فقوله: (رخص) يدل على أنه في مقابل المنع، فيؤخذ منه أن غير المتوضئ لا يرخص له في النوم.
وهذا ممكن أن يتوجه القول به لو صح الحديث.
• دليل من قال: يكره النوم للجنب بدون وضوء:
هذا القول حين رأى أن القول بالوجوب قول قوي، وأن الرسول ﷺ كان لا ينام، وهو جنب إلا وهو على وضوء، وحين استفتاه عمر ﵁ في النوم أذن له بشرط الوضوء، رأى أن ترك الوضوء والحالة هذه مكروه، خروجًا من خلاف القائلين بالوجوب، والله أعلم.
• الراجح:
بعد استعراض أدلة الأقوال، نجد أن القول بالوجوب قول قوي، والقول بالاستحباب أقوى، وعلى كل فعلى المسلم أن يحرص على النوم على وضوء، خروجًا من خلاف أهل العلم، والله أعلم.
* * *
стр. 2067
الفصل التاسع
في أكل الجنب وشربه
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• إذا كان رفع الحدث ليس مشروعًا لتحصيل الأكل، لم يكن تخفيف الحدث مشروعًا من الجنب لذلك.
• الأصل عدم المشروعية، والأحاديث الواردة في الباب لا تسلم من علة التفرد والمخالفة.
[م-٣٤٨] اختلف العلماء في وضوء الجنب للأكل والشرب،
فقيل: يغسل يديه إن كان أصابهما أذى، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢).
стр. 2068
وقيل: يستحب للجنب أن يتوضأ عند الأكل، وهو مذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢).
• دليل من قال: يستحب له أن يغسل يديه:
(٨٢٧ - ١٤٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا علي بن إسحاق، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا يونس، عن الزهري، قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن،
أن عائشة زوج النبي ﷺ ، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة، وإذا أراد أن يأكل ويشرب، قالت: يغسل يده ثم يأكل ويشرب (٣).
[حديث الوضوء للنوم محفوظ في الصحيحين، وحديث غسل اليد من الجنب للأكل مختلف في ثبوته] (٤).
• دليل من قال: يستحب له الوضوء .
(٨٢٨ - ١٤٨) ما رواه مسلم، من طريق ابن علية، ووكيع، وغندر، عن شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود،
عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا كان جنبًا، فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة (١).
[زيادة الوضوء للأكل انفرد بها الحكم عن إبراهيم، ورواه أبو سلمة وعروة عن عائشة بالاقتصار على وضوء الجنب للنوم] (٢).
الدليل الثاني:
(٨٢٩ - ١٤٩) ما رواه ابن ماجه، قال: حدثنا محمد بن عمر بن هياج، حدثنا إسماعيل بن صبيح، حدثنا أبو أويس، عن شرحبيل بن سعد،
عن جابر بن عبد الله قال: سئل النبي ﷺ عن الجنب، هل ينام، أو يأكل، أو
стр. 2076
يشرب؟ قال: نعم إذا توضأ وضوءه للصلاة (١).
[تفرد به أبو أويس، وليس بالقوي] (٢).
الدليل الثالث:
(٨٣٠ - ١٥٠) ما رواه الطبراني من طريق جابر بن يزيد الجعفي، عن عبد الرحمن ابن سابط، عن أم سلمة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أجنب لم يطعم حتى يتوضأ وضوءه للصلاة (٣).
[ضعيف جدًّا] (٤).
стр. 2077
الدليل الرابع:
(٨٣١ - ١٥١) ما رواه الطبراني من طريق إسحاق بن إبراهيم القرقساني، حدثنا حجاج بن محمد، ثنا شعبة، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك،
عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا كان جنبًا، وأراد أن يأكل أو ينام توضأ (١).
[قال الطبراني: لم يروه عن قتادة إلا شعبة، ولا عنه إلا حجاج تفرد به إسحاق] (٢).
• الراجح:
بعد استعراض الأقوال نجد أن الأدلة بمشروعية الوضوء للأكل ليست سالمة من علة التفرد أو المخالفة، والأصل عدم المشروعية، حتى يأتي دليل صحيح صريح سالم من المخالفة، نقطع بموجبه أو يغلب على ظننا استحباب وضوء الجنب للأكل، وما لم نصل إلى ذلك فلا أرى الجزم بالمشروعية، والله أعلم.
