأحاديث التي تعلق الأمر بالغسل على شهود الجمعة، وقد نصت على أن الوجوب على كل محتلم، فغير البالغ، ولو حضر ليس مخاطبًا في الغسل، خاصة إذا علمنا أن سبب مشروعية الغسل هو اجتماع الناس، وقد يتضايق بعضهم من بعض بسبب اجتماع الناس، وقد ينبعث من بعضهم بعضُ الروائح التي تؤذي الآخرين، والله أعلم.
* * *
стр. 1931
الفصل السابع من موجبات الغسل حيض المرأة
[م-٣٢٤] اتفق العلماء على أن الغسل يجب من الحيض، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة، والإجماع.
أما من القرآن: فقوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) [البقرة: ٢٢٢].
وجه الاستدلال:
أن المرأة يلزمها تمكين زوجها من الوطء، ولا يجوز ذلك إلا بالغسل، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
فإن قيل: أين الدلالة من الآية على أنه لا يجوز الوطء إلا بعد الاغتسال؟
فالجواب:
أن الله علق الحكم بجواز إتيان الزوجة بشرطين:
الأول: انقطاع الدم، ويؤخذ من قوله تعالى: (وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) [البقرة: ٢٢٢].
стр. 1932
فقوله: (يَطْهُرْنَ) بالتخفيف. كلمة (طهر) تستعمل فيما لا كسب فيه للإنسان وهو انقطاع دم الحيض.
الشرط الثاني: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ) وكلمة (تطهرن) بالتشديد: أي اغتسلن؛ لأن كلمة (تطهرّ) تستعمل فيما يكتسبه الإنسان بفعله، وهو الاغتسال من الماء.
وقد سبق تحرير هذه المسألة في كتاب الحيض والنفاس من هذه السلسلة.
الدليل من السنة على وجوب الاغتسال:
(٧٤٧ - ٦٧) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أحمد بن أبي رجاء، قال: حدثنا
أبو أسامة، قال: سمعت هشام بن عروة، قال: أخبرني أبي،
عن عائشة ﵂، أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي ﷺ قالت: إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال: لا، إن ذلك عرق ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي (١).
فقوله ﷺ : (ثم اغتسلي وصلي) أمر بالاغتسال، والأصل في الأمر الوجوب.
وأما الدليل من الإجماع:
فقد نقل الإجماع جماعة، منهم الكاساني الحنفي (٢).
وقال النووي: «أجمع العلماء على وجوب الغسل بسبب الحيض، وبسبب النفاس، وممن نقل الإجماع فيهما ابن المنذر، وابن جرير الطبري وآخرون» (٣).
ونقل الإجماع ابن مفلح الحنبلي (٤).
* * *
стр. 1933
مبحث
خلاف العلماء في موجب غسل الحائض
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• الحيض من موجبات الغسل على خلاف: هل يجب الغسل بخروج الدم، أو يجب بانقطاعه، وفيه إشكال: فالطهارة لا توجب الطهارة، أو يجب بخروج الدم، وانقطاعه، وإرادة الصلاة؟
[م-٣٢٥] اختلف العلماء في الموجب للغسل:
فقيل: الموجب للغسل خروج الدم.
اختاره بعض الحنفية (١)، وقول العراقيين من الشافعية (٢).
وقيل: الموجب انقطاع دم الحيض.
стр. 1934
اختاره بعض الحنفية (١)، وأبو حامد من الشافعية (٢)، وهو مفهوم كلام الخرقي (٣).
وقيل: الموجب للغسل خروج الدم، لكن الانقطاع شرط لصحته. وهو مذهب المالكية (٤)، والحنابلة (٥).
وقيل: الموجب للغسل إرادة القيام إلى الصلاة.
اختاره بعض الحنفية (٦)، وهو وجه في مذهب الشافعية (٧).
وقيل: الغسل يجب بمجموع خروج الدم وانقطاعه والقيام إلى الصلاة. وهو وجه في مذهب الشافعية (٨).
وقد ذكرنا أدلة هذه المسألة في الطهارة من الحيض النفاس فارجع إليه إن شئت، والحمد لله.
