أنه سمع ابن كعب بن مالك يحدث عن أبيه، أنه كانت لهم غنم ترعى بسلع، فأبصرت جارية لنا بشاة من غنمنا موتا، فكسرت حجرًا، فذبحتها به، فقال لهم: لا تأكلوا حتى أسأل النبي ﷺ ، أو أرسل إلى النبي ﷺ من يسأله، وأنه سأل النبي ﷺ عن ذاك، أو أرسل، فأمره بأكلها (١).
وجه الاستدلال من الحديث:
ففي هذا الحديث دليل على جواز إباحة ذبيحة المرأة، والحائض، والجنب، أما المرأة فظاهر، وأما الحائض، فلأن النبي ﷺ لم يستفصل، هل المرأة كانت حائضًا أم لا؟ وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال، وإذا جازت من الحائض جازت من الجنب؛ لأن الحيض أشد، والله أعلم.
* * *
стр. 2102
الباب الرابع في آداب الغسل
الفصل الأول تجنب الإسراف في الغسل
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• لا يشترط قدر معين في ماء الغسل، لا ينقص عنه، ولا يزاد عليه، فإذا استوعب الأعضاء كفاه بأي قدر كان.
• المطلوب شرعًا إسباغ الغسل، مع قلة الماء، بأي مقدار تحقق ذلك، فقد تحققت السنة.
• الإسراف في الطهور اعتداء فيه، وكل إسراف فهو منهي عنه.
[م-٣٥٥] سبق أن ذكرنا الأقوال في مقدار ماء الوضوء، في كتاب الوضوء، ونبين هنا الأقوال في مقدار ماء الغسل.
فالجمهور على كراهة الإسراف في ماء الغسل (١).
стр. 2103
وقيل: يحرم الإسراف فيه، اختاره البغوي والمتولي من الشافعية (١).
كما أن الفقهاء متفقون على أنه لا يشترط قدر معين في ماء الغسل، لا يجوز النقص عنه، ولا الزيادة عليه، فإذا استوعب الأعضاء كفاه بأي قدر كان.
قال النووي: «أجمعت الأمة على أن ماء الوضوء والغسل لا يشترط فيه قدر معين، بل إذا استوعب الأعضاء كفاه بأي قدر كان، وممن نقل الإجماع فيه أبو جعفر محمد بن جرير الطبري» (٢).
وإذا قلنا لا يشترط قدر معين في ماء الغسل، فهل يستحب الصاع؟
فقيل: الصاع أدنى ما يكفي في الغسل، وهل يكفي الصاع حتى لو جمع بين الوضوء والغسل؟ أو الصاع يكفي إن ترك الوضوء، فإن توضأ قبل الغسل زاد على الصاع مدًا للوضوء؟ قولان في مذهب الحنفية (٣).
وقيل: يستحب أن يغتسل بالصاع، وهو مذهب الشافعية (٤)، والحنابلة (٥).
وقيل: لا تقدير في ماء الغسل مطلقًا، وهو مذهب المالكية (٦).
стр. 2104
وقيل: لا يجزئ في الغسل أقل من صاع، اختاره شعبان من المالكية (١)، وبعض الشافعية (٢).
• دليل من قال: باستحباب الصاع للغسل:
الدليل الأول:
(٨٤٠ - ١٦٠) ما رواه البخاري، من طريق أبي جعفر،
أنه كان عند جابر بن عبد الله هو وأبوه، وعنده قوم، فسألوه عن الغسل؟ فقال: يكفيك صاع؟ فقال رجل: ما يكفيني، فقال جابر: كان يكفي من هو أوفى منك شعرًا، وخير منك، ثم أمنا في ثوب (٣).
الدليل الثاني:
(٨٤١ - ١٦١) ما رواه مسلم من طريق أبي ريحانة،
عن سفينة قال: كان رسول الله ﷺ يغسله الصاع من الماء من الجنابة، ويوضئه المد (٤).
الدليل الثالث:
(٨٤٢ - ١٦٢) ما رواه الشيخان من طريق عبد الله بن عبد الله بن جبر، قال:
سمعت أنسًا يقول: كان النبي ﷺ يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد. رواه البخاري (٥)، ومسلم (٦).
стр. 2105
• دليل من قال: لا تقدير في ماء الغسل:
الدليل الأول:
الإجماع، قال ابن عبد البر: «أجمعوا على أن الماء لا يكال للوضوء، ولا للغسل، من قال منهم بحديث المد والصاع، ومن قال بحديث الفرق، لا يختلفون أنه لا يكال الماء لوضوء ولا غسل، لا أعلم في ذلك خلافًا، ولو كانت الآثار في ذلك على التحديد الذي لا يتجاوز استحبابًا، أو وجوبًا، ما كرهوا الكيل، بل كانوا يستحبونه اقتداء وتأسيًا برسول الله ﷺ ، ولا يكرهونه» (١).
الدليل الثاني:
أن النصوص الواردة في مقدار الماء الذي يغتسل فيه النبي ﷺ جاءت بمقادير متفاوتة، وهذا دليل على أنه ليس هناك مقدار معين يمكن استحبابه، بل المطلوب هو إحكام الغسل، مع قلة الماء.
(٨٤٣ - ١٦٣) منها ما رواه مسلم من طريق حفصة بنت عبد الرحمن ابن أبي بكر،
أن عائشة أخبرتها، أنها كانت تغتسل هي والنبي ﷺ في إناء واحد، يسع ثلاثة أمداد، أو قريبًا من ذلك (٢).
(٨٤٤ - ١٦٤) ومنها ما رواه البخاري من طريق الزهري، عن عروة،
عن عائشة قالت كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد من قدح يقال له الفرق. ورواه مسلم (٣).
قال ابن عيينة والشافعي وغيرهما: هو ثلاثة آصع (٤).
стр. 2106
قال ابن حجر: «فهذا يدل على اختلاف الحال بقدر الحاجة، وفيه رد على من قدر الوضوء والغسل بالمد والصاع، كابن شعبان من المالكية، وكذا من قال به من الحنفية مع مخالفتهم له في مقدار المد والصاع» (١).
• دليل من قال: لا يجزئ أقل من صاع:
استدلوا بحديث أنس في الصحيحين وتقدم ذكره، وليس فيه تحديد، بل ثبت أن الرسول ﷺ اغتسل بأقل من صاع، كما ذكرت ذلك في أدلة المالكية.
• الراجح من الخلاف:
مذهب المالكية أقوى من غيرهم، وأن الوارد لم يكن على سبيل استحباب التحديد؛ وذلك لأن الناس يختلفون في هذا، فهناك من الناس من هو معتدل الخلقة، ومنهم النحيف، ومنهم المتفاحش الخلق طولًا وعرضًا، ومنهم صاحب الشعر الكثير، ومنهم غير ذلك، فاستحباب مقدار معين لكل الناس على اختلاف خلقتهم قول ضعيف، فالأولى أن يقال كما قال المالكية: المستحب إحكام الغسل، مع قلة الماء، بأي مقدار تحقق ذلك، فقد حقق السنة، الله أعلم.
* * *
стр. 2107
الفصل الثاني
من آداب الغسل أن يستتر عن أعين الناس
الستر تارة يكون للبدن، وتارة يكون للعورة، وحرصًا على هذا الأدب تكلم الفقهاء في هاتين المسألتين، وتعرضوا للكلام عليهما في حكم دخول الحمام؛ لأنه يلزم من دخول الحمام غالبًا، أن يتعرض: إما لكشف عورته، أو النظر إلى عورة الآخرين ممن يتساهل في سترها،، وسوف أسوق البحث في هذه المسائل الثلاث في حكم ستر العورة، وفي حكم ستر البدن حال الغسل، وفي حكم دخول الحمام.
* * *
стр. 2108
المبحث الأول في حكم ستر العورة
الفرع الأول ستر العورة عن النظر إليها من الأجانب
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• لا يجوز كشف العورة إلا لحاجة أو زوج.
• قد يترك الواجب لغير واجب، كترك الإنصات للخطبة بالتشاغل بتحية المسجد، وترك القيام في الصلاة لسجود التلاوة، وكشف العورة للمداواة.
[م-٣٥٦] أما ستر العورة عن النظر إليها فهو واجب، ويحرم على المسلم أن يكشف عورته لناظر من غير حاجة (١).
стр. 2109
وهو أمر مجمع عليه، قال النووي: «ستر العورة عن العيون واجب بالإجماع» (١).
ومستند الإجماع كتاب الله وسنة رسول ﷺ ،
أما الكتاب فقال تعالى: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ) [النور: ٣٠].
(٨٤٥ - ١٦٥) ومن السنة: روى مسلم من طريق الضحاك بن عثمان قال: أخبرني زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري،
عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد (٢).
بقي للبحث مسألة كشف العورة، والإنسان خالٍ من غير حاجة، وكشف العورة للحاجة كما لو كشفها للغسل، وهذا الكشف يعبر عنه بالحاجة، وليس بالضرورة؛ لأنه يمكنه أن يغتسل بدون كشف العورة، كما لو اغتسل، وهو متسرول، وهاتان المسألتان قد خصصت لهما مباحث مستقلة، لوجود الخلاف فيها، والله أعلم.
* * *
стр. 2110
الفرع الثاني في كشف العورة بالخلوة من غير حاجة
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• تحريم النظر إلى عورة الغير من باب تحريم الوسائل، حتى لا يكون وسيلة إلى الوقوع في المحرم، وهذا منتف في نظره إلى عورته، وإنما يستحب الستر لقوله ﷺ : (فالله أحق أن يستحيا منه).
• عورة الإنسان بضعة منه، ولا يحرم عليه النظر إلى أي جزء من جسمه.
• إذا جاز للرجل النظر إلى عورة زوجته، وما ملكت يمينه، فعورته أولى بالجواز.
[م-٣٥٧] أختلف أهل العلم في حكم كشف العورة بالخلوة من غير حاجة.
فقيل: يكره، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، ووجه في مذهب الشافعية (٣).
стр. 2111
وقيل: لا يجوز، وهو أصح الوجهين في مذهب الشافعية (١)،
والمشهور من مذهب الحنابلة (٢)، وقول في مذهب الحنفية (٣).
• دليل من قال بالتحريم:
(٨٤٦ - ١٦٦) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد وإسماعيل بن إبراهيم، عن بهز قال: حدثني أبي،
عن جدي قال: قلت يا رسول الله: عوراتنا ما نأتي منها، وما نذر؟ قال: احفظ عورتك إلا من زوجتك، أو ما ملكت يمينك. قال، قلت: يا رسول الله فإذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: إن استطعت أن لا يراها أحد، فلا يرينها. قلت: فإذا كان أحدنا خاليًا؟ قال: فالله ﵎ أحق أن يستحيا منه.
حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن بهز فذكر مثله قال فالله أحق أن يستحيا منه، ووضع يده على فرجه (٤).
[حسن] (٥).
وجه الاستدلال:
قال ابن حجر: «ظاهر حديث بهز يدل على أن التعري في الخلوة غير جائز
стр. 2112
مطلقًا». اهـ
قلت: لأن وجوب ستر العورة عن الناس لا ينازع فيه أحد، فإذا كان الله أحق أن يستحيا منه من الناس، كان ستر العورة خاليًا أولى بالمنع هذا ما يفيده قوله: (فالله أحق) كما استُدِلَ به في قوله: (اقضوا الله، فالله أحق بالقضاء).
(٨٤٧ - ١٦٧) فقد روى البخاري من طريق شعبة، عن أبي بشر قال: سمعت سعيد بن جبير،
عن ابن عباس ﵄ قال: أتى رجل النبي ﷺ ، فقال له: إن أختي قد نذرت أن تحج، وإنها ماتت، فقال النبي ﷺ : لو كان عليها دين، أكنت قاضيه؟ قال: نعم. قال: فاقض الله، فهو أحق بالقضاء (١).
وكونه ثبت عن موسى وأيوب ﵉ اغتسالهما عريانين، فهذا في شريعتهما، وقد جاء في شريعتنا ما يدل على وجوب ستر العورة خاليًا.
قال الشوكاني: «أصل ستر العورة الوجوب، فلا يحل كشف شيء منها إلا لضرورة، كما يكون عند خروج الحاجة، فالاستتار قبل حالة الخروج واجب، فيكشف عورته حال الانحطاط لخروج الخارج، لا حال كونه قائمًا، ولا حال كونه ماشيًا إلى قضاء الحاجة» (٢).
• وممكن أن يُجاب:
بأن قوله: (فالله أحق بالقضاء) هذا التعبير لا يدل على الوجوب، فالحج عن الميت، وكذا الصيام عنه، ووفاء نذره لا يجب على غير الميت، ولكن القضاء عنه من الوفاء له، والبر به، لأن الأصل في العبادة أنها واجبة على الإنسان نفسه، لكن إن تطوع أحد من الورثة كان محسنًا، فلا يدل تعبير (فالله أحق) على وجوب قضاء
стр. 2113
العبادة عن الميت، وبالتالي لا يدل على هذا اللفظ على وجوب ستر العورة، والإنسان خاليًا، والله أعلم.
• دليل من قال: يستحب ولا يجب:
عورة الإنسان بضعة منه، ولا يحرم عليه النظر إلى أي جزء من جسمه، فكما أنه يباح له النظر إلى عورة زوجته، وما ملكت يمينه، فعورته أولى بالجواز، وتحريم النظر إلى عورة الغير هي من باب تحريم الوسائل، حتى لا يكون وسيلة إلى الوقوع في المحرم، وهذا منتف في نظره إلى عورته، وإنما يستحب الستر لقوله ﷺ : (فالله أحق أن يستحيا منه).
• الراجح:
القول باستحباب ستر العورة إذا كان الإنسان خاليًا أقوى من حيث النظر، والله أعلم.
* * *
стр. 2114
الفرع الثالث في كشف العورة للغسل ونحوه إذا كان خاليًا
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• إذا أباحت الحاجة كشف العورة للغير أباحت الحاجة كشف العورة للنفس من باب أولى.
• تحريم النظر إلى عورة الغير هي من باب تحريم الوسائل، حتى لا يكون وسيلة إلى الوقوع في المحرم، وهذا منتف في كشف العورة للغسل إذا كان خاليًا.
[م-٣٥٨] اختلف الفقهاء في حكم كشف العورة للغسل ونحوه إذا كان خاليًا،
فقيل: بالجواز، والستر أفضل، وهو مذهب الأئمة الربعة (١)، واختاره البخاري
стр. 2115
رحمه الله تعالى (١).
وقيل: لا يجوز، اختاره ابن أبي ليلى (٢).
• دليل من قال بالجواز:
(٨٤٨ - ١٦٨) ما رواه البخاري من طريق معمر، عن همام بن منبه،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى بعض، وكان موسى ﷺ يغتسل وحده، فقالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر، فذهب مرة يغتسل، فوضع ثوبه على حجر، ففر الحجر بثوبه، فخرج موسى في إثره يقول: ثوبي يا حجر، حتى نظرت بنو إسرائيل إلى موسى، فقالوا: والله ما بموسى من بأس، وأخذ ثوبه، فطفق بالحجر ضربًا، فقال أبو هريرة: والله إنه لندب بالحجر ستة أو سبعة ضربًا بالحجر (٣).
وجه الاستدلال:
أن موسى ﵊ اغتسل عريانًا، وهذا وإن كان في شرع من قبلنا، إلا أنه لم يأت في شرعنا ما ينسخه، ولو كان الاغتسال عريانًا في الخلوة منافيًا للآداب لمنع منه الأنبياء.
وقال الشوكاني: «وجه الدلالة منه: أن النبي ﷺ قص القصتين، ولم يتعقب شيئًا منهما، فدل على موافقتهما لشرعنا، وإلا فلو كان فيهما شيء غير موافق لبينه» (٤).
الدليل الثاني:
(٨٤٩ - ١٦٩) ما رواه البخاري من طريق معمر، عن همام،
стр. 2116
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: بينما أيوب يغتسل عريانًا خر عليه رجل جراد من ذهب، فجعل يحثي في ثوبه، فنادى ربه: يا أيوب، ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى يا رب، ولكن لا غنى بي عن بركتك (١).
وجه الاستدلال:
وجه الاستدلال منه كالاستدلال بالحديث السابق سواءً بسواءٍ.
الدليل الثالث:
الاغتسال عريانًا غاية ما فيه أن يكون محرمًا، وكل ما كان محرمًا لغيره فإن الحاجة تبيحه، وإن لم تكن ضرورة، كإباحة النظر إلى العورة في الختان، والنظر إلى العورة في التداوي، فالحاجة إلى الاغتسال عريانًا محافظة على ثيابه من البلل، وعلى بدنه من البرد كاف في إباحة التعري للاغتسال، والله أعلم.
• دليل من قال: يحرم التعري للاغتسال:
الدليل الأول:
(٨٥٠ - ١٧٠) حديث بهز بن حكيم، قلت يا رسول الله: عوراتنا ما نأتي منها، وما نذر؟ قال: احفظ عورتك إلا من زوجتك، أو ما ملكت يمينك. قال، قلت: يا رسول الله، فإذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: إن استطعت أن لا يراها أحد، فلا يرينها. قلت: فإذا كان أحدنا خاليًا؟ قال: فالله ﵎ أحق أن يستحيا منه.
[حسن] (٢).
فإذا كان التعري حال الخلوة محرمًا، فكذلك التعري حال الاغتسال؛ لأنه تعر حال الخلوة، وليس هناك ضرورة بحيث يباح التعري للاغتسال، فيمكنه أن يغتسل، وهو متزر أو عليه سراويل.
стр. 2117
وسبق الجواب عن هذا الحديث بالمسألة التي قبل هذه.
الدليل الثاني:
(٨٥١ - ١٧١) ما رواه ابن عدي، من طريق يحيى بن سعيد، ثنا أبو الزبير،
عن جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : لا يدخل أحدكم الماء إلا بمئزر؛ فإن للماء عامرًا (١).
[ضعيف جدًّا أو موضوع] (٢).
• الراجح:
بعد استعراض أدلة القولين، نجد أن القول بجواز الاغتسال عريانًا هو الأقوى من حيث الدلالة، وهو الذي يليق بالفتوى، فإن المنع فيه تضييق على الناس، مع أنه لا يدفع مفسدة، ولا يحقق مصلحة، ويكفي أن الجواز قد دل عليه فعل موسى ﵊، وهو من أولى العزم من الرسل، ولو كان منافيًا للفطرة، أو مخالفًا للمروءة لكان أبعد ما يكون عنه أنبياء الله ، والله أعلم.
* * *
стр. 2118
المبحث الثاني في ستر سائر البدن حال الغسل
[م-٣٥٩] تكلمت فيما سبق في ستر العورة، وبقي الكلام في ستر سائر البدن من غير العورة عن أعين الناس.
• وقد دلت أحاديث كثيرة على استحباب ستر سائر البدن، منها:
(٨٥٢ - ١٧٢) ما رواه البخاري من طريق أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، أن أبا مرة مولى أم هانئ بنت أبي طالب أخبره،
أنه سمع أم هانئ بنت أبي طالب تقول: ذهبت إلى رسول الله ﷺ عام الفتح، فوجدته يغتسل، وفاطمة تستره فقال: من هذه؟ فقلت: أنا أم هانئ (١).
(٨٥٣ - ١٧٣) ومنها ما رواه البخاري من طريق الأعمش، عن سالم ابن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس،
عن ميمونة قالت: سترت النبي ﷺ ، وهو يغتسل من الجنابة، فغسل يديه، ثم صب بيمينه على شماله، فغسل فرجه، وما أصابه، ثم مسح بيده على الحائط أو الأرض، ثم توضأ وضوءه للصلاة غير رجليه، ثم أفاض على جسده الماء، ثم تنحى فغسل قدميه (٢).
* * *
стр. 2119
المبحث الثالث في دخول الحمام من أجل الاغتسال
الفرع الأول في تعريف الحمام
تعريف الحمام:
الحمام: مشدد، واحد الحمامات، والمستحم في الأصل: الموضع الذي يستحم فيه بالحميم، وهو في الأصل: الماء الحار، ثم قيل للاغتسال بأي ماء كان استحمام، وقيل: إن الحميم من الأضداد، يكون الماء الحار، والماء البارد، وإطلاقه على الماء البارد جاء في قول الشاعر:
وساغ لي الشراب وكنت قبلًا ... أكاد أغص بالماء الحميم (١).
وفيه: (لا يبولن أحدكم في مستحمه) (٢).
قال في الفتاوى الهندية: «الحمام يذكره العرب، هكذا في عين الخليل، وهو فعال: من الحميم، واستحم الرجل: إذا دخل الحمام، وحقيقته: اغتسال بالماء الحميم» (٣).
стр. 2120
وقال في الشرح الكبير: «حمام، بتشديد الميم: وهو بيت الماء، المعد للحموم فيه بالماء الساخن، لتنظيف البدن والتداوي» (١).
* * *
стр. 2121
الفرع الثاني في دخول الحمام
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• الأصل في الأشياء الإباحة، ولم يصح في النهي عن دخول الحمام حديث مرفوع.
• الخلاف في دخول الحمام، هل هو راجع إلى أنه مكان تكشف فيه العورات، أو لأنه قد يغتسل فيه من لا يتحفظ عن النجاسات، أو لأن العقد يشتمل على غرر، لجهالة المدة، وتفاوت الناس في استعمال الماء، أو لأنه نوع من الترفه، وقد نهي المسلم عن الترفه؟
• النهي عن دخول الحمام من باب سد الذرائع، فمن نظر إلى أن الأصل في الأشياء الإباحة لم يمنع من دخوله مطلقًا.
ومن نظر إلى العارض الذي يحتف بالدخول من تهاون بعض الناس في كشف العورات رجح المنع. ومع ذلك فمن احتاج إليه تقديمًا للأصل على العارض واعتبارًا بأن المحرم لغيره تبيحه الحاجة، فإنه يدخله ويدفع هذا العارض بالإنكار وغض البصر ما أمكنه.
• ما حرم سدًّا للذرائع تبيحه المصلحة الراجحة.
стр. 2122
[م-٣٦٠] اختلف أهل العلم في حكم دخول الحمام للاغتسال:
فقيل: ينهى عنه الرجال والنساء، وهو رواية عن الإمام أحمد وإسحاق (١).
وقيل: يباح دخوله للرجال، وهو مذهب الجمهور (٢)،
واختلفوا في دخول النساء.
стр. 2123
فقيل: يباح للنساء بلا كراهة، اختاره بعض الحنفية (١)، وقال ابن رشد: الذي يوجبه النظر أنهن بمنزلة الرجال (٢).
وقيل: يحرم على النساء إلا لعذر، اختاره بعض الحنفية (٣)، وهو مذهب الحنابلة (٤).
وقيل: يكره للنساء ولو من عذر، إلا أن تكون مفردة، وهو قول في مذهب المالكية (٥).
وقيل: يكره للنساء إلا لعذر وهو مذهب الشافعية (٦)، واختاره بعض المالكية (٧).
• دليل من قال: يحرم الدخول للحمام:
الدليل الأول:
(٨٥٤ - ١٧٤) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا جرير، عن عمارة، عن أبي زرعة، قال:
стр. 2124
قال علي: بئس البيت الحمام (١).
[منقطع] (٢).
الدليل الثاني:
(٨٥٥ - ١٧٥) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا منصور، عن ابن سيرين،
عن ابن عمر قال: لا تدخل الحمام، فإنه مما أحدثوا من النعيم (٣).
[صحيح].
فكان الحامل على النهي هو ترك الترفه.
الدليل الثالث:
(٨٥٦ - ١٧٦) ما رواه مسدد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شعبة، حدثنا عبد الرحمن، قال: سألت محمد بن سيرين عن دخول الحمام؟ فقال: كان عمر ابن الخطاب يكرهه (٤).
[لم يسمعه ابن سيرين من عمر] (٥).
стр. 2125
• وأجيب:
أولًا: أن كلام الصحابة ﵃ إنما هو عن اتخاذ الحمام في بلاد الحجاز، وهي بلاد حارة، لا يضطر فيها الإنسان إلى اتخاذ الحمام، ولذلك لم تعرف الحمامات في عهد النبوة، ولم تعرف كذلك في عهد أبي بكر، وعمر، وعثمان ﵃.
ثانيًا: على تقدير أن كلام الصحابة ﵃ عن الحمامات الموجودة في الشام، وهي أرض باردة، فإن الصحابة مختلفون فيها، والحجة إنما هو فيما أجمعوا عليه، وأما ما اختلفوا فيه فينظر في أقربها للصواب، وسوف أسوق في أدلة المجيزين بعض الآثار عن الصحابة في دخولها، والانتفاع بها، والله أعلم.
الدليل الثالث للمانعين:
أن دخول الحمام من الإرفاه والتنعم الذي ينهى عنه، ومن ذلك:
(٨٥٧ - ١٧٧) ما رواه النسائي، قال: أخبرنا إسمعيل بن مسعود، قال: حدثنا خالد بن الحارث، عن كهمس،
عن عبد الله بن شقيق، قال: كان رجل من أصحاب النبي ﷺ عاملًا بمصر، فأتاه رجل من أصحابه، فإذا هو شعث الرأس مشعان، قال: ما لي أراك مشعانًا، وأنت
стр. 2126
أمير؟ قال: كان نبي الله ﷺ ينهانا عن الإرفاه، قلنا: وما الإرفاه؟ قال: الترجل كل يوم (١).
[ذكر ابن شقيق وهم، والصواب عن عبد الله بن بريدة، أن رجلًا من أصحاب النبي ﷺ ، فإن كان ابن بريدة سمعه من الصحابي فهو صحيح] (٢).
وجه الاستدلال:
كون الصحابي ذكر في تفسير الترفه الترجل كل يوم، إنما قصد به المثال؛ لأن
стр. 2127
السؤال كان عن ترك الرأس شعثًا، وإلا كل ما فيه تنعم وترفه، فإن المؤمن منهي عن الإكثار منه؛ لأن المؤمن لا يذهب طيباته في حياته الدنيا، وإنما هذا شأن الكفار، قال سبحانه: (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ) [الأحقاف: ٢٠].
• وأجيب:
بأن الحمام يختلف اتخاذه من بلد لآخر، فالحمام في البلاد الحارة كالبلاد الحجازية يمكن أن يكون من الترفه، وعليه يحمل كلام ابن عمر ﵀ المتقدم ذكره في الدليل الثاني، وأما اتخاذه في البلاد الباردة، لاسيما في العصور المتقدمة كان من الضرورة، حيث لم يكن موجودًا في ذلك العصر وسائل تسخين للمياه، وقد يكون الغسل واجبًا، أو مستحبًا، ثم على التسليم أن دخول الحمام من الترفه، فإن الترفه ليس من المحرمات، فقد يكون من باب المكروهات، والمكروه يرتفع بالحاجة، (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) [الأعراف: ٣٢]، فلا يؤمر الإنسان أن يغتسل بالماء البارد لاسيما في البلاد الباردة، وهو قادر على استعمال الماء الحار في استعمال مياه الحمام، والله أعلم.
الدليل الرابع:
(٨٥٨ - ١٧٨) ما رواه الطبراني من طريق عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم،
عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ ، أنه قال: إن إبليس لما أنزل إلى الأرض، قال: يا رب أنزلتني إلى الأرض، وجعلتني رجيمًا، أو كما ذكر، فاجعل لي بيتًا، قال: الحمام .... » وذكر الحديث بطوله (١).
стр. 2128
[ضعيف جدًّا] (١).
الدليل الخامس:
أن العقد مشتمل على غرر، والغرر منهي عنه، فإن العقد في استئجار الحمام يكون على الماء، وعلى مقدار مدة الليث في الحمام، وهما مجهولان، والإجارة لا تصح إلا بشرط معرفة العين المستهلكة من الماء، ومدة اللبث في الحمام، وإلا كان العقد مشتملًا على جهالتين: جهالة المدة، وجهالة المعقود عليه، وكل ذلك كاف في إفساد مدة الإجارة.
• وأجيب:
بأن الأجرة في العقد في مقابلة الماء، واستعمال الأصطال، وسكنى المكان، وحفظ الثياب، والغرر ليس كله منهي عنه، بل هناك غرر متفق على قبوله، كالغرر اليسير، وغرر مجمع على النهي عنه كالغرر الكثير، وغرر مختلف فيه، هل يدخل في الغرر اليسير، فيقبل، أو في الغرر الكثير، فيمنع، وعقد الاستحمام من الغرر اليسير المقبول إن شاء الله تعالى؛ لأن عموم البلوى في هذا العمل، وتعارف الناس عليه يجعله جائزًا، يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: «واغتفر في هذا الباب ما لم يغتفر في غيره؛ لأن منه ما ليس بمقدر كالماء، ومقدار الإقامة، والمتبع في ذلك عرف الناس، وتسامحهم بمثل ذلك؛ لأنه مما تدعو الحاجة إليه، ويعسر ضبطه على الناس، والله أعلم، وقد
стр. 2129
حكي عن بعض المتقشفين أنه كان يشارط الحمامي على قدر ما يستعمله من الماء، ولا يحتاج الأمر إلى ذلك إن شاء الله تعالى؛ لأن فاعله بعد مستهجنًا، وكان يلزمه أن يجلس في الحمام بالمنكام؛ لينضبط له مقدار الزمان. ولم يجعل الله علينا في الدين من حرج، بل أموال اليتامى التي من تعمد أكلها أطعم يوم القيامة نارًا، قد أباح الله تعالى شركتهم في أطعمتهم من غير تقدير، بل بما جرت به العادة، وقال تعالى: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [البقرة: ٢٢٠] (١).
ويقول ابن عابدين: «وللعرف؛ لأن الناس في سائر الأمصار يدفعون أجرة الحمام، وإن لم يعلم مقدار ما يستعمل من الماء، ولا مقدار العقود، فدل إجماعهم على جواز ذلك، وإن كان القياس يأباه لوروده على إتلاف العين مع الجهالة» (٢).
الدليل السادس:
أن دخول الحمام وإن كان الإنسان قد يعرف من نفسه القيام بستر العورة، لكنه لا يضمن ذلك من قبل الناس، فلا يجوز له أن ينظر إلى عورة الناس، كما يجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا لم يمتثل الناس اعتزلهم، وإذا كان الناس في الأزمان المتقدمة يغلب عليهم الحياء، فإنهم في هذا العصر انقلبت فطر كثير منهم، وصاروا يمشون عراة على شواطئ البحار من غير نكير، لا تعرف الرجل منهم من المرأة، ولم يقتصر الأمر على العورة المخففة، بل قد يصل ذلك إلى العورة المغلظة، فيجب قطع الباب سدًا للذريعة.
• وأجيب:
بأن دخول الحمام محرم إذا اشتمل على فعل محرم، وذلك مثل كشف العورة، أو
стр. 2130
تعمد النظر إلى عورة الغير، أو كان فيه تمكين للأجنبي بمس العورة، وقد أجمع العلماء على أن ستر العورة واجب بالنص والإجماع.
وممن حكى الإجماع على ذلك ابن كثير (١)، والنووي (٢)، وغيرهم، وإنما تنازع الناس في حكم كشف العورة في الوحدة، وسبق ذكرها في بحث مستقل في ذكر هذه المسائل وأدلتها.
واعلم أن دخول الحمام قد يكون محرمًا، وقد يكون واجبًا، وقد يكون مستحبًا، وقد يكون مباحًا، وقد يكون مكروهًا، فتدخله الأحكام الخمسة.
فيكون محرمًا، إذا اشتمل على فعل محرم، كأن يترتب على دخوله ترك للصلاة، أو كشف للعورات.
يقول ابن كثير رحمه الله تعالى: «الواجب على الكافة منعهن من تعاطي مثل ذلك، فإنه مما يترتب عليه من المفاسد الخاصة والعامة، اللازمة والمتعدية ما الله به عليم، وقد قالت أم المؤمنين عائشة ﵂: لو رأى رسول الله ﷺ ما أحدث النساء بعده لمنعهن المساجد، كما منعت نساء بني إسرائيل (٣).
فهذا قولها في المساجد التي زجر النبي ﷺ الرجال أن يمنعوهن إذا أردن الخروج إليها، فيكف بالحمامات» (٤).
وقد يكون دخول الحمام واجبًا إذا احتاج إلى طهارة واجبة، لا يمكنه فعلها إلا في الحمام، كالغسل من الجنابة، والحيض، والنفاس، أو للجمعة على القول بوجوبه، ولا يمكنه الاغتسال بالماء البارد ولا بغيره بالبيت، فهذا يجب عليه الذهاب للاغتسال؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
стр. 2131
وقد ذكر ابن تيمية ﵀ بأن هذه الاغتسال في البلاد الباردة لا يمكن إلا في حمام، وإن اغتسل في غير حمام خيف عليه الموت، أو المرض، فلا يجوز الاغتسال في غير حمام حينئذ (١).
وقد يكون مستحبًا إذا لم يمكنه فعل المستحب من الطهارة وغيرها إلا فيها، كغسل الجمعة على القول باستحبابه، ومثله الاغتسال الذي يقصد بها إزالة الدرن من البدن، فإن نظافة البدن من الدرن مستحب شرعًا، فهذا يستحب له الذهاب إلى الحمام إذا كان لا يستطيع الاغتسال في غير الحمام؛ ليحصل له هذا المقصود؛ لأنه والحالة هذه يعتبر الحمام وسيلة إلى فعل المستحب، فيكون مستحبًا.
وقد يكون مكروهًا إذا كان يترتب على دخول الحمام الوقوع في بعض المكروهات، كالإسراف في الماء.
وقد يكون مباحًا كما لو كان دخوله للتلذذ والترفه، أو للتداوي على القول بأن التداوي مباح (٢).
الدليل السابع:
أن مياه هذه الحمامات قد يغتسل فيه من لا يتحفظ عن النجاسات، وقد يبول فيها، وقد يكون على بدنه نجاسة، أو مرض، ثم الأواني المستعملة قد تكون نجسة، وقد يكون ما يغسل فيها من الثياب نجسًا.
ولذلك نهي عن الصلاة في الحمام، وذلك لأن أرضه لا تسلم من النجاسة.
(٨٥٩ - ١٧٩) فقد روى أحمد من طريق محمد بن إسحاق، عن عمرو بن يحيى ابن عمارة، عن أبيه،
عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : كل الأرض مسجد وطهور إلا المقبرة
فاستثنى الحمام من الأرض الطهور، وهذا دليل على نجاستها، وإنما تنجس الحمام بتنجس الماء المستعمل فيه.
ويُجاب عن هذا:
أولًا: أما قولكم بأن مياه هذه الحمامات قد يغتسل فيها من لا يتحفظ عن النجاسات.
فيقال: الأصل في الماء أنه طهور حتى يتغير بالنجاسة، ولم يتغير بها.
ثانيًا: الشك لا يقضي على اليقين، فنجاسة الماء مشكوك فيها، وطهوريته متيقنة، فلا ننتقل عن اليقين بمجرد الشك.
ثالثًا: أننا إذا افترضنا أن الماء قد خالطته نجاسة، فإن ماء الحمامات كثير، وفي حكم الماء الجاري، والماء الجاري على الصحيح لا ينجس إلا بالتغير، كما قال الإمام أحمد ففي مسائله رواية صالح، قلت: ما تقول في الغسل بماء الحمام؟ قال: الحمام
стр. 2139
بمنزلة الماء الجاري عندي (١).
وأما الجواب عن الحديث، والنهي عن الصلاة في الحمام، فيجيب عنه ابن تيمية رحمه الله تعالى، فيقول:
«استثنى الحمام مطلقًا، فيتناول الاسم ما دخل في المسمى، فلهم طريقان:
الأول: أن النهي تعبد لا يعقل معناه، كما ذهب إليه طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم، كأبي بكر، والقاضي أبي يعلى، وأتباعه.
والثاني: أن ذلك؛ لأنه مأوى الشياطين، كما في الحديث الذي رواه الطبراني عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ، أن الشيطان قال: يا رب اجعل لي بيتًا، قال: بيتك الحمام ... وذكر الحديث المتقدم (٢).
وهذا التعليل كتعليل النهي عن الصلاة في أعطان الإبل بنحو ذلك، كما في الحديث: إن على ذروة كل بعير شيطانًا، وإنه جن، خلقت من جن، إذ لا يصح التعليل هناك بالنجاسة؛ لأنه فَرَّق بين أعطان الإبل ومبارك الغنم، وكلاهما في الطهارة والنجاسة سواءً، كما لا يصح تعليل الأمر بالوضوء بأنه لأجل مس النار مع تفريقه بين لحوم الإبل ولحوم الغنم، وكلاهما في مس النار وعدمه سواءً» (٣).
• دليل من قال بالجواز مطلقًا للرجال والنساء:
الدليل الأول:
قال الموصلي رحمه الله تعالى: «لم يصح في هذا الباب شيء عن رسول الله ﷺ » (٤).
وقال ابن القيم: «ولم يدخل ﷺ حمامًا قط، ولعله ما رآه بعينه، ولم يصح في الحمام
стр. 2140
حديث» (١).
وقال عبد الحق في أحكامه: «وأما ما خرجه أبو داود في هذا من الحظر والإباحة، فلا يصح منه شيء؛ لضعف الأسانيد» (٢).
وإذا كان لم يصح فيه حديث، فالأصل في دخوله الإباحة للرجال والنساء، بشرط أن يخلو من محظور آخر، كالتعري ونحوه، فهذا إنما يمنع لا من أجل الحمام، ولكن من أجل كشف العورة، وهو غير خاص في دخول الحمام، بل في كل مكان يتعرض فيه الناس إلى كشف عوراتهم فيجب أن يمنعوا من ذلك، ولو كان هذا في أماكن العبادة ونحوها.
الدليل الثاني:
(٨٦٠ - ١٨٠) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن عكرمة،
عن ابن عباس أنه دخل حمام الجحفة (٣).
[صحيح].
وإذا جاز دخوله للرجال جاز دخوله للنساء إلا بدليل، وإنما النساء شقائق الرجال.
الدليل الثالث:
(٨٦١ - ١٨١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا جرير، عن عمارة، عن أبي زرعة،
عن أبي هريرة، قال: نعم البيت الحمام، يذهب الدرن، ويذكر النار (٤).