* * *
стр. 2078
الفصل العاشر
في استحباب الوضوء لمعاودة الوطء
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• وسيلة المباح لا تكون واجبة، وقد علل الأمر بالوضوء بأنه أنشط للعود.
[م-٣٤٩] اختلف العلماء في الوضوء من الجنب إذا رغب أن يعاود الوطء قبل الغسل:
فقيل: يستحب الوضوء، وهو مذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢).
وقيل: يجب، اختاره ابن حبيب من المالكية (٣)، وهو مذهب الظاهرية (٤).
وقيل: يستحب له غسل فرجه مطلقًا، سواءً عاد إلى المرأة التي جامعها أو غيرها،
стр. 2079
وهذا مذهب المالكية (١).
وقيل: يجب غسل فرجه، وهو مذهب إسحاق بن راهوية (٢).
وقيل: إن كانت الموطوءة أخرى وجب غسل الفرج، اختاره بعض المالكية (٣).
• دليل من قال: يجب الوضوء لمعاودة الوطء:
(٨٣٢ - ١٥٢) ما رواه مسلم من طريق عاصم، عن أبي المتوكل،
عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا أتى أحدكم أهله، ثم أراد أن يعود، فليتوضأ (٤).
وجه الاستدلال:
قوله: (فليتوضأ) أمر، والأصل في الأمر الوجوب.
• دليل من قال: يستحب الوضوء:
دليله حديث أبي سعيد المتقدم، وإنما حملوه على الاستحباب للتعليل الوارد في بعض طرق الحديث،
(٨٣٣ - ١٥٣) فقد رواه ابن خزيمة من طريق مسلم بن إبراهيم، عن شعبة، عن عاصم، عن أبي المتوكل،
стр. 2080
عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: إذا أراد أحدكم العود فليتوضأ؛ فإنه أنشط له في العود (١).
стр. 2081
فدل على أن الأمر للإرشاد، أو للندب؛ لأن تحصيل النشاط للعود ليس بواجب، فكذلك وسيلته، وهو الوضوء.
(٨٣٤ - ١٥٤) كما أنه يصرفه عن الوجوب بما رواه الطحاوي، من طريق يحيى ابن أيوب، عن موسى بن عقبة وأبي حنيفة، عن أبي إسحاق، عن الأسود،
عن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ يجامع، ثم يعود ولا يتوضأ، وينام ولا يغتسل (١).
[انفرد بهذا اللفظ يحيى بن أيوب، عن موسى بن عقبة، عن أبي إسحاق، وكل من رواه عن أبي إسحاق لم يذكروه بهذا اللفظ، فلعل يحيى رواه بالمعنى، فأخطأ فيه] (٢).
• دليل من قال: يغسل فرجه:
استدلوا بحديث أبي سعيد المتقدم، ولكنهم حملوا الأمر بالوضوء على الوضوء
стр. 2082
اللغوي، وهو غسل الفرج (١).
وهذا الحمل لا توجد قرينة تدل عليه، ولأن الأصل في كلام الشارع أن يحمل على الحقيقة الشرعية إذا أمكن، فإن تعذر حمله على الحقيقة الشرعية حمل على الحقيقة اللغوية، فإن تعذر أيضًا حمل على الحقيقة العرفية، ولا تترك الحقيقة الشرعية مع إمكان الحمل عليها، ولم يمنع من حمله على الحقيقة الشرعية مانع.
• دليل من قال: يجب غسل فرجه إن كانت الموطوءة أخرى:
قالوا: إذا عاد إلى امرأة أخرى لوثها بنجاسة غيرها؛ لأن فرجه لا يسلم من النجاسة، وهذا لا يجوز، بخلاف تلويثها بنجاستها هي، فإنه يتسامح فيه حتى تتمكن من إزالته.
وهذا القول من المالكية مبني على قولهم بنجاسة المني، وهو قول مرجوح، بينت ضعفه في مباحث أحكام النجاسة، وفي كتاب آداب الخلاء في الاستنجاء من المني، وحتى على التنزل بأن المني نجس، فأين الدليل على تحريم التلوث بالنجاسة في مثل الجماع والاستنجاء ونحوهما، ولذلك قال الدسوقي في حاشيته: «غاية ما يلزم عليه التلطخ بالنجاسة، وهو مكروه على المعتمد ولو بالنسبة للغير إذا رضي بها» (٢).
• الراجح:
بعد استعراض أدلة الأقوال في المسألة نجد أن القول باستحباب الوضوء لمعاودة الوطء هو القول الراجح؛ لدلالة السنة عليه من حديث أبي سعيد؛ ولأنه قول وسط بين القائلين بوجوب الوضوء، وبين القائلين بأنه يغسل فرجه فقط، ولحديث: (ما أردت صلاة فأتوضأ) (إنما أمرتم بالوضوء للصلاة) وسبق تخريجه والله أعلم.
* * *
стр. 2083
الفصل الحادي عشر
في طهارة جسد الجنب وعرقه
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• طهارة الخبث معقولة المعنى، والتطهير يتعلق في محل الخبث، وطهارة الحدث تعبدية، والتطهير يتعلق بأعضاء مخصوصة في غير محل الحدث.
• قال ﷺ : إن المؤمن لا ينجس أي بالحدث، وإن كان بالخبث كغيره تلحقه النجاسة.
• تطلق الطهارة ويراد بها الطهارة من الذنوب، وهذه لا تقتضي النجاسة الحسية، قال تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا) [التوبة: ١٠٣].
• بدن الحائض طاهر في غير موضع الأذى، (إن حيضتك ليست في يدك) فالجنب أولى.
[م-٣٥٠] عرق الجنب وسؤره وبدنه طاهر، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (١).
стр. 2084
وقيل: بدن الجنب نجس نجاسة حكمية، وهو قول أبي حنيفة (١).
• الدليل على طهارة بدن الجنب وعرقه .
الدليل الأول:
(٨٣٥ - ١٥٥) ما رواه البخاري من طريق حميد الطويل، قال: حدثنا بكر، عن أبي رافع،
عن أبي هريرة أن النبي ﷺ لقيه في بعض طريق المدينة، وهو جنب، فانخنست منه، فذهب، فاغتسل، ثم جاء فقال: أين كنت يا أبا هريرة؟ قال: كنت جنبًا فكرهت أن أجالسك، وأنا على غير طهارة، فقال: سبحان الله إن المسلم لا ينجس. ورواه مسلم (٢).
الدليل الثاني:
من الإجماع، فقد حكى الإجماع بعض أهل العلم على طهارة بدن الجنب وعرقه وسؤره.
стр. 2085
قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن عرق الجنب طاهر، ثبت ذلك عن ابن عمر، وابن عباس، وعائشة، وغيرهم (١).
وقال ابن تيمية: «متفق عليه بين الأئمة، أن بدن الجنب طاهر، وعرقه طاهر، والثوب الذي يكون فيه عرقه طاهر، ولو سقط الجنب في دهن، أو مائع لم ينجسه بلا نزاع بين الأئمة، بل وكذلك الحائض عرقها طاهر، وثوبها الذي يكون فيه عرقها طاهر، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه أذن للحائض أن تصلي في ثوبها الذي تحيض فيه، وأنها إذا رأت دمًا أزالته، وصلت فيه» (٢).
وقد ذكرت لك أن في مذهب الحنفية قولًا بأن الجنب إذا انغمس في ماء قليل نجسه، مما يجعل المسألة خلافية، وليست محل إجماع.
• دليل الحنفية على نجاسة بدن الجنب:
الدليل الأول:
قوله تعالى: (وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) [المائدة: ٦].
والطهارة لا تكون إلا عن نجاسة؛ إذ تطهير الطاهر لا يعقل (٣).
• وأجيب:
أولًا: إنما سمي طهارة؛ لأنه يطهر العبد من الذنوب، لا أنه طهره من نجاسة حلت فيه؛ ولذلك لما اعتبر أبو هريرة حدثه نجاسة، بين له ﷺ بقوله: (إن المؤمن لا ينجس). متفق عليه.
وقوله: (لا ينجس) أي بمثل ذلك، وإلا فالمؤمن قد تطرأ عليه النجاسة الحسية كغيره.
стр. 2086
وثانيًا: تجديد الوضوء يسمى طهارة شرعية مع أنه متطهر.
وثالثًا: لو كان المحدث نجسًا، لما صح حمله في الصلاة، وقد جاء في حديث
أبي قتادة في الصحيحين: أن الرسول ﷺ كان يصلي، وهو حامل أمامة بنت زينب (١).
ورابعًا: المغتسل لا بد أن يتساقط عليه من الماء المستعمل، ومعنى هذا أنه سوف يتنجس به، وكذلك سوف يتنجس بما يصيب ثيابه وما يتنشف به.
• الراجح:
أن بدن الجنب طاهر، وذلك أن بدن الحائض طاهر، مع أن حدثها أغلظ من الجنب، فهي متصفة بالحدث الأكبر الموجود بالجنب، وتزيد بنجاسة الخبث، وهو خروج الدم النجس منها، وتمنع من الصلاة والصيام، وقد قام الدليل على طهارة بدن الحائض، فالجنب أولى.
قال النووي: «قال العلماء: لا تكره مضاجعة الحائض، ولا قبلتها، ولا الاستمتاع بها فيما فوق السرة، وتحت الركبة، ولا يكره وضع يدها في شيء من المائعات، ولا يكره غسلها رأس زوجها، أو غيره من محارمها، وترجيله، ولا يكره طبخها وعجنها، وغير ذلك من الصنائع، وسؤرها وعرقها طاهران، وكل هذا متفق عليه، وقد نقل الإمام أبو جعفر محمد ابن جرير الطبري في كتابه (مذاهب العلماء) إجماع المسلمين على هذا كله، ودلائله من السنة ظاهرة مشهورة» (٢).
* * *
стр. 2087
الفصل الثاني عشر
في انغماس الجنب في الماء الدائم
[م-٣٥١] ثبت عن الرسول ﷺ النهي عن الانغماس في الماء الدائم، والإنسان جنب.
(٨٣٦ - ١٥٦) فقد روى مسلم في صحيحه من طريق عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، أن أبا السائب مولى هشام بن زهرة حدثه،
أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم، وهو جنب، فقال: كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال: يتناوله تناولًا (١).
والبحث في هذا الحديث في مسألتين:
الأولى: حكم الانغماس في الماء الدائم من الجنب.
الثانية: أثر انغماس الجنب على الماء القليل.
* * *
стр. 2088
المبحث الأول في حكم اغتسال الجنب في الماء الدائم
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• نهى النبي ﷺ الجنب عن الاغتسال في الماء الدائم، واختلف في العلة:
هل هي تعبدية، أو حتى لا يتحول الماء إلى ماء مستعمل، فيسلبه الطهورية، أو العلة حفظ الماء عن التنجيس، بحيث إذا غسل الأذى قبل الاغتسال لم يمنع، أو أن النهي للاستقذار؛ لأن النفوس تعافه للطعام والشراب بعد ذلك، وإن كان طهورًا؟ وهذا أقربها؛ لأن الماء طهور لا ينجسه شيء، وبدن الجنب طاهر بالإجماع.
[م-٣٥٢] اختلف العلماء في حكم اغتسال الجنب في الماء الدائم،
فقيل: يحرم، وهو قول في مذهب أبي حنيفة (١)، واختيار ابن حزم (٢).
وقيل: يكره، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة (٣).
стр. 2089
وقيل: يجوز بلا كراهة بشرط أن يغسل عنه الأذى، وهو اختيار ابن القاسم من المالكية (١).
وقيل: يجوز اغتسال الجنب في الماء الدائم ما لم يبل فيه، فإن بال فيه منع من الاغتسال (٢).
• دليل من قال: يحرم الاغتسال في الماء الدائم:
(٨٣٧ - ١٥٧) ما رواه مسلم من طريق عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، أن أبا السائب مولى هشام بن زهرة حدثه،
أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم، وهو جنب، فقال: كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال: يتناوله تناولًا (٣).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ نهى عن الاغتسال فيه، والأصل في النهي التحريم، ولا نصرفه للكراهة إلا بقرينة، ولا قرينة صارفة.
• دليل من قال: النهي عن الاغتسال في الماء الدائم للكراهة:
قال: إن بدن الجنب طاهر، وقد ذكرنا أن ذلك إجماع من أهل العلم في فصل مستقل، ولا يمكن أن ينجس الماء الطهور بملاقاة البدن الطاهر، فكان النهي لمعنى آخر غير معنى تنجس الماء بذلك.
فقيل: إن النهي عن الاغتسال فيه من أجل ألا يكون الماء مستعملًا، فيسلبه الطهورية، ويدل لذلك قول أبي هريرة حين سئل: كيف يفعل: قال: يتناوله تناولًا، فدل على أن المنع إنما هو من الانغماس فيه، لئلا يصير الماء مستعملًا، فيمتنع على
стр. 2090
الغير الانتفاع منه، والصحابي أعلم بموارد الخطاب من غيره، وهذا التعليل هو قول الجمهور كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى في حكم أثر إنغماس الجنب على الماء في الفصل التالي (١).
وقيل: نهى عن ذلك كراهة أن يستقذر الماء، فإن الطباع تنفر من الماء الراكد القليل إذا اغتسل فيه الجنب (٢).
وسواءً كان لهذا المعنى أو ذاك، فإن مثل هذا لا يجعل النهي يبلغ مبلغ التحريم، وإنما هو الكراهة فقط.
стр. 2091
• دليل من قال: يجوز بلا كراهة بشرط غسل الأذى:
هذا القول من ابن القاسم مبني على أن ذكر الإنسان لا يسلم من المني والمذي، وهما نجسان في مذهب المالكية كما سنبينه إن شاء الله تعالى في باب النجاسات. فإذا غسل الإنسان الأذى عنه أصبح بدنه طاهرًا، فلا كراهة في هذه الحالة في انغماسه في الماء الدائم، لأن الماء لا ينجس إلا بملاقاته النجاسة، ولا نجاسة هنا.
وهذا قول ضعيف أيضًا؛ لأن النهي لو كان خوفًا من تلوث الماء بالنجاسة؛ لأرشد النبي ﷺ إلى غسل الأذى قبل الاغتسال، خاصة وأنه يسن لمن أراد الغسل أن يغسل فرجه وما أصابه من أذى في أول غسله، فالنص النبوي مطلق، سواءً غسل الأذى أو لم يغسله، ولا يجوز أن يخص النص العام ولا يقيد النص المطلق إلا بنص مثله.
• دليل من قال: إن النهي عن الجمع بين البول والاغتسال:
(٨٣٨ - ١٥٨) استدلوا بما رواه البخاري من طريق أبي الزناد، عن الأعرج،
أنه سمع أبا هريرة، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه.
هذا القول خرجه أصحابه على إمكان نصب كلمة (يغتسل)
فقوله: (ثم يغتسل فيه) وذلك على تقدير (أن) محذوفة بعد حرف العطف (ثم) وكأنهم جعلوا (ثم) مقام واو المعية، أي: وأن يغتسل فيه.
فكأنه نهى عن البول والاغتسال معًا، أي نهى عن الجمع بينهما، وليس فيه تعرض للبول مفردًا، أو للاغتسال مفردًا.
وهذا الحمل مبني على تجويز نصب كلمة (يغتسل)، وتفسير النصب بأنه محمول على النهي عن الجمع بين البول والاغتسال.
والذي يدل على أن النصب إنما ذكره النحاة من باب التجويز، وليس من باب الرواية.
стр. 2092
قال ابن حجر: «قال القرطبي: لا يجوز النصب؛ إذ لا تضمر أن بعد (ثم) وأجازه ابن مالك بإعطاء (ثم) حكم (الواو) وتعقبه النووي: بأن ذلك يقتضي أن يكون المنهي عنه الجمع بين الأمرين، دون إ فراد أحدهما، وضعفه ابن دقيق العيد، بأنه لا يلزم أن يدل على الأحكام المتعددة لفظ واحد، فيؤخذ النهي عن الإفراد من حديث آخر» (١).
فهذا واضح أن الكلام على التخريج اللغوي، وليس مبنيًا على رواية محفوظة، رواها الرواة بالنصب، وقام النحويون بتخريجها بناءً على ما حفظ من أفواه الرواة، فالمشهور في الحديث كما قال ابن حجر هو على رفع (ثم يغتسلُ فيه) (٢).
стр. 2093
وعلى فرض أن اللفظ ورد بالنصب، فإنه لا يمكن منع أنه ثبت في صحيح مسلم من طريقين مستقلين:
النهي عن البول في الماء الراكد من حديث جابر، والنهي عن الاغتسال في الماء الدائم، وهو جنب دون تعرض للبول.
فيكون قد ورد النهي عن البول منفردًا، وعن الاغتسال منفردًا، وعن الجمع بينهما على تقدير أن تكون رواية النصب محفوظة، والله أعلم ..
• الراجح:
بعد استعراض أدلة الأقوال نجد أن القول بأن اغتسال الجنب في الماء الدائم مكروه، وليس بحرام، هو القول القوي من حيث التعليل، كما أن هذا القول وسط بين قولين: القول بالتحريم مطلقًا، والقول بالجواز إذا غسل ما به من أذى، والله أعلم.
* * *
стр. 2094
المبحث الثاني أثر انغماس الجنب على الماء القليل
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• إذا كان استعمال الماء في نظافة الثياب الطاهرة لا ينقله عن الطهورية، فكذلك بدن المسلم الطاهر لا ينقله عن الطهورية.
• المستعمل في طهارة واجبة كالمستعمل في طهارة مستحبة؛ لأن الوجوب والاستحباب خطاب تكليفي، وانتقال الماء عن الطهورية بالاستعمال خطاب وضعي، ولا ارتباط بينهما.
• استعمال الماء في طهارة الحدث كاستعمال التراب في التيمم لا ينقلهما عن الطهورية.
• المستعمل ماء مطلق باقي على أوصاف خلقته، والأحكام إنما تناط بالحقائق الظاهرة، لا بالأشياء الخفية على الصحيح.
• الطهورية صفة لازمة تفيد التكرار بصيغتها وصفتها على الصحيح، فيصح الوضوء بالمستعمل.
• الماء المستعمل ماء طهور لاقى جسمًا طاهرًا فلم ينقله عن حكمه على الصحيح
стр. 2095
كما لو استعمل في تبرد وتنظف.
• الماء ما دام في الأعضاء فلا خلاف أنه طهور مطلق (١)، فانفصاله لا يوجب تغير حكمه على الصحيح.
• المستعمل إن تغير بوسخ كان له حكم الماء المتغير بطاهر، وإن بقي على خلقته كان له حكم الماء الذي مر بطاهر لم يغيره، وفي الحالين هو طهور على الصحيح.
وقيل:
• سلب الماء المستعمل الطهورية، هل هو معلل بأنه أديت به قربة، فيدخل فيه التجديد والمسنون، أو معلل بأداء الفرض، وزوال المانع فيختص برفع الحدث؟
• المستقذر شرعًا كالمستقذر حسًا، فالزكاة لما كانت مطهرة من الذنوب صارت أوساخ الناس فلم تحل لآل محمد، فمن ثم قال الأئمة: الماء المستعل لما كان مطهرًا من الذنوب لم يرفع الحدث.
[م-٣٥٣] ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الجنب إذا انغمس في ماء قليل تحول الماء إلى ماء مستعمل.
وسبق لنا أن بينا في مباحث المياه متى يكون الماء مستعملًا؟
وذكرنا أن الماء المتقاطر من أعضاء الوضوء في رفع الحدث مستعمل بالاتفاق.
وأما إذا غمس يده في ماء بنية رفع الحدث، فهل يكون مستعملًا؟
قالوا: إذا كان الماء قليلًا كان مستعملًا.
واختلفوا في حد القليل:
فيرى الحنفية أن الجنب إذا انغمس في البئر بنية رفع الحدث فسد الماء، وإن انغمس لطلب الدلو فسد الماء على رأي أبي حنيفة خلافًا لصاحبيه.
стр. 2096
ومعنى هذا أن البئر في حد القليل عندهم.
وأما المالكية فيرون اليسير كآنية الوضوء والغسل، فإن غمس يده فيها صار مستعملًا، وإن كان أكثر من ذلك لم يكن مستعملًا.
والشافعية والحنابلة يحدون القليل بما دون القلتين، فإن انغمس في ماء دون القلتين صار مستعملًا، وإلا فلا.
ولا يكون الماء مستعملًا إذا أدخل يده في الإناء ليغترف منها.
وقيل: بشرط أن يدخلها بنية الاغتراف (١).
إذا عرفنا هذا نأتي إلى الأقوال في حكم الماء القليل إذا استعمل في رفع الجنابة، كما لو انغمس فيه جنب بنية رفع الحدث،
فقيل: إنه نجس، وهو رواية عن أبي حنيفة (٢)،
واختارها أبو يوسف (٣).
وقيل: إنه طهور مكروه في رفع الحدث، غير مكروه في زوال الخبث، وهو مذهب المالكية (٤).
стр. 2097
وقيل: إنه طاهر غير مطهر وهو الرواية المشهورة عن أبي حنيفة وعليه الفتوى (١) ومذهب الشافعية (٢)،
والحنابلة (٣)، واختيار محمد بن الحسن من الحنفية (٤).
وقيل: طهور بلا كراهة، وهو رواية عن أحمد (٥)، ورجحها ابن حزم (٦)،
стр. 2098
وابن تيمية (١)، وابن عبد الهادي (٢)، والشوكاني (٣)، وغيرهم.
وقد ذكرت دليل كل قول، والراجح من الأقوال في كتاب أحكام المياه والآنية، فأغنى عن إعادته مرة أخرى، وذهبت إلى أن الراجح أن الماء المستعمل في غسل الجنابة طهور غير مكروه.
* * *
стр. 2099
الفصل الثالث عشر
في ذبيحة الجنب
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• ذبيحة الكتابي جائزة، فذبيحة المسلم الجنب من باب أولى.
[م-٣٥٤] ذهب الأئمة الأربعة، إلى جواز أكل ذبيحة الجنب (١).
وقيل: تكره، وهو رواية عن أحمد (٢).
وقال عكرمة وقتادة: يذبح الجنب إذا توضأ (٣).
• الصحيح جواز ذبيحة الجنب بلا كراهة، لأدلة منها:
الدليل الأول:
القياس الجلي على ذبيحة الكتابي، فإذا كان القرآن قد نص على جواز ذبيحة أهل
стр. 2100
الكتاب، مع نص القرآن على أنهم مشركون، وأنجاس.
قال تعالى: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ) [المائدة: ٥]. مع قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) [التوبة: ٢٨].
والنصارى من جملة المشركين؛ لأنهم يعتقدون بأن الله ثالث ثلاثة، وأن المسيح ابن مريم ﵊ إله من دون الله، فكون ذبيحة الجنب تجوز من باب أولى فأولى، ثم أولى فأولى، وقد نصت السنة بأن المؤمن الجنب ليس بنجس، كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين، قال: لقيني رسول الله ﷺ وأنا جنب، فأخذ بيدي، فمشيت معه حتى قعد، فانسللت، فأتيت الرحل، فاغتسلت ثم جئت، وهو قاعد، فقال: أين كنت يا أبا هر. فقلت له، فقال: سبحان الله، يا أبا هر إن المؤمن لا ينجس (١).
الدليل الثاني:
نقل بعض أهل العلم الإجماع على جواز ذبيحة الجنب
قال النووي: «نقل ابن المنذر الاتفاق على حل ذبيحة الجنب، قال: وإذا دل القرآن على حل ذبيحة الكتابي، مع أنه نجس، فالذي نفت السنة عنه النجاسة أولى» (٢).
وقال ابن قدامة: وإن كان جنبًا جاز له أن يسمي ويذبح، وذلك أن الجنب تجوز له التسمية، ولا يمنع منها؛ لأنه إنما يمنع من القرآن، لا من الذكر، ولهذا تشرع له التسمية عند اغتساله، وليست الجنابة أعظم من الكفر، والكافر يسمي ويذبح، وممن رخص في ذبح الجنب: الحسن، والحكم، والليث، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، قال ابن المنذر: ولا أعلم أحدًا منع من ذلك (٣).
(٨٣٩ - ١٥٩) وقد روى البخاري في صحيحه من طريق عبيد الله، عن نافع،
стр. 2101
أنه سمع ابن كعب بن مالك يحدث عن أبيه، أنه كانت لهم غنم ترعى بسلع، فأبصرت جارية لنا بشاة من غنمنا موتا، فكسرت حجرًا، فذبحتها به، فقال لهم: لا تأكلوا حتى أسأل النبي ﷺ ، أو أرسل إلى النبي ﷺ من يسأله، وأنه سأل النبي ﷺ عن ذاك، أو أرسل، فأمره بأكلها (١).
وجه الاستدلال من الحديث:
ففي هذا الحديث دليل على جواز إباحة ذبيحة المرأة، والحائض، والجنب، أما المرأة فظاهر، وأما الحائض، فلأن النبي ﷺ لم يستفصل، هل المرأة كانت حائضًا أم لا؟ وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال، وإذا جازت من الحائض جازت من الجنب؛ لأن الحيض أشد، والله أعلم.
* * *
стр. 2102
الباب الرابع في آداب الغسل
الفصل الأول تجنب الإسراف في الغسل
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• لا يشترط قدر معين في ماء الغسل، لا ينقص عنه، ولا يزاد عليه، فإذا استوعب الأعضاء كفاه بأي قدر كان.
• المطلوب شرعًا إسباغ الغسل، مع قلة الماء، بأي مقدار تحقق ذلك، فقد تحققت السنة.
• الإسراف في الطهور اعتداء فيه، وكل إسراف فهو منهي عنه.
[م-٣٥٥] سبق أن ذكرنا الأقوال في مقدار ماء الوضوء، في كتاب الوضوء، ونبين هنا الأقوال في مقدار ماء الغسل.
فالجمهور على كراهة الإسراف في ماء الغسل (١).
стр. 2103
وقيل: يحرم الإسراف فيه، اختاره البغوي والمتولي من الشافعية (١).
كما أن الفقهاء متفقون على أنه لا يشترط قدر معين في ماء الغسل، لا يجوز النقص عنه، ولا الزيادة عليه، فإذا استوعب الأعضاء كفاه بأي قدر كان.
قال النووي: «أجمعت الأمة على أن ماء الوضوء والغسل لا يشترط فيه قدر معين، بل إذا استوعب الأعضاء كفاه بأي قدر كان، وممن نقل الإجماع فيه أبو جعفر محمد بن جرير الطبري» (٢).
وإذا قلنا لا يشترط قدر معين في ماء الغسل، فهل يستحب الصاع؟
فقيل: الصاع أدنى ما يكفي في الغسل، وهل يكفي الصاع حتى لو جمع بين الوضوء والغسل؟ أو الصاع يكفي إن ترك الوضوء، فإن توضأ قبل الغسل زاد على الصاع مدًا للوضوء؟ قولان في مذهب الحنفية (٣).
وقيل: يستحب أن يغتسل بالصاع، وهو مذهب الشافعية (٤)، والحنابلة (٥).
وقيل: لا تقدير في ماء الغسل مطلقًا، وهو مذهب المالكية (٦).
стр. 2104
وقيل: لا يجزئ في الغسل أقل من صاع، اختاره شعبان من المالكية (١)، وبعض الشافعية (٢).
• دليل من قال: باستحباب الصاع للغسل:
الدليل الأول:
(٨٤٠ - ١٦٠) ما رواه البخاري، من طريق أبي جعفر،
أنه كان عند جابر بن عبد الله هو وأبوه، وعنده قوم، فسألوه عن الغسل؟ فقال: يكفيك صاع؟ فقال رجل: ما يكفيني، فقال جابر: كان يكفي من هو أوفى منك شعرًا، وخير منك، ثم أمنا في ثوب (٣).
الدليل الثاني:
(٨٤١ - ١٦١) ما رواه مسلم من طريق أبي ريحانة،
عن سفينة قال: كان رسول الله ﷺ يغسله الصاع من الماء من الجنابة، ويوضئه المد (٤).
الدليل الثالث:
(٨٤٢ - ١٦٢) ما رواه الشيخان من طريق عبد الله بن عبد الله بن جبر، قال:
سمعت أنسًا يقول: كان النبي ﷺ يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد. رواه البخاري (٥)، ومسلم (٦).
стр. 2105
• دليل من قال: لا تقدير في ماء الغسل:
الدليل الأول:
الإجماع، قال ابن عبد البر: «أجمعوا على أن الماء لا يكال للوضوء، ولا للغسل، من قال منهم بحديث المد والصاع، ومن قال بحديث الفرق، لا يختلفون أنه لا يكال الماء لوضوء ولا غسل، لا أعلم في ذلك خلافًا، ولو كانت الآثار في ذلك على التحديد الذي لا يتجاوز استحبابًا، أو وجوبًا، ما كرهوا الكيل، بل كانوا يستحبونه اقتداء وتأسيًا برسول الله ﷺ ، ولا يكرهونه» (١).
الدليل الثاني:
أن النصوص الواردة في مقدار الماء الذي يغتسل فيه النبي ﷺ جاءت بمقادير متفاوتة، وهذا دليل على أنه ليس هناك مقدار معين يمكن استحبابه، بل المطلوب هو إحكام الغسل، مع قلة الماء.
(٨٤٣ - ١٦٣) منها ما رواه مسلم من طريق حفصة بنت عبد الرحمن ابن أبي بكر،
أن عائشة أخبرتها، أنها كانت تغتسل هي والنبي ﷺ في إناء واحد، يسع ثلاثة أمداد، أو قريبًا من ذلك (٢).
(٨٤٤ - ١٦٤) ومنها ما رواه البخاري من طريق الزهري، عن عروة،
عن عائشة قالت كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد من قدح يقال له الفرق. ورواه مسلم (٣).
قال ابن عيينة والشافعي وغيرهما: هو ثلاثة آصع (٤).