← Фикх общий

Фикх общий · id 157

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 3

دبيان الدبيان

Полный текст (5 371 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

فظهر لنا أن من فهم من الوضوء في أول الغسل، أنه أراد نية رفع الحدث الأصغر فقد أخطأ، وعليه فيكفي نية الغسل ليرتفع الحدثان، والله أعلم. • دليل من قال: إذا لم ينو رفع الحدث الأصغر بالغسل لم يرتفع: (٨٩٧ - ٢١٧) ما رواه البخاري من طريق يحيى بن سعيد، قال: أخبرني محمد ابن إبراهيم، أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي يقول: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه. ورواه مسلم (١). وجه الاستدلال: لفظ: (إنما) للحصر، وليس المراد صورة العمل، فإنها توجد بلا نية، وإنما المراد أن حكم العمل لا يثبت إلا بالنية، ودليل آخر، وهو قوله ﷺ : (وإنما لكل امرئ ما نوى) وهذا لم يتوضأ، ولم ينو رفع الحدث الأصغر، فلا يكون له (٢). • ويُجاب عن ذلك: بأنه لا يمكن أن ينكر أحد تداخل بعض العبادات مع بعض، فتدخل تحية المسجد في الفريضة، ولا يطالب بتحية المسجد، وإذا أخر طواف الإفاضة سقط عنه طواف الوداع على الصحيح، وهكذا، فكيف بالطهارة الصغرى والكبرى فكلاهما عبادتان من جنس واحد، فيتداخلان. • دليل من قال: لا يرتفع الحدث الأصغر حتى يتوضأ: أنه يجب عليه الوضوء والغسل؛ لأنهما حقان مختلفان يجبان بسببين مختلفين، فلم

стр. 2207

يدخل أحدهما في الآخر، كحد الزنا والسرقة. ولأنه قبل الجنابة قد لزمه الوضوء، فلا يسقط غسل الجنابة الوضوء الواجب عليه. وهذا التعليل في مقابل النصوص، فلا يقبل. • الراجح من الخلاف. بعد معرفة أدلة الأقوال نجد أن قول الجمهور أقوى لقوة أدلته، وضعف أدلة الأقوال الأخرى، وهناك أدلة أخرى لم أذكرها للجمهور قد ذكرتها في مجلد الحيض والنفاس فلتراجع هناك (١) والله أعلم. * * *

стр. 2208

المبحث الرابع نية الوضوء في غسل الجنابة مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • وضوء الجنب هل هو رفع للحدث الأصغر، أو هو تقديم لأعضاء الوضوء بالغسل لشرفها، كما قال في غسل ابنته: اغسلنها وابدأن بمواضع الوضوء منها؟ ? الحدث الأصغر لا يرتفع مع بقاء الأكبر، ولذلك لا ينتقض هذا الوضوء ببول، ولا غائط؛ لأن هذا الوضوء لم يرفع الحدث الأصغر حتى يقال: بطل حكمه. [م-٣٧٣] عرفنا فيما سبق، أن السنة: هو أن يغسل أعضاء الوضوء في ابتداء الغسل، وأنه لا يشرع له الوضوء بعد الغسل، والكلام الآن في هذا المبحث في النية، هل يتوضأ قبل الغسل بنية رفع الحدث الأصغر؟ أو يتوضأ بنية رفع الحدث الأكبر؟ وكنت قد أشرت في المسألة السابقة إلى هذه المسألة، ووعدت أن أفصل فيها كلام أهل الفقه في مبحث مستقل، وهذا أوان الوفاء بالوعد، فقيل: يتوضأ بنية رفع الحدث الأكبر، وهو مذهب المالكية (١)، واختاره محمد بن

стр. 2209

عقيل الشهرزوي من الشافعية (١)، وهو رأي ابن تيمية من الحنابلة (٢). وقيل: يتوضأ بنية رفع الحدث الأكبر، إلا إن أحدث، ثم أجنب فإنه، ينوي بالوضوء رفع الحدث الأصغر، اختاره عمرو بن الصلاح من الشافعية (٣).

стр. 2210

قلت: يلزم على هذا القول وجوب الوضوء مع الغسل إذا كان جنبًا محدثًا، والراجح عدم وجوب الوضوء مطلقًا، وهو الصحيح حتى في مذهب الشافعية، وقد تقدم تحرير الخلاف في الفصل الذي قبل هذا. • دليل من قال: يتوضأ بنية رفع الجنابة: الدليل الأول: الدليل على أن الوضوء في غسل الجنابة، هو غسل في صورة وضوء، وأن تقديمه لأعضاء الوضوء بمنزلة تقديم اليمنى على اليسرى في الوضوء، ولم يكن بنية رفع الحدث الأصغر، قوله ﷺ لأم عطية واللواتي غسلن ابنته: اغسلنها، وابدأن بمواضع الوضوء منها. متفق عليه (١). فجعل الأمر موجهًا للغسل، وجعل ابتداء الغسل إنما هو لمواضع الوضوء، فهو لم يكن وضوءًا بنية رفع الحدث، وإنما كان غسلًا مقدمًا فيه أعضاء الوضوء لشرفها. الدليل الثاني: كان النبي ﷺ إذا فرغ من الوضوء غسل سائر جسده، ولم يغسل أعضاء الوضوء مرة أخرى، بل كان يكتفي بغسلها في أول الأمر، ولو كان غسله الأعضاء بنية رفع الحدث الأصغر، لاحتاج إلى غسلها مرة أخرى بنية رفع الحدث الأكبر، وإلا فلا يمكن أن ينوي الأصغر، ويرتفع الأكبر؛ لأن الأصغر لا يتضمن الأكبر والعكس صحيح. (٨٩٨ - ٢١٨) فقد روى البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل بين شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته، أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده، ورواه مسلم (٢).

стр. 2211

فقولها: (ثم غسل سائر جسده) أي بقية جسده، وقد ذكر الزبيدي: أن كلمة سائر الناس: أي الباقي من الناس (١). وله شاهد من حديث ميمونة من رواية مسلم له، في صفة غسل النبي ﷺ من الجنابة، وفيه: «ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء كفه، ثم غسل سائر جسده» (٢). والبخاري ﵀ لا يرى غسل أعضاء الوضوء مرة أخرى، بل يتوضأ، ثم يغسل بقية بدنه، قال ﵀ في صحيحه: «باب: من توضأ في الجنابة، ثم غسل سائر جسده، ولم يعد غسل مواضع الوضوء فيه مرة أخرى» (٣). قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: «الذين نقلوا لنا صفة غسله كعائشة ﵂ ذكرت أنه كان يتوضأ، ثم يفيض الماء على شعره، ثم على سائر بدنه، ولا يقصد غسل مواضع الوضوء مرتين، وكان لا يتوضأ بعد الغسل» (٤).

стр. 2212

وقال ابن حزم ﵀: «وأما غسل الجنابة والوضوء، فإنه أجزأ فيهما عمل واحد، بنية واحدة لهما جميعًا، للنص الوارد في ذلك، ثم ذكر حديث ميمونة من رواية مسلم له، وفيه: (ثم غسل سائر جسده) فقال: هذا رسول الله ﷺ لم يعد غسل أعضاء الوضوء في غسله للجنابة ... » (١). ويذكر ابن عبد البر أن غسل أعضاء الوضوء في غسل الجنابة ليس من قبيل المستحب، بل هو فرض، ويقصد أن المستحب هو تقديمها في الغسل، وأما غسلها إذا قدمتها فهو فرض؛ لأنه بنية رفع الجنابة، ونية رفع الجنابة فرض. يقول ابن عبد البر في الاستذكار: «والابتداء بالوضوء في غسل الجنابة يقتضي تقديم أعضاء الوضوء في الغسل سنة مسنونة في تقديم تلك الأعضاء خاصة؛ لأنه ليس في الغسل رتبة، وليس ذلك من باب السنة التي هي غير الفرض، ولذلك لم يحتج أن يعيد تلك الأعضاء بنية الجنابة؛ لأنه بذلك غسلها، وقدم الغسل لها على سائر البدن» (٢). فقوله: «وليس ذلك من باب السنة التي هي غير الفرض» يقصد بالسنة: الطريقة المشروعة، وهي هنا يعني بها الفريضة. وقال ابن عبد البر في التمهيد: «وأما قوله في حديث عائشة: (يتوضأ وضوءه للصلاة) فيحتمل أنها أرادت: بَدَأ بمواضع الوضوء، والدليل على ذلك أنه ليس في شيء من الآثار الواردة عنه ﷺ في غسل الجنابة أنه أعاد غسل تلك الأعضاء، ولا أعاد المضمضة ولا الاستنشاق، وأجمع العلماء على أن ذلك كله لا يعاد، من أوجب منهم المضمضة والاستنشاق ومن لم يوجبها» (٣). فإذا كان لا يرجع إلى أعضاء الوضوء مرة أخرى، وحكى فيه ابن عبد البر

стр. 2213

الإجماع، لزم على ذلك أحد ثلاثة أمور: الأول: أما أن يكون غسله لأعضاء الوضوء كان بنية رفع الحدث الأصغر، فيلزم منه أنه لم يغسلها بنية رفع الحدث الأكبر، فيبقى الحدث الأكبر ما زال على أعضاء الوضوء؛ لأن الحدث الأصغر أدنى، فهو لا يغني عن الحدث الأكبر؛ لكونه أعلى منه وأشد، والأخف لا يتضمن الأشد. الثاني: أن يكون غسل أعضاء الوضوء بنية رفع الحدثين، فيقال: هذه دعوى، إذ لو كان هذا شرطًا لرفع الحدث الأصغر، لبينه النبي ﷺ ، وبينه القرآن، فلم يذكر في القرآن إلا قوله تعالى: (حَتَّى تَغْتَسِلُوا) وقال ﷺ : (خذ هذا فأفرغه عليك). الأمر الثالث: أن يكون غسله لأعضاء الوضوء كان بنية رفع الجنابة، وليس بنية رفع الحدث الأكبر، وهذا ما يفسر اكتفاء الرسول ﷺ بغسلها في الوضوء عن غسلها مرة أخرى عند غسل سائر جسده، وهذا هو المتعين. الدليل الثالث: قد يستدل له بأنه لا يمكن رفع الحدث الأصغر، والأكبر باق، وعليه فتكون نيته في الوضوء، هي نية الغسل، وإنما بدأ بمواضع الوضوء لشرفها. وبعضهم استدل بطريقة أخرى، فقال: الوضوء في غسل الجنابة مستحب، فلو توضأ بنية الوضوء المعروف للزم منه أن يجزئ المستحب عن الواجب (١)، فلزم أن يكون الوضوء هو بنية الغسل، وليس بنية رفع الحدث. قلت: وهذا الاستدلال يستأنس به مع الأدