الفصل الخامس
البداءة بغسل فرجه وما أصابه من أذى قبل الاغتسال
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• غسل الفرج وما أصابه من أذى في ابتداء غسل الجنابة معلل، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
• قال ابن تيمية: الاستنجاء من المني فعل النبي ﷺ وأصحابه على الدوام، ولا أعلم إخلالهم به بحال (١).
• من غسل ذكره بنية رفع الحدث كفاه غسله عن الحدث والخبث، لأن طهارة الخبث لا تشترط لها النية، ومن غسل ذكره ناويًا إزالة الخبث لزمه إعادة غسله مع غسل بدنه بنية رفع الحدث.
стр. 2172
[م-٣٦٤] يستحب لمن أراد الغسل أن يغسل فرجه، وما أصابه من أذى، سواءً كان هذا الأذى نجسًا كالمذي، أو كان طاهرًا مستقذرًا كالمني (١).
وهل يستحب مطلقًا، أو يستحب حيث يوجد على ذكره أذى، فإن لم يوجد لم يستحب ذلك، كما لو أولج ذكره بحائل، ولم ينزل، في ذلك خلاف بين أهل العلم.
فذهب الحنفية إلى أن تقديم غسل الفرج سنة مطلقًا، سواءً كان على ذكره نجاسة أم لا، وقاسوه على تقديم الوضوء على غسل باقي البدن، سواءً كان هناك حدث أم لا (٢).
وقيل: إن لم يكن هناك أذى، فلا حاجة إلى غسل فرجه، وهذا مذهب الشافعية (٣).
وربما أخذ الشافعية من قول ميمونة في الحديث: (وغسل فرجه، وما أصابه من أذى) وأن الأذى يطلق على النجاسة، لقوله عن الحيض: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى) [البقرة: ٢٢٢]. والمحيض: نجس بالإجماع.
فالجواب: أن الأذى قد يطلق على النجاسة كإطلاقه على دم الحيض، وقد يطلق على الشيء الطاهر،
стр. 2173
قال تعالى: (وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ) [النساء: ١٠٢].
وقال الله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى) [البقرة: ٢٦٤].
وقال: (قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى) [البقرة: ٢٦٣].
وقال: (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ) [البقرة: ١٩٦].
وأذى الرأس يقصد به القمل، كما هو معلوم من سبب النزول، وقصة كعب بن عجرة في الصحيحين (١)، ولا يقال: إن القمل نجس.
وأرى أن غسل الفرج لا يتعين من أجل إزالة النجاسة، بل قد يبدأ بغسله حتى لا يحتاج إلى مسه بعد ذلك، فينتقض وضوؤه، ولو كان كل من جامع أصبح ذكره نجسًا، لنقل عن المصطفى ﷺ مباشرة غسله بعد الجماع، خاصة أن الذكر يخرج من الجماع، وهو رطب، ولنقل عنه ﷺ حرصه على توقيه، حتى لا تتعدى النجاسة إلى ثيابه، ولجاء الأمر بغسل الذكر بعد الجماع مباشرة، أو التحفظ منه، فلما لم ينقل عن المعصوم أمر بغسل الذكر من الجماع، ولم ينقل غسله مباشرة بعد الجماع، علم أن غسل الذكر في غسل الجنابة ليس واجبًا، وسيأتي مزيد بيان لهذا، حين الكلام على دليل الاستحباب، والله أعلم.
• الدليل على استحباب غسل الفرج في غسل الجنابة:
هناك دليلان أثري ونظري على استحباب البداءة بغسل الفرج.
أما الدليل الأثري:
(٨٧٨ - ١٩٨) فروى البخاري من طريق الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس،
стр. 2174
عن ميمونة، أن النبي ﷺ اغتسل من الجنابة، فغسل فرجه بيده، ثم دلك بها الحائط، ثم غسلها، ثم توضأ وضوءه للصلاة، فلما فرغ من غسله غسل رجليه. رواه البخاري اللفظ له ومسلم (١).
قال ابن تيمية: الاستنجاء من المني فعل النبي ﷺ وأصحابه على الدوام، ولا أعلم إخلالهم به بحال (٢).
وأما الدليل النظري:
فإنه يستحب أن يغسل فرجه قبل ضوئه؛ لأنه إذا أخر غسل الفرج، فإنه إن مس فرجه انتقض وضوؤه، وإن لم يمسه أخل بسنة الدلك، وربما لا يتقين وصول الماء إلى مغابنه إلا بالدلك (٣).
وقد استدل الحنفية والمالكية بهذا الحديث على نجاسة المني، وذلك لكونه استنجى من المني فغسل فرجه، وليس بصواب، فإن الغسل ليس مقصورًا فقط على النجاسة، فقد يكون الغسل للنظافة، أو من أمر مستقذر وإن لم يكن نجسًا، وقد يكون الغسل من مذي أصابه، وهو نجس، فلا يصح الحديث دليلًا على نجاسة المني، وقد
стр. 2175
يكون الغسل حتى لا يحتاج إلى مسه بعد ذلك، فيبطل وضوؤه (١).
وقد أشار النووي إلى أن الاستنجاء من المني لا يكفي في رفع الجنابة، فلا بد من غسله مرة أخرى بنية رفع الجنابة،
قال النووي: «وينبغي لمن اغتسل من إناء كالإبريق ونحوه، أن يتفطن لدقيقة قد يغفل عنها، وهي: أنه إذا استنجى، وطهر محل الاستنجاء بالماء، فينبغي أن يغسل محل الاستنجاء بعد ذلك بنية غسل الجنابة؛ لأنه إذا لم يغسله الآن ربما غفل عنه بعد ذلك، فلا يصح غسله لترك ذلك، وإن ذكره احتاج إلى مس فرجه، فينتقض وضوءه، أو يحتاج إلى كلفة في لف خرقة على يده، والله أعلم» (٢).
قلت: إذا استنجى بنية رفع الحدث وإزالة النجاسة كفى، ولا يحتاج الأمر إلى إعادة غسل الفرج مرة أخرى بنية رفع الجنابة، بل إن إزالة النجاسة لا يحتاج الأمر فيها إلى نية، فإذا ذهبت النجاسة ولو كانت النية رفع الحدث فقد حصل المطلوب، وربما كان غسل الفرج أولًا لكي لا يحتاج إلى غسله مرة أخرى فينتقض وضوءه، ولو كان غسل الفرج يتكرر أكثر من مرة لبينته السنة.
ولذلك قال الخرشي: «ثم يغسل ذلك المحل، أو غيره بنية غسل الجنابة؛ ليأمن من نقض الوضوء بمس ذكره بعد ذلك، وإن لم ينو رفع الجنابة عند غسل فرجه فلا بد من غسله ثانيًا؛ ليعم جسده، وكثير من الناس لا يتفطن لذلك فينوي بعد غسل فرجه، ثم لا يمسه حفظًا للوضوء، فيؤدي لبطلان الغسل لعرو غسل الفرج عن نية، قاله المؤلف في شرحه على المدونة اللخمي، وإن نوى رفع الجنابة في حين إزالة النجاسة عنه، وغسل غسلًا وحدًا أجزأ على مذهب المدونة» (٣).
стр. 2176
فهذا الكلام أدق من كلام النووي، حيث لا يطلب غسل الفرج مرة أخرى إذا كان غسله للفرج بنية رفع الجنابة، أو نواهما معًا: إزالة النجاسة ورفع الحدث، وأرى أن الأمر سهل جدًّا، وأن النية العامة في رفع حدث الجنابة تكفي إن شاء الله تعالى، ولا يتطلب الأمر نية خاصة عند كل عضو من البدن، فإذا نوى نية عامة في هذا الغسل رفع الجنابة، يكون الفرج داخلًا في تلك النية، حتى ولو غسله بنية إزالة الأذى، فنية الصلاة تكفي عن نية خاصة عند الركوع والسجود والجلوس، فكذلك نية الغسل تكفي عن نية خاصة عند غسل الفرج، أو الرأس، أو اليد، وهكذا، والله أعلم
* * *
стр. 2177
الفصل السادس
غسل اليدين قبل الوضوء وقبل غسل الفرج
نحتاج في بحث هذه المسألة إلى الكلام
أولًا: في محل غسل اليدين من غسل الجنابة.
وثانيًا: هل يغسل كفيه كليهما، أو اليمنى فقط التي يغرف بها؟
وثالثًا: ما نية غسلهما، هل يغسلهما بنية النظافة، أو بنية رفع الحدث، أو ماذا؟
ورابعًا: عدد غسلات اليد، هل تغسل مرة واحدة، أو أكثر؟
* * *
стр. 2178
المبحث الأول في محل غسل اليدين من غسل الجنابة
[م-٣٦٥] جاء السنة الصحيحة الصريحة في أن غسل الكفين إنما يكون في ابتداء الغسل، وقبل الاستنجاء.
(٨٧٩ - ١٩٩) لما روى البخاري من طريق سفيان عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب،
عن ابن عباس، عن ميمونة قالت: سترت النبي ﷺ ، وهو يغتسل من الجنابة، فغسل يديه، ثم صب بيمينه على شماله، فغسل فرجه، وما أصابه، ثم مسح بيده الحائط، أو الأرض، ثم توضأ وضوءه للصلاة غير رجليه، ثم أفاض على جسده الماء، ثم تنحى فغسل قدميه.
فهذه الرواية صريحة في أن غسل اليد كان قبل غسل الفرج، وأن غسل الفرج كان قبل الوضوء، ثم يفيض على جسده الماء، وكان التعبير بلفظ (ثم) الدالة على الترتيب في جميع ذلك.
(٨٨٠ - ٢٠٠) وأما ما رواه البخاري رحمه الله تعالى من طريق سفيان، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس،
стр. 2179
عن ميمونة زوج النبي ﷺ ، قالت: توضأ رسول الله ﷺ وضوءه للصلاة غير رجليه، وغسل فرجه، وما أصابه من أذى، ثم أفاض عليه الماء، ثم نحى رجليه، فغسلهما. هذه غسله من الجنابة.
فذكر غسل الفرج بعد الوضوء، فقد أجاب عنه الحافظ في الفتح، فقال: «فيه تقديم وتأخير؛ لأن غسل الفرج كان قبل الوضوء؛ إذ الواو لا تقتضي الترتيب، وقد بين ذلك ابن المبارك عن الثوري عند البخاري في باب الستر في الغسل، فذكر غسل اليدين، ثم غسل الفرج، ثم مسح يده بالحائط، ثم الوضوء غير رجليه، وأتى بـ (ثم) الدالة على الترتيب في جميع ذلك» (١).
* * *
стр. 2180
المبحث الثاني هل يغسل يديه كليهما أو اليمنى فقط لأنها آلة الغرف
[م-٣٦٦] قال الباجي: «ويكفي غسل اليمنى في هذا الموضع على قول أشهب؛ ليمكنه غرف الماء بها، ولا معنى لغسل اليد اليسرى معها؛ لأنه يغسل بها فرجه بعد ذلك، فيباشر النجاسة، ولا يباشر شيئًا من ذلك بيمناه، فلذلك غسلها ليتناول بها الماء» (١).
(٨٨١ - ٢٠١) واستدل الباجي بأثر موقوف على ابن عمر ﵁، رواه مالك في الموطأ، عن نافع،
عن عبد الله بن عمر كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ، فأفرغ على يده اليمنى، فغسلها، ثم غسل فرجه، ثم مضمض واستنثر ... إلخ (٢).
(٨٨٢ - ٢٠٢) بل يمكن أن يستدل له بما رواه البخاري من طريق أبي عوانة، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس،
стр. 2181
عن ميمونة بنت الحارث، قالت: وضعت لرسول الله ﷺ غسله، وسترته، فصب على يده، فغسلها مرة أو مرتين، قال سليمان: لا أدري أذكر الثالثة أم لا، ثم أفرغ بيمينه على شماله فغسل فرجه ... الحديث.
قلت: الصحيح غسل الكفين معًا، وهذه الرواية لا بد من حملها على باقي الروايات الأخرى لحديث ميمونة، لأن الحديث واحد، فيقال: إن كلمة (يده) مفرد مضاف، فيعم كلتا يديه.
فحديث ميمونة مداره على الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، عن ميمونة،
(٨٨٣ - ٢٠٣) رواه البخاري من طريق أبي حمزة، عن الأعمش به بلفظ: (صب على يديه، فغسلهما، ثم صب بيمينه على شماله، فغسل فرجه، فضرب بيده الأرض فمسحها، ثم غسلها .... الحديث.
فهنا ذكر أن الغسل كان لكلتا يديه قبل غسل الفرج، وأما بعد غسل فرجه فكان الغسل ليده اليسرى؛ لأنها هي التي باشر بها غسل فرجه، وهي التي ضرب بها الأرض.
(٨٨٤ - ٢٠٤) ورواه البخاري من طريق حفص بن غياث، عن الأعمش به، بلفظ: صببت للنبي ﷺ غسلًا، فأفرغ بيمينه على يساره فغسلهما، ثم غسل فرجه، ثم قال بيده الأرض، فمسحها بالتراب، ثم غسلها، ثم تمضمض واستنشق ... الحديث.
ورواية حفص هذه توافق رواية أبي حمزة، بأن غسل اليدين كان قبل غسل الفرج، وأن الغسل كان لكلتا يديه، ثم عاد وغسل اليد اليسرى بعد أن مسحها بالتراب.
(٨٨٥ - ٢٠٥) ورواه مسلم من طريق عيسى بن يونس، عن الأعمش به، بلفظ: فغسل كفيه مرتين أو ثلاثًا، ثم أدخل يده في الإناء، ثم أفرغ بها على فرجه، وغسله
стр. 2182
بشماله، ثم ضرب بشماله الأرض فدلكها دلكًا شديدًا، ثم توضأ وضوءه للصلاة (١).
فهذه الروايات في حديث ميمونة صريحة في أن الغسل كان لكفيه كليهما، ولم يختلف الأمر في صفة الغسل في حديث عائشة،
(٨٨٦ - ٢٠٦) فقد رواه البخاري من طريق مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة بلفظ:
كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ، فغسل يديه، ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ... الحديث (٢).
ورواه البخاري كذلك من طريق عبد الله بن المبارك، عن هشام به (٣).
ورواه مسلم من طريق وكيع، عن هشام به، بلفظ: بدأ، فغسل كفيه ثلاثًا (٤).
ورواه مسلم أيضًا من طريق أبي معاوية، عن هشام به، بلفظ: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة يبدأ، فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله، فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة (٥).
* * *
стр. 2183
المبحث الثالث الموجب لغسل اليدين في غسل الجنابة
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• الطهارة متى أمر بها لتحصيل النظافة، ثم دخلتها أحكام العبادة المحضة شرع الإتيان بها ولو كانت نظيفة، ولم يراع سببها، فغسل اليدين قبل غسل الجنابة حين دخله العدد غلبت عليه أحكام العبادة المحضة.
[م-٣٦٧] اختلف العلماء في موجب غسل اليدين،
قال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن يكون غسلهما من أجل النظافة، وإزالة ما بهما من مستقذر (١).
قلت: يمنع من هذا اعتبار العدد في غسلهما، فإنه لو كان الأمر من أجل النظافة وإزالة المستقذر فقط لاكتفى بذلك بغسلة واحدة، فإن النجاسة العينية تكفي في غسلها غسلة واحدة تذهب بعينها، فلما كان الغسل ثلاث مرات، كان الأمر ليس من أجل النظافة، أو إزالة النجاسة، أو المستقذر.
стр. 2184
وهذا الخلاف ليس لفظيًا، فمن قال: إن الغسل من أجل النظافة، لم ير أن غسلهما مشروع فيما لو كانت يده نظيفة، أو كان قد غسلهما، ثم أحدث، فإذا استأنف الوضوء لم يشرع له إعادة غسلهما، كما أنه لا يرى وجوب النية في غسلهما؛ لأن الغسل إذا كان من قبيل النظافة، أو إزالة النجاسة لم تكن النية واجبة، بخلاف من يرى أن غسلهما من أجل الوضوء فحسب، سواءً كانت اليد نظيفة، أو غير نظيفة.
فالراجح أن غسل اليدين مشروع، حتى ولو كانت اليد نظيفة؛ لأن الطهارة إذا دخلتها أحكام العبادة المحضة غلبت عليها، فلم يراع فيها السبب، فغسل اليدين حين دخله العدد غلبت عليه أحكام العبادة المحضة، ومثله غسل الجمعة أصله إزالة الرائحة، فلما دخلت عليه أحكام العبادة لزمه الاتيان به، وإن لم يوجد سببه، والله أعلم.
قال الحافظ: ويحتمل أن يكون غسلهما هو الغسل المشروع عند القيام من النوم (١).
(٨٨٧ - ٢٠٧) وقد أخذ ذلك بما رواه مسلم من طريق زائدة، عن معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة، أن رسول الله ﷺ كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ، فغسل يديه قبل أن يدخل يده في الإناء، ثم توضأ مثل وضوئه للصلاة (٢).
ورواه الشافعي والترمذي من طريق سفيان بن عيينة، عن هشام به، وذكر غسل يديه قبل إدخالهما في الإناء.
وكونه غسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ليس فيه دليل على أن ذلك بسبب القيام من النوم، بل كان ذلك هديه ﷺ إذا أراد أن يتوضأ غسل يديه قبل إدخالهما في الإناء،
стр. 2185
(٨٨٨ - ٢٠٨) فقد روى البخاري من طريق ابن شهاب، أن عطاء ابن يزيد أخبره،
أن حمران مولى عثمان أخبره أنه رأى عثمان بن عفان دعا بإناء، فأفرغ على كفيه ثلاث مرار فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق. الحديث. وأخرجه مسلم (١).
فلم يدخل يمينه في الإناء حتى غسلها ثلاثًا، ولم يكن ذلك بسبب القيام من نوم الليل، لأن الحديث مطلق، نعم إذا كان غسل اليد بعد القيام من نوم الليل فإن غسلهما يتأكد، وقد قال بعض العلماء بالوجوب، وقد ذكرت خلاف العلماء في ذلك في باب المياه، والدليل على تأكد غسلهما إن كان ذلك بعد القيام من النوم،
(٨٨٩ - ٢٠٩) ما رواه مسلم حديث أبي هريرة: إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا؛ فإنه لا يدري أين باتت يده. ورواه البخاري دون قوله ثلاثًا (٢).
فالذي يظهر أن غسل الكفين ثلاثًا في ابتداء الغسل كان من أجل الوضوء، فَفَعَلَ في وضوء غسله، كما كان يفعل في وضوئه المعتاد، والله أعلم، ومن أدخل يديه في الإناء قبل غسلهما لم يضر ذلك وضوءه، فإن كانت يده نظيفة فالأمر ظاهر، يد طاهرة لاقت ماء طهورًا فلم تؤثر فيه.
وإن كان في يده نجاسة، وتغير الماء بالنجاسة نجس إجماعًا، وإن لم يتغير الماء رجعت هذه المسألة إلى مسألة أخرى سبق أن حُرِّرت الأقوال فيها، وهي في حكم الماء إذا لاقته نجاسة فلم تغيره، وقد فصلت القول فيها في كتاب المياه.
وقد ترجم البخاري بابًا في صحيحه، بعنوان: باب هل يدخل الجنب يده في
стр. 2186
الإناء قبل أن يغسلها إذا لم يكن على يده قذر غير الجنابة، ثم ساق حديث القاسم، عن عائشة ﵂، قالت: كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد، تختلف أيدينا فيه، ورواه مسلم (١).
كما ساق أثرًا معلقًا، قال البخاري: أدخل ابن عمر، والبراء بن عازب يده في الطهور، ولم يغسلها، ثم توضأ (٢).
قال الحافظ في الفتح في توجيه الاستدلال بحديث عائشة: «لما جاز للجنب أن يدخل يده في الإناء، ليغترف بها قبل ارتفاع حدثه؛ لتمام الغسل كما في حديث الباب، دل على أن الأمر بغسل يده قبل إدخالها ليس لأمر يرجع إلى الجنابة، بل إلى ما لعله يكون بيده من نجاسة متيقنة أو مظنونة».
قلت: هذا التوجيه مبني على قول: إن الحدث لا يرتفع عن العضو المغسول حتى يرتفع الحدث عن البدن كله، أما من يرى: أن كل عضو تم غسله فقد ارتفع حدثه، فلا يتوجه هذا الاستدلال، هذا من جهة، ومن جهة أخرى قول الحافظ: إن غسل اليد لا يرجع إلى أمر الجنابة، بل إلى ما لعله يكون بيده من نجاسة متيقنة أو مظنونة، ينتقض ذلك باستحباب غسل اليد، ولو تيقن نظافتها، فغسل اليد في ابتداء الوضوء والغسل إن كانت اليد بحاجة إلى النظافة فظاهر، وإلا كان غسلهما تعبدي، وذلك لكون غسلهما يسن فيه التثليث، وغسل النجاسة يكفي فيه غسلة واحدة تذهب بعينها، والله أعلم.
* * *
стр. 2187
المبحث الرابع عدد غسل الكفين في ابتداء الغسل
[م-٣٦٨] ذهب الأئمة الأربعة (١)، إلى أن غسل الكفين في غسل الجنابة مرة واحدة إلى ثلاث مرات، ولا يزيد على الثلاث.
وقيل: يغسل كفيه سبع مرات، يروى هذا عن ابن عباس، ولا يصح (٢).
• دليل الجمهور:
ما ورد في صفة الغسل من حديث ميمونة وحديث عائشة ﵄ من أنه غسل كفيه ثلاثًا، وسبق في الفصل الذي قبل هذا ذكر ألفاظهما.
(٨٩٠ - ٢١٠) واستدل من رأى غسل الكفين سبعًا بما رواه أحمد من طريق ابن أبي ذئب، عن شعبة مولى ابن عباس،
أن ابن عباس ﵄ كان إذا اغتسل من الجنابة أفرغ بيده اليمنى على اليسرى فغسلها سبعًا قبل أن يدخلها في الإناء، فنسي مرة كم أفرغ على يده، فسألني:
стр. 2188
كم أفرغت؟ فقلت: لا أدري؟ فقال: لا أم لك، ولم لا تدري، ثم توضأ وضوءه للصلاة ... الحديث (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
ومع ضعف الحديث، فإن الظاهر أن التسبيع كان في غسل الفرج؛ لأنه لم يذكر التسبيع إلا في غسل اليد اليسرى، واليد اليسرى هي التي يغسل بها المرء فرجه قبل الاغتسال، ولأنه ربما كان على الذكر نجاسة من مذي ونحوه، ففي غسل النجاسة قد قيل بغسلها سبعًا، كما هو مذهب الحنابلة، وهو مرجوح (٣).
قال ابن رجب: «وليس في هذه الرواية التسبيع سوى في غسل يده اليسرى قبل الاستنجاء، ويحتمل أن المراد به التسبيع في غسل الفرج خاصة، وهو الأظهر» (٤).
والصحيح أنه غسلها بعد الاستنجاء وقبل إدخال اليد في الإناء؛ وذلك لمباشرتها غسل الفرج، وما كان عليه من أذى، ومع ذلك فلو صح هذا عن ابن عباس لم يكن فيه حجة، لأنه موقوف عليه، فكيف، وهو ضعيف، مخالف للسنة المرفوعة إلى النبي ﷺ .
* * *
стр. 2189
الفصل السابع
من سنن الغسل الوضوء قبله
[م-٣٦٩] نحتاج في الكلام على الوضوء في غسل الجنابة إلى الكلام على مسائل كثيرة منها:
أولًا: حكم الوضوء في غسل الجنابة.
وثانيًا: في موضع الوضوء من الغسل، هل يكون قبل الغسل أو بعده؟
وثالثًا: في نية الوضوء، هل يتوضأ بنية رفع الحدث الأصغر، أو يتوضأ بنية رفع الحدث الأكبر؟
رابعًا: لو اغتسل بدون وضوء، فهل يرتفع الحدث الأصغر، أو يرتفع الحدثان، ولو لم يتوضأ؟
خامسًا: في التثليث في الوضوء، هل يغسل أعضاء الوضوء مرة، أو ثلاثًا؟
فهذه خمس مسائل سوف نتكلم عليها في المباحث التالية إن شاء الله تعالى، وأسأل الله منه التوفيق والعون، إنه على كل شيء قدير.
* * *
стр. 2190
المبحث الأول حكم الوضوء في غسل الجنابة
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• الأصغر يندرج في الأكبر.
[م-٣٧٠] اتفق العلماء على مشروعية الوضوء لمن أراد أن يغتسل للجنابة (١)، واختلفوا في وجوبه،
فقيل: الوضوء سنة، وهو مذهب الجمهور من الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، واختيار ابن حزم رحمه الله تعالى (٦).
стр. 2191
وقيل: الوضوء شرط في صحة الغسل، وهو رأي داود الظاهري رحمه الله تعالى (١)، وأبي ثور (٢)، وراوية عن أحمد (٣).
وقيل: إن كان أجنب، وهو محدث لزمه الوضوء، وإن كان حين أجنب طاهرًا لم يلزمه، ذكره بعض الحنفية (٤)، وذهب إليه بعض الشافعية (٥)، وبعض الحنابلة (٦). هذه مجمل الأقوال في المسألة.
• وسبب اختلافهم في حكم الوضوء:
اختلافهم في آية المائدة في قوله تعالى: (وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) [المائدة: ٦]، هل هي من قبيل المجمل، أو من قبيل المبين، فالإمام داود يرى أن قوله : (فَاطَّهَّرُوا) أمر مجمل، وبيانه يؤخذ من فعل الرسول ﷺ ، والرسول قد حافظ على الوضوء في غسله، فتكون هذه الصفة بيانًا للأمر الرباني في قوله تعالى:
стр. 2192
(فَاطَّهَّرُوا) فما كان بيانًا لأمر واجب، يكون حكمه حكم ذلك الواجب، كما أن قوله : (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) [النور: ٥٦]، مجمل، وجاء بيانه من فعل الرسول ﷺ ، فكان امتثال الصفة الواردة عن الرسول ﷺ في صفة الصلاة واجبة؛ لكونها بيانًا لأمر مجمل، وقل مثله في كثير من الأوامر المجملة في كتاب الله تعالى كما في قوله تعالى: (وَآتُوا الزَّكَاةَ) [النور: ٥٦].
وأما الجمهور فيرون أن قوله تعالى: (فَاطَّهَّرُوا) أمر مبين وليس مجملًا، وكذلك قوله تعالى: (وَلا جُنُباً إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) [النساء: ٤٣]، فالغسل ليس مبهمًا، وإنما هو مبين، فأباح الله الصلاة بالاغتسال، فمن شرط الوضوء مع الغسل فقد زاد في الآية ما ليس فيها، ولو كان الوضوء واجبًا لذكره الله ، كما أن الرسول ﷺ قد أفتى الصحابة بالاغتسال من الجنابة، ولم يذكر لهم الوضوء في أحاديث صحيحة، كما في قوله ﷺ في قصة الرجل الذي أصابته جنابة ولا ماء، قال: خذ هذا فأفرغه عليك، رواه البخاري (١)، فلم يطلب إلا إفراغ الماء على بدنه.
وقال الرسول ﷺ لأم سلمة: إنما كان يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين. رواه مسلم (٢).
فاكتفى بالإفاضة، ولم يذكر الوضوء، وجاء بلغة (إنما) الدالة على الحصر.
وأما قول من فرق بين من أجنب، وهو محدث، وبين من أجنب وهو طاهر، فيلزم الأول الوضوء دون الثاني، قالوا: إذا كان محدثًا يلزمه الوضوء؛ لأنه قبل الجنابة لزمه الوضوء، فلا يسقط غسل الجنابة الوضوء الواجب عليه، وهذا قول ضعيف؛ لأن الأحداث تتداخل.
стр. 2193
قال القرافي في الذخيرة: «اتفق أئمة الفقه على أن الوضوء غير واجب، سواءً طرأت الجنابة على الحدث، أو الطهارة، إلا الشافعي في أحد قوليه: إن كان محدثًا قبل الجنابة، واحتج عليه القاضي بدخوله معًا إذا اجتمعا، أو سبقت الجنابة، فكذلك ههنا؛ ولأن الكبرى تدخل في الكبرى، فالصغرى أولى» (١).
وعليه فقول الجمهور هو الراجح، حتى حكى ابن جرير الإجماع على صحة الغسل بدون وضوء (٢)، ولا تصح حكاية الإجماع مع خلاف داود وأبي ثور، وقد استكملت أدلة الفريقين وبسطتها مع المناقشة والترجيح في كتابي الحيض والنفاس رواية ودراية، فليرجع إليه من أراد الاستزادة (٣).
* * *
стр. 2194
المبحث الثاني في موضع الوضوء من غسل الجنابة
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• وضوء الجنب، هل هو رفع للحدث الأصغر، أو هو تقديم لأعضاء الوضوء بالغسل لشرفها، كما قال في غسل ابنته: اغسلنها، وابدأن بمواضع الوضوء منها؟ ? الحدث الأصغر لا يرتفع مع بقاء الأكبر، ولذلك لا ينتقض هذا الوضوء ببول، ولا غائط؛ لأن هذا الوضوء لم يرفع الحدث الأصغر حتى يقال: بطل حكمه.
• الوضوء بعد الغسل لم يصح فيه شيء (١).
• السنة للمغتسل في القدمين التخيير بين غسل القدمين أولًا، أو تأخيرهما إلى نهاية الغسل، ولا يقاس بقية أعضاء الوضوء عليهما، فلا يستحب تأخير الوضوء.
[م-٣٧١] في المبحث السابق تبين لنا أن الجمع بين الوضوء والغسل هو السنة عند الجمهور، وفي هذا البحث نتكلم على موضع الوضوء من الغسل،
стр. 2195
فقد نص جمهور الفقهاء على استحباب تقديم الوضوء على الغسل واختلفوا في غسل الرجلين من الوضوء (١):
فمنهم من استحب تأخير غسل رجليه إلى آخر الغسل.
ومنهم من رأى غسل الرجلين مع الوضوء.
ومنهم من قال: هو مخير، إن شاء غسل رجليه مع وضوئه، وإن شاء أخر غسلهما إلى آخر غسله، وسوف يأتي إن شاء الله التفصيل فيه عند الكلام على غسل الرجلين.
وقيل: الوضوء بعد الغسل أفضل، وهو قول في مذهب الحنابلة (٢).
وقيل: الوضوء قبل الغسل وبعده سواءً، اختاره أصحاب الشافعي (٣)، وهو قول في مذهب الحنابلة (٤).
وقيل: إن نسي الوضوء قبل الغسل، فإنه يتوضأ بعد الغسل، نص عليه مالك وأحمد (٥).
стр. 2196
• دليل من قال الوضوء قبل الغسل:
الدليل الأول:
(٨٩١ - ٢١١) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة زوج النبي ﷺ ، أن النبي ﷺ كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ، فغسل يديه، ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء، فيخلل بها أصول شعره، ثم يصب على رأسه ثلاث غرف بيديه، ثم يفيض الماء على جلده كله. ورواه مسلم (١).
وفي الباب حديث ميمونة في الصحيحين (٢).
الدليل الثاني:
(٨٩٢ - ٢١٢) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا شريك وزهير، عن أبي إسحاق، عن الأسود،
عن عائشة أن النبي ﷺ كان لا يتوضأ بعد الغسل (٣).
[حسن إن شاء الله تعالى] (٤).
стр. 2197
الدليل الثالث:
(٨٩٣ - ٢١٣) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو معاوية، عن عاصم
стр. 2198
الأحول، عن غنيم بن قيس،
عن ابن عمر، سئل عن الوضوء بعد الغسل؟ فقال: وأي وضوء أعم من الغسل (١).
[صحيح، وروي مرفوعًا، ولا يصح] (٢).
الدليل الرابع من الآثار:
(٨٩٤ - ٢١٤) ما رواه عبد الرزاق، عن هشيم، عن جعفر بن أبي وحشية، عن أبي سفيان، قال:
سئل جابر بن عبد الله عن الجنب يتوضأ بعد الغسل؟ قال: لا، إلا أن يشاء، يكفيه الغسل (٣).
стр. 2199
[صحيح] (١).
الدليل الخامس:
ذكر بعض أهل العلم أن الوضوء بعد الغسل لم يصح فيه شيء، منهم ابن رجب الحنبلي في شرحه لصحيح البخاري (٢).
• دليل من قال: الأفضل بعد الغسل:
لا أعلم لهم دليلًا من السنة، بل السنة على خلافه،
(٨٩٥ - ٢١٥) ولعله يستدل له في أثر ابن عمر فيما رواه عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سالم، قال:
كان أبي يغتسل، ثم يتوضأ، فأقول: أما يجزيك الغسل؟ قال: وأي وضوء أتم من الغسل للجنب، ولكنه يخيل إلي أنه يخرج من ذكري الشيء فأمسه، فأتوضأ لذلك.
[سنده صحيح، وسبق تخريجه قبل قليل].
ولا دليل فيه؛ لأن ابن عمر إنما حمله الوضوء على الغسل لانتقاض طهارته بمس ذكره، ولم يكن سبب الوضوء هو حدث الجنابة، إلا أن يفضل أحد الوضوء بعد الغسل من باب، أنه ربما مس ذكره أثناء الغسل، فاحتاج إلى إعادة الوضوء، فيقال: هذا الاستحسان كان قائمًا في حق المصطفى ﷺ ، ولم يره سببًا في تقديم الغسل على الوضوء، فما بالك تراه سببًا في التقديم، فاحرص على عدم مس ذكرك، فإن مسسته فلا مانع من إعادة الوضوء، والله أعلم.
• دليل من قال: هو مخير إن شاء توضأ قبل الغسل أو بعده:
يرى أن طهارة الجنب ليس فيها ترتيب، فمن اغتسل بعد الوضوء، أو توضأ بعد الغسل فقد حصل المطلوب، من القيام بالوضوء والغسل معًا في غسل الجنابة.
стр. 2200
وإذا ثبت في حديث ميمونة تأخير غسل رجليه في الوضوء إلا أن يفرغ من غسله، فإن الوضوء في هذه الصورة لم يتم إلا بعد الفراغ من الغسل، فإذا شُرِعَ له تأخير بعض أعضاء الوضوء إلى نهاية الاغتسال، لم يمنع أن يكون مخيرًا في الأعضاء الأخرى.
ويقال لهم: قولكم ليس فيه ترتيب، إن كنتم تقصدون أنه لا يجب الترتيب فمسلم، فإن الوضوء كله لو تركه واقتصر على الغسل، فقد ارتفع حدثه، وإن قلتم: ليس فيه ترتيب، أي مشروع، فإنه غير مسلم، فإن السنة واضحة في الصحيحين وفي غيرهما من تقديم الوضوء، وأما تأخير غسل الرجلين فإنه لا مانع أن يقال: السنة للمغتسل في القدمين التخيير بين غسل القدمين أولًا، أو تأخيرهما إلى نهاية الغسل، ولا يقاس أعضاء بقية أعضاء الوضوء عليهما، تمسكًا بالنص الوارد، مع اختلاف العلماء في علة تأخير غسل القدمين، وسوف يبحث إن شاء الله تعالى في فصل قادم العلة في تأخير غسل القدمين، والله أعلم.
• دليل من قال: إن نسي أن يتوضأ في أول غسله توضأ بعده:
هذا القول رأى أن النسيان عذر شرعي، والمعذور يغتفر له ما لا يغتفر لغيره، فإذا ترك الوضوء قبل الغسل معذورًا فله أن يأتي به بعد الغسل.
وهذا القول في ظاهره أنه جيد، وليس كذلك، فالمعذور يكتب له الأجر؛ لأنه لم يتعمد الترك، ولا يشرع في حقه الوضوء بعد الغسل، وذلك لأن الوضوء قبل الغسل يراد به ليس الوضوء الخاص برفع الحدث الأصغر، وإنما المطلوب أن يبدأ في غسله في مواضع الوضوء، ثم يغسل سائر جسده، ولا يغسل أعضاء الوضوء مرة أخرى، أما إذا اغتسل ثم توضأ يكون قد غسل أعضاء الوضوء مرتين، مرة في الغسل، ومرة في الوضوء، وهذا لا حاجة له.
وسيأتي مزيد بحث في مبحث مستقل عن نية الوضوء في الغسل، ليتبين لك
стр. 2201
أن المراد البداءة بأعضاء الوضوء، وليس الوضوء الذي سببه الحدث الأصغر، والله أعلم.
• الراجح:
بعد ذكر الخلاف، ودليل كل قول، الذي يترجح لي أن السنة لا تحصل إلا بتقديم الوضوء على الغسل إلا في الرجلين، فإن شاء قدم غسل قدميه مع الوضوء، وإن شاء أخر غسلهما إلى نهاية الغسل، فإن ترك الوضوء قبل الغسل، فلا يعيده بعد الغسل، إلا أن تنتقض الطهارة الصغرى بحدث، والله أعلم.
* * *
стр. 2202
المبحث الثالث ارتفاع الحدث الأصغر في الاغتسال
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• الأصغر يندرج في الأكبر.
• الوضوء والغسل إذا تكررت أسبابهما المختلفة أو المتماثلة فإنه يجزئ وضوء واحد، وغسل واحد، ويدخل أحد السببين في الآخر فلم يظهر له أثر، وكالوضوء مع الغسل، فإن الحدث الأصغر يندرج في الأكبر، لا يجب عليه وضوء.
[م-٣٧٢] اختلف العلماء في هذه المسألة:
فقيل: يجزئ الغسل عن الوضوء مطلقًا، سواءً كان محدثًا حدثًا أصغر قبل الجنابة، أم لا، وسواءً نوى رفع الحدثين معًا، أو نوى رفع الجنابة، وهذا هو مذهب الحنفية (١)،
стр. 2203
والمالكية (١)، وأصح الأقوال في مذهب الشافعية (٢)، واختاره ابن تيمية (٣).
وقيل: لا يرتفع الأصغر حتى يتوضأ، سواءً توضأ قبل الغسل أو بعده، وهو أحد قولي الشافعي (٤)، وقول في مذهب الحنابلة (٥).
وقيل: لا تتداخل الطهارتان الكبرى والصغرى إلا بنية، فعلى هذا، إما أن يتوضأ قبل الغسل، أو ينوي بغسله الطهارة من الحدثين، وهذا نص الإمام أحمد ﵀ (٦)،
стр. 2204
ووجه في مذهب الشافعية (١).
• دليل الجمهور على أنه يكفي الغسل وحده في رفع الحدثين:
الدليل الأول:
من القرآن قوله تعالى: (وَلا جُنُباً إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) [النساء: ٤].
وجه الاستدلال:
أن الله أباح الصلاة بالاغتسال من غير وضوء، فمن شرط في صحة الغسل وجود الوضوء، أو شرط نية رفع الحدث، فقد زاد في الآية ما ليس فيها، وذلك غير جائز.
الدليل الثاني:
(٨٩٦ - ٢١٦) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر
أنه أتى النبي ﷺ وقد أجنب، فدعا النبي ﷺ بماء، فاستتر واغتسل، ثم قال له النبي ﷺ : إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك هو خير (٢).
[تفرد به عمرو بن بجدان عن أبي ذر، قال فيه أحمد: لا أعرفه] (٣).
وجه الاستدلال:
لم يطلب النبي ﷺ للمجنب إذا وجد الماء إلا أن يمسه بشرته، فلو كان الوضوء، أو نيته واجبة لذكره الرسول ﷺ .
стр. 2205
الدليل الثالث:
أن الطهارة الكبرى متضمنة للطهارة الصغرى، فالأكبر متضمن لغسل الأعضاء الأربعة، فيتداخلان، كما أن الوضوء إذا تعددت أسبابه، أو تكرر السبب الواحد تداخلا، ولم يجب لكل سبب وضوء، والغسل إذا اختلفت أسبابه، أو تكرر السبب الواحد كذلك، فالطهارة الصغرى تدخل في الطهارة الكبرى وتغني عنها.
الدليل الرابع:
أن تقديم الوضوء لم يكن من أجل رفع الحدث الأصغر، بل هو غسل في صورة وضوء، فتقديمه لأعضاء الوضوء بمنزلة تقديم اليمنى على اليسرى في الوضوء، والدليل على أنه توضأ بنية الغسل، ولم يكن بنية رفع الحدث الأصغر، قوله ﷺ لأم عطية واللواتي غسلن ابنته: اغسلنها، وابدأن بمواضع الوضوء منها. متفق عليه (١).
فجعل الأمر موجه للغسل، وجعل ابتداء الغسل إنما هو لمواضع الوضوء، فهو لم يكن وضوءًا بنية رفع الحدث، وإنما كان غسلًا مقدمًا فيه أعضاء الوضوء لشرفها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى: فإن النبي ﷺ إذا بدأ بمواضع الوضوء، ثم غسل سائر جسده، لم يكن يغسل أعضاء الوضوء مرة أخرى، بل كان يكتفي بغسلها في أول الأمر، ولو كان غسله الأعضاء بنية رفع الحدث الأصغر لاحتاج إلى غسلها مرة أخرى بنية رفع الحدث الأكبر، قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: «الذين نقلوا لنا صفة غسله كعائشة ﵂ ذكرت أنه كان يتوضأ، ثم يفيض الماء على شعره، ثم على سائر بدنه، ولا يقصد غسل مواضع الوضوء مرتين، وكان لا يتوضأ بعد الغسل» (٢).
وسيأتي إن شاء الله تعالى كلام الفقهاء حول هذه المسألة بمزيد بحث في مبحث مستقل.
стр. 2206
فظهر لنا أن من فهم من الوضوء في أول الغسل، أنه أراد نية رفع الحدث الأصغر فقد أخطأ، وعليه فيكفي نية الغسل ليرتفع الحدثان، والله أعلم.
• دليل من قال: إذا لم ينو رفع الحدث الأصغر بالغسل لم يرتفع:
(٨٩٧ - ٢١٧) ما رواه البخاري من طريق يحيى بن سعيد، قال: أخبرني محمد ابن إبراهيم، أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي يقول:
سمعت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه. ورواه مسلم (١).
وجه الاستدلال:
لفظ: (إنما) للحصر، وليس المراد صورة العمل، فإنها توجد بلا نية، وإنما المراد أن حكم العمل لا يثبت إلا بالنية، ودليل آخر، وهو قوله ﷺ : (وإنما لكل امرئ ما نوى) وهذا لم يتوضأ، ولم ينو رفع الحدث الأصغر، فلا يكون له (٢).
• ويُجاب عن ذلك:
بأنه لا يمكن أن ينكر أحد تداخل بعض العبادات مع بعض، فتدخل تحية المسجد في الفريضة، ولا يطالب بتحية المسجد، وإذا أخر طواف الإفاضة سقط عنه طواف الوداع على الصحيح، وهكذا، فكيف بالطهارة الصغرى والكبرى فكلاهما عبادتان من جنس واحد، فيتداخلان.
• دليل من قال: لا يرتفع الحدث الأصغر حتى يتوضأ:
أنه يجب عليه الوضوء والغسل؛ لأنهما حقان مختلفان يجبان بسببين مختلفين، فلم
стр. 2207
يدخل أحدهما في الآخر، كحد الزنا والسرقة.
ولأنه قبل الجنابة قد لزمه الوضوء، فلا يسقط غسل الجنابة الوضوء الواجب عليه.
وهذا التعليل في مقابل النصوص، فلا يقبل.
• الراجح من الخلاف.
بعد معرفة أدلة الأقوال نجد أن قول الجمهور أقوى لقوة أدلته، وضعف أدلة الأقوال الأخرى، وهناك أدلة أخرى لم أذكرها للجمهور قد ذكرتها في مجلد الحيض والنفاس فلتراجع هناك (١) والله أعلم.
* * *
стр. 2208
المبحث الرابع نية الوضوء في غسل الجنابة
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• وضوء الجنب هل هو رفع للحدث الأصغر، أو هو تقديم لأعضاء الوضوء بالغسل لشرفها، كما قال في غسل ابنته: اغسلنها وابدأن بمواضع الوضوء منها؟ ? الحدث الأصغر لا يرتفع مع بقاء الأكبر، ولذلك لا ينتقض هذا الوضوء ببول، ولا غائط؛ لأن هذا الوضوء لم يرفع الحدث الأصغر حتى يقال: بطل حكمه.
[م-٣٧٣] عرفنا فيما سبق، أن السنة: هو أن يغسل أعضاء الوضوء في ابتداء الغسل، وأنه لا يشرع له الوضوء بعد الغسل، والكلام الآن في هذا المبحث في النية، هل يتوضأ قبل الغسل بنية رفع الحدث الأصغر؟ أو يتوضأ بنية رفع الحدث الأكبر؟ وكنت قد أشرت في المسألة السابقة إلى هذه المسألة، ووعدت أن أفصل فيها كلام أهل الفقه في مبحث مستقل، وهذا أوان الوفاء بالوعد،
فقيل: يتوضأ بنية رفع الحدث الأكبر، وهو مذهب المالكية (١)، واختاره محمد بن
стр. 2209
عقيل الشهرزوي من الشافعية (١)، وهو رأي ابن تيمية من الحنابلة (٢).
وقيل: يتوضأ بنية رفع الحدث الأكبر، إلا إن أحدث، ثم أجنب فإنه، ينوي بالوضوء رفع الحدث الأصغر، اختاره عمرو بن الصلاح من الشافعية (٣).
стр. 2210
قلت: يلزم على هذا القول وجوب الوضوء مع الغسل إذا كان جنبًا محدثًا، والراجح عدم وجوب الوضوء مطلقًا، وهو الصحيح حتى في مذهب الشافعية، وقد تقدم تحرير الخلاف في الفصل الذي قبل هذا.
• دليل من قال: يتوضأ بنية رفع الجنابة:
الدليل الأول:
الدليل على أن الوضوء في غسل الجنابة، هو غسل في صورة وضوء، وأن تقديمه لأعضاء الوضوء بمنزلة تقديم اليمنى على اليسرى في الوضوء، ولم يكن بنية رفع الحدث الأصغر، قوله ﷺ لأم عطية واللواتي غسلن ابنته:
اغسلنها، وابدأن بمواضع الوضوء منها. متفق عليه (١).
فجعل الأمر موجهًا للغسل، وجعل ابتداء الغسل إنما هو لمواضع الوضوء، فهو لم يكن وضوءًا بنية رفع الحدث، وإنما كان غسلًا مقدمًا فيه أعضاء الوضوء لشرفها.
الدليل الثاني:
كان النبي ﷺ إذا فرغ من الوضوء غسل سائر جسده، ولم يغسل أعضاء الوضوء مرة أخرى، بل كان يكتفي بغسلها في أول الأمر، ولو كان غسله الأعضاء بنية رفع الحدث الأصغر، لاحتاج إلى غسلها مرة أخرى بنية رفع الحدث الأكبر، وإلا فلا يمكن أن ينوي الأصغر، ويرتفع الأكبر؛ لأن الأصغر لا يتضمن الأكبر والعكس صحيح.
(٨٩٨ - ٢١٨) فقد روى البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل بين شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته، أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده، ورواه مسلم (٢).