← Фикх общий

Фикх общий · id 157

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 3

دبيان الدبيان

Полный текст (5 371 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

(٨١٣ - ١٣٣) وأخرج النسائي في الكبرى (١)، من طريق عبد الله بن المبارك، عن ابن أبي ذئب، عن سليمان بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أخيه محمد، أنه كان يسمع أبا هريرة يقول: من احتلم من الليل أو واقع أهله، ثم أدركه الفجر، ولم يغتسل، فلا يصوم، قال: ثم سمعته نزع عن ذلك. [إسناده فيه لين] (٢). فيكفي في التصريح بالرجوع من أبي هريرة بما ورد في صحيح مسلم، وسقته في أول الاستدلال على رجوع أبي هريرة. وبما رواه أحمد من طريق شعبة، عن الحكم، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عائشة وأم سلمة في صحة صيام الجنب، وإخبار عبد الرحمن لأبي هريرة بما قالتاه، وشهادة أبي هريرة بأن أمهات المؤمنين أعلم. (٨١٤ - ١٣٤) وأما ما رواه أحمد (٣)، عن علي بن عاصم، عن خالد، عن أبي قلابة،

стр. 2032

عن عبد الرحمن بن عتاب، قال: كان أبو هريرة يقول: من أصبح جنبًا فلا صوم له، قال: فأرسلني مروان بن الحكم أنا ورجل آخر إلى عائشة وأم سلمة، وفيه: فقال مروان لعبد الرحمن: أخبر أبا هريرة بما قالتا، فقال: أبو هريرة: كذا كنت أحسب، وكذا كنت أظن. قال: فقال له مروان: بأظن وبأحسب تفتي الناس! [ضعيف، ومتنه منكر] (١).

стр. 2033

(٨١٥ - ١٣٥) وأما ما رواه ابن عبد البر من طريق عمر بن قيس، عن عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة أنه قال: كنت حدثتكم: من أصبح جنبًا فقد أفطر، فإنما ذلك من كيس أبي هريرة، فمن أصبح جنبًا فلا يفطر (١). [ضعيف جدًّا] (٢). الوجه الخامس: من وجوه الترجيح ما ذكره البخاري في صحيحه، بعد أن أخرج حديث عائشة وأم سلمة، ثم ساق بعده ما يعارضه معلقًا، قال البخاري: قال همام وابن عبد الله بن عمر، عن أبي هريرة، كان النبي ﷺ يأمر بالفطر. قال البخاري: والأول أسند، يعني: حديث عائشة وأم سلمة. ومقصود البخاري بقوله: والأول أسند، أي أكثر طرقًا إلى عائشة وأم سلمة، قال الحافظ: والذي يظهر لي أن مراد البخاري أن الرواية الأولى: أقوى إسنادًا، وهي من حيث الرجحان كذلك؛ لأن حديث عائشة وأم سلمة قد ورد عنهما من طرق كثيرة جدًّا بمعنى واحد، حتى قال ابن عبد البر: إنه صح وتواتر، وأما أبو هريرة فأكثر الروايات عنه أن كان يفتي به، وجاء عنه من طريق هذين (يعني همام وابن عبد الله ابن عمر) أنه كان يرفعه إلى النبي ﷺ ، وكذلك وقع في رواية معمر، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ ، فذكره .. أخرجه عبد الرزاق. وللنسائي من طريق عكرمة بن خالد، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، قال:

стр. 2034

بلغ مروان أنا أبا هريرة يحدث عن رسول الله ﷺ .... فذكره، وله من طريق المقبري، قال: بعثت عائشة إلى أبي هريرة لا تحدث بهذا عن رسول الله ﷺ ، ولأحمد من طريق عبد الله بن عمرو القارئ، سمعت أبا هريرة يقول: ورب هذا البيت، ما أنا قلت: من أدرك الصبح، وهو جنب فلا يصم، محمد ورب الكعبة قاله. اهـ نقلًا من الفتح (١). وقد سبق تخريج كل هذه الطرق عند ذكر أثر أبي هريرة ﵁. وأما طريقة من سلك مسلك الجمع، فله في الجمع أقوال: الأول: قال بعضهم: إن حديث أبي هريرة إرشاد إلى الأفضل، فالأفضل أن يغتسل قبل الفجر، فلو خالف جاز. قال النووي: «وهذا مذهب أصحابنا، وجوابهم عن الحديث، فإن قيل: كيف يكون الاغتسال قبل الفجر أفضل، وقد ثبت عن النبي ﷺ خلافه؟ فالجواب أنه ﷺ فعله لبيان الجواز، ويكون في حقه حينئذ أفضل؛ لأنه يتضمن البيان للناس، وهو مأمور بالبيان، وهذا كما توضأ مرة مرة في بعض الأوقات بيانًا للجواز، ومعلوم أن الثلاث أفضل، وطاف على البعير، ومعلوم أن الطواف ساعيًا أفضل» (٢). وهذا الجواب غير ظاهر، فلا يمكن حمل حديث أبي هريرة على فعل الأفضل وقد وقع التصريح في كثير من طرق حديث أبي هريرة بالأمر بالفطر لمن أصبح جنبًا، وبالنهي عن الصيام لمن أصبح وهو جنب. القول الثاني في الجمع: قال بعضهم: إن حديث عائشة وأم سلمة في حق النبي ﷺ ، وحديث أبي هريرة في حق أمته، فلا تعارض، فيكون من خصائص النبي ﷺ كونه يصبح جنبًا، وهو صائم، ولا يجوز هذا الفعل لأمته ﵊.

стр. 2035

وهذا القول ضعيف؛ لأن خصائص النبي لا تثبت إلا بدليل صريح على أن هذا الحكم خاص به، وإلا فالأصل التأسي به ﷺ ، قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [الأحزاب: ٢١]. وقد ورد دليل صريح بأن هذا الحكم ليس خاصًا بالنبي ﷺ ، (٨١٦ - ١٣٦) فقد روى مسلم من طريق أبي يونس مولى عائشة، عن عائشة أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ يستفتيه، وهي تسمع من وراء الباب، فقال: يا رسول الله تدركني الصلاة، وأنا جنب، أفأصوم؟ فقال رسول الله ﷺ : وأنا تدركني الصلاة، وأنا جنب، فأصوم. فقال: لست مثلنا يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله، وأعلمكم بما أتقي (١). القول الثالث في الجمع: قال بعضهم: لعل حديث أبي هريرة محمول على من أدركه الفجر مجامعًا، فاستدام بعد طلوع الفجر عالمًا فإنه يفطر، ولا صوم له (٢). (٨١٧ - ١٣٧) قال الحافظ ابن حجر: ويعكر عليه ما رواه النسائي من طريق أبي حازم، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبيه، أنا أبا هريرة كان يقول: من احتلم وعلم باحتلامه، ولم يغتسل حتى أصبح فلا يصوم (٣). إسناده صحيح. وأما وجه من اتبع طريقة النسخ، فقال البيهقي: «وروينا عن أبي بكر ابن المنذر

