← Фикх общий

Фикх общий · id 157

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 3

دبيان الدبيان

Полный текст (5 371 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

(٧٨٥ - ١٠٥) فقد روى عبدالرزاق (١)، قال: عن معمر، عن عبدالكريم الجزري، عن أبي عبيدة بن عبد الله، عن ابن مسعود أنه كان يرخص للجنب أن يمر في المسجد مجتازًا ولا أعلمه إلا قال: (وَلا جُنُباً إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ) [النساء: ٤٣]. [أبو عبيدة لم يسمع من أبيه، ورأى بعضهم أن حديث أبي عبيدة في حكم المتصل] (٢). (٧٨٦ - ١٠٦) وروى ابن المنذر، قال: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا أبو نعيم، ثنا أبو جعفر الرازي، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس قال: (وَلا جُنُباً إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ) قال: إلا وأنت مار فيه (٣). [ضعيف، والثابت عن ابن عباس خلافه كما سيأتي إن شاء الله تعالى] (٤). وقد ذهب عطاء (٥)، والحسن (٦)، وإبراهيم النخعي (٧)، إلى أن معنى قوله: (وَلا جُنُباً إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ) الجنب يمر في المسجد. وقد اختلف العلماء في معنى الآية على قولين: الأول: أن معنى قوله: (وَلا جُنُباً إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ) أي: لا تقرب موضع الصلاة وأنت جنب إلا أن تكون مارًا في المسجد غير ماكث فيه.

стр. 1997

وعليه فيكون معنى قوله: (لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ) أي: لا تقربوا مواضع الصلاة (١). وقد تقدم أن هذا القول مروي عن ابن مسعود. المعنى الثاني: أن معنى قوله: (وَلا جُنُباً إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ) أي: لا يقرب الصلاة الجنب إلا أن يكون مسافرًا فيتيمم ويصلي، وهذا التفسير هو الثابت عن ابن عباس وعلي ﵃، وجماعة من التابعين. (٧٨٧ - ١٠٧) فقد روى ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، ومحمد ابن المثني، قالا: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي مجلز، عن ابن عباس في قوله: (وَلا جُنُباً إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ) [النساء: ٤٣]، قال: المسافر. وقال ابن المثنى: السفر (٢). فهذا سند في غاية الصحة، ولا تضر عنعنة قتادة، وقد جاء حديثه من طريق شعبة (٣).

стр. 1998

وله شاهد من قول علي ﵁. (٧٨٨ - ١٠٨) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا علي بن هاشم، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن عباد بن عبد الله وزر، عن علي: (وَلا جُنُباً إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ) [النساء: ٤٣]، قال: المار الذي لا يجد الماء يتيمم ويصلي (١). ورواه ابن جرير الطبري (٢)، وابن المنذر (٣)، من طريق ابن أبي ليلى إلا أن ابن المنذر لم يذكر عباد بن عبد الله، وابن جرير رواه عن عباد أو عن زر. [ضعف] (٤). وقد فسر قوله تعالى: (عَابِرِي سَبِيلٍ) بالمسافرين جماعة من التابعين، منهم مجاهد (٥)، وعمرو بن دينار (٦)، وسعيد بن جبير (٧)، وسليمان بن موسى (٨)، والحكم بن عتيبة (٩)، والحسن بن مسلم (١٠). هذان هما القولان الواردان في معنى الآية، ولكل قول عندي مرجح. فأما ترجيح أن المراد به المجتاز، وليس المسافر، فيرجحه أن الله قد

стр. 1999

بين حكم المسافر إذا عدم الماء وهو جنب في قوله تعالى: (وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا ... ) [المائدة: ٦] الآية، فلو كان يقصد بقوله: إلا عابري سبيل هو المسافر، لم يكن لإعادة ذكره معنى. وأما ترجيح تفسير: (عَابِرِي سَبِيلٍ) بالمسافر، فيكفي أنه تفسير اثنين من الصحابة ﵄: ابن عباس، وعلي بن أبي طالب، ولأنه لا يحتاج إلى تقدير في الآية، فمعنى: (لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ) على حقيقته وليس مواضع الصلاة. الدليل الثاني: (٧٨٩ - ١٠٩) ما رواه أبو داود (١)، من طريق أفلت بن خليفة، قال: حدثتني جسرة بنت دجاجة، قالت: سمعت عائشة تقول: جاء رسول الله ﷺ ، ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد فقال: وجهوا هذه البيوت عن المسجد ثم دخل النبي ﷺ ولم يصنع القوم شيئًا رجاء أن ينزل فيهم رخصة، فخرج إليهم بعدُ فقال: وجهوا البيوت عن المسجد؛ فإني لا أحلُّ المسجد لحائض ولا جنب. [ضعيف] (٢). الدليل الثالث: روي أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه جنب، والمساجد بيوت الله، وأماكن إقامة ذكره، والملائكة فيها أكثر من غيرها، ولذا منع آكل الثوم والبصل من دخول المساجد؛ وعُلِّل ذلك بأن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، فإذا كانت الملائكة لا تدخل مكانًا فيه جنب، منع الجنب من دخول المسجد حتى لا يؤذي الملائكة.

стр. 2000

(٧٩٠ - ١١٠) فقد روى أحمد، قال: حدثنا يحيى، عن شعبة، حدثني علي بن مدرك، عن أبى زرعة، عن ابن نجي، عن أبيه، عن علي ﵁ عن النبي ﷺ لا تدخل الملائكة بيتا فيه جنب ولا صورة ولا كلب (١). [زيادة ذكر الجنب تفرد بها نجي الحضرمي، وهو مجهول، وحديث ابن عباس وعائشة وابن عمر وميمونة في الصحيح بدون ذكر الجنب] (٢).

стр. 2001

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2002

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2003

(٧٩١ - ١١١) وله شاهد ضعيف من حديث عمار، أخرجه أحمد، من طريق حماد بن سلمة، أخبرنا عطاء الخراساني، عن يحيى بن يعمر، أن عمارًا قال: قدمت على أهلي ليلًا، وقد تشققت يداي، فضمخوني بالزعفران، فغدوت على رسول الله ﷺ ، فسلمت عليه، فلم يرد علي، ولم يرحب بي، فقال: اغسل هذا. قال: فذهبت، فغسلته، ثم جئت، وقد بقي علي منه شيء، فسلمت عليه، فلم يرد علي، ولم يرحب بي وقال: اغسل هذا عنك، فذهبت فغسلته، ثم جئت، فسلمت عليه، فرد علي، ورحب بي وقال: إن الملائكة لا تحضر جنازة الكافر، ولا المتضمخ بزعفران، ولا الجنب، ورخص للجنب إذا نام، أو أكل، أو شرب أن يتوضأ (١). [ضعيف] (٢).

стр. 2004

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2005

• ويُجاب: أولًا: أن الحديث ضعيف، كما وضح من تخريجه. ثانيًا: حديث عائشة (١)، وأبي طلحة (٢)، وميمونة (٣)، وابن عمر (٤)، في الصحيح،

стр. 2006

بذكر الكلب والصورة دون ذكر الجنب. ثالثًا: ترجم البخاري في صحيحه: باب كينونة الجنب بالبيت، وساق حديث عائشة المتفق عليه في نوم الجنب إذا توضأ (١). قال الحافظ: «أشار المصنف بهذه الترجمة إلى تضعيف ما ورد عن علي مرفوعًا: «إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب ولا صورة ولا جنب» رواه أبو داود وغيره، وفيه نجي بضم النون وفتح الجيم الحضرمي، ما روى عنه غير ابنه عبد الله، فهو مجهول، لكن وثقه العجلي، وصحح حديثه ابن حبان، والحاكم، فيحتمل كما قال الخطابي: أن المراد بالجنب من يتهاون بالاغتسال، ويتخذ تركه عادة، لا من يؤخره ليفعله، قال: ويقويه: أن المراد بالكلب غير ما أذن في اتخاذه، وبالصورة ما فيه روح وما لا يمتهن. قال النووي: وفي الكلب نظر. قال الحافظ: ويحتمل أن يكون المراد بالجنب في حديث علي من لا يرتفع حدثه كله ولا بعضه، وعلى هذا فلا يكون بينه وبين حديث الباب منافاة؛ لأنه إذا توضأ ارتفع بعض حدثه على الصحيح» (٢). قلت: لست بحاجة إلى الجمع أو التأويل والحديث ضعيف، فالمعروف هو امتناع الملائكة من دخول بيت فيه كلب أو صورة، وليست الجنابة أغلظ من النجاسة، ومع ذلك لا تمنع النجاسة دخول الملائكة، والجنب طاهر البدن والعرق، وقد رجحت في كتاب النجاسة جواز دخول المشرك مساجد الله عدا المسجد الحرام، كما ربط ثمامة في سارية من سواري المسجد، والمشرك جنب وزيادة، وكان رسول الله ﷺ ربما قرأ القرآن، ورأسه في حجر عائشة، وهي حائض، ولو كانت الجنابة تمنع دخول الملائكة لوجدت نصوص تحث على المبادرة في غسل الجنابة، ولم يؤمر المسلم بالغسل إلا عند القيام إلى الصلاة، أو تخفيف الجنابة بالوضوء عند النوم، والله أعلم.

стр. 2007

• دليل الحنابلة على جواز المكث بشرط الوضوء: (٧٩٢ - ١١٢) ما أخرجه سعيد بن منصور في سننه، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، قال: رأيت رجالًا من أصحاب رسول الله ﷺ يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضؤا وضوء الصلاة (١). [اختلف فيه على هشام بن سعد، والمحفوظ أنه عن زيد بن أسلم عن رجال من أصحاب النبي ﷺ ، وليس فيه (إذا توضؤوا) الدالة على الشرطية] (٢). وعلى فرض صحته فإنه لا يدل على الوجوب. أولًا: أن هذا حكاية فعل عن بعض أصحاب رسول الله، والفعل المجرد من النبي ﷺ لا يدل على الوجوب فكيف من غيره. ثانيًا: أن هذا الأثر فيه اختلاف سندًا ومتنًا كما تبين من تخريجه. ثالثًا: على تفسير: (وَلا جُنُباً إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) [النساء: ٤٣]، بأن المقصود به المجتاز فإنه يعارض هذا الأثر، فإن الآية تضمنت نهي الجنب عن المكث في المسجد، وجعلت غاية النهي هي الاغتسال، بينما الأثر جعل غاية النهي الوضوء. رابعًا: أن الأثر لم يحك عنهم أن هذا الفعل منهم كان زمن التشريع، بل صريح في أن زيد بن أسلم رآهم، وهذا يدل على أن ذلك كان بعد وفاة النبي ﷺ ولم يحك عن عموم الصحابة حتى يكون حكاية للإجماع، فلا يصلح للاحتجاج. • دليل من قال: يجوز مكث الجنب في المسجد: الدليل الأول: أصحاب هذا القول ليسوا بحاجة إلى دليل؛ لأن المطالب بالدليل من منع ذلك؛

стр. 2008

لأن الأصل الحل، وبراءة الذمة، ولم يرد دليل صحيح صريح في منع الجنب من المكث في المسجد، ولا يجوز منعه إلا بدليل صحيح صريح سالم من المعارضة، ولم يوجد هنا. الدليل الثاني: إذا كان المشرك يدخل المسجد، ويمكث فيه، ولا يبعد أن يكون جنبًا، فالمسلم الجنب من باب أولى، (٧٩٣ - ١١٣) فقد روى البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدثنا الليث، قال: حدثنا سعيد بن أبي سعيد، أنه سمع أبا هريرة، قال: بعث رسول الله ﷺ خيلًا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة، يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي ﷺ فقال: «أطلقوا ثمامة، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. وقد اختصره البخاري (١). وأجاب النووي عن هذا الدليل بقوله: «القياس على المشرك جوابه من وجهين: الأول: أن الشرع فرق بينهما!! فقام دليل تحريم مكث الجنب، وثبت أن النبي ﷺ حبس بعض المشركين في المسجد، فإذا فرق الشرع لم يجز التسوية. الثاني: أن الكافر لا يعتقد حرمة المسجد، فلا يكلف بها، بخلاف المسلم، وهذا كما أن الحربي لو أتلف على المسلم شيئًا لم يلزمه ضمانه، لأنه لم يلتزم الضمان بخلاف المسلم والذمي إذا أتلفا» (٢). ويمكن أن يدفع هذا الكلام، بأن الكافر منهي عما ينهى عنه المسلم، فإذا منع المسلم من دخول المسجد، وقد أكل بصلًا أو ثومًا، منع الكافر كذلك في هذه الحال،

стр. 2009

وكذلك إذا منع المسلم من البصق في المسجد لم يترك الكافر ليبصق فيه، ومثله النهي عن البيع فيه وإنشاد الضالة ونحوها، يلزم الكافر بما يلزم به المسلم، فما كان من قبيل المنهيات أو كان من قبيل الأحكام الوضعية يستوي فيه الكبير والصغير والمسلم والكافر، كالكذب والسرقة والزنا ونحوها، وإذا مكنا الكافر من دخول المسجد، وإن كان لا يعتقد حرمته، فإن هذا الفعل أصبح من كسبنا، وليس من كسب الكافر، والله أعلم. الدليل الثالث: أن الجنب ليس نجسًا، فبدنه، وعرقه، وريقه طاهر، فلا يمنع من دخول المسجد، بل إن المسلم المتضمخ بالنجاسة على وجه لا يتعدى لا يمنع من دخول المسجد، فإذا كان على بدن المسلم أثر بول، أو على ثوبه، لم يحرم عليه دخول المسجد، فالجنب من باب أولى. (٧٩٤ - ١١٤) فقد روى البخاري، قال: حدثنا عياش، قال: حدثنا عبد الأعلى، قال: حدثنا حميد، عن بكر، عن أبي رافع، عن أبي هريرة قال: لقيني رسول الله ﷺ وأنا جنب، فأخذ بيدي، فمشيت معه حتى قعد، فانسللت، فأتيت الرحل فاغتسلت، ثم جئت وهو قاعد فقال: أين كنت يا أبا هريرة؟ فقلت له: فقال: سبحان الله، يا أبا هريرة إن المؤمن لا ينجس. ورواه مسلم (١). وجه الشاهد منه، قوله: (إن المؤمن لا ينجس) سواءً قلنا: إن معنى الحديث: إن المؤمن لا ينجس بالجنابة، وإن كانت قد تلحقه النجاسة الحسية كغيره، أو قلنا: إن المؤمن طاهر بإيمانه، كما أن المشرك نجس بشركه، فهي طهارة معنوية، فعلى كلا التفسيرين إذا كان المؤمن لا ينجس، ولو كان جنبًا، فالطاهر لا يمنع من دخول المسجد.

стр. 2010

الدليل الرابع: إذا كانت الحائض لا تمنع من دخول المسجد على الصحيح، مع أن حدثها أغلظ من حدث الجنابة، فالجنب من باب أولى، (٧٩٥ - ١١٥) فقد روى البخاري، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا عبد العزيز ابن أبي سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم بن محمد، عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكر إلا الحج، فلما جئنا سرف طمثت، فدخل عليَّ النبي ﷺ وأنا أبكي، فقال: ما يبكيك؟ قلت: لوددت والله أني لم أحج العام. قال: لعلك نُفِست؟ قالت: نعم. قال: فإن ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم، فافعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري». ورواه مسلم (١). وجه الاستدلال: (افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي في البيت) فيقال: إن الاستثناء معيار العموم، فلم يستثن الرسول ﷺ إلا الطواف، ومعلوم أن الحاج يمكث في المسجد، ولو كان لا يحل لها لنهاه النبي ﷺ عنه. وبهذا الاستدلال قال ابن حزم، فقد قال: «لو كان دخول المسجد لا يجوز للحائض لأخبر بذلك ﵇ عائشة إذ حاضت، فلم ينهها إلا عن الطواف في البيت، ومن الباطل المتيقن أن يكون لا يحل لها دخول المسجد فلا ينهاها ﵇ عن ذلك، ويقتصر على منعها من الطواف» (٢). وهذا الاستدلال فيه نظر؛ لأن استثناء الطواف من العموم السابق: (افعلي ما يفعل الحاج) فكأنه قال: افعلي جميع المناسك ما عدا الطواف، والمكث في المسجد ليس من الأعمال الخاصة بالمناسك، والله أعلم. ومع أن هذا الدليل لا أراه كافيًا في الاستدلال بمنع الحائض من دخول المسجد،

стр. 2011

إلا أنه ليس الدليل الوحيد في الباب، وقد بحثت هذا الفصل ورجحت جواز دخول الحائض المسجد في بحوث الحيض والنفاس، فأغنى عن إعادته هنا، فالدليل متوجه في الجملة: وهو أن ما جاز للحائض فعله جاز للجنب، وليس العكس، وقد صح عندي جواز دخول الحائض المسجد، فالجنب أولى. الراجح من أقوال أهل العلم. بعد استعراض أدلة الأقوال أرى أن الراجح من أقوال أهل العلم جواز دخول الجنب المسجد، والحدث ليس أغلظ من النجاسة، ومع ذلك لا يمنع المسلم المتلبس بالنجاسة على وجه لا يتعدى من دخول المسجد، والله أعلم. * * *

стр. 2012

الفصل الرابع في قراءة الجنب للقرآن مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • الأصل عدم وجوب الغسل لقراءة القرآن، فمن أوجب الغسل لقراءة القرآن فعليه الدليل. • كل حكم ينفرد بروايته الضعفاء مع حاجة الأمة إليه، فإنه يوجب في النفس ريبة من قبوله. • كل شيء يحتاج إليه في الشرع، ويتكرر، وتكون حاجته عامة ليست مقصورة على فرد معين، لا بد أن تأتي النصوص فيه صحيحة صريحة واضحة تقوم بمثلها الحجة. [م-٣٤١] اختلف العلماء في قراءة الجنب للقرآن،

стр. 2013

فقيل: لا يجوز له، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). وقيل: يجوز للجنب أن يقرأ القرآن، وهو مذهب ابن عباس (٥)، وسعيد ابن المسيب (٦)، واختيار ابن حزم (٧). • دليل الجمهور على منع الجنب من قراءة القرآن: الدليل الأول: (٧٩٦ - ١١٦) ما رواه أحمد، قال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا شعبة، عن عمرو ابن مرة، عن عبد الله بن سَلِمة، عن علي، قال: كان رسول الله ﷺ يقرئنا القرآن ما لم يكن جنبًا (٨). [إسناده ضعيف، والمعروف أنه موقوف على عليّ] (٩).

стр. 2014

وعبد الله بن سلمة، وإن كان فيه كلام، إلا أنه قد توبع، (٧٩٧ - ١١٧) فقد روى أحمد، قال: حدثنا عائذ بن حبيب، حدثني عامر بن السمط، عن أبي الغريف، قال: أتي علي بوضوء، فمضمض واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، وغسل يديه وذراعيه ثلاثًا ثلاثًا، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه، ثم قال: هكذا رأيت رسول ﷺ توضأ، ثم قرأ شيئًا من القرآن، ثم قال: هذا لمن ليس بجنب، فأما الجنب فلا ولا آية (١). [ضعيف، وقوله: (هذا لمن ليس بجنب ... ) إلخ موقوف] (٢). وجه الاستدلال من الحديثين: قالوا: إن تبليغ القرآن من الرسول ﷺ واجب، وكونه يترك هذا الواجب يدل على أنه تركه لما هو أوجب منه، وهو اشتراط الطهارة من الجنابة لقراءة القرآن. • ويُجاب عن هذا الأثر بما يأتي: الأول: أننا أثبتنا أن الأثر موقوف على علي ﵁، وليس مرفوعًا، فإن قيل: أليس الموقوف حجة، قيل: نعم يكون حجة لو لم يخالف من صحابي آخر، وقد خالفه ابن عباس، فأجاز قراءة القرآن للجنب كما سيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى. ثانيًا: قولهم: إن قراءة الرسول ﷺ من قبيل التبليغ، يقال لهم: هل كل قراءة الرسول ﷺ للقرآن من قبيل ذلك، أو يقال: إن قراءة الرسول ﷺ منها ما هو واجب، ومنها ما هو على سبيل الاستحباب، كالتعبد بتلاوته؟ كما أن تبليغ الرسول ﷺ واحدًا من أمته للقرآن تبليغ للأمة، فأكثر ما تكون قراءته له ﷺ على وجه الذكر والتعبد، فإذا كان كذلك، كان حديث عليّ لو صح مجرد فعل من الرسول ﷺ ، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب.

стр. 2015

قال ابن خزيمة: «لا حجة في هذا الحديث لمن منع الجنب من القراءة؛ لأنه ليس فيه نهي، وإنما هو حكاية فعل» (١). وقال ابن حزم: «فأما منع الجنب من قراءة القرآن فاحتجوا بما رواه عبد الله بن سلمة، عن علي بن أبي طالب، ﵁، أن رسول الله ﷺ لم يكن يحجزه عن القرآن شيء ليس الجنابة. وهذا لا حجة فيه؛ لأنه ليس فيه نهي عن أن يقرأ الجنب القرآن، وإنما هو فعل منه ﵇ ... إلخ كلامه رحمه الله تعالى (٢). الدليل الثاني: (٧٩٨ - ١١٨) ما رواه الترمذي، قال: حدثنا علي بن حجر والحسن ابن عرفة، قالا: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن (٣). [ضعيف] (٤). الدليل الثالث: (٧٩٩ - ١١٩) ما رواه الدارقطني، من طريق أبي نعيم النخعي (عبد الرحمن ابن هانئ)، أخبرنا أبو مالك النخعي، عن عبد الملك بن حسين، حدثني أبو إسحاق السبيعي، عن الحارث، عن علي. قال أبو مالك: وأخبرني عاصم بن كليب، عن أبي بردة، عن أبي موسى كلاهما قال: قال رسول الله ﷺ : يا علي إني أرضى لك ما أرضى لنفسي، وأكره لك ما أكره

стр. 2016

لنفسي، لا تقرأ القرآن وأنت جنب، ولا أنت راكع، ولا أنت ساجد، ولا تصل، وأنت عاقص شعرك، ولا تدبح تدبيح الحمار (١). [ضعيف جدًّا] (٢). الدليل الرابع: (٨٠٠ - ١٢٠) ما رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار من طريق عبد الله ابن لهيعة، عن عبد الله بن سليمان، عن ثعلبة بن أبي الكنود، عن مالك بن عبادة الغافقي، قال: أكل رسول الله ﷺ وهو جنب، فأخبرت عمر بن الخطاب، فجرني إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله إن هذا أخبرني أنك أكلت، وأنت جنب، قال: نعم إذا توضأت أكلت وشربت، ولكني لا أصلي، ولا أقرأ حتى أغتسل (٣). [ضعيف، ولو صح لكان حكاية فعل في الجنب خاصة] (٤). الدليل الخامس: (٨٠١ - ١٢١) ما رواه عبد الرزاق، قال: عن الثوري، عن أبي وائل، عن عبيدة السلماني، قال: كان عمر بن الخطاب يكره أن يقرأ القرآن وهو جنب. [رجاله ثقات، والكراهة عند السلف تعني التحريم، وعمر له سنة متبعة؛ لأنه من الخلفاء الراشدين المأمورين باتباع سنتهم] (٥).

стр. 2017

• ويُجاب عن هذا: أولًا: الكراهة في الشرع لفظ مشترك بين التحريم والكراهة، قال رسول الله ﷺ : إني كرهت أن أذكر الله على غير طهر، وكان يكره النوم قبلها، والحديث بعدها. وقال تعالى: (كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً) [الإسراء: ٣٨]. وقال ﷺ : إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال وإضاعة المال، فالكراهة في النص الأول كراهة تنزيه، وفي الثاني والثالث المراد منها التحريم، وإذا كانت الكراهة نصًّا مشتركًا لم يكن الدليل نصًّا في التحريم. ثانيًا: على فرض أن المراد بها التحريم، فإن الصحابة قد اختلفوا في قراءة الجنب للقرآن، وليس قول بعضهم حجة على البعض، وإذا اختلفوا كان الموقف الشرعي النظر في أقرب أقوالهم للحق، كما هو الحال في هذه المسألة. الدليل السادس: (٨٠٢ - ١٢٢) ومنها ما رواه ابن أبي شيبة، حدثنا غندر، عن شعبة، عن حماد، عن إبراهيم، أن ابن مسعود كان يمشي نحو الفرات، وهو يقرئ رجلًا القرآن، فبال ابن مسعود، فكف الرجل عنه، فقال ابن مسعود: مالك؟ فقال: إنك بلت. فقال ابن مسعود: إني لست بجنب (١). [منقطع، إبراهيم لم يسمع من ابن مسعود، وباقي رجاله ثقات إلا حماد بن أبي سليمان فإنه صدوق له أوهام، كما أن الأثر موقوف] (٢). وعلى فرض صحته، فإن الجواب عنه لا يختلف عن الجواب عن أثر عمر ﵁.

стр. 2018

الدليل السابع: (٨٠٣ - ١٢٣) ما رواه الدارقطني من طريق أبي نعيم، أخبرنا زمعة ابن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، قال: كان ابن رواحة مضطجعًا إلى جنب امرأته، فقام إلى جارية له في ناحية الحجرة، فوقع عليها، وفزعت امرأته، فلم تجده في مضجعه، فقامت وخرجت، فرأته على جاريته، فرجعت إلى البيت، فأخذت الشفرة، فقال: مهيم؟ فقالت: مهيم! لو أدركتك حيث رأيتك لوجأت بين كتفيك بهذه الشفرة. قال: وأين رأيتيني؟ فقالت: رأيتك على الجارية. فقال: ما رأيتيني، وقد نهى رسول الله ﷺ أن يقرأ أحدنا القرآن، وهو جنب، قالت: فاقرأ، فقال: أتانا رسول الله يتلو كتابه ... كما لاح مشهور من الفجر ساطع أتى بالهدى بعد العمى فقلوبنا ... به موقنات أن ما قال واقع فقالت: آمنت بالله، وكذبت البصر، ثم غدا على رسول الله ﷺ فأخبره، فضحك حتى رأيت نواجذه ﷺ (١). [ضعيف، والشعر ثابت لعبد الله بن رواحة من غير هذا الطريق] (٢). قالوا: فهذه الأحاديث في منع الجنب صالحة للاحتجاج إما بنفسها، وأما بمجموعها، وكلها تدل على أن الجنب ليس له أن يقرأ القرآن. • وأجيب: بأن أحاديث منع الجنب من قراءة القرآن كونها لا تأتي إلا من طريق الضعفاء، فانفرادهم بهذا الحكم مع حاجة الأمة إليه، يوجب في النفس ريبة من قبول هذا الحكم، فالحكم إذا كانت الأمة بحاجته، لا بد أن تأتي النصوص صحيحة صريحة

стр. 2019

تقوم بمثلها الحجة، وكما قلنا في أحاديث البسملة في الوضوء، وأحاديث تخليل اللحية في الوضوء نقوله هنا، والاعتبار بالحديث الضعيف ليس على إطلاقه، وقد حكم العلماء بأن البسملة بالوضوء لا يثبت فيها حديث، وكذلك أحاديث التخليل مع كثرة الشواهد في الباب، والله أعلم. • دليل من قال: يجوز للجنب قراءة القرآن: الدليل الأول: الأصل عدم وجوب الغسل لقراءة القرآن، فمن أوجب الغسل لقراءة القرآن فعليه الدليل، وبالتالي فهذا القول لا يطالب بالدليل، وإنما يطالب بأن يجيب عن أدلة القائلين بالوجوب، وقد فعل فيما سبق، وهذا كاف في عدم وجوب الغسل من قراءة القرآن، ومع ذلك فسوف نلتمس دليلًا إيجابيًا على صحة قراءة القرآن من الجنب، فيقال: أمر الله بتلاوة القرآن وتدبره، قال تعالى: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) [ص: ٢٩]. وقال تعالى: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) [محمد: ٢٤]. وهذا الأمر بالتدبر مطلق، فمن ادعى منع الجنب أو غيره كلف أن يأتي بالبرهان. الدليل الثاني: لو كان الجنب ممنوعًا من قراءة القرآن لجاءت النصوص الصحيحة الصريحة بمنعه، كما جاء في منعه من الصلاة، فلما كانت الأحاديث الواردة لا تقوم بها حجة، وتدور على الضعفاء والمتروكين علم أن الشرع لا يمنع من ذلك؛ لأن كل شيء يحتاج إليه في الشرع، ويتكرر، وتكون حاجته عامة ليست مقصورة على فرد معين، لا بد أن تأتي النصوص فيه صحيحة صريحة واضحة تقوم بمثلها الحجة، قال : (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [التوبة: ١١٥].

