← Фикх общий

Фикх общий · id 157

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 3

دبيان الدبيان

Полный текст (5 371 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2137

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2138

فاستثنى الحمام من الأرض الطهور، وهذا دليل على نجاستها، وإنما تنجس الحمام بتنجس الماء المستعمل فيه. ويُجاب عن هذا: أولًا: أما قولكم بأن مياه هذه الحمامات قد يغتسل فيها من لا يتحفظ عن النجاسات. فيقال: الأصل في الماء أنه طهور حتى يتغير بالنجاسة، ولم يتغير بها. ثانيًا: الشك لا يقضي على اليقين، فنجاسة الماء مشكوك فيها، وطهوريته متيقنة، فلا ننتقل عن اليقين بمجرد الشك. ثالثًا: أننا إذا افترضنا أن الماء قد خالطته نجاسة، فإن ماء الحمامات كثير، وفي حكم الماء الجاري، والماء الجاري على الصحيح لا ينجس إلا بالتغير، كما قال الإمام أحمد ففي مسائله رواية صالح، قلت: ما تقول في الغسل بماء الحمام؟ قال: الحمام

стр. 2139

بمنزلة الماء الجاري عندي (١). وأما الجواب عن الحديث، والنهي عن الصلاة في الحمام، فيجيب عنه ابن تيمية رحمه الله تعالى، فيقول: «استثنى الحمام مطلقًا، فيتناول الاسم ما دخل في المسمى، فلهم طريقان: الأول: أن النهي تعبد لا يعقل معناه، كما ذهب إليه طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم، كأبي بكر، والقاضي أبي يعلى، وأتباعه. والثاني: أن ذلك؛ لأنه مأوى الشياطين، كما في الحديث الذي رواه الطبراني عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ، أن الشيطان قال: يا رب اجعل لي بيتًا، قال: بيتك الحمام ... وذكر الحديث المتقدم (٢). وهذا التعليل كتعليل النهي عن الصلاة في أعطان الإبل بنحو ذلك، كما في الحديث: إن على ذروة كل بعير شيطانًا، وإنه جن، خلقت من جن، إذ لا يصح التعليل هناك بالنجاسة؛ لأنه فَرَّق بين أعطان الإبل ومبارك الغنم، وكلاهما في الطهارة والنجاسة سواءً، كما لا يصح تعليل الأمر بالوضوء بأنه لأجل مس النار مع تفريقه بين لحوم الإبل ولحوم الغنم، وكلاهما في مس النار وعدمه سواءً» (٣). • دليل من قال بالجواز مطلقًا للرجال والنساء: الدليل الأول: قال الموصلي رحمه الله تعالى: «لم يصح في هذا الباب شيء عن رسول الله ﷺ » (٤). وقال ابن القيم: «ولم يدخل ﷺ حمامًا قط، ولعله ما رآه بعينه، ولم يصح في الحمام

стр. 2140

حديث» (١). وقال عبد الحق في أحكامه: «وأما ما خرجه أبو داود في هذا من الحظر والإباحة، فلا يصح منه شيء؛ لضعف الأسانيد» (٢). وإذا كان لم يصح فيه حديث، فالأصل في دخوله الإباحة للرجال والنساء، بشرط أن يخلو من محظور آخر، كالتعري ونحوه، فهذا إنما يمنع لا من أجل الحمام، ولكن من أجل كشف العورة، وهو غير خاص في دخول الحمام، بل في كل مكان يتعرض فيه الناس إلى كشف عوراتهم فيجب أن يمنعوا من ذلك، ولو كان هذا في أماكن العبادة ونحوها. الدليل الثاني: (٨٦٠ - ١٨٠) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه دخل حمام الجحفة (٣). [صحيح]. وإذا جاز دخوله للرجال جاز دخوله للنساء إلا بدليل، وإنما النساء شقائق الرجال. الدليل الثالث: (٨٦١ - ١٨١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا جرير، عن عمارة، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، قال: نعم البيت الحمام، يذهب الدرن، ويذكر النار (٤).

стр. 2141

[صحيح] (١). الدليل الرابع: (٨٦٢ - ١٨٢) ما رواه البزار حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا يعلى بن عبيد، حدثنا سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : احذروا بيتًا يقال له الحمام، قالوا: يا رسول الله ينفي الوسخ؟ قال: فاستتروا. قال البزار: ..... ولا نعلم أحدًا وصله إلا يوسف، عن يعلى، عن الثوري (٢). وقال عبد الحق في أحكامه عن حديث البزار: هذا أصح إسناد حديث في هذا الباب، على أن الناس يرسلونه عن طاوس (٣). [الراجح أنه مرسل] (٤).

стр. 2142

• أدلة من فرق بين الرجال والنساء: الدليل الأول: (٨٦٣ - ١٨٣) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا شعبة، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي مليح الهذلي، أن نساء من أهل حمص، ومن أهل الشام دخلن على عائشة، فقالت: أنتن اللاتي يدخلن نساؤكم الحمامات؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من امرأة تضع ثيابها في غير بيت زوجها، إلا هتكت الستر بينها وبين الله (١).

стр. 2143

[صحيح] (١).

стр. 2144

والحديث استنبطت منه عائشة ﵂ حرمة دخول النساء للحمام، وإن كان الحديث مطلقًا، ولم يقيد بدخول الحمام، ولذا لا يشمل الحديث امرأة دخلت الحمام بقميص مثلًا؛ لأن الوعيد على من وضعت ثيابها، وهذه لم تضع ثيابها، كذلك الحديث لا يشمل من وضعت بعض ثيابها عند من تحل له رؤية زينتها الظاهرة، كالأزواج والنساء ونحو ذلك، فالحديث يقصد به تلك المرأة التي تضع ثيابها أمام الرجال الأجانب بقصد الفاحشة أو مقدماتها، والله أعلم. الدليل الثاني: (٨٦٤ - ١٨٤) ما رواه أحمد من طريق عمر بن السائب، أن القاسم بن أبي القاسم

стр. 2145

السبئي حدثه، عن قاص الأجناد بالقسطنطينية أنه سمعه يحدث، أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: يا أيها الناس، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعدن على مائدة يدار عليها بالخمر، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بإزار، ومن كانت تؤمن بالله واليوم الآخر فلا تدخل الحمام (١). [ضعيف] (٢). فجعل النهي للرجال متوقف على لبس الإزار، ونهى المرأة نهيًا مطلقًا من دخوله، لكن الحديث ضعيف. الدليل الثالث: (٨٦٥ - ١٨٥) ما رواه الطبراني من طريق علي بن يزيد، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل حليلته الحمام ...

стр. 2146

الحديث (١). [ضعيف] (٢). الدليل الرابع: (٨٦٦ - ١٨٦) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: أخبرنا عبد الله بن شداد، عن أبي عذرة، قال - وكان قد أدرك النبي ﷺ . عن عائشة، أن رسول الله ﷺ نهى الرجال والنساء عن الحمامات، ثم رخص للرجال أن يدخلوها في المآزر (٣). [ضعيف] (٤).

стр. 2147

الدليل الخامس: (٨٦٧ - ١٨٧) ما رواه أحمد من طريق أبي خيرة، عن موسى بن وردان، قال أبو خيرة: لا أعلم إلا أنه قال: عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر من ذكور أمتي فلا يدخل الحمام إلا بمئزر، ومن كانت تؤمن بالله واليوم الآخر من إناث أمتي فلا تدخل الحمام (١). [ضعيف] (٢). الدليل السادس: (٨٦٨ - ١٨٨) ما رواه أحمد من طريق ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل حليلته الحمام ... الحديث (٣). [ضعيف بهذا الإسناد] (٤).

стр. 2148

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2149

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2150

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2151

الدليل السابع: (٨٦٩ - ١٨٩) ما رواه أبو يعلى من طريق عمرو بن الربيع بن طارق، حدثني يحيى بن أيوب، عن يعقوب بن إبراهيم، عن محمد بن ثابت بن شرحبيل، عن عبد الله ابن سويد الخطمي، عن أبي أيوب الأنصاري ﵁، قال: إن رسول الله ﷺ قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر من نسائكم فلا يدخلْنَ الحمام، قال: فنميته إلى عمر بن عبد العزيز ﵁ في خلافته، فكتب إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أن سل محمد بن ثابت في حديثه، فإنه رضي، فسأله، فكتب إلى عمر ﵁، فمنع النساء من الحمام (١). [ضعيف] (٢).

стр. 2152

هذه تقريبًا الأحاديث التي وقفت عليها مرفوعة في التفريق بين الرجل والمرأة. الراجح والله أعلم. قد يكون الرجل والمرأة فيما سبق يضطرون إلى دخول الحمام، خاصة في البلاد

стр. 2153

الباردة، وفي الغسل الواجب، فيكون الإنسان بين أن يدخل الحمام، ويغتسل، وبين أن يدع ويتيمم، وإذا اغتسل في غير الحمام ربما عرض نفسه للتلف، أما الآن والحمد لله فإن الحال قد تغيرت، وأصبح في كل بيت من بيوت المسلمين ما يقوم بتسخين المياه عن طريق الكهرباء، فلم يحتج الرجل ولا المرأة إلى الذهاب إلى الحمامات، ولكن من جهة النظر العلمي، فإن الأصل أن المرأة في الأحكام كالرجل إلا ما دل عليه الدليل، فإذا لم تتجرد المرأة في هذه الحمامات، ولم يكن معها أجانب ينظرون منها ما يحرم النظر إليه، فإن الأصل الحل، وأن المرأة كالرجل والله أعلم. * * *

стр. 2154

المبحث الرابع إذا دخل الحمام بنية الاغتسال ثم شك في حصول الاغتسال مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • اليقين يمتنع رفعه بغير يقين، فالجنابة متيقنة، ورفعها مشكوك فيه، والأصل عدم الغسل. [م-٣٦١] إذا دخل رجل الحمام بنية الاغتسال من الجنابة، وبعد ما خرج منه بمدة، حصل له شك، هل اغتسل من الجنابة أم لا؟ فقيل: لا غسل عليه، وهو مذهب الحنفية (١). وقيل: يجب عليه الغسل، وهو مذهب الجمهور (٢).

стр. 2155

• وجه قول الحنفية: قالوا: غلبنا الظاهر على الأصل، وذلك أن الظاهر من حاله أنه لا يخرج من الحمام إلا بعد أن يغتسل، والبناء على الظاهر واجب، ما لم يعلم خلافه. • وجه قول الجمهور: العمل باليقين، وذلك أن الجنابة متيقنة، وأما رفع الجنابة فمشكوك فيه، والأصل عدم الغسل، وأنه باق على حكم الجنابة حتى يتيقن الانتقال منها. • وقد دل على هذه القاعدة حديث متفق عليه: (٨٧٠ - ١٩٠) فقد روى البخاري من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب ح وعن عباد بن تميم، عن عمه، أنه شكا إلى رسول الله ﷺ الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: لا ينفتل أو لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا، ورواه مسلم (١). فأمره الرسول ﷺ إذا شك في الحدث، وهو في الصلاة أن يستمر فيها، وأن يبقى على طهارته، ولا ينصرف عنها إلا بيقين، وكذلك الحكم لا يختلف لو كان متيقنًا الحدث، وشك في الطهارة، فإنه لا يزال محدثًا حتى يتيقن أنه اغتسل، وعلى هذه القاعدة فروع كثيرة منتشرة في كتب القواعد الفقهية، وكتب الفروق، فيرجع إليها في مظانها ليرى جوانب تطبيق هذه القاعدة، والله أعلم. * * *

стр. 2156

الفصل الثالث في اغتسال الرجل وزوجه من إناء واحد وهما جنبان مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • جواز وضوء الرجل من فضل المرأة الجنب والعكس. • سؤر فضل وضوء المرأة كسؤر شرابها طهور على الصحيح. • سؤر بهيمة الأنعام حتى الهرة طهور، فسؤر طهور المرأة أولى، فهي كما قال ابن عباس: ألطف بنانًا وأطيب ريحًا. • ما يرفع حدث المرأة يرفع حدث الرجل. • فضل وضوء الرجل طهور بالإجماع، والنساء شقائق الرجال. (٨٧١ - ١٩١) روى البخاري في صحيحه من طريق إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد، كلانا جنب، ورواه مسلم (١).

стр. 2157

وفي الصحيحين: كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد من الجنابة (١). وفيهما: تختلف فيه أيدينا (٢). (٨٧٢ - ١٩٢) وفي رواية لمسلم: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء بيني وبينه واحد، فيبادرني حتى أقول: دع لي، قالت: وهما جنبان (٣). وللبخاري: نغرف منه جميعًا (٤). ففي هذا الحديث دليل واضح على جواز وضوء الرجل من فضل المرأة الجنب والعكس؛ لأن اغتسالهما من إناء واحد يعني أن كلًا منهما يغتسل بفضل صاحبه. [م-٣٦٢] وقد اختلف في الوضوء من فضل الجنب في الصدر الأول، بين ابن عمر ﵁، وبين ابن عباس ﵁. (٨٧٣ - ١٩٣) فقد روى مالك، عن نافع، أن عبد الله بن عمر كان يقول: لا بأس أن يغتسل بفضل المرأة ما لم تكن حائضًا أو جنبًا (٥). [صحيح موقوف]. وبه أخذ إبراهيم النخعي، فقد قال ابن المنذر: انفرد إبراهيم النخعي بكراهة فضل المرأة إن كانت جنبًا (٦). وخالفهما حبر الأمة وترجمان القرآن، ابن عباس ﵄.

стр. 2158

فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن أبي يزيد المديني، قال: سئل ابن عباس عن سؤر المرأة، فقال: هي ألطف بنانًا، وأطيب ريحًا (١). [ورجاله ثقات]. وقد ذهب إلى الأخذ برأي ابن عباس جماهير أهل العلم، فأجازوا الوضوء بفضل المرأة، جنبًا كانت، أو غير جنب (٢)، وهو رواية عن أحمد، اختارها ابن عقيل من الحنابلة (٣)، ورجحه ابن المنذر (٤)، قال ابن عبد البر في التمهيد: «والذي ذهب إليه جمهور العلماء، وجماعة فقهاء الأمصار، أنه لا بأس أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة، وتتوضأ المرأة بفضله، انفردت بالإناء، أو لم تنفرد، وفي مثل هذا آثار كثيرة عن النبي ﷺ صحاح، والذي يُذْهَب إليه أن الماء لا ينجسه شيء، إلا ما ظهر فيه من النجاسات، أو غلب عليه منها، فلا وجه للاشتغال بما لا يصح من الآثار والأقوال، والله

стр. 2159

المستعان» (١). قال ابن حجر: «ونقل الطحاوي، ثم القرطبي، والنووي الاتفاق على جواز اغتسال الرجل والمرأة من الإناء الواحد، وفيه نظر؛ لما حكاه ابن المنذر عن أبي هريرة أنه كان ينهى عنه، وكذا حكاه ابن عبد البر عن قوم، وهذا الحديث حجة عليهم» (٢). وخالف الحنابلة الجمهور في مسألتين: في تفسير فضل المرأة، وفي حكمه: فقالوا في تفسير فضل المرأة: هو الماء الذي خلت به المرأة من مشاهدة مميز، سواءً كان ذكرًا أم أنثى، وليس ما انفردت به. وهذاه هو المشهور عند المتأخرين من الحنابلة (٣). وأما حكم هذا الماء، فقالوا: طهور في حق المرأة، وليس طهورًا في حق الرجل، فلا يستعمل في رفع حدث الرجل خاصة، ويستعمل في إزالة النجاسة، كما يستعمل

стр. 2160

في رفع حدث المرأة والصبي (١)، ومذهب ابن حزم قريب منه (٢). وهذا الرأي من غريب الفقه، إذ كيف يكون ماء طهور في حق المرأة، ولا يكون طهورًا في حق الرجل، والحكم بالطهورية هو حكم وضعي، وليس حكمًا تكليفيًا، فإما أن يكون الماء قد طرأ عليه ما يفسده، فَنَقَلَه عن الطهورية إلى غيرها، وإما أن تكون الطهورية باقية، فلا فرق حينئذ بين الرجل والمرأة.

стр. 2161

والصحيح أن الوضوء بفضل المرأة، جنبًا كانت، أو حائضًا، جائر بلا كراهة، وهل يكون سؤر الهرة أطيب من سؤر المرأة؟ ! ، فيتوضأ الإنسان من سؤر الهرة بدون حرج، ويتحاشى سؤر المرأة. وقد ذكرت أدلة الأقوال في مسألة مستقلة من كتاب أحكام الطهارة، في مباحث المياه والآنية، فأغنى عن إعادته هنا، والحمد لله. * * *

стр. 2162

الفصل الرابع التسمية في الغسل مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • كل أذكار الوضوء والغسل ليست واجبة، وهل تستحب؟ فيها قولان. • لم يرد في جميع أحاديث الغسل من الجنابة ذكر للتسمية، لا في حديث صحيح، ولا ضعيف، والأصل عدم المشروعية. • لو كانت التسمية مشروعة في غسل الجنابة لحفظت ونقلت؛ لأن دين الله محفوظ، ولما كنا بحاجة إلى قياس الحدث الأكبر على الحدث الأصغر، مع أن المقيس عليه، وهو الحدث الأصغر لم يصح في التسمية فيه شيء. • كل شيء وجد سببه في عهد النبي ﷺ ، ولم ينقل أنه فعله، ولم يمنع من فعله مانع، كان ذلك دليلًا على أنه ليس بسنة. • التسمية على الأفعال، منها ما هو شرط كالذبح، ومنها ما هو مشروع، كالتسمية للأكل، ورمي الجمار، والدخول والخروج، ومنها ما هو بدعة كالتسمية للأذان، ولتكبيرة الإحرام. [م-٣٦٣] اختلف الفقهاء في التسمية للغسل، ومعلوم أن المغتسل للجنابة تارة

стр. 2163

يتوضأ قبل أن يغتسل، وتارة يغتسل بدون وضوء، وسيأتي إن شاء الله تعالى حكم الوضوء في غسل الجنابة، فإن توضأ قبل غسله، فقد ذكرت في مباحث الوضوء حكم التسمية في الوضوء، وجرى تحرير الخلاف فيها مع ذكر الأدلة هناك، وتم ترجيح أن التسمية غير مشروعة في الوضوء، وهو قول في مذهب المالكية، جاء في التاج والإكليل (١): «أنكر مالك التسمية على الوضوء، وقال: ما سمعت بهذا، أيريد أن يذبح؟ ». وإن اغتسل بلا وضوء، فما حكم التسمية حينئذ عند الفقهاء رحمهم الله تعالى، فقيل: التسمية سنة، وهو مذهب الحنفية (٢)، والشافعية (٣). وقيل: التسمية من الفضائل، وهو المشهور في مذهب المالكية (٤). وقيل: لا تستحب التسمية للجنب، وهو وجه في مذهب الشافعية (٥)، وينبغي

стр. 2164

أن يكون قولًا في مذهب المالكية (١). وقيل: تجب التسمية، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٢). • دليل من قال باستحباب التسمية في الغسل: الدليل الأول: (٨٧٤ - ١٩٤) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن مبارك، عن الأوزاعي، عن قرة بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : كل كلام أو أمر ذي بال لا يفتح بذكر الله فهو أبتر، أو قال: أقطع (٣). [إسناده ضعيف، ومتنه مضطرب] (٤). • ويُجاب عن ذلك: أولًا: أن الحديث ضعيف. ثانيًا: ليس كل عبادة مشروعة تكون التسمية فيها مشروعة، فالتسمية في العبادات منها ما هو شرط كالذبح، ومنها ما هو مستحب كما في قراءة القرآن، بل قد تستحب في بعض المباحات كالأكل والشرب. ومنها ما هو بدعة، كالتسمية في الأذان، وفي الإقامة، وفي الصلاة، وفي الحج والعمرة ونحوها، فليس كل فعل تشرع فيه التسمية (٥).

стр. 2165

وقد قال القرافي في كتابه الفروق: «فأما ضابط ما تشرع فيه التسمية من القربات، وما لم تشرع، فيه فقد وقع بحث مع جماعة من الفضلاء، وعسر تحرير ذلك وضبطه، ثم قال: والقصد من هذا الفرق بيان عسره، والتنبيه على طلب البحث عن ذلك، فإن الإنسان قد يعتقد أن هذا لا إشكال فيه، فإذا نبه على الإشكال استفاده، وحثه ذلك على طلب جوابه» (١). قلت: رحمك الله رحمة واسعة يا أحمد بن إدريس القرافي، فلقد طلبت في بحثي هذا حديثًا صحيحًا أو ضعيفًا في مشروعية التسمية في غسل الجنابة، ولم أقف عليه حتى كتابة هذه السطور، وليس في قلبي شيء من عدم مشرعية التسمية في غسل الجنابة، فيبعد أن تكون التسمية مشروعة، ثم لا تأتي في الأحاديث التي تنقل لنا صفة الغسل من الجنابة، فهل يتصور أن يتتابع الصحابة على إهمال ترك التسمية، وعدم نقلها للأمة مع ثبوت مشروعيتها، ولو كانت التسمية من دين الله لحفظها الله ، فإن الله قال: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر: ٩]، وحفظ الكتاب إنما يكون أيضًا بحفظ الشرع، فلا يمكن أن يكون شيء من شرع الله غير محفوظ لنا، ودع عنك أيها القارئ الكريم متابعة جمهور الفقهاء بلا نور من

стр. 2166

كتاب الله ، أو حجة من هدي رسول الله ﷺ ، فإنهما الحجة على خلقه، وما ليس فيهما فلا تتبعه، وإن قال به من قال، فإن خطأ القائل معذور به مأجور عليه، وأما متابعتك لغيرك من غير هدى فإن سلمت من الإثم، فلا أجر فيها، والله المستعان، وعليه التكلان. الدليل الثاني: وردت أحاديث كثيرة في مشروعية التسمية في الوضوء، بلفظ: (لا صلاة إلا بوضوء، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه). ورد ذلك من حديث أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وسهل بن سعد، وعلي ابن أبي طالب، وسعيد بن زيد، وأنس وعائشة ﵃ أجمعين، وإن كان في أسانيدها مقال، فإنها صالحة للحجة بالمجموع (١). فإذا ثبتت التسمية في الطهارة الصغرى، كانت التسمية مشروعة في الطهارة الكبرى من باب أولى؛ لأنها صغرى وزيادة (٢). • وأجيب: لا نسلم أن التسمية مشروعة في الطهارة الصغرى، وقد تقدم بحث التسمية في الطهارة الصغرى، وتبين أن التسمية فيها غير مشروعة، وإذا بطل الأصل بطل الفرع، ولو أخذنا بظاهر أحاديث «لا صلاة إلا بوضوء، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» لقلنا: إن التسمية شرط في صحة الوضوء، من تركها، ولو سهوًا، لم يصح وضوؤه، ووجب عليهم القول بأن منزلة التسمية في الوضوء، كمنزلة الوضوء للصلاة، ولما لم تكن هذه الأحاديث بتلك الصحة لم يذهب الجمهور إلى أن التسمية شرط، بل لم يذهبوا إلى القول بالوجوب إلا رواية عن الإمام أحمد، وقد استقر مذهبه على القول

стр. 2167

بعدم الوجوب كما نقل الخلال عنه، ونقلت ذلك في كتاب الوضوء، وعليه فنقول لهم: لا تحتجوا علينا بأحاديث أنتم أنفسكم لا تقولون بمقتضاها، والله المستعان. • دليل الحنابلة على وجوب التسمية: لما كان الحنابلة يوجبون التسمية في الطهارة الصغرى، أوجبوها في الطهارة في الكبرى من باب القياس. والجواب عنهم، هو الجواب نفسه الذي رُدَّ به قول الجمهور، فهذا الدليل هو عين دليل الجمهور إلا أن الجمهور قالوا: لما كانت الطهارة مشروعة في الطهارة الصغرى كانت مشروعة في الطهارة الكبرى، والحنابلة قالوا: لما كانت التسمية واجبة في الطهارة الصغرى كانت واجبة في الطهارة الكبرى، ولا يصح القياس لما ذكرنا في الجواب عن الدليل الذي قبل هذا. • دليل من قال: التسمية غير مشروعة في الغسل . الدليل الأول: الأصل في العبادات الحضر، حتى يرد دليل صحيح على المشروعية، وأحاديث الاغتسال من الجنابة ليس فيها ذكر التسمية، (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً) [مريم: ٦٤]. الدليل الثاني: أن أحاديث غسل الجنابة في السنة خلو من التسمية، ولو كانت مشروعة لما أغفل الصحابة ﵃ ذكرها، ولو كانت التسمية مشروعة لحفظها الله لنا، فلما لم تنقل لنا التسمية في الغسل، لا في حديث صحيح، ولا في حديث ضعيف، كان هذا دليلًا على عدم مشروعية التسمية، والقول بمشروعية التسمية في غسل الجنابة يعني أن التسمية كانت تفعل من رسول الله ﷺ ومن صحابته، ولكن الصحابة قد قصروا في نقل هذه السنة للأمة، وأسوق لك بعض الأحاديث الصحيحة في صفة غسل الجنابة، وليس فيها ذكر للتسمية، منها:

стр. 2168

(٨٧٥ - ١٩٥) ما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل بيده شعره حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده. ورواه مسلم (١). فهذه صفة غسل النبي ﷺ من الجنابة وليس فيها ذكر البسملة. (٨٧٦ - ١٩٦) ومنها ما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، قال: حدثتني خالتي ميمونة، قالت: أدنيت لرسول الله ﷺ غسله من الجنابة، فغسل كفيه مرتين أو ثلاثًا، ثم أدخل يده في الإناء، ثم أفرغ بها على فرجه، وغسله بشماله، ثم ضرب بشماله الأرض فدلكها دلكًا شديدًا، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء كفه، ثم غسل سائر جسده، ثم تنحى عن مقامه ذلك فغسل رجليه، ثم أتيته بمنديل فرده. ورواه البخاري (٢). وهذا الحديث كغيره ليس فيه التسمية، فيبعد أن تكون التسمية مشروعة ثم لا تنقل من قوله ﷺ ولا من فعله. (٨٧٧ - ١٩٧) ومنها ما رواه مسلم من طريق سفيان، عن أيوب بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن، عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أم سلمة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء، فتطهرين (٣). فهذه الأحاديث هي التي نقلت لنا صفة غسل الجنابة، وليست التسمية فيها،

стр. 2169

وبالتالي يقطع الباحث بعدم مشروعية التسمية، ولا حاجة لنا إلى الذهاب إلى القياس على الوضوء، لأمرين بل لثلاثة: الأول: عدم ثبوت التسمية في الوضوء. الثاني: أن الغسل كان يتكرر منه ﷺ ، كما كان يتكرر من صحابته رضوان الله عليهم، فكانت الأمة بحاجة إلى معرفة حكم التسمية في الغسل، فلما لم يأت ذكر للتسمية في أحاديث صفة الغسل من الجنابة، علم أنها ليست مشروعة. الثالث: أن القياس في العبادات ضعيف إلا ما نص على علته، ولذلك سبق لنا قول القرافي: «يعسر الحصول على ضابط لما تشرع فيه التسمية وما لا تشرع». وإذا كان لا يوجد ضابط كان القول بمشروعية التسمية في الغسل يحتاج إلى توقيف من الشارع، فالضابط المطرد: هو النص، فإذا لم نجد مثل ذلك لم نذهب ونتكلف بالقول بالقياس، وكيف نرد على من قال: إذا قلتم بالقياس، فقولوا بمشروعية التسمية في الصلاة والأذان بجامع أن كلًا منهما عبادة، فإذا منعتم القياس بهذه العبادات منعنا القياس على الوضوء، وهذا على التسليم في صحة التسمية في الوضوء، بل يمكن أن يعكس القياس، فيقال: لم يرد حديث صحيح ولا ضعيف في ثبوت التسمية في الغسل، أو في التيمم، وكلاهما طهارة من الحدث، فيقاس عليهم الوضوء بعدم مشروعية التسمية بجامع أن كلًا منهما طهارة من حدث، والله أعلم. • الراجح من الخلاف. القول بعدم مشروعية التسمية، هو القول الذي يتمشى مع الأدلة، والأصل عدم المشروعية حتى تثبت التسمية في حديث صحيح خال من النزاع، والله أعلم، وإن عدم ثبوت حديث صحيح أو ضعيف في مشروعية التسمية في الغسل يؤكد لك أخي القارئ عدم مشروعية التسمية في الطهارة الصغرى، والتي وردت فيها أحاديث لا تقوم فيها حجة، فإذا كان اغتسال النبي ﷺ من الجنابة لم نقف فيه على أثر مرفوع في

стр. 2170

مشروعية التسمية، فالطهارة الصغرى لا يستنكر القول بعدم مشروعية التسمية فيها، وإن وردت فيها أحاديث ليست بذاك، وإذا كان الجمهور يرى مشروعية التسمية في الغسل، مع أنه لا يوجد فيها سنة مرفوعة، ولو ضعيفة، لم نجعل قول الجمهور حجة في ذهابهم إلى مشروعية التسمية في الطهارة الصغرى، والله أعلم، وانظر كلامي في التسمية في غسل الحيض، فقد يكون فات هنا شيء قد ذكرته هناك، والله الموفق. * * *

стр. 2171

الفصل الخامس البداءة بغسل فرجه وما أصابه من أذى قبل الاغتسال مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • غسل الفرج وما أصابه من أذى في ابتداء غسل الجنابة معلل، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. • قال ابن تيمية: الاستنجاء من المني فعل النبي ﷺ وأصحابه على الدوام، ولا أعلم إخلالهم به بحال (١). • من غسل ذكره بنية رفع الحدث كفاه غسله عن الحدث والخبث، لأن طهارة الخبث لا تشترط لها النية، ومن غسل ذكره ناويًا إزالة الخبث لزمه إعادة غسله مع غسل بدنه بنية رفع الحدث.

стр. 2172

[م-٣٦٤] يستحب لمن أراد الغسل أن يغسل فرجه، وما أصابه من أذى، سواءً كان هذا الأذى نجسًا كالمذي، أو كان طاهرًا مستقذرًا كالمني (١). وهل يستحب مطلقًا، أو يستحب حيث يوجد على ذكره أذى، فإن لم يوجد لم يستحب ذلك، كما لو أولج ذكره بحائل، ولم ينزل، في ذلك خلاف بين أهل العلم. فذهب الحنفية إلى أن تقديم غسل الفرج سنة مطلقًا، سواءً كان على ذكره نجاسة أم لا، وقاسوه على تقديم الوضوء على غسل باقي البدن، سواءً كان هناك حدث أم لا (٢). وقيل: إن لم يكن هناك أذى، فلا حاجة إلى غسل فرجه، وهذا مذهب الشافعية (٣). وربما أخذ الشافعية من قول ميمونة في الحديث: (وغسل فرجه، وما أصابه من أذى) وأن الأذى يطلق على النجاسة، لقوله عن الحيض: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى) [البقرة: ٢٢٢]. والمحيض: نجس بالإجماع. فالجواب: أن الأذى قد يطلق على النجاسة كإطلاقه على دم الحيض، وقد يطلق على الشيء الطاهر،

стр. 2173

قال تعالى: (وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ) [النساء: ١٠٢]. وقال الله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى) [البقرة: ٢٦٤]. وقال: (قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى) [البقرة: ٢٦٣]. وقال: (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ) [البقرة: ١٩٦]. وأذى الرأس يقصد به القمل، كما هو معلوم من سبب النزول، وقصة كعب بن عجرة في الصحيحين (١)، ولا يقال: إن القمل نجس. وأرى أن غسل الفرج لا يتعين من أجل إزالة النجاسة، بل قد يبدأ بغسله حتى لا يحتاج إلى مسه بعد ذلك، فينتقض وضوؤه، ولو كان كل من جامع أصبح ذكره نجسًا، لنقل عن المصطفى ﷺ مباشرة غسله بعد الجماع، خاصة أن الذكر يخرج من الجماع، وهو رطب، ولنقل عنه ﷺ حرصه على توقيه، حتى لا تتعدى النجاسة إلى ثيابه، ولجاء الأمر بغسل الذكر بعد الجماع مباشرة، أو التحفظ منه، فلما لم ينقل عن المعصوم أمر بغسل الذكر من الجماع، ولم ينقل غسله مباشرة بعد الجماع، علم أن غسل الذكر في غسل الجنابة ليس واجبًا، وسيأتي مزيد بيان لهذا، حين الكلام على دليل الاستحباب، والله أعلم. • الدليل على استحباب غسل الفرج في غسل الجنابة: هناك دليلان أثري ونظري على استحباب البداءة بغسل الفرج. أما الدليل الأثري: (٨٧٨ - ١٩٨) فروى البخاري من طريق الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس،

стр. 2174

عن ميمونة، أن النبي ﷺ اغتسل من الجنابة، فغسل فرجه بيده، ثم دلك بها الحائط، ثم غسلها، ثم توضأ وضوءه للصلاة، فلما فرغ من غسله غسل رجليه. رواه البخاري اللفظ له ومسلم (١). قال ابن تيمية: الاستنجاء من المني فعل النبي ﷺ وأصحابه على الدوام، ولا أعلم إخلالهم به بحال (٢). وأما الدليل النظري: فإنه يستحب أن يغسل فرجه قبل ضوئه؛ لأنه إذا أخر غسل الفرج، فإنه إن مس فرجه انتقض وضوؤه، وإن لم يمسه أخل بسنة الدلك، وربما لا يتقين وصول الماء إلى مغابنه إلا بالدلك (٣). وقد استدل الحنفية والمالكية بهذا الحديث على نجاسة المني، وذلك لكونه استنجى من المني فغسل فرجه، وليس بصواب، فإن الغسل ليس مقصورًا فقط على النجاسة، فقد يكون الغسل للنظافة، أو من أمر مستقذر وإن لم يكن نجسًا، وقد يكون الغسل من مذي أصابه، وهو نجس، فلا يصح الحديث دليلًا على نجاسة المني، وقد

стр. 2175

يكون الغسل حتى لا يحتاج إلى مسه بعد ذلك، فيبطل وضوؤه (١). وقد أشار النووي إلى أن الاستنجاء من المني لا يكفي في رفع الجنابة، فلا بد من غسله مرة أخرى بنية رفع الجنابة، قال النووي: «وينبغي لمن اغتسل من إناء كالإبريق ونحوه، أن يتفطن لدقيقة قد يغفل عنها، وهي: أنه إذا استنجى، وطهر محل الاستنجاء بالماء، فينبغي أن يغسل محل الاستنجاء بعد ذلك بنية غسل الجنابة؛ لأنه إذا لم يغسله الآن ربما غفل عنه بعد ذلك، فلا يصح غسله لترك ذلك، وإن ذكره احتاج إلى مس فرجه، فينتقض وضوءه، أو يحتاج إلى كلفة في لف خرقة على يده، والله أعلم» (٢). قلت: إذا استنجى بنية رفع الحدث وإزالة النجاسة كفى، ولا يحتاج الأمر إلى إعادة غسل الفرج مرة أخرى بنية رفع الجنابة، بل إن إزالة النجاسة لا يحتاج الأمر فيها إلى نية، فإذا ذهبت النجاسة ولو كانت النية رفع الحدث فقد حصل المطلوب، وربما كان غسل الفرج أولًا لكي لا يحتاج إلى غسله مرة أخرى فينتقض وضوءه، ولو كان غسل الفرج يتكرر أكثر من مرة لبينته السنة. ولذلك قال الخرشي: «ثم يغسل ذلك المحل، أو غيره بنية غسل الجنابة؛ ليأمن من نقض الوضوء بمس ذكره بعد ذلك، وإن لم ينو رفع الجنابة عند غسل فرجه فلا بد من غسله ثانيًا؛ ليعم جسده، وكثير من الناس لا يتفطن لذلك فينوي بعد غسل فرجه، ثم لا يمسه حفظًا للوضوء، فيؤدي لبطلان الغسل لعرو غسل الفرج عن نية، قاله المؤلف في شرحه على المدونة اللخمي، وإن نوى رفع الجنابة في حين إزالة النجاسة عنه، وغسل غسلًا وحدًا أجزأ على مذهب المدونة» (٣).
следующие страницы →