стр. 2036

أنه قال: أحسن ما سمعت في هذا، أن يكون ذلك محمولًا على النسخ، وذلك أن الجماع كان في أول الإسلام محرمًا على الصائم في الليل بعد النوم، كالطعام والشراب، فلما أباح الله الجماع إلى طلوع الفجر، جاز للجنب إذا أصبح قبل أن يغتسل أن يصوم ذلك اليوم؛ لارتفاع الحظر، فكان أبو هريرة يفتي بما سمعه من الفضل ابن عباس على الأمر الأول، ولم يعلم بالنسخ، فلما سمع خبر عائشة وأم سلمة صار إليه» (١). قال ابن حجر: «ويقويه أن في حديث عائشة هذا الأخير ما يشعر بأن ذلك كان بعد الحديبية، لقوله فيها: قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، وأشار إلى آية الفتح، وهي إنما نزلت عام الحديبية، سنة ست، وابتداء فرض الصيام كان في السنة الثانية، وإلى دعوى النسخ ذهب ابن المنذر والخطابي وغير واحد» (٢). • دليل من فرق بين الفرض والنفل أو بين المعذور وغير المعذور: هذان القولان هما من وجوه الجمع بين حديث أبي هريرة، وبين حديث عائشة وأم سلمة، فحمل حديث أبي هريرة على الفرض، وحمل حديث عائشة وأم سلمة على النفل. أو حمل حديث أبي هريرة على غير المعذور، وحمل حديث عائشة وأم سلمة على المعذور، ومن سلك طريق الجمع لم ير حديث أبي هريرة غلطًا، أو منسوخًا، وإنما رأى أن هناك دليلين ظاهرهما التعارض، فحاول الجمع، وما زال بعض التابعين لا يرون أن أبا هريرة رجع عن حديثه. ولذلك قال الترمذي في سننه: حديث عائشة وأم سلمة حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، ثم قال: وقد قال قوم من التابعين: إذا أصبح

стр. 2037

جنبًا يقضي ذلك اليوم، والقول الأول أصح (١). فهنا الترمذي يرى أن هناك قومًا من التابعين يأخذون بحديث أبي هريرة. (٨١٨ - ١٣٨) وروى عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: أيبيت الرجل جنبًا في شهر رمضان حتى يصبح، يتعمد ذلك، ثم يصوم؟ قال: أما أبو هريرة فكان ينهى عن ذلك، وأما عائشة فكانت تقول: ليس بذلك بأس، فلما اختلفا على عطاء، قال: يتم يومه ذلك، ويبدل يومًا (٢). [وإسناده صحيح عن عطاء]. • الراجح من خلاف أهل العلم: بعد استعراض أدلة الأقوال نرى أن استصحاب حكم الجنابة لا يؤثر على الصيام، وقد دللنا على ذلك أثرًا ونظرًا، وهذا القول قد رأى بعضهم أن الإجماع انعقد عليه عند المتأخرين، قال النووي: «وأما حكم المسألة فقد أجمع أهل هذه الأمصار على صحة صوم الجنب، سواءً كان من احتلام أو جماع، وبه قال جماهير الصحابة والتابعين» (٣). وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: «وقد بقي على مقالة أبي هريرة بعض التابعين كما نقله الترمذي، ثم ارتفع ذلك الخلاف، واستقر الإجماع على خلافه كما جزم به النووي، وأما ابن دقيق العيد، فقال: صار ذلك إجماعًا أو كالإجماع» (٤). وهل ينعقد الإجماع بعد ثبوت الخلاف عند الصحابة والتابعين، هذه مسألة خلافية بحثها في أصول الفقه، والراجح أن الأقوال لا تموت بموت أصحابها، والله أعلم. * * *

стр. 2038

مبحث في الحائض والنفساء تطهر قبل الفجر ولا تغتسل إلا بعد طلوع الصبح مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • ما يمنع الحائض من الصوم هو وجود الأذى النازل منها، فإذا انقطع الخبث صارت في حكم الجنب، فيصح صومها. • إذا انقطع الحيض ارتفع حكمه إلا فيما تشترط له الطهارة من الحدث. • النقاء من الحيض شرط في صحة الصوم، والاغتسال منه بعد انقطاعه ليس بشرط. • كل ما يصح من الجنب يصح من الحائض إذا انقطع حيضها ولم تغتسل. • وجوب الغسل لا ينافي صحة الصوم كالغسل من الجنابة. [م-٣٤٤] إذا طهرت المرأة من الحيض ليلًا، ونوت الصيام، وأخرت الغسل إلى طلوع الفجر، فهل يصح صومها ذلك اليوم؟ اختلف العلماء في ذلك:

стр. 2039

فقيل: إن طهرت قبل الفجر بوقت يتسع فيه للغسل، فلم تغتسل حتى طلع الفجر أجزأها، وإن كان الوقت ضيقًا، لا يتسع للغسل، لم يصح صومها (١). وهذا مذهب الحنفية، واختاره من المالكية عبد الملك، ومحمد بن مسلمة (٢). وقيل: صيامها صحيح، وهو مذهب الجمهور (٣). وقيل: لا يباح الصيام مطلقًا حتى تغتسل، وهو قول في مذهب الحنابلة (٤)، وحكي قولًا للأوزاعي (٥).