стр. 2020

الدليل الثالث: (٨٠٤ - ١٢٤) ما رواه مسلم من طريق البهي، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه (١). وجه الاستدلال: قال ابن حجر: الذكر أعم من أن يكون بالقرآن أو بغيره، وإنما فرق بين الذكر والتلاوة بالعرف (٢). فإذا كان لفظ الذكر يشمل قراءة القرآن، وكان لفظ الذكر مطلقًا في الحديث، فمن قيد الذكر بما عدا القرآن فعليه الدليل. وحاول أن يرده ابن رجب، فقال: «ليس فيه دليل على جواز قراءة القرآن للجنب؛ لأن ذكر الله إذا أطلق لا يراد به القرآن». وهذا غير صحيح؛ لأن قوله: «الذكر إذا أطلق لا يراد به القرآن»، هل يريد لا يراد به القرآن شرعًا، أم عرفًا؟ فإن كان يقصد العرف فمسلم، والعرف يختلف من قوم إلى قوم، ومن زمان إلى آخر، وأما في الشرع فإن القرآن كله يسمى الذكر، قال : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر: ٩]، وقال سبحانه: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [النحل: ٤٤]، والآيات في هذا كثيرة، والحقيقة الشرعية مقدمة على الحقيقة العرفية. الدليل الرابع: (٨٠٥ - ١٢٥) ما رواه مسلم، قال ﵀: حدثني محمد بن عمرو بن عباد ابن جبلة حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: حدثنا سعيد بن حويرث، أنه سمع ابن عباس يقول: إن النبي ﷺ قضى حاجته من الخلاء، فقرب إليه طعام

стр. 2021

فأكل ولم يمس ماء. قال: وزادني عمرو بن دينار عن سعيد بن الحويرث أن النبي ﷺ قيل له: إنك لم توضأ، قال: ما أردت صلاة فأتوضأ. وزعم عمرو أنه سمع من سعيد بن الحويرث (١). (٨٠٦ - ٢٦) ورواه عبد بن حميد كما في المنتخب، قال: أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن الحويرث، عن ابن عباس. وفيه: إنما أمرتم بالوضوء للصلاة. وسنده صحيح، وفيه التعبير بالحصر بـ (إنما). وجه الاستدلال: فقوله ﷺ : «ما أردت صلاة فأتوضأ»، وقوله: «إنما أمرتم بالوضوء للصلاة» منطوقه: أن الوضوء لا يجب إلا للصلاة، ومفهومه: أنه لا يجب الوضوء لغير الصلاة من قراءة القرآن للجنب والحائض وغيرهما. وقد استدل به ابن تيمية: على جواز الطواف من غير وضوء، فالباب واحد، فينبغي أن يستدل به على هذا الباب أيضًا، والله أعلم. الدليل الخامس: (٨٠٧ - ١٢٧) ما روى ابن المنذر من طريق عبيد بن عبيدة من بني عباب الناجي، قال: قرأ ابن عباس شيئًا من القرآن، وهو جنب، فقيل له في ذلك؟ فقال: ما في جوفي أكثر من ذلك (٢). [صحيح عن ابن عباس] (٣).

стр. 2022

القول الراجح: بعد استعراض أدلة كل قول، نجد أن القول بجواز قراءة الجنب للقرآن أقوى حجة من القائلين باشتراط الطهارة من أجل القراءة، وهو مذهب ابن عباس رحمه الله تعالى، والله أعلم. * * *

стр. 2023

الفصل الخامس في مس الجنب للمصحف [م-٣٤٢] اختلف العلماء في مس الجنب للمصحف، فقيل: تشترط له الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر، وهو مذهب الأئمة الأربعة (١)، واختيار ابن تيمية (٢). وقيل: يجوز للجنب أن يمس المصحف، وهو مذهب ابن حزم ﵀ (٣). وقد ناقشت هذه المسألة في مباحث الحيض والنفاس فأغنى عن إعادته هنا، والله أعلم. * * *

стр. 2024

الفصل السادس في صيام الجنب مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • الصوم عبادة ليس من شرطها الغسل من الحدث. • الجماع في القرآن مباح إلى طلوع الفجر، ويلزم منه أن يكون الغسل بعد طلوع الفجر. • هل الإجماع اللاحق يلغي الخلاف السابق، الراجح: لا؛ لأن الأقوال لا تموت بموت أصحابها. [م-٣٤٣] اختلف العلماء في الرجل يجامع أهله قبل الفجر، ثم يطلع عليه الفجر، وهو جنب، هل يصح صومه، أو يلزمه الغسل قبل طلوع الفجر؟ فقيل: يصح صوم الجنب مطلقًا، وهو مذهب الأئمة الأربعة (١).

стр. 2025

وقيل: لا يصح صومه مطلقًا، وهو مروي عن أبي هريرة، وسالم بن عبد الله، والحسن البصري (١). وقيل: إن أخر الاغتسال لغير عذر بطل صومه. وهو قول عروة بن الزبير (٢). وقيل: يصح في النفل دون الفرض، وهو قول إبراهيم النخعي (٣). • دليل الجمهور على صحة صوم الجنب: الدليل الأول: قال تعالى: (فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) [البقرة: ١٨٧]. وجه الاستدلال: دلت الآية على إباحة الوقاع في كل أجزاء الليل إلى طلوع الفجر، ويفهم منه إباحة الإصباح جنبًا في حالة الصوم؛ لأن إباحة الجماع إلى طلوع الفجر، يستلزم أن يطلع عليه الفجر، وهو جنب. وهذه إشارة لطيفة من النص القرآني على صحة صوم الجنب. الدليل الثاني: (٨٠٨ - ١٢٨) ما رواه البخاري من طريق ابن شهاب، عن عروة وأبي بكر،

стр. 2026

قالت عائشة ﵂: كان النبي ﷺ يدركه الفجر في رمضان من غير حلم، فيغتسل ويصوم، ورواه مسلم (١). وفي رواية للبخاري: (كان يدركه الفجر، وهو جنب من أهله، ثم يغتسل ويصوم) (٢). وجه الاستدلال: يؤخذ من الحديث فائدتان: الأولى: أنه كان يجامع في رمضان، ويؤخر الغسل إلى بعد طلوع الفجر بيانًا للجواز. الثانية: أن ذلك كان من جماع، لا من احتلام (٣). الدليل الثاني: (٨٠٩ - ١٢٩) ما رواه مسلم، من طريق أبي بكر (يعني ابن الحارث) حدثه، أن مروان أرسله إلى أم سلمة ﵂ يسأل، عن الرجل يصبح جنبًا أيصوم؟ فقالت: كان رسول الله ﷺ يصبح جنبا من جماع لا من حلم، ثم لا يفطر، ولا يقضي. وهو في البخاري (٤). وجه الاستدلال من الحديث كالذي قبله. • دليل من قال: لا يصح صوم الجنب: الدليل الأول: (٨١٠ - ١٣٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام

стр. 2027

ابن منبه، قال: هذا ما حدثنا به أبو هريرة عن رسول الله ﷺ قال: إذا نودي للصلاة، صلاة الصبح وأحدكم جنب، فلا يصم يومئذ (١). [رجاله ثقات] (٢).

стр. 2028

وقد وقف العلماء من حديث عائشة وأم سلمة، ومن حديث أبي هريرة إما موقف الترجيح أو موقف الجمع، أو القول بالنسخ. فأما موقف الترجيح فمن وجوه: الأول: أن حديث عائشة موافق لحديث أم سلمة، ورواية الاثنين تقدم على رواية الواحد، لا سيما وهما زوجتان، وهما أعلم بذلك من غيرهما من الرجال. الوجه الثاني: أن حديث عائشة وحديث أم سلمة موافقان للقرآن، وذلك أن الله في آية البقرة أباح الأكل والمباشرة إلى طلوع الفجر، ومعلوم أنه إذا جاز الجماع إلى طلوع الفجر لزم منه أن يصبح جنبًا، وصيامه صحيح. الوجه الثالث: أن حديث عائشة وأم سلمة موافقان للنظر، وهو أن المحرم هو الجماع في وقت الصيام، وأما كون حكم الجنابة باقيًا عليه في وقت الصيام فهذا لا يحرم عليه، فقد يحتلم بالنهار ويجب عليه الغسل، ولا يغتسل مباشرة بل يبقى ساعات كثيرة بالنهار، وهو جنب، ولا يفسد صومه بالإجماع، ولا يجب عليه الغسل إلا عند القيام إلى الصلاة، فكذلك إذا احتلم ليلًا، ثم بقي ساعات جنبًا وهو صائم، بل هو

стр. 2029

من باب أولى، وإنما يمنع الصائم من تعمد الجماع نهارًا، وهو شبيه بمن يمنع من التطيب، وهو محرم، لكن لو تطيب، وهو حلال، ثم أحرم فبقي عليه لونه أو ريحه لم يحرم ذلك عليه. الوجه الرابع: إن أبا هريرة قد رجع عن قوله حين بلغه حديث عائشة وأم سلمة، فهذا يدل على أن أبا هريرة ﵁ قد رجح حديث عائشة وأم سلمة على ما سمعه من الفضل بن عباس، (٨١١ - ١٣١) فقد روى مسلم من طريق ابن جريج، أخبرني عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي بكر، قال: سمعت أبا هريرة يقص، يقول في قصصه: من أدركه الفجر جنبًا فلا يصم، فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن الحارث (لأبيه) فأنكر ذلك، فانطلق عبد الرحمن وانطلقت معه حتى دخلنا على عائشة وأم سلمة، فسألهما عبد الرحمن عن ذلك، قال: فكلتاهما قالت: كان النبي ﷺ يصبح جنبًا من غير حلم، ثم يصوم، قال: فانطلقنا حتى دخلنا على مروان، فذكر ذلك له عبد الرحمن، فقال مروان: عزمت عليك إلا ما ذهبت إلى أبي هريرة، فرددت عليه ما يقول، قال: فجئنا أبا هريرة، وأبو بكر حاضر ذلك كله، قال: فذكر له عبد الرحمن، فقال أبو هريرة: أهما قالتاه لك؟ قال: نعم، قال: هما أعلم، ثم رد أبو هريرة ما كان يقول في ذلك إلى الفضل بن عباس، فقال أبو هريرة: سمعت ذلك من الفضل، ولم أسمعه من النبي ﷺ ، قال: فرجع أبو هريرة عما كان يقول في ذلك (١). ورواه أحمد من طريق شعبة، عن الحكم عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبيه به، وفيه: قال أبو هريرة: عائشة إذن أعلم برسول الله ﷺ .

стр. 2030

[صحيح] (١). (٨١٢ - ١٣٢) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة، عن ابن المسيب، أن أبا هريرة رجع عن فتياه من أصبح جنبًا فلا صوم له (٢). ورجاله ثقات إلا أن رواية قتادة عن سعيد بن المسيب فيها كلام (٣).

стр. 2031

(٨١٣ - ١٣٣) وأخرج النسائي في الكبرى (١)، من طريق عبد الله بن المبارك، عن ابن أبي ذئب، عن سليمان بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أخيه محمد، أنه كان يسمع أبا هريرة يقول: من احتلم من الليل أو واقع أهله، ثم أدركه الفجر، ولم يغتسل، فلا يصوم، قال: ثم سمعته نزع عن ذلك. [إسناده فيه لين] (٢). فيكفي في التصريح بالرجوع من أبي هريرة بما ورد في صحيح مسلم، وسقته في أول الاستدلال على رجوع أبي هريرة. وبما رواه أحمد من طريق شعبة، عن الحكم، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عائشة وأم سلمة في صحة صيام الجنب، وإخبار عبد الرحمن لأبي هريرة بما قالتاه، وشهادة أبي هريرة بأن أمهات المؤمنين أعلم. (٨١٤ - ١٣٤) وأما ما رواه أحمد (٣)، عن علي بن عاصم، عن خالد، عن أبي قلابة،

стр. 2032

عن عبد الرحمن بن عتاب، قال: كان أبو هريرة يقول: من أصبح جنبًا فلا صوم له، قال: فأرسلني مروان بن الحكم أنا ورجل آخر إلى عائشة وأم سلمة، وفيه: فقال مروان لعبد الرحمن: أخبر أبا هريرة بما قالتا، فقال: أبو هريرة: كذا كنت أحسب، وكذا كنت أظن. قال: فقال له مروان: بأظن وبأحسب تفتي الناس! [ضعيف، ومتنه منكر] (١).

стр. 2033

(٨١٥ - ١٣٥) وأما ما رواه ابن عبد البر من طريق عمر بن قيس، عن عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة أنه قال: كنت حدثتكم: من أصبح جنبًا فقد أفطر، فإنما ذلك من كيس أبي هريرة، فمن أصبح جنبًا فلا يفطر (١). [ضعيف جدًّا] (٢). الوجه الخامس: من وجوه الترجيح ما ذكره البخاري في صحيحه، بعد أن أخرج حديث عائشة وأم سلمة، ثم ساق بعده ما يعارضه معلقًا، قال البخاري: قال همام وابن عبد الله بن عمر، عن أبي هريرة، كان النبي ﷺ يأمر بالفطر. قال البخاري: والأول أسند، يعني: حديث عائشة وأم سلمة. ومقصود البخاري بقوله: والأول أسند، أي أكثر طرقًا إلى عائشة وأم سلمة، قال الحافظ: والذي يظهر لي أن مراد البخاري أن الرواية الأولى: أقوى إسنادًا، وهي من حيث الرجحان كذلك؛ لأن حديث عائشة وأم سلمة قد ورد عنهما من طرق كثيرة جدًّا بمعنى واحد، حتى قال ابن عبد البر: إنه صح وتواتر، وأما أبو هريرة فأكثر الروايات عنه أن كان يفتي به، وجاء عنه من طريق هذين (يعني همام وابن عبد الله ابن عمر) أنه كان يرفعه إلى النبي ﷺ ، وكذلك وقع في رواية معمر، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ ، فذكره .. أخرجه عبد الرزاق. وللنسائي من طريق عكرمة بن خالد، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، قال:

стр. 2034

بلغ مروان أنا أبا هريرة يحدث عن رسول الله ﷺ .... فذكره، وله من طريق المقبري، قال: بعثت عائشة إلى أبي هريرة لا تحدث بهذا عن رسول الله ﷺ ، ولأحمد من طريق عبد الله بن عمرو القارئ، سمعت أبا هريرة يقول: ورب هذا البيت، ما أنا قلت: من أدرك الصبح، وهو جنب فلا يصم، محمد ورب الكعبة قاله. اهـ نقلًا من الفتح (١). وقد سبق تخريج كل هذه الطرق عند ذكر أثر أبي هريرة ﵁. وأما طريقة من سلك مسلك الجمع، فله في الجمع أقوال: الأول: قال بعضهم: إن حديث أبي هريرة إرشاد إلى الأفضل، فالأفضل أن يغتسل قبل الفجر، فلو خالف جاز. قال النووي: «وهذا مذهب أصحابنا، وجوابهم عن الحديث، فإن قيل: كيف يكون الاغتسال قبل الفجر أفضل، وقد ثبت عن النبي ﷺ خلافه؟ فالجواب أنه ﷺ فعله لبيان الجواز، ويكون في حقه حينئذ أفضل؛ لأنه يتضمن البيان للناس، وهو مأمور بالبيان، وهذا كما توضأ مرة مرة في بعض الأوقات بيانًا للجواز، ومعلوم أن الثلاث أفضل، وطاف على البعير، ومعلوم أن الطواف ساعيًا أفضل» (٢). وهذا الجواب غير ظاهر، فلا يمكن حمل حديث أبي هريرة على فعل الأفضل وقد وقع التصريح في كثير من طرق حديث أبي هريرة بالأمر بالفطر لمن أصبح جنبًا، وبالنهي عن الصيام لمن أصبح وهو جنب. القول الثاني في الجمع: قال بعضهم: إن حديث عائشة وأم سلمة في حق النبي ﷺ ، وحديث أبي هريرة في حق أمته، فلا تعارض، فيكون من خصائص النبي ﷺ كونه يصبح جنبًا، وهو صائم، ولا يجوز هذا الفعل لأمته ﵊.

стр. 2035

وهذا القول ضعيف؛ لأن خصائص النبي لا تثبت إلا بدليل صريح على أن هذا الحكم خاص به، وإلا فالأصل التأسي به ﷺ ، قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [الأحزاب: ٢١]. وقد ورد دليل صريح بأن هذا الحكم ليس خاصًا بالنبي ﷺ ، (٨١٦ - ١٣٦) فقد روى مسلم من طريق أبي يونس مولى عائشة، عن عائشة أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ يستفتيه، وهي تسمع من وراء الباب، فقال: يا رسول الله تدركني الصلاة، وأنا جنب، أفأصوم؟ فقال رسول الله ﷺ : وأنا تدركني الصلاة، وأنا جنب، فأصوم. فقال: لست مثلنا يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله، وأعلمكم بما أتقي (١). القول الثالث في الجمع: قال بعضهم: لعل حديث أبي هريرة محمول على من أدركه الفجر مجامعًا، فاستدام بعد طلوع الفجر عالمًا فإنه يفطر، ولا صوم له (٢). (٨١٧ - ١٣٧) قال الحافظ ابن حجر: ويعكر عليه ما رواه النسائي من طريق أبي حازم، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبيه، أنا أبا هريرة كان يقول: من احتلم وعلم باحتلامه، ولم يغتسل حتى أصبح فلا يصوم (٣). إسناده صحيح. وأما وجه من اتبع طريقة النسخ، فقال البيهقي: «وروينا عن أبي بكر ابن المنذر
следующие страницы →