* * *
стр. 1935
الفصل الثامن من موجبات الغسل النفاس
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• النفاس كحيض، فيما يوجب، ومنه الغسل.
• موجب الغسل في النفاس نزول الدم، لا خروج الولد، فلو ولدت بلا دم لم يجب عليها الغسل.
[م-٣٢٦] يجب على النفساء الاغتسال إذا طهرت.
قال ابن المنذر: «أجمع أهل العلم لا اختلاف بينهم أن على النفساء الاغتسال عند خروجها من النفاس» (١).
وقال ابن حزم: «ودم النفاس يمنع ما يمنع منه دم الحيض، هذا لا خلاف فيه من أحد .... وكذلك الغسل منه واجب بإجماع» (٢).
стр. 1936
وقال صاحب المجموع، وصاحب نيل المآرب يزيد بعضهم على بعض، قالا: والنفاس كحيض، فيما يجب: كغسل، وقضاء صوم، وكفارة بوطء فيه.
وفيما يحرم: كصلاة وصوم ووطء في فرج، وطلاق.
وفيما يسقط: كقضاء الصلاة، وطواف الوداع.
وفيما يحل: كاستمتاع بما دون فرج.
وفيما يمنع صحة الصلاة، والصوم، والطواف، والاعتكاف، والغسل (١).
وقد تم الاستدلال على ذلك في مجلد الطهارة الحيض والنفاس، في فصل: الأحكام المترتبة على النفاس، فارجع إليه إن شئت، والله أعلم.
* * *
стр. 1937
الباب الثاني في الأغسال المستحبة
الفصل الأول الغسل للإحرام
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• الاغتسال للإحرام معقول المعنى، لم يكن سببه حدثًا، ولا خبثًا، وإنما شرع طلبًا للنظافة، ولهذا أمرت به أسماء بنت عميس، وهي نفساء، وأمرت به عائشة، وهي حائض.
[م-٣٢٧] يسن لمن أراد أن يحرم بالحج أو بالعمرة أن يغتسل لإحرامه، ذكرًا كان أو أنثى، صغيرًا كان أو كبيرًا، حتى الحائض والنفساء، وهذا مذهب الأئمة (١).
стр. 1938
وقيل: يجب الغسل على النفساء إذا أرادت الإحرام، وعلى المرأة إذا أهلت بعمرة ثم حاضت، ثم أرادت أن تهل بالحج ففرض عليها الغسل أيضًا، وهذا مذهب ابن حزم ﵀ (١).
وقيل: يجب الغسل على كل من أراد أن يهل، طاهرًا كان أو غير طاهر، قال ابن عبد البر: وبه قال: أهل الظاهر (٢).
• دليل من قال: الغسل للإحرام مسنون:
الدليل الأول:
(٧٤٨ - ٦٨) ما رواه البزار، قال: حدثنا الفضل بن يعقوب الجزري، ثنا سهل ابن يوسف، ثنا حميد، عن بكر،
عن ابن عمر، قال: من السنة أن يغتسل الرجل إذا أراد أن يحرم.
قال البزار: لا نعلمه عن ابن عمر من وجه أحسن من هذا (٣).
[رجاله ثقات] (٤).
وقد روى مالك، عن نافع، عن ابن عمر من فعله موقوفًا عليه، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
стр. 1939
الدليل الثاني:
(٧٤٩ - ٦٩) ما رواه الترمذي، قال: حدثنا عبد الله بن أبي زياد، حدثنا عبد الله ابن يعقوب المدني، عن ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن خارجة بن زيد بن ثابت،
عن أبيه، أنه رأى النبي ﷺ تجرد لإهلاله واغتسل.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب (١).
[تفرد به عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه] (٢).
стр. 1940
الدليل الثالث:
(٧٥٠ - ٧٠) ما رواه الطبراني من طريق عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، قال: أخبرنا خالد بن إلياس، عن صالح بن أبي حسان، عن عبد الملك بن مروان،
عن عائشة، أن النبي ﷺ كان إذا خرج إلى مكة اغتسل حين يريد أن يحرم.
قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عبد الملك بن مروان إلا صالح بن
أبي حسان، ولا عن صالح إلا خالد بن إلياس، تفرد به عبيد الله بن عبد المجيد (١).
[ضعيف جدًّا] (٢).
الدليل الرابع:
(٧٥١ - ٧١) ما رواه الدارقطني والحاكم في المستدرك من طريق يعقوب بن عطاء، عن أبيه،
عن ابن عباس ﵄ قال: اغتسل رسول الله ﷺ ثم لبس ثيابه، فلما أتى ذا الحليفة صلى ركعتين، ثم قعد على بعيره، فلما استوى على البيداء أحرم بالحج (٣).
[ضعيف] (٤).
стр. 1941
الدليل الخامس:
أصح ما ورد في الاغتسال للإحرام، كون الرسول ﷺ أمر به أسماء بنت عميس، وهي نفساء، وأمر به عائشة، وهي حائض، واغتسال مثلهما لم يكن لرفع حدث، وإنما قصد به النظافة، فغيرهما ممن يصلي مع المسلمين أولى بالأمر بالغسل، والله أعلم.
(٧٥٢ - ٧٢) فقد روى مسلم من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر ﵁ في صفة حج الرسول ﷺ ، وفيه:
ولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ ، كيف أصنع؟ قال: اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي .. الحديث (١).
وقوله: (استثفري) دليل على أن الدم ما زال ينزل منها.
(٧٥٣ - ٧٣) وروى مسلم من طريق الليث، عن أبي الزبير،
عن جابر ﵁ أنه قال في حديث طويل وفيه: دخل رسول الله ﷺ على عائشة ﵂، فوجدها تبكي، فقال: ما شأنك؟ قالت: شأني أني قد حضت، وقد حل الناس، ولم أحلل، ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن، فقال: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاغتسلي ثم أهلي بالحج ... الحديث (٢).
الدليل السادس:
الإجماع، فقد حكى الإجماع بعض أهل العلم على استحباب الغسل للإحرام.
стр. 1942
قال النووي: «اتفق العلماء على أنه يستحب الغسل عند إرادة الإحرام بحج أو عمرة أو بهما» (١).
(٧٥٤ - ٧٤) ومن الآثار: ما رواه مالك، عن نافع،
أن عبد الله بن عمر كان يغتسل لإحرامه قبل أن يحرم، ولدخوله مكة، ولوقوفه عشية عرفة (٢).
[إسناده في غاية الصحة].
• دليل ابن حزم على وجوب الغسل إذا خشيت فوات الحج:
(٧٥٥ - ٧٥) ما رواه مسلم من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر ﵁ في صفة حج الرسول ﷺ ، وفيه:
ولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ ، كيف أصنع؟ قال: اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي .. الحديث (٣).
وقوله: (اغتسلي) أمر، والأصل في الأمر الوجوب إلا لصارف، ولا صارف هنا.
(٧٥٦ - ٧٦) وروى مسلم من طريق الليث، عن أبي الزبير،
عن جابر ﵁ أنه قال في حديث طويل وفيه: دخل رسول الله ﷺ على عائشة ﵂ فوجدها تبكي، فقال: ما شأنك، قالت: شأني أني قد حضت، وقد حل الناس، ولم أحلل، ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن، فقال: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاغتسلي ثم أهلي بالحج ... الحديث (٤).
стр. 1943
وجه الاستدلال:
كالاستدلال بالحديث الذي قبله حيث أمرها بالغسل، والأصل في الأمر الوجوب.
ويُجاب من وجهين:
الوجه الأول:
أن هذا الأمر وقع جوابًا من السائل، وما وقع جوابًا يكون الأمر فيه للإرشاد إن كان من الأمور المباحة، ومن المندوبات إن كان من أمور العبادات، كما هنا، ومثله حين قالوا للنبي ﷺ علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا، فقال ﷺ : قولوا: اللهم صل على محمد ... الحديث، فقوله (قولوا) جاء جوابًا على استفهما.
الجواب الثاني:
إذا كان الغسل في حق المرأة الطاهرة وكذلك في حق الرجل ليس واجبًا بالإجماع، فكيف يكون واجبًا في حق المرأة النفساء والحائض، خاصة أن الغسل لن يمكنها من الطواف، ولن يمنع نزول الدم، والله أعلم.
قال ابن المنذر في الأشراف: «أجمع عوام أهل العلم على أن الإحرام بغير غسل جائز، قال: وأجمعوا على أن الغسل للإحرام ليس بواجب إلا ما روي عن الحسن البصري أنه قال: إذا نسي الغسل يغتسل إذا ذكره» (١).
قلت: هذه العبارة من الحسن البصري لا تدل على وجوب الغسل؛ لأن الغسل المراد به التنظيف، فإذا نسيه فقد تركه لعذر، فيقضيه، كما تقضى السنن الرواتب إذا تركها المرء لعذر، والله أعلم.
стр. 1944
• دليل من قال: الغسل للإحرام واجب:
ربما استدل بأمره ﷺ للنفساء والحائض بالغسل، فإذا أمرن به، فالأصل في الأمر الوجوب، وإذا كان واجبًا في حق النفساء والحائض كان واجبًا في حق الطاهر من باب أولى.
والراجح: القول بالاستحباب، فإنه أقوى دليلًا، ولورود النقاش على أدلة من قال بالوجوب.
* * *
стр. 1945
الفصل الثاني الغسل لدخول مكة
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• الاغتسال لدخول مكة اغتسال من أجل الطواف، لا من أجل دخول الحرم، ولهذا لا تؤمر به الحائض ولا النفساء.
[م-٣٢٨] من الأغسال المسنونة الغسل عند دخول الحرم، وقبل الطواف، وهو مذهب الأئمة.
وهل الغسل لدخول الحرم، أو من أجل الطواف بحيث لا يشرع الغسل للحائض والنفساء؟ قولان.
فقيل: لدخول الحرم، فيشرع الغسل للجميع حتى الحائض والنفساء، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة (١).
стр. 1946
وقيل: بل من أجل الطواف، فلا يشرع الغسل للحائض والنفساء، وهو مذهب المالكية (١)، ورجحه ابن تيمية ﵀ (٢).
• الدليل على مشروعية الغسل لدخول مكة:
(٧٥٧ - ٧٧) ما رواه البخاري من طريق أيوب، عن نافع، قال:
كان ابن عمر ﵄ إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية، ثم يبيت بذي طوى، ثم يصلي به الصبح ويغتسل، ويحدث أن نبي الله ﷺ كان يفعل ذلك (٣).
(٧٥٨ - ٧٨) وفي رواية لمسلم: أن ابن عمر كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى حتى يصبح، ويغتسل، ثم يدخل مكة نهارًا، ويذكر عن النبي ﷺ أنه فعله (٤).
والذي يظهر أن الغسل كان للطواف، ولو كان الغسل لدخول الحرم لكان الغسل مشروعًا قبيل دخول الحرم، أو بعد دخوله مباشرة، أما كونه يغتسل بعد دخول الحرم، والمبيت بذي طوى، فيكون الغسل ظاهرًا أنه من أجل الطواف، ولم ينقل عنه ﷺ أنه أمر النفساء والحائض بالغسل عند دخول الحرم، كما أمر أسماء بنت عميس بالغسل عند الإحرام، ولو أمرهن لنقل وحفظ؛ لأنه من شريعة الله التي تعهد الله بحفظها، فلما لم ينقل علم أنه غير مشروع، والله أعلم.
ثم القياس على الجمعة، فكما أن الغسل مشروع يوم الجمعة للصلاة من أجل اجتماع الناس، فكذلك الغسل مشروع للطواف من أجل ازدحام الطائفين، لئلا يتأذى الناس والملائكة بسبب الروائح المنبعثة، والله أعلم.
* * *
стр. 1947
الفصل الثالث الاغتسال من زوال العقل
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• لا يجب الغسل على المغمى عليه إلا أن يجنب.
• اغتسل النبي ﷺ حين أغمي عليه، وهل كان ذلك بسبب الإغماء، أو فعله حين ثقلت عليه الصلاة فأراد منه النشاط والقوة للعبادة؟ الراجح الثاني.
• لو كان الاغتسال بسبب الإغماء لحفظ الفعل عن الصحابة.
[م-٣٢٩] إذا أفاق المجنون أو المغمى عليه، فيشرع في حقه الغسل، ولا يجب عليه، نص عليه كثير من العلماء (١).
стр. 1948
وقيل: يجب الغسل، وهو قول في مذهب الحنابلة (١)، وحكاه الرافعي من الشافعية وجهًا (٢).
وقيل: لا يشرع الغسل، وهو مذهب مالك، وحمل بعضهم غسل النبي ﷺ في مرض موته حين أغمي عليه، ليقوى على الخروج، وهو اختيار ابن حزم (٣).
• دليل من قال بأن الغسل سنة:
(٧٥٩ - ٧٩) ما رواه البخاري من طريق موسى بن أبي عائشة،
عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: دخلت على عائشة، فقلت: ألا تحدثيني عن مرض رسول الله ﷺ . قالت: بلى، ثقل النبي ﷺ فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك. قال: ضعوا لي ماء في المخضب، قالت: ففعلنا، فاغتسل، فذهب لينوء، فأغمي عليه، ثم أفاق، فقال ﷺ : أصلى الناس؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله. قال: ضعوا لي ماء في المخضب، قالت: فقعد فاغتسل، ثم ذهب لينوء، فأغمي عليه، ثم أفاق، فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، فقال: ضعوا لي ماء في المخضب، فقعد، فاغتسل، ثم ذهب لينوء، فأغمي عليه، ثم أفاق، فقال: أصلى الناس؟ فقلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، والناس عكوف في المسجد
стр. 1949
ينتظرون النبي ﵇ لصلاة العشاء الآخرة، فأرسل النبي ﷺ إلى أبي بكر بأن يصلي بالناس ... الحديث (١).
قال النووي: قوله ﷺ : «ضعوا لي ماء في المخضب، ففعلنا، فاغتسل» دليل الاستحباب بالغسل من الإغماء، وإذا تكرر الإغماء استحب تكرار الغسل لكل مرة، فإن لم يغتسل إلا بعد الإغماء مرات كفى غسل واحد، وقد حمل القاضي عياض الغسل هنا على الوضوء، ولكن الصواب أن المراد غسل جميع البدن، فإنه ظاهر اللفظ، ولا مانع يمنع منه، فإن الغسل مستحب من الإغماء، بل قال بعض أصحابنا: إنه واجب، وهذا شاذ، ضعيف (٢).
وإذا كان هذا الغسل في حق المغمى عليه، فالمجنون من باب أولى؛ لأنه أشد.
• دليل من قال: لا يشرع الغسل:
ذكر إن حديث عائشة السابق ليس فيه دليل على أن الغسل كان بسبب الإغماء، وإنما الغسل كان من أجل الحاجة لكي يتقوى للخروج إلى الصلاة بالمسلمين؛ لأنه لم يطلب الماء للغسل إلا حين قيل له: الناس عكوف في المسجد، ينتظرونك للصلاة، فلو كانت الصلاة في بيته لم يغتسل من أجل الإغماء، وفرق بين الغسل من أجل النشاط والقوة، وبين الغسل من أجل الإغماء.
وهذا أجود من حمل القاضي عياض، بأن المراد بالغسل الوضوء؛ لأنه خلاف ظاهر اللفظ.
стр. 1950
• دليل من قال: الغسل واجب:
قال إن الجنون سبب في نزول المني غالبًا، ويلحق به المغمى عليه، فما كان مظنة للحدث نزل منزلة الحدث كالنوم.
• ويُجاب:
بأن الريح من النائم ليس لها أمارة يعرف بها خروج الحدث، فنزل النوم منزلة الحدث، بخلاف نزول المني فإن له أمارة وأثرًا على البدن والثوب، ولذلك لا يجب الغسل من النوم مع أن فيه زوال العقل؛ لأن موجب الغسل له أمارة تدل عليه، بخلاف نقض الوضوء بالريح، والله أعلم.
• الراجح من الخلاف:
الراجح والله أعلم أن المغمى عليه إذا هم بفعل الصلاة، فوجد ثقلًا في بدنه، فإنه يستحب له الغسل ليصلي بقوة ونشاط، فإن كان لا يريد الصلاة، فلا يستحب له الغسل، والله أعلم.
* * *
стр. 1951
الفصل الرابع الغسل للعيدين
• استحباب الغسل يوم العيد يتنازعه معنيان:
أحدهما: أن النبي ﷺ لم يفعله ولم يأمر به، مع تكرره في عهده ﷺ ، ولو فعله أو أمر به، لنقل إلينا برواية الثقات العدول، فلما لم ينقل ذلك علم أن هذا الأمر ليس مشروعًا، وكان ذلك بمثابة نقل عدم الفعل منه ﷺ ، والترك من النبي ﷺ كالفعل.
• المعنى الثاني: أن الغسل قد ثبت عن علي بن أبي طالب، وعن ابن عمر ﵃، خاصة أن ما ورد عن علي بن أبي طالب كان قوليًا، وهو أبلغ من الفعل، وهو إمام راشد، وله سنة متبعة.
• غسل الجمعة معقول المعنى، وهو أنه شرع من أجل اجتماع الناس وهذا المعنى موجود في العيد، بل إن اجتماع الناس في العيد، أكبر منه في الجمعة، والله أعلم، فكان القياس يقتضيه.
[م-٣٣٠] اختلف العلماء في غسل العيدين،
стр. 1952
فقيل: يشرع الغسل للعيدين، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
وقيل: لا يشرع الغسل (٥).
• دليل مشروعية الغسل للعيدين:
الدليل الأول:
(٧٦٠ - ٨٠) ما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، قال: أخبرني من لا أتهم،
عن أصحاب النبي ﷺ ، أنهم سمعوا رسول الله ﷺ في يوم جمعة من الجمع، وهو على المنبر يقول: يا معشر المسلمين، إن هذا يوم جعله الله عيدًا للمسلمين، فاغتسلوا فيه من الماء، ومن كان عنده طيب أن يمس منه، وعليكم بهذا السواك (٦).
[ضعيف لإبهام في إسناده] (٧).
وجه الاستدلال:
قوله: (جعله الله عيدًا للمسلمين فاغتسلوا فيه) فعلل الأمر بالاغتسال يوم الجمعة لكونه عيدًا، فكذلك كل عيد للمسلمين يكون مشروعًا الاغتسال فيه، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(٧٦١ - ٨١) ما رواه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند من طريق يوسف بن خالد، قال حدثنا أبو جعفر الخطمي، عن عبدالرحمن بن عقبة بن الفاكه،
عن جده الفاكه بن سعد، وكانت له صحبة، أن رسول الله ﷺ كان يغتسل يوم الجمعة، ويوم عرفة، ويوم الفطر، ويوم النحر قال: وكان الفاكه ابن سعد يأمر أهله بالغسل في هذه الأيام (١).
[موضوع] (٢).
стр. 1955
الدليل الثالث:
(٧٦٢ - ٨٢) ما رواه ابن ماجه، قال: حدثنا جبارة بن المغلس، حدثنا حجاج بن تميم، عن ميمون بن مهران،
عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يغتسل يوم الفطر، ويوم الأضحى (١).
[ضعيف جدًّا] (٢).
стр. 1956
الدليل الرابع:
(٧٦٣ - ٨٣) ما رواه الطبراني من طريق نصر بن حماد، قال: أخبرنا أيوب
ابن خوط، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : من صام رمضان، وغدا بغسل إلى المصلى، وختمه بصدقة، رجع مغفورًا له (١).
قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن قتادة إلا أيوب بن خوط، تفرد به نصر بن حماد.
[ضعيف جدًّا] (٢).
الدليل الخامس:
(٧٦٤ - ٨٤) ما رواه البزار، قال: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا عبد العزيز، حدثنا مندل، عن محمد بن عبيد الله، عن أبيه،
عن جده، أن النبي ﷺ اغتسل للعيدين (٣).
стр. 1957
[ضعيف جدًّا] (١).
الدليل السادس:
(٧٦٥ - ٨٥) ما رواه مالك في الموطأ، عن نافع،
عن ابن عمر ﵁ أنه كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو إلى المصلى (٢).
[إسناده في غاية الصحة، وهو موقوف].
الدليل السابع:
(٧٦٦ - ٨٦) ما رواه الشافعي، قال: أخبرنا ابن علية، عن شعبة، عن عمرو ابن مرة،
стр. 1958
عن زاذان، قال: سأل رجل عليًّا ﵁ عن الغسل؟ فقال: اغتسل كل يوم إن شئت، فقال: الغسل الذي هو الغسل؟ قال: يوم الجمعة، ويوم عرفة، ويوم النحر، ويوم الفطر (١).
[صحيح].
فينبغي أن يكون الاستدلال على مشروعية الاغتسال في يوم العيد على فعل
ابن عمر وعلي بن أبي طالب ﵄؛ لأن فعل الصحابي حجة فيما لم يُخَالَف فيه، ولم يُخَالِف نصًا صريحًا مرفوعًا.
الدليل الثامن:
القياس على غسل الجمعة، بجامع أن كلًا منهما عيد للمسلمين، ويجتمع فيه الناس، فيستحب فيه أن يكون المسلم في كامل زينته، ومنها الاغتسال والطيب وغيرهما.
• دليل من قال: غسل العيدين ليس مشروعًا:
هذا القول رأى أن العبادات توقيفية، ولا يتعبد الله إلا بما شرع لهم، ولا يوجد دليل صحيح مرفوع يأمر بالغسل يوم العيد، (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً) [مريم: ٦٤].
وقد قال البزار: لا أحفظ في الاغتسال في العيدين حديثًا صحيحًا (٢).
• ويُجاب عنه:
كونه لم يثبت عن النبي ﷺ حديث مرفوع، فهذا مسلم، ولكن قد فعله السلف،
стр. 1959
ومنهم علي بن أبي طالب، وهو خليفة راشد، وله سنة متبعة، كما فعله ابن عمر، وهو من أحرص الناس على السنة، فكل هذا يدل على أن استحباب الغسل للعيدين له أصل، والله أعلم.
• الراجح من الخلاف:
استحباب الغسل يوم العيد يتنازعه عندي معنيان،
فعدم ثبوت اغتسال النبي ﷺ للعيد، وعدم ثبوت الأمر به من لدن النبي ﷺ ، والعيد يتكرر في عهده ﷺ ، ولو فعله أو أمر به، لنقل إلينا برواية الثقات العدول، فلما لم ينقل ذلك علم أن هذا الأمر ليس مشروعًا، وكان ذلك بمثابة نقل عدم الفعل منه ﷺ .
وينازع ذلك أن الغسل قد ثبت عن علي بن أبي طالب، وعن ابن عمر ﵃، خاصة أن ما ورد عن علي بن أبي طالب كان قوليًا، وهو أبلغ من الفعل، وهو إمام راشد، له سنة متبعة، والمعنى الذي من أجله شرع الغسل يوم الجمعة، وهو اجتماع الناس موجود في العيد، بل هو في العيد أكبر اجتماعًا من الجمعة، ومطلوب في العيد أن يكون الإنسان على هيئة حسنة، ومنها الاغتسال، فيكون الغسل لهذا المعنى مستحبًا، وهذا ما أميل إليه، والله أعلم.
* * *
стр. 1960
المبحث الأول في وقت الاغتسال للعيد
[م-٣٣١] بحثنا في المسألة السابقة استحباب الاغتسال للعيدين، واختلفوا في وقت الاغتسال،
فقيل: وقته بعد صلاة الفجر، فإن فعله قبل طلوع الصبح لم يصب سنة الاغتسال، نص عليه خليل في مختصره (١)، وهو مذهب الحنابلة (٢).
وقيل: يجوز فعله قبل الفجر، وهو مذهب المالكية (٣)، والشافعية (٤)، والمنصوص عن أحمد (٥)، إلا أنهم اختلفوا في أي جزء من الليل يصح فعله،
стр. 1961
فقيل: يصح في أي جزء من الليل، وهو أحد الوجوه في مذهب الشافعية (١).
وقيل: يختص في النصف الثاني من الليل، وهو وجه في مذهب الشافعية أيضًا (٢).
وقيل: يصح فعله عند السحر، وهو قول في مذهب المالكية (٣)، ووجه ثالث في مذهب الشافعية (٤).
• دليل من قال: يجوز بأي ساعة من الليل:
قال: لأن وقت الاغتسال ضيق، والناس يقدمون إلى الصلاة من مكان بعيد، فلو اشتغلوا بالاغتسال بعد صلاة الفجر ربما فاتتهم الصلاة.
• دليل من قال: الغسل بعد طلوع الصبح:
قال: إن اليوم يبدأ من طلوع الصبح كما في الصيام، فإذا اغتسل قبل دخول وقته لم يصب السنة، شأنه شأن العبادات المؤقتة بوقت، لا تصح قبل أو بعد وقتها.
والحق أن اليوم إذا أطلق دخل فيه الليل والنهار، ويدخل من غروب الشمس إلى غروبها من الغد، وقد ذكرنا دليل ذلك في غسل الجمعة.
* * *
стр. 1962
المبحث الثاني غسل العيد لليوم أو للصلاة
[م-٣٣٢] كما اختلف العلماء هل اغتسال العيد من أجل الصلاة، فيفوت وقته بفواتها، أو من أجل اليوم، فيغتسل ولو بعد الصلاة، ولو لم يحضر الصلاة مع المسلمين؟
فقيل: إنه لليوم؛ لأنه يوم زينة وفرح واجتماع، فلا يفوت فعله بفوات الصلاة، وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢).
وقيل: إن الاغتسال للصلاة، فيفوت بفوات الصلاة، وهو مذهب الحنابلة (٣).
لأن الصلاة هي الاجتماع الكبير في ذلك اليوم، فشرع لإذهاب الروائح الكريهة، وحتى لا يتأذّى الناس بعضهم من بعض.
ولا شك أن من فعله للصلاة فقد أحسن، ولكن لو لم يفعله للصلاة، هل يقال: خرج وقته، ولا تفعله لليوم، مع أن في هذا اليوم يشرع اتخاذ الزينة من لبس الثياب الحسنة، والتطيب وغير ذلك؟ مع أن هناك اجتماعًا آخر وإن كان أصغر من اجتماع
стр. 1963
الصلاة، وذلك أن الأقارب يجتمعون في ذلك اليوم بعد الصلاة، يصل بعضهم بعضًا، فمن هذا المعنى يكون مذهب الحنابلة قولًا مرجوحًا، والله أعلم.
* * *
стр. 1964
الفصل الخامس
الغسل يوم عرفة
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• الأصل عدم استحباب الغسل ليوم عرفة، وقد بين النبي ﷺ أحكام المناسك ولم ينقل عن النبي ﷺ أنه اغتسل لعرفة.
• ترك النبي ﷺ لشيء مع إمكان فعله تشريع للأمة كفعله الشيء، فالترك والفعل كلاهما سنة.
• الغسل لعرفة ليس بدعة، وقد ثبت عن علي بن أبي طالب، ﵁، وهو إمام راشد، وله سنة متبعة.
• غسل الجمعة معقول المعنى، وهو أنه شرع من أجل اجتماع الناس وهذا المعنى موجود في عرفة، بل إن اجتماع الناس في عرفة، أكبر منه في الجمعة، والله أعلم، فكان القياس يقتضيه.
[م-٣٣٣] استحب الفقهاء الغسل يوم عرفة، وهو مذهب الحنفية، والمالكية،
стр. 1965
والشافعية، والحنابلة (١).
وقيل: لا يستحب الغسل ليوم عرفة، وهو اختيار ابن تيمية ﵀ (٢).
• دليل من قال: يستحب الغسل:
الدليل الأول:
(٧٦٧ - ٨٧) ما رواه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند، من طريق يوسف بن خالد، قال حدثنا أبو جعفر الخطمي، عن عبدالرحمن بن عقبة بن الفاكه،
عن جده الفاكه بن سعد وكانت له صحبة، أن رسول الله ﷺ كان يغتسل يوم