стр. 2040

وسبب الخلاف في هذه المسألة، اختلافهم فيها: هل هي مقيسة على من أجنب من الليل، ثم طلع عليه الفجر ولم يغتسل، أو لا؟ فمن رأى أن الحيض حدث يمنع من الصيام لم يجر القياس. ومن رأى أن الحائض إذا طهرت من الدم أصبحت كالجنب بجامع أن كلًا منهما يملك أن يرفع حدثه متى شاء، فالحائض عندما انقطع دمها قد طهرت من الخبث، وبقيت طهارتها من الحدث، فأصبح حدثها بعد انقطاع دمها لا يوجب إلا الغسل، كالجنب تمامًا، وصفة الغسل في الجنابة والحيض واحدة، أجرى القياس، فصحح صيام الحائض إذا طهرت من الليل ولم تغتسل إلا بعد طلوع الصبح. وهناك من رأى أنه يشترط أن تدرك من الوقت زمنًا يتسع للغسل، حتى يكون الصيام واجبًا في ذمتها، فإن كان الوقت ضيقًا، لا تدرك فيه الغسل، لم يصح صومها، ويومها يوم فطر، ويخرج الخلاف في هذه المسألة كالخلاف في من طهرت قبل خروج وقت الصلاة، هل يشترط أن تدرك من الوقت زمنًا يتسع للغسل حتى تكون الصلاة واجبة في ذمتها، أو يكفي أن تدرك من الوقت مقدار تكبيرة الإحرام، أو مقدار ركعة، على الخلاف المعروف ولا مدخل فيه لوقت الغسل. وقد ذكرنا أدلة هذه الأقوال بشيء من التفصيل في كتابي الحيض والنفاس رواية ودارية فأغنى عن إعادته هنا (١). * * *

стр. 2041

الفصل السابع في أذان وإقامة الجنب للصلاة المبحث الأول في أذان الجنب مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • الأصل عدم اشتراط الطهارة للأذان. • كل ذكر لله خارج الصلاة ولم يكن عن طريق مس المصحف لا تشترط له الطهارة، ومن ذلك الأذان. [م-٣٤٥] اختلف الفقهاء في أذان الجنب، فقيل: يكره أذانه، وهو مذهب الحنفية (١)، وأحد القولين في مذهب المالكية (٢)،

стр. 2042

ومذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢). وقيل: لا بأس بذلك في غير المسجد، وهو قول في مذهب المالكية (٣)، وقول في مذهب الحنابلة (٤). وقيل: إن أذن جنبًا أعاد، وهو اختيار الخرقي من الحنابلة (٥). • دليل من قال: لا يصح الأذان إلا بطهارة: (٨١٩ - ١٣٩) استدلوا: بما رواه البيهقي من طريق سلمة بن سليمان الضبي، حدثنا صدقة بن عبيد الله المازني، حدثنا الحارث بن عتبة، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، قال: حق وسنة مسنونة أن لا يؤذن الرجل إلا وهو طاهر، ولا يؤذن إلا وهو قائم (٦). [ضعيف] (٧).

стр. 2043

الدليل الثاني: قالوا: إن للأذان شبهًا بالصلاة، وذلك أنهما يفتتحان بالتكبير، ويؤديان مع الاستقبال، ويختصان بالوقت، ولا يتكلم فيهما (١). • ويُجاب عنه: بأن الجنابة أحد الحدثين، ولو كان الأذان صلاة، ما صح مع الحدث الأصغر، ولما أجزأ عندهم. الدليل الثالث: قالوا: إن الأذان يتطلب دخول المسجد، والجنب ممنوع من دخول المسجد. ويُجاب: بأن هذه المسألة قد بحثت في فصل مستقل، وعُرِض فيها أقوال أهل العلم، فمنهم من منع مطلقًا، ومنهم من أباح المرور فيه بدون مكث، ومنهم من أجاز المكث بشرط الوضوء، وقد ترجح من خلال البحث جواز دخول الجنب للمسجد مطلقًا، فأغنى عن إعادته هنا. • دليل من قال: يكره أذان الجنب: الدليل الأول: قالوا: قد ذهب بعض أهل العلم إلى أن أذان الجنب لا يصح، فخروجًا من الخلاف قلنا بالكراهة (٢). والتعليل بالخلاف تعليل ضعيف، مع أنهم في هذه المسألة لم يخرجوا من الخلاف،

стр. 2044

بل زادوا منه لأمور: أولًا: أنتم لم تأتوا بقول يجمع بين القولين حتى يقال: قد وفقتم بين الخلاف، فلا أنتم قلتم بصحته بلا كراهة، ولا أنتم منعتم منه، فأنتم في الحقيقة أحدثتم قولًا ثالثًا في المسألة، لا بسبب دليل دعاكم إلى القول بهذا، ولكن الذي دعاكم إلى القول به، وجود قولين في المسألة، وبدلًا من أن يكون في المسألة قولان، أصبح فيها ثلاثة أقوال، فأصبح تعليلكم زاد من الخلاف، ولم تخرجوا منه. ثانيًا: الكراهة حكم شرعي، يقوم على دليل شرعي، ووجود الخلاف ليس من أدلة الشرع المتفق عليها، ولا المختلف فيها حتى نعلل به الحكم الشرعي. ثالثًا: لو أخذنا بالخلاف كدليل أو تعليل للحكم الشرعي، للزم أن كل مسألة خلافية، نقول: إنها مكروهة، وهذا لا يقول به أحد، فالصحيح أن الخلاف قسمان: خلاف يكون ضعيفًا جدًّا، فهذا نطرحه ولا نبالي. وليس كل خلاف جاء معتبرًا ... إلا خلافًا له حظ من النظر وخلاف يكون قويًّا، فتجد كل خلاف في المسألة له دليل قوي، وله حظ من النظر، فهنا ينظر: فإن أمكن الخروج من الخلاف، بحيث نأخذ بقول يجمع بين القولين، فهو جيد، ويكون من باب الاحتياط، وليس السبب وجود الخلاف، ولكن السبب تنازع الأدلة، فهو من باب دع ما يريبك إلى ما لا يريبك. وليس كل خلاف يمكن الخروج منه، فإن هناك أقوالًا متضادة لا يمكن الخروج من الخلاف فيها، وذلك مثل قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية، فهناك قول يقول: تجب قراءتها، وقول آخر يقول: تحرم قراءتها، فلا يمكن هنا في مثل هذه المسألة الخروج من خلاف أهل العلم، ولا بد من ترجيح أحد القولين لامتناع جمع هذين القولين في قول ثالث، والله أعلم. الدليل الثاني: قالوا: إنه ذكر مشروع للصلاة يتقدمها أشبه الخطبة.

стр. 2045

قلت: القياس في العبادات ضعيف، ولا يصح إلا مع النص على العلة ووجودها في المقيس، وهذا لا يتأتى هنا، مع أن المقيس عليه، وهو الخطبة لا دليل فيها على كراهتها من الجنب. الدليل الثالث: قالوا: إن المؤذن يدعو الناس إلى التأهب للصلاة، فإذا لم يكن متأهبًا لها دخل تحت قوله تعالى: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ) [البقرة: ٤٤]. • ويُجاب: بأن الآية ليس هذا موضعًا لها، ولذا قال في آخر الآية: أَفَلا تَعْقِلُونَ) والأذان من الجنب ليس منافيًا للعقل، ثم إن الجنب سوف يصلي فلا يدخل تحت من يأمر الناس بشيء ولا يفعله، غاية ما فيه أنه سوف يذهب للغسل بعد الأذان، فهو كمن أذن، وهو محدث حدثًا أصغر، ثم ذهب يتوضأ بعد الأذان، ولا فرق إلا أن هذه طهارة لأربعة أعضاء، وهذه طهارة للبدن كله. • دليل من قال: يصح الأذان من الجنب: قالوا: لم يأت نهي من كتاب الله، ولا من سنة رسول ﷺ للجنب يمنعه من الأذان، وقد قال : (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) [الأنعام: ١١٩]. فصح أن كل ما لم يفصل لنا تحريمه، فهو مباح (١). الدليل الثاني: أن الأذان ذكر لله، والجنب لا يمنع من ذكر الله اتفاقًا في غير القرآن الكريم، فكذا لا يمنع من الأذان.

стр. 2046

• القول الراجح: بعد استعراض أدلة الأقوال نجد أن القول بصحة أذان الجنب هو أقوى الأقوال، وذلك أن من منع أو كره أذان الجنب لم يأت بدليل صحيح صريح على ما ذهب إليه، والأصل عدم المنع، وإذا كنتم لا تمنعون الجنب من إجابة المؤذن، وهو سوف يقول مثل ما قال المؤذن، فكيف يمنع من الأذان، فلا فرق بينهما، والله أعلم. * * *

стр. 2047

المبحث الثاني في إقامة الجنب للصلاة مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • كل ذكر لله خارج الصلاة ولم يكن عن طريق مس المصحف لا تشترط له الطهارة، ومن ذلك الإقامة. [م-٣٤٦] اختلف أهل العلم في إقامة الجنب للصلاة، فقيل: لا تصح الإقامة من الجنب، وهو مذهب المالكية (١)، وقول عطاء، ومجاهد، والأوزاعي، وإسحاق (٢). وقيل: تكره، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة (٣)، وقول في مذهب

стр. 2048

المالكية (١). وقيل: تصح الإقامة من الجنب بلا كراهة، وهو اختيار ابن حزم (٢). • وجه منع الجنب من إقامة الصلاة. كل الأدلة التي استدلوا بها على منع الجنب من الأذان، استدلوا بها هنا على منع الجنب من إقامة الصلاة، بل قالوا: إن الإقامة أشد في المنع من الأذان. • وجه كراهة إقامة الجنب: أنه يلزم منه الخروج من المسجد بعد الأذان، ويترتب عليه فوات قدر من الصلاة، وفواته المكان الفاضل، ويلزم منه الفصل بين الإقامة والصلاة، وهي متصلة بها. • وجه تصحيح إقامة الجنب: نفس الأدلة التي استدلوا بها على تصحيح أذان الجنب يستدل بها هنا على صحة إقامة الجنب، فلم يأت دليل من كتاب أو سنة يمنع من إقامة الجنب للصلاة، والتعاليل التي ذكروها لا تكفي في الكراهة الشرعية. • الراجح: صحة إقامة الجنب، ولو قيل: إنها خلاف الأولى لم يبعد هذا القول، أما الجزم بالكراهة، فيفتقر إلى نهي من الشارع، ولم يثبت، والله أعلم. * * *

стр. 2049

الفصل الثامن في نوم الجنب مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • أحكام النوم كأحكام اليقظة، فإذا لم يجب الوضوء لليقظة لم يجب للنوم من باب أولى؛ لأن النوم مبطل للطهارة الصغرى. • كل وضوء لا يخرج صاحبه من حال الحدث إلى الطهارة لا يكون واجبًا، كوضوء الجنب، ومن به حدث دائم. • الوضوء تارة يكون واجبًا، وتارة يكون مستحبًا: فيكون واجبًا إذا كان الوضوء وسيلة لتحصيل بعض العبادات الواجبة كالصلاة، ومستحبًا إذا قصد لذاته، أو كان وسيلة لتحصيل بعض العبادات المستحبة كالذكر. • وضوء الجنب للنوم لا يتعلق به وجوب؛ لأن النوم مباح، ووسيلة المباح لا يكون واجبًا. • الوضوء قبل النوم مشروع بالاتفاق، والجنب كغيره (١).

стр. 2050

• اختلفوا في تعليل الوضوء للجنب: فقيل: الوضوء للجنب طلبًا للنشاط. وقيل: من أجل المبيت على إحدى الطهارتين. وبناءً على هذا الاختلاف اختلفوا في وضوء الحائض قبل أن تنام: فمقتضى التعليل بالمبيت على إحدى الطهارتين أن تتوضأ الحائض؛ لأن المعنى موجود فيها. ومقتضى التعليل بحصول النشاط ألا تؤمر به الحائض. وإذا أحدث بعد الوضوء، فإن قلنا: لينام على إحدى الطهارتين أعاد الوضوء استحبابًا، وإن قلنا: الوضوء للنشاط لا يعيد. وقيل شرع الوضوء؛ لأن النوم وفاة، فشرع للجنب نوع من الطهارة كالموت، وهذا التعليل لا يخص الجنب؛ لأن النوم وفاة في حق الجميع. • وضوء الجنب هل هو رفع للحدث الأصغر، أو تخفيف للحدث الأكبر بتقديم أعضاء الوضوء بالغسل لشرفها، كما قال في غسل ابنته: اغسلنها وابدأن بمواضع الوضوء منها؟ لأن الحدث الأصغر لا يرتفع مع بقاء الأكبر، ولذلك لا ينتقض هذا الوضوء ببول، ولا غائط، ولا يبطل بشيء إلا بمعاودة الجماع؛ لأن هذا الوضوء لم يرفع حدثًا حتى يقال: بطل حكمه. [م-٣٤٧] اتفق العلماء على جواز النوم للجنب قبل الاغتسال، واختلفوا في جواز النوم قبل الوضوء، فقيل: الوضوء قبل أن ينام أفضل، وهو مذهب الحنفية (١)، وإليه مال ابن عبد البر

стр. 2051

رحمه الله (١). وقيل: يندب للجنب أن يتوضأ قبل أن ينام، هو مذهب المالكية (٢)،

стр. 2052

وقيل: يكره أن ينام بدون وضوء، وهو مذهب الشافعية (١)، والمشهور عند

стр. 2053

المتأخرين من الحنابلة (١)، واختيار ابن تيمية ﵀ (٢). وقيل: يجب عليه الوضوء إذا أراد أن ينام، اختاره ابن حبيب من المالكية (٣)، وهو مذهب الظاهرية (٤). • دليل من قال: للجنب أن ينام دون أن يمس ماء: الدليل الأول: (٨٢٠ - ١٤٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا هشيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ ينام، وهو جنب، ولا يمس ماء (٥). [حديث معلول] (٦).

стр. 2054

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2055

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2056

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2057

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2058

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2059

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2060

الدليل الثاني: (٨٢١ - ١٤١) ما رواه ابن خزيمة من طريق أحمد بن عبدة، أخبرنا سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن عمر، أنه سأل رسول الله ﷺ ، أينام أحدنا، وهو جنب؟ قال: ينام، ويتوضأ إن شاء (١). [رجاله ثقات إلا أن زيادة (إن شاء) ليست محفوظة] (٢).

стр. 2061

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2062

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2063

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2064

الدليل الثالث: (٨٢٢ - ١٤٢) ما رواه مسلم، من طريق ابن جريج، قال: حدثنا سعيد بن حويرث، أنه سمع ابن عباس يقول: إن النبي ﷺ قضى حاجته من الخلاء، فقرب إليه طعام فأكل ولم يمس ماء. قال: وزادني عمرو بن دينار، عن سعيد بن الحويرث، أن النبي ﷺ قيل له: إنك لم توضأ، قال: ما أردت صلاة فأتوضأ. وزعم عمرو أنه سمع من سعيد بن الحويرث (١). (٨٢٣ - ١٤٣) ورواه عبد بن حميد كما في المنتخب من طريق ابن أبي مليكة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن الحويرث، عن ابن عباس. وفيه: إنما أمرتم بالوضوء للصلاة. وسنده صحيح، وفيه التعبير بالحصر بـ (إنما). وجه الاستدلال: فقوله ﷺ : (ما أردت صلاة فأتوضأ) وقوله: (إنما أمرتم بالوضوء للصلاة)، منطوقه: أن الوضوء لا يجب إلا للصلاة، ومفهومه: أنه لا يجب لغير الصلاة، ومنه الوضوء عند النوم للجنب. • دليل القائلين بوجوب الوضوء إذا أراد الجنب أن ينام: الدليل الأول: (٨٢٤ - ١٤٤) ما رواه البخاري من طريق الليث، عن نافع، عن ابن عمر، أن عمر بن الخطاب سأل رسول الله ﷺ ، أيرقد أحدنا وهو جنب؟

стр. 2065

قال: نعم، إذا توضأ أحدكم فليرقد، وهو جنب، ورواه مسلم (١). فأذن بالنوم بشرط الوضوء، وهذا دليل على وجوبه. الدليل الثاني: صح من فعله ﷺ ، أنه إذا أراد أن ينام توضأ، وهذا وإن كان فعلًا إلا أنه مؤيد لحديث عمر بن الخطاب، في عدم النوم إلا بشرط الوضوء، ولم ينقل ترك النبي ﷺ من حديث صحيح حتى يقال: يجوز تركه. (٨٢٥ - ١٤٥) فقد روى البخاري من طريق عن عروة، عن عائشة قالت كان النبي ﷺ إذا أراد أن ينام، وهو جنب، غسل فرجه، وتوضأ للصلاة، ورواه مسلم (٢). فقوله: (كان) دليل على الاستمرار من حاله ﷺ . الدليل الثالث: (٨٢٦ - ١٤٦) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن عطاء الخرساني، عن يحيى بن يعمر، عن عمار، عن النبي ﷺ ، أنه رخص للجنب، إذا أراد أن ينام، أو يأكل، أو يشرب، أن يتوضأ وضوءه للصلاة (٣). [ضعيف] (٤).

стр. 2066

فقوله: (رخص) يدل على أنه في مقابل المنع، فيؤخذ منه أن غير المتوضئ لا يرخص له في النوم. وهذا ممكن أن يتوجه القول به لو صح الحديث. • دليل من قال: يكره النوم للجنب بدون وضوء: هذا القول حين رأى أن القول بالوجوب قول قوي، وأن الرسول ﷺ كان لا ينام، وهو جنب إلا وهو على وضوء، وحين استفتاه عمر ﵁ في النوم أذن له بشرط الوضوء، رأى أن ترك الوضوء والحالة هذه مكروه، خروجًا من خلاف القائلين بالوجوب، والله أعلم. • الراجح: بعد استعراض أدلة الأقوال، نجد أن القول بالوجوب قول قوي، والقول بالاستحباب أقوى، وعلى كل فعلى المسلم أن يحرص على النوم على وضوء، خروجًا من خلاف أهل العلم، والله أعلم. * * *

стр. 2067

الفصل التاسع في أكل الجنب وشربه مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • إذا كان رفع الحدث ليس مشروعًا لتحصيل الأكل، لم يكن تخفيف الحدث مشروعًا من الجنب لذلك. • الأصل عدم المشروعية، والأحاديث الواردة في الباب لا تسلم من علة التفرد والمخالفة. [م-٣٤٨] اختلف العلماء في وضوء الجنب للأكل والشرب، فقيل: يغسل يديه إن كان أصابهما أذى، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢).

стр. 2068

وقيل: يستحب للجنب أن يتوضأ عند الأكل، وهو مذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢). • دليل من قال: يستحب له أن يغسل يديه: (٨٢٧ - ١٤٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا علي بن إسحاق، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا يونس، عن الزهري، قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن عائشة زوج النبي ﷺ ، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة، وإذا أراد أن يأكل ويشرب، قالت: يغسل يده ثم يأكل ويشرب (٣). [حديث الوضوء للنوم محفوظ في الصحيحين، وحديث غسل اليد من الجنب للأكل مختلف في ثبوته] (٤).

стр. 2069

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2070

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →