← Фикх общий

Фикх общий · id 157

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 3

دبيان الدبيان

Полный текст (5 371 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

فقيل: يصح في أي جزء من الليل، وهو أحد الوجوه في مذهب الشافعية (١). وقيل: يختص في النصف الثاني من الليل، وهو وجه في مذهب الشافعية أيضًا (٢). وقيل: يصح فعله عند السحر، وهو قول في مذهب المالكية (٣)، ووجه ثالث في مذهب الشافعية (٤). • دليل من قال: يجوز بأي ساعة من الليل: قال: لأن وقت الاغتسال ضيق، والناس يقدمون إلى الصلاة من مكان بعيد، فلو اشتغلوا بالاغتسال بعد صلاة الفجر ربما فاتتهم الصلاة. • دليل من قال: الغسل بعد طلوع الصبح: قال: إن اليوم يبدأ من طلوع الصبح كما في الصيام، فإذا اغتسل قبل دخول وقته لم يصب السنة، شأنه شأن العبادات المؤقتة بوقت، لا تصح قبل أو بعد وقتها. والحق أن اليوم إذا أطلق دخل فيه الليل والنهار، ويدخل من غروب الشمس إلى غروبها من الغد، وقد ذكرنا دليل ذلك في غسل الجمعة. * * *

стр. 1962

المبحث الثاني غسل العيد لليوم أو للصلاة [م-٣٣٢] كما اختلف العلماء هل اغتسال العيد من أجل الصلاة، فيفوت وقته بفواتها، أو من أجل اليوم، فيغتسل ولو بعد الصلاة، ولو لم يحضر الصلاة مع المسلمين؟ فقيل: إنه لليوم؛ لأنه يوم زينة وفرح واجتماع، فلا يفوت فعله بفوات الصلاة، وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢). وقيل: إن الاغتسال للصلاة، فيفوت بفوات الصلاة، وهو مذهب الحنابلة (٣). لأن الصلاة هي الاجتماع الكبير في ذلك اليوم، فشرع لإذهاب الروائح الكريهة، وحتى لا يتأذّى الناس بعضهم من بعض. ولا شك أن من فعله للصلاة فقد أحسن، ولكن لو لم يفعله للصلاة، هل يقال: خرج وقته، ولا تفعله لليوم، مع أن في هذا اليوم يشرع اتخاذ الزينة من لبس الثياب الحسنة، والتطيب وغير ذلك؟ مع أن هناك اجتماعًا آخر وإن كان أصغر من اجتماع

стр. 1963

الصلاة، وذلك أن الأقارب يجتمعون في ذلك اليوم بعد الصلاة، يصل بعضهم بعضًا، فمن هذا المعنى يكون مذهب الحنابلة قولًا مرجوحًا، والله أعلم. * * *

стр. 1964

الفصل الخامس الغسل يوم عرفة مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • الأصل عدم استحباب الغسل ليوم عرفة، وقد بين النبي ﷺ أحكام المناسك ولم ينقل عن النبي ﷺ أنه اغتسل لعرفة. • ترك النبي ﷺ لشيء مع إمكان فعله تشريع للأمة كفعله الشيء، فالترك والفعل كلاهما سنة. • الغسل لعرفة ليس بدعة، وقد ثبت عن علي بن أبي طالب، ﵁، وهو إمام راشد، وله سنة متبعة. • غسل الجمعة معقول المعنى، وهو أنه شرع من أجل اجتماع الناس وهذا المعنى موجود في عرفة، بل إن اجتماع الناس في عرفة، أكبر منه في الجمعة، والله أعلم، فكان القياس يقتضيه. [م-٣٣٣] استحب الفقهاء الغسل يوم عرفة، وهو مذهب الحنفية، والمالكية،

стр. 1965

والشافعية، والحنابلة (١). وقيل: لا يستحب الغسل ليوم عرفة، وهو اختيار ابن تيمية ﵀ (٢). • دليل من قال: يستحب الغسل: الدليل الأول: (٧٦٧ - ٨٧) ما رواه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند، من طريق يوسف بن خالد، قال حدثنا أبو جعفر الخطمي، عن عبدالرحمن بن عقبة بن الفاكه، عن جده الفاكه بن سعد وكانت له صحبة، أن رسول الله ﷺ كان يغتسل يوم

стр. 1966

الجمعة، ويوم عرفة، ويوم الفطر، ويوم النحر قال: وكان الفاكه ابن سعد يأمر أهله بالغسل في هذه الأيام (١). [موضوع] (٢). الدليل الثاني: (٧٦٨ - ٨٨) ما رواه مالك، عن نافع، أن عبد الله بن عمر كان يغتسل لإحرامه قبل أن يحرم، ولدخوله مكة، ولوقوفه عشية عرفة (٣). [صحيح] الدليل الثاني: (٧٦٩ - ٨٩) ما رواه الشافعي، قال: أخبرنا ابن علية، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن زاذان، قال: سأل رجل عليًّا ﵁ عن الغسل؟ فقال: اغتسل كل يوم إن شئت، فقال: الغسل الذي هو الغسل؟ قال: يوم الجمعة، ويوم عرفة، ويوم النحر، ويوم الفطر (٤). [صحيح]. • دليل من قال: لا يستحب الغسل: إذا ثبت هذا القول، فإنه يمكن أن يستدل له، بأن النسك قد تولى رسول الله ﷺ بيانه للأمة، مناديًا: (خذوا عني مناسككم) ولم ينقل عن النبي ﷺ أنه اغتسل لعرفة،

стр. 1967

ولو اغتسل لحفظه الصحابة رضوان الله عليهم، وترك النبي ﷺ لشيء مع إمكان فعله تشريع للأمة كفعله الشيء، فالترك والفعل كلاهما سنة، فلا يستحب الاغتسال لعرفة من أجل عرفة، أما لو اغتسل لوجود سبب يقتضي ذلك كوجود روائح كريهة في بدنه، فهذا لا مانع منه، فهو سبب آخر لا علاقة له بعرفة. • والراجح: استحباب الغسل لعرفة، خاصة أنه ثبت عن علي بن أبي طالب ﵁، وهو خليفة راشد، وثبت عن ابن عمر وهو صحابي جليل، فهذا كاف في الاستدلال على مشروعية الاغتسال، خاصة أن الثابت عن علي ﵁ ليس مجرد الفعل الذي قد يدخله احتمال أن يكون هناك سبب يقتضي الغسل من درن ونحوه، وإنما هو نص قولي يذكر فيه الأغسال المستحبة، فذكر منها يوم عرفة. * * *

стр. 1968

الفصل السادس في الاغتسال للوقوف بمزدلفة مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • الأصل عدم الاستحباب حتى يثبت دليل صحيح صريح باستحباب الاغتسال للوقوف بمزدلفة. • الاستحباب حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل. • كل شيء وجد سببه في عهد النبي ﷺ ، ولم يفعله، ولم يمنع من فعله مانع فليس بمشروع. [م-٣٣٤] استحب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، الاغتسال لمزدلفة.

стр. 1969

وقيل: لا يستحب، وهو اختيار ابن تيمية (١). • دليل من قال بالاستحباب: ربما استدل له بأنه مكان يجتمع فيه الناس، فكان الغسل مشروعًا قياسًا على غسل الجمعة. • دليل من قال: لا يستحب: قال ابن تيمية: لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه في الحج إلا ثلاثة أغسال: غسل الإحرام، والغسل عند دخول مكة، والغسل يوم عرفة، وما سوى ذلك كالغسل لرمي الجمار، وللطواف، والمبيت بمزدلفة، فلا أصل له عن النبي ﷺ ، ولا عن أصحابه، ولا استحبه جمهور الأئمة: لا مالك ولا أبو حنيفة ولا أحمد، وإن كان قد ذكره طائفة من متأخري أصحابه ... إلخ كلامه ﵀ (٢). وهذا القول هو الراجح من أقوال أهل العلم، والله أعلم. * * *

стр. 1970

الفصل السابع في الاغتسال لرمي الجمار مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • الأصل عدم الاستحباب حتى يثبت دليل صحيح صريح باستحباب الاغتسال لرمي الجمار. • الاستحباب حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل. • كل شيء وجد سببه في عهد النبي ﷺ ، ولم يمنع من فعله مانع، وتركه النبي ﷺ فإنه ليس بمشروع. [م-٣٣٥] استحب الحنفية (١)، والشافعية (٢) والحنابلة (٣) الغسل لرمي الجمار. وقيل: لا يستحب، اختاره ابن تيمية (٤).

стр. 1971

• دليل المشروعية: قالوا: إن هذه المواضع يجتمع لها الناس، فيستحب الاغتسال لها كالجمعة. • وتعقب هذا: بأن هذا التعليل هو الذي جعل الشافعية يقولون بأنه لا يغتسل لرمي جمرة العقبة؛ لأن وقت الرمي من نصف الليل إلى آخر النهار، فلا يجتمع لها الناس في وقت واحد، ولأنه اغتسل للوقوف بالمشعر الحرام، وهو يرمي جمرة العقبة بعده بساعة، فأثر الغسل باق، فلا حاجة إلى إعادته (١). • دليل من قال: لا يستحب: أن هذه العبادة لو كانت مستحبة لفعلها الرسول ﷺ ، أو أرشد إليها من قوله، فلما لم يفعلها مع إمكان الفعل علم أن الترك هو السنة، وكما ذكرت سابقًا أن الترك سنة كالفعل، فما تركه المصطفى فالسنة تركه، وما فعله فالسنة فعله، إلا أن يدل دليل على أنه خاص به، وهذا هو الراجح. * * *

стр. 1972

الفصل الثامن الاغتسال لصلاة الكسوف والاستسقاء مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • الأصل عدم الاستحباب حتى يثبت دليل صحيح صريح باستحباب الاغتسال لصلاة الكسوف والاستسقاء. • الاستحباب حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل. • كل شيء وجد سببه في عهد النبي ﷺ ، ولم يفعله، ولم يمنع من فعله مانع، فليس بمشروع. [م-٣٣٦] استحب الشافعية (١)، والحنابلة (٢)، الاغتسال لصلاة الكسوف والاستسقاء.

стр. 1973

وقيل: لا يستحب، وهو قول في مذهب الحنابلة (١). • دليل من قال بالاستحباب: قال: إن هذا موضع يجتمع فيه الناس، فيستحب الاغتسال دفعًا للروائح الكريهة، وقياسًا على غسل الجمعة. • دليل من قال: لا يستحب ذلك . انظر دليله في المسألة التي قبل هذه، وعمدته أنه لم ينقل عن النبي ﷺ فعل ولا قول في الاغتسال لهذه الصلوات، والأصل عدم المشروعية، والله أعلم. * * *

стр. 1974

الفصل التاسع الغسل من الحجامة مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • الاستحباب حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل. • كل شيء وجد سببه في عهد النبي ﷺ ، ولم يفعله ولم يمنع من فعله مانع فليس بمشروع [م-٣٣٧] اختلف العلماء في الاغتسال من الحجامة، فقيل: يسن الاغتسال، وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، وقول في مذهب

стр. 1975

الحنابلة (١). وقيل: يجب الاغتسال من الحجامة (٢). وقيل: لا يستحب الاغتسال منها، قال في الإنصاف: «وهو الصحيح من المذهب» (٣). • دليل من قال بالاستحباب: الدليل الأول: (٧٧٠ - ٩٠) ما رواه أحمد من طريق مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب، عن عبد الله ابن الزبير، عن عائشة، عن النبي ﷺ أنه قال: يغتسل من أربع من الجمعة، والجنابة، والحجامة، وغسل الميت (٤). [ضعيف] (٥). الدليل الثاني: (٧٧١ - ٩١) ما رواه الشافعي، قال: أخبرنا وكيع، عن الأعمش، عن عمرو ابن مرة، عن زاذان، أن عليًا ﵁ كان يغتسل من الحجامة (٦).

стр. 1976

[صحيح] (١). الدليل الثالث: (٧٧٢ - ٩٢) ما رواه بن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، قال: اغتسل من الحجامة (٢). [ضعيف] (٣). الدليل الرابع: (٧٧٣ - ٩٣) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبيد الله، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: إذا احتجم الرجل فليتغتسل، ولم يره واجبًا (٤). [صحيح عن ابن عباس] (٥).

стр. 1977

• دليل من قال: لا يغتسل من الحجامة . الدليل الأول: (٧٧٤ - ٩٤) ما رواه ابن أبي شيبة من طريق عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان إذا احتجم غسل أثر محاجمه (١). [إسناده صحيح]. قلت: ما ثبت عن ابن عمر، لا يعارض ثبوت الغسل عن بعض الصحابة؛ لأن من اغتسل فقد استحب الغسل من الحجامة، ومن ترك الاغتسال دل على أن الاغتسال ليس بواجب، ونحتاج إلى أثر ينفي استحباب الاغتسال من الحجامة، ولم أقف عليه. • دليل من قال: الاغتسال من الحجامة واجب . لم أقف له على دليل يوجبه، لا من الكتاب ولا من السنة، ولا من قول الصحابة رضوان الله عليهم. • الراجح: ثبت أن الرسول ﷺ احتجم، ولم ينقل أنه اغتسل، ولا يقال: عدم النقل ليس نقلًا للعدم، بل يقال: قام المقتضي للغسل، ولم يفعل ﷺ ، ولو كان الغسل مشروعًا لفعله ﵊، ولو فعله لنقل إلينا، فلما لم يفعله دل على أن الترك منه ﷺ هو السنة، مثله مثل ما لو فعل أمرًا على وجه التعبد كان الفعل هو السنة، فيكون قول الصحابي ليس بحجة، ولا يرجع إلى المسألة الأصولية، هل فعل الصحابي حجة، أو ليس بحجة، فإني أميل إلى الاحتجاج بقول الصحابي وفعله إذا لم يثبت عن الرسول ﷺ فيه ترك أو فعل، أما وقد ثبت الترك، فالسنة الترك، ولا يبدع من فعل الاغتسال لفعل بعض الصحابة رضوان الله عليهم، والله أعلم. * * *

стр. 1978

الباب الثالث أحكام الجنب الفصل الأول تحريم فعل الصلاة مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • الحدث ينافي صحة الصلاة مع القدرة على الطهور. • الحدث يمنع ابتداء الصلاة كما يمنع استدامتها إلا من عذر كالاستحاضة، أو فقد الطهورين. [م-٣٣٨] يحرم على الجنب فعل الصلاة مع قدرته على الماء، أو على التراب عند عدم الماء. وهذا الحكم من المعلوم بالدين بالضرورة، ودل عليه أدلة كثيرة، منها: الدليل الأول: قال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) [المائدة: ٦].

стр. 1979

فأمر بالطهارة من الجنابة عند القيام إلى الصلاة. الدليل الثاني: (٧٧٥ - ٩٥) ومن السنة، ما رواه البخاري من طريق همام بن منبه، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ. قال رجل من حضرموت: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: فساء أو ضراط. ورواه مسلم عدا قول أبي هريرة (١). وإذا كان هذا في الحدث الأصغر فالحدث الأكبر من باب أولى. الدليل الثالث: (٧٧٦ - ٩٦) ما رواه البخاري من طريق الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: أقيمت الصلاة، وعدلت الصفوف قيامًا، فخرج إلينا رسول الله ﷺ ، فلما قام في مصلاه ذكر أنه جنب، فقال لنا: مكانكم، ثم رجع فاغتسل، ثم خرج إلينا ورأسه يقطر، فكبر، فصلينا معه (٢). الدليل الرابع: (٧٧٧ - ٩٧) ما رواه مسلم من طريق سماك بن حرب، عن مصعب ابن سعد، قال: دخل عبد الله بن عمر على ابن عامر يعوده، وهو مريض فقال: ألا تدعو الله لي يا ابن عمر، قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول، وكنت على البصرة (٣).

стр. 1980

الدليل الخامس: وأما الإجماع، فقد قال النووي: «أجمع المسلمون على تحريم الصلاة على المحدث، وأجمعوا على أنها لا تصح منه، سواءً كان عالمًا بحدثه، أو جاهلًا، أو ناسيًا، لكنه إن صلى جاهلًا أو ناسيًا فلا إثم عليه، وإن كان عالمًا بالحدث وتحريم الصلاة مع الحدث فقد ارتكب معصية عظيمة ..... » (١). قلت: وإذا كان هذا في الحدث الأصغر، كان ذلك في الحدث الأكبر من باب أولى؛ لأنه أغلظ الحدثين. * * *

стр. 1981

الفصل الثاني في طواف الجنب مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • الأصل عدم وجوب الغسل لطواف الجنب، فمن أوجب الغسل فعليه الدليل. • كل حكم ينفرد بروايته الضعفاء مع حاجة الأمة إليه، فإنه يوجب في النفس ريبة من قبوله. • الطهارة من الحيض شرط في صحة الطواف بالإجماع مع القدرة على الطواف في حال الطهر. • اشتراط الطهارة من الجنابة قياسًا على اشتراط الطهارة من الحيض قياس مع الفارق؛ إذ لا يقاس الأخف على الأغلظ. • كل شرط تتوقف عليه صحة عبادة الناس ومعاملاتهم لا بد أن تأتي عليه الأدلة صحيحة صريحة تقوم بمثلها الحجة على الناس، فإذا لم يوجد مثل هذه علم أن مثله ليس بشرط. • الأفعال المجردة لا تدل على الوجوب، فضلًا عن الشرطية.

стр. 1982

[م-٣٣٩] اختلف العلماء في طواف الجنب. فقيل: يشترط الطهارة من الجنابة، بل ومن الحدث الأصغر، وهو المشهور من مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة (١). وقيل: الطهارة واجبة، ويصح الطواف بدونها، وتجبر بدم، وهو الراجح عند الحنفية (٢)، ورواية عن أحمد (٣). وقيل: الطهارة من الجنابة سنة، وهو رواية عن أحمد (٤)، واختاره ابن حزم ﵀ (٥). • دليل الجمهور على اشتراط الطهارة من الجنابة: الدليل الأول: لا خلاف في اشتراط الطهارة الصغرى والكبرى في الصلاة، وقد حكم

стр. 1983

الرسول ﷺ بأن الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله أباح فيه الكلام، فيثبت للطواف ما يثبت للصلاة، ومنه اشتراط الغسل من الجنابة. (٧٧٨ - ٩٨) فقد روى الترمذي ﵀، قال: حدثنا قتيبة، حدثنا، جرير، عن عطاء بن السائب، عن طاوس، عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: الطواف حول البيت مثل الصلاة إلا أنكم تتكلمون فيه فمن تكلم فيه فلا يتكلمن إلا بخير. [ضعيف، والراجح وقفه على ابن عباس] (١). وقد رجح كونه موقوفًا جمع من الأئمة. قال الحافظ: «رجح الموقوف النسائي والبيهقي وابن الصلاح والمنذري والنووي» (٢). وقال الترمذي ﵀: «روي هذا الحديث عن ابن طاووس وغيره، عن طاووس، عن ابن عباس موقوفًا، ولا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عطاء بن السائب» (٣). ورجح وقفه أيضًا ابن تيمية رحمه الله تعالى (٤)، وابن عبد الهادي كما في فيض القدير (٥). كما أن متنه شاهد على أنه ليس من كلام رسول الله ﷺ ، فالحديث يعتبر الطواف كالصلاة إلا في الكلام، وقد قال علماء الأصول: الاستثناء معيار العموم، بمعنى أنها تثبت للطواف جميع أحكام الصلاة إلا ما استثني، وعند التأمل نرى أنه يجوز بالطواف الأكل والشرب، وليس فيه تسليم، ولا دعاء استفتاح، ولا استقبال القبلة، ولا تجب

стр. 1984

له قراءة الفاتحة، وله أن يقطع طوافه لشهود صلاة الجنازة، أو لحضور الجماعة، ثم يبني على طوافه بخلاف الصلاة، ولا يحتاج فيه إلى تسوية صفوف، ولا تقديم الرجال على النساء، وله أن يطوف وهو عاري الكتفين، وبالتالي فهذه المخالفات تدل على أن الكلام ليس من عند الرسول ﷺ : (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) [النساء: ٨٢] (١). الدليل الثاني: دل الدليل على اشتراط الطهارة الصغرى، وما اشترطت فيه الطهارة الصغرى كانت الطهارة الكبرى شرطًا فيه من باب أولى؛ لأنها أغلظ. والدليل على اشتراط الطهارة الصغرى: (٧٧٩ - ٩٩) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أصبغ، عن ابن وهب، أخبرني

стр. 1985

عمرو، عن محمد بن عبد الرحمن، ذكرت لعروة، قال: فأخبرتني عائشة رضي الله تعالى عنها، أن أول شيء بدأ به حين قدم النبي ﷺ أنه توضأ، ثم طاف، ثم لم تكن عمرة. الحديث (١). ولا يقال: إن الوضوء مجرد فعل من النبي ﷺ ، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، لأننا نقول: (٧٨٠ - ١٠٠) قد روى مسلم في صحيحه من طريق ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابرًا يقول: رأيت النبي ﷺ يرمى على راحلته يوم النحر ويقول: لتأخذوا مناسككم؛ فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه (٢). قال الشنقيطي: «وضوء النبي ﷺ لطوافه، قد دل دليلان على أن الوضوء لازم لا بد منه: أحدهما: أنه ﷺ قال في حجة الوداع: (خذوا عني مناسككم)، وهذا الأمر للوجوب، فلما توضأ للطواف لزمنا أن نأخذ عنه الوضوء للطواف امتثالًا لأمره، في قوله ﷺ : (خذوا عني مناسككم). الثاني: أن فعله في الطواف من الوضوء له، ومن هيئته التي أتي به عليها كلها بيان وتفصيل لما أجمل في قوله تعالى: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) وقد تقرر في الأصول أن فعل النبي ﷺ إذا كان لبيان نص من كتاب الله، فهو على اللزوم والتحتم، ولذا أجمع العلماء على قطع يد السارق من الكوع؛ لأن قطع النبي ﷺ للسارق من الكوع، بيان وتفصيل لما أجمل في قوله تعالى: (فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) لأن اليد تطلق على العضو إلى المرفق، وإلى المنكب» (٣).

стр. 1986

• وأجيب عن هذا الدليل: أما كونه لما طاف توضأ، فهذا وحده لا يدل على الوجوب؛ فإنه كان ﷺ يتوضأ لكل صلاة حتى ولو كان طاهرًا، وتيمم لرد السلام، وقال: إني كرهت أن أذكر الله على غير طهر. • وأما الجواب عن قوله: لتأخذوا عني مناسككم: قال ابن القيم: «أن نفعل كما فعل على الوجه الذي فعل، فإذا كان قد فعل فعلًا على وجه الاستحباب، فأوجبناه لم نكن قد أخذنا عنه وتأسينا به، مع أنه ﷺ فعل في حجته أشياء كثيرة جدًّا لم يوجبها أحد من الفقهاء» (١). وعلى كل حال، لا أرى الاستدلال بمثل هذا الأمر العام المشتمل على أحوال وهيئات، وصفات وأقوال، أحكامها مختلفة، لا أرى أن يستدل على وجوبها بهذا العموم، فقوله ﷺ : (خذوا عني مناسككم) يدل على كونه مشروعًا، وأنه من أفعال المناسك، أما دلالته على الوجوب فيحتاج إلى دليل خاص، كما أن دلالته على الشرطية أو الركنية يحتاج إلى دليل خاص كذلك، فإذا كان ورود الأمر الخاص فيه نزاع في دلالته على الوجوب كما هو معلوم في أصول الفقه، فما بالك في حديث: (خذوا عني مناسككم) والذي يشمل جميع أفعال المناسك. الدليل الثالث: دل الدليل على منع الجنب من المكث في المسجد، ويلزم من طواف الجنب المكث فيه؛ لأن الطواف متعلق بالبيت، والبيت في وسط المسجد الحرام، والدليل على منع الجنب من المكث في المسجد، من الكتاب ومن السنة، أما الكتاب: فقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) [النساء: ٤٣].

стр. 1987

(٧٨١ - ١٠١) وأما السنة فهو ما رواه أبو داود (١) من طريق أفلت بن خليفة، قال: حدثتني جسرة بنت دجاجة، قالت: سمعت عائشة تقول: جاء رسول الله ﷺ ، ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد فقال: وجهوا هذه البيوت عن المسجد، ثم دخل النبي ﷺ ولم يصنع القوم شيئًا رجاء أن ينزل فيهم رخصة، فخرج إليهم بعدُ فقال: وجهوا البيوت عن المسجد؛ فإني لا أحلُّ المسجد لحائض ولا جنب. [ضعيف] (٢). وسوف نناقش مسألة المكث في المسجد في فصل مستقل إن شاء الله تعالى، فانظر فيه الجواب عن الآية والحديث. الدليل الرابع: منعت الحائض عن الطواف بالبيت بالإجماع مع القدرة على الطواف في حال الطهر، فيقاس عليها الجنب بجامع أن كلًا منهما حدث أكبر يوجب الغسل، ويمنع من الصلاة. قال ابن عبد البر: «الحائض لا تطوف بالبيت، وهو أمر مجتمع عليه، لا أعلم فيه خلافًا» (٣). وقال ابن رشد: «اتفق المسلمون على أن الحيض يمنع أربعة أشياء، وذكر الثالث منها، قال: والثالث: فيما أحسب الطواف» (٤). وقال النووي: «وقد أجمع العلماء على تحريم الطواف على الحائض والنفساء. وأجمعوا على أنه لا يصح منهما طواف مفروض ولا تطوع، وأجمعوا على أن الحائض

стр. 1988

والنفساء لا تمنع من شيء من مناسك الحج إلا الطواف وركعتيه، نقل الإجماع في هذا كله ابن جرير وغيره» (١). وقال ابن تيمية: «وأما الذي لا أعلم فيه نزاعًا، أنه ليس لها أن تطوف مع الحيض، إذا كانت قادرة على الطواف مع الطهر، فما أعلم منازعًا أن ذلك يحرم عليها، وتأثم به» (٢). وقال ابن حزم: «أما امتناع الصلاة والصوم والطواف والوطء في الفرج حال الحيض فإجماع متيقن مقطوع به، لا خلاف بين أحد من أهل الإسلام فيه» (٣). (٧٨٢ - ١٠٢) وعمدة الإجماع ما رواه البخاري، قال ﵀: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم بن محمد، عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكر إلا الحج، فلما جئنا سرف طمثت، فدخل عليَّ النبي ﷺ وأنا أبكي، فقال: ما يبكيك؟ قلت: لوددت والله أني لم أحج العام. قال: لعلك نُفِست؟ قالت: نعم. قال: فإن ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم، فافعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري، ورواه مسلم (٤). (٧٨٣ - ١٠٣) وبما رواه البخاري ﵀ من طريق الزهري، حدثني عروة بن الزبير وأبو سلمة بن عبد الرحمن، أن عائشة زوج النبي ﷺ أخبرتهما، أن صفية بنت حيي زوج النبي ﷺ حاضت في حجة الوداع فقال النبي ﷺ : أحابستنا هي؟ فقلت: إنها قد أفاضت يا رسول الله،

стр. 1989

وطافت بالبيت، فقال النبي ﷺ : فلتنفر. ورواه مسلم (١). • وأجيب: بأن قياس الجنب على الحائض قياس مع الفارق، فأنتم لا تقولون بأن أحكامهما واحدة من كل وجه حتى يتم القياس، فهذه الحائض لا تقضي الصلاة، بخلاف الجنب، ولا يصح الصوم مع الحيض، بخلاف الجنب فإنه يصح أن يصبح صائمًا، وهو جنب، وإذا توضأ الجنب مكث في المسجد عندكم، مع أن الجنابة لم ترتفع، ولا تبيحون للحائض أن تمكث في المسجد ولو توضأت، فكل هذا يجعل قياس الأخف على الأغلظ قياسًا ضعيفًا، مع أن مكث الحائض في المسجد متنازع فيه، وقد رجحت في كتابي الحيض والنفاس جواز مكث الحائض في المسجد، فانظره هناك. الدليل الخامس: استدل بعضهم بقوله تعالى: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَاّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) [الحج: ٢٦]. • وجه الاستدلال من وجهين: الأول: أن الطواف ذكر مع الصلاة، فإذا كانت الصلاة تشترط لها الطهارة، فكذلك الطواف، بل إن تقديم الطواف على الصلاة يدل على أن الطهارة فيه أولى. الوجه الثاني: إذا وجب تطهير مكان الطائف، فبدنه من باب أولى. • وأجيب: بأن هذه الدلالة دلالة اقتران، وهي من أضعف الدلالات، ولا يلزم من اقترانهما اشتراكهما في الحكم.

стр. 1990

قال الله تعالى: (كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) [الأنعام: ١٤١]. والأكل مباح، فهل إتيان حقه يوم حصاده تقولون: إنه مباح، ثم إنه قال في الآية الأخرى: (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) [البقرة: ١٢٥]. هل تقولون: إن المعتكف لا يصح اعتكافه إلا على طهارة؛ لأنه قرن بالصلاة، فإذا سقطت الدلالة من هذه الآية سقطت من تلك. وكونه قدم الطواف على الصلاة ليس دليلًا على كونه أولى بالطهارة من الصلاة، فقد يكون قدم باعتبار أن الطواف أخص بالبيت من الصلاة، فالصلاة يصليها الإنسان في كل المساجد، بل في الأرض كلها، وأما الطواف فلا يطوف الإنسان إلا في هذا البيت، والله أعلم. وأما الأمر بتطهير المكان، فالمراد من الشرك: وهو نجاسة معنوية، ومن الخبث: وهو نجاسة حسية، وأما المؤمن فإنه ليس بنجس، ولا ينجس بالحدث، ولا يمنع المحدث من دخول البيت، فليس مقصودًا في الآية. • دليل من قال: الطهارة من الجنابة سنة في الطواف: الدليل الأول: هذا القول لا يحتاج إلى دليل، وإنما الذي يطالب بالدليل الذي يقول باشتراط الطهارة من الجنابة ومن الحدث الأصغر للطواف، فعدم الدليل الموجب للطهارة كاف في الاستدلال، كما أن الأصل براءة الذمة حتى يثبت الدليل الصحيح الصريح، فدليل هذا القول هو عدم وجود دليل يدل على وجوب الطهارة من الحدث في الطواف، ومنه الطهارة من الجنابة. قال ابن تيمية: «لم ينقل أحد عن النبي ﷺ لا بإسناد صحيح، ولا ضعيف أنه

стр. 1991

أمر بالوضوء للطواف، مع العلم أنه قد حج معه خلائق عظيمة، وقد اعتمر عمرًا متعددة، والناس معتمرون معه، فلو كان الوضوء فرضًا في الطواف لبينه النبي ﷺ بيانًا عامًا، ولو بينه لنقل ذلك المسلمون عنه، ولم يهملوه» (١). وقال ابن القيم: «لم ينقل أحد عن النبي ﷺ أنه أمر المسلمين بالطهارة، لا في عمرته، ولا في حجته، مع كثرة من حج معه واعتمر، ويمتنع أن يكون ذلك واجبًا ولا يبينه للأمة، وتأخير البيان عن وقته ممتنع» (٢). قلت: وقد طاف مع الرسول ﷺ في حجته خلق كثير، وكثير منهم حديث عهد بالإسلام، ومع ذلك لم يأمرهم بالطهارة، وقد ينتقض وضوء كثير منهم أثناء الطواف، ومع هذا الاحتمال القوي لم يبين الرسول ﷺ أنه يلزمهم الطهارة في الطواف، مع أن الرسول ﷺ قد أخبر أنه يعلن أفعاله ليأخذ الناس مناسكهم، فقد كان الرسول ﷺ يشعر بأنه قد لا يحج العام القابل، وكان كما تنبأ النبي ﷺ ، وإذا لم يدل دليل على وجوب الطهارة الصغرى للطواف، فكذلك لم يدل دليل على وجوب الطهارة من الجنابة، والله أعلم. الدليل الثاني: قال ابن تيمية: «ثبت أيضًا أن الطهارة لا تجب لغير الصلاة». (٧٨٤ - ١٠٤) لما ثبت في صحيح مسلم، من حديث ابن جريج، حدثنا سعيد ابن الحارث، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قضى حاجته من الخلاء، فقرب له طعام، فأكل، ولم يمس ماء. قال ابن جريج: وزادني عمرو بن دينار، عن سعيد ابن الحارث، أن النبي ﷺ قيل له: إنك لم تتوضأ؟ قال: ما أردت صلاة فأتوضأ.

стр. 1992

قال عمرو: سمعته من سعيد بن الحارث (١). فقوله: (ما أردت صلاة فأتوضأ) يدل على أنه لم يجب عليه الوضوء إلا إذا أراد صلاة، وأن وضوءه لما سوى ذلك مستحب، وليس بواجب». اهـ وما يقال في عدم اشتراط الطهارة من الحدث الأصغر للطواف يقال: في عدم اشتراط الطهارة من الجنابة، سواءً بسواءٍ. • دليل من قال: الطهارة واجبة، ويصح الطواف بدونها وتجبر بدم: استدلوا: على أن الطهارة واجبة بقوله تعالى: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) [الحج: ٢٩]. وجه الاستدلال: أن الله أمر بالآية بالطواف، وهو اسم للدوران حول البيت، وذلك يتحقق من المحدث والطاهر، فاشتراط الطهارة في الطواف يكون زيادة على النص، ومثل هذه الزيادة لا تثبت بخبر الواحد، ولا بالقياس؛ لأن الركنية لا تثبت إلا بدليل قاطع، فأما الوجوب فيثبت بخبر الواحد؛ لأنه يوجب العمل، ولا يوجب علم اليقين والركنية إنما تثبت بما يوجب علم اليقين. وأصل الطواف ركن ثابت بالنص، والطهارة فيه تثبت بخبر الواحد، فيكون موجبًا للعمل دون العلم، فلم تصر الطهارة ركنًا، ولكنها واجبة، والدم يقوم مقام الواجبات في الحج (٢). • ويُجاب: أولًا: لا نسلم أنه قد قام دليل على وجوب الطهارة للطواف ولو بخبر آحاد، فأين هذا الدليل الموجب للطهارة حتى نأخذ به؟.

стр. 1993

ثانيًا: تفريق الحنفية بين ما هو قطعي الدلالة، وما هو ظني الدلالة، والأول يصلح أن يكون دليلًا على الفرض، والثاني يكون دليلًا على الواجبات دون الشروط والأركان، والتفريق بين الواجب والفرض كل هذه الأمور مرجوحة لا تقوم على دليل صحيح، ولا يوافقهم فيها الجمهور، ثم الراجح من خبر الآحاد أنه يفيد العلم ما لم يعارضه ما هو أقوى منه، وتجويز الخطأ في خبر الآحاد تجويز عقلي، والأصل عدمه، ولو فتح الباب للتجويز العقلي لهدم الشرع، وهي لا تخرج عن أوهام ووساوس، لا تبنى على أسس، إنما بنيت على شفا جرف هار، وقد كان البلاغ في الرسالة يقوم على خبر الواحد، وهو أصل الشرع، فقد كان الرسول ﷺ يرسل الآحاد من الصحابة لتبليغ رسالته، وتقوم الحجة بذلك، فغيره من باب أولى. وليس هذا مقام بسط الكلام بالاحتجاج بخبر الواحد. • الراجح: جواز الطهارة من المحدث، سواءً كان حدثًا أصغر أو أكبر عدا الحيض، فإن الطواف لا يصح مع الحيض مع القدرة على الطواف في حال الطهر، فإن اضطرت إلى الطواف صح منها، والخلاف في طواف الحائض قد عقدت له فصلًا مستقلًا في كتابي الحيض والنفاس، فليراجع من هناك، والله أعلم. * * *

стр. 1994

الفصل الثالث مكث الجنب في المسجد مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • لا يمنع الجنب مما لم يمنع منه الكافر، فالكافر يدخل كل مسجد إلا المسجد الحرام، وهو متلبس بالحدث والخبث. • إذا لم تمنع المستحاضة من الاعتكاف في المسجد مع خوف تلويث المسجد، واستمرار الخبث، وهو أغلظ من الحدث، فكيف يمنع الجنب من المكث في المسجد مع طهارة بدنه وأمن التلويث؟! • إن كان منع الجنب من الدخول في المسجد لمعنى في الجنابة لا من أجل المسجد، فالجنب بدنه طاهر بالإجماع، وقد كانت عائشة تدهن رأس رسول الله ﷺ وترجله، وهي حائض، ولو كانت يدها نجسة لمنعت، فالجنب أولى بطهارة بدنه من الحائض؛ لأنه أخف حدثًا. • الأصل عدم منع الجنب من الدخول في المسجد إلا بدليل صحيح، أو إجماع. وقيل:

стр. 1995

• إذا كان آكل البصل والأشياء المكروهة ممنوعًا من البقاء في المسجد، فالجنب الذي تحرم عليه الصلاة من باب أولى، وينتقض بأن العلة في منع آكل البصل من أجل الرائحة، وهذا المعنى ليس موجودًا في الجنب. • منع الجنب من دخول المسجد؛ لأنها محل ذكر الله وعبادته، ومأوى ملائكته، والملائكة لا تدخل بيتًا فيه جنب؛ لذا منع الجنب من دخول المسجد. وينتقض بأن حديث الملائكة لا تدخل بيتًا فيه جنب لا يصح، والجنب ليس ممنوعًا من ذكر الله. [م-٣٤٠] اختلف العلماء في مكث الجنب للمسجد، فقيل: لا يجوز للجنب أن يمكث في المسجد مطلقًا، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣). وقيل: يجوز له المكث بشرط الوضوء، وهو مذهب الحنابلة (٤). وقيل: يجوز له المكث مطلقًا، سواءً كان متوضئًا أو غير متوضئ، وهو اختيار ابن حزم (٥). • دليل من قال: لا يجوز للجنب المكث في المسجد: من الكتاب قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) [النساء: ٤٣].

стр. 1996

(٧٨٥ - ١٠٥) فقد روى عبدالرزاق (١)، قال: عن معمر، عن عبدالكريم الجزري، عن أبي عبيدة بن عبد الله، عن ابن مسعود أنه كان يرخص للجنب أن يمر في المسجد مجتازًا ولا أعلمه إلا قال: (وَلا جُنُباً إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ) [النساء: ٤٣]. [أبو عبيدة لم يسمع من أبيه، ورأى بعضهم أن حديث أبي عبيدة في حكم المتصل] (٢). (٧٨٦ - ١٠٦) وروى ابن المنذر، قال: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا أبو نعيم، ثنا أبو جعفر الرازي، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس قال: (وَلا جُنُباً إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ) قال: إلا وأنت مار فيه (٣). [ضعيف، والثابت عن ابن عباس خلافه كما سيأتي إن شاء الله تعالى] (٤). وقد ذهب عطاء (٥)، والحسن (٦)، وإبراهيم النخعي (٧)، إلى أن معنى قوله: (وَلا جُنُباً إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ) الجنب يمر في المسجد. وقد اختلف العلماء في معنى الآية على قولين: الأول: أن معنى قوله: (وَلا جُنُباً إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ) أي: لا تقرب موضع الصلاة وأنت جنب إلا أن تكون مارًا في المسجد غير ماكث فيه.

стр. 1997

وعليه فيكون معنى قوله: (لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ) أي: لا تقربوا مواضع الصلاة (١). وقد تقدم أن هذا القول مروي عن ابن مسعود. المعنى الثاني: أن معنى قوله: (وَلا جُنُباً إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ) أي: لا يقرب الصلاة الجنب إلا أن يكون مسافرًا فيتيمم ويصلي، وهذا التفسير هو الثابت عن ابن عباس وعلي ﵃، وجماعة من التابعين. (٧٨٧ - ١٠٧) فقد روى ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، ومحمد ابن المثني، قالا: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي مجلز، عن ابن عباس في قوله: (وَلا جُنُباً إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ) [النساء: ٤٣]، قال: المسافر. وقال ابن المثنى: السفر (٢). فهذا سند في غاية الصحة، ولا تضر عنعنة قتادة، وقد جاء حديثه من طريق شعبة (٣).

стр. 1998

وله شاهد من قول علي ﵁. (٧٨٨ - ١٠٨) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا علي بن هاشم، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن عباد بن عبد الله وزر، عن علي: (وَلا جُنُباً إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ) [النساء: ٤٣]، قال: المار الذي لا يجد الماء يتيمم ويصلي (١). ورواه ابن جرير الطبري (٢)، وابن المنذر (٣)، من طريق ابن أبي ليلى إلا أن ابن المنذر لم يذكر عباد بن عبد الله، وابن جرير رواه عن عباد أو عن زر. [ضعف] (٤). وقد فسر قوله تعالى: (عَابِرِي سَبِيلٍ) بالمسافرين جماعة من التابعين، منهم مجاهد (٥)، وعمرو بن دينار (٦)، وسعيد بن جبير (٧)، وسليمان بن موسى (٨)، والحكم بن عتيبة (٩)، والحسن بن مسلم (١٠). هذان هما القولان الواردان في معنى الآية، ولكل قول عندي مرجح. فأما ترجيح أن المراد به المجتاز، وليس المسافر، فيرجحه أن الله قد

стр. 1999

بين حكم المسافر إذا عدم الماء وهو جنب في قوله تعالى: (وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا ... ) [المائدة: ٦] الآية، فلو كان يقصد بقوله: إلا عابري سبيل هو المسافر، لم يكن لإعادة ذكره معنى. وأما ترجيح تفسير: (عَابِرِي سَبِيلٍ) بالمسافر، فيكفي أنه تفسير اثنين من الصحابة ﵄: ابن عباس، وعلي بن أبي طالب، ولأنه لا يحتاج إلى تقدير في الآية، فمعنى: (لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ) على حقيقته وليس مواضع الصلاة. الدليل الثاني: (٧٨٩ - ١٠٩) ما رواه أبو داود (١)، من طريق أفلت بن خليفة، قال: حدثتني جسرة بنت دجاجة، قالت: سمعت عائشة تقول: جاء رسول الله ﷺ ، ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد فقال: وجهوا هذه البيوت عن المسجد ثم دخل النبي ﷺ ولم يصنع القوم شيئًا رجاء أن ينزل فيهم رخصة، فخرج إليهم بعدُ فقال: وجهوا البيوت عن المسجد؛ فإني لا أحلُّ المسجد لحائض ولا جنب. [ضعيف] (٢). الدليل الثالث: روي أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه جنب، والمساجد بيوت الله، وأماكن إقامة ذكره، والملائكة فيها أكثر من غيرها، ولذا منع آكل الثوم والبصل من دخول المساجد؛ وعُلِّل ذلك بأن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، فإذا كانت الملائكة لا تدخل مكانًا فيه جنب، منع الجنب من دخول المسجد حتى لا يؤذي الملائكة.

стр. 2000

(٧٩٠ - ١١٠) فقد روى أحمد، قال: حدثنا يحيى، عن شعبة، حدثني علي بن مدرك، عن أبى زرعة، عن ابن نجي، عن أبيه، عن علي ﵁ عن النبي ﷺ لا تدخل الملائكة بيتا فيه جنب ولا صورة ولا كلب (١). [زيادة ذكر الجنب تفرد بها نجي الحضرمي، وهو مجهول، وحديث ابن عباس وعائشة وابن عمر وميمونة في الصحيح بدون ذكر الجنب] (٢).
следующие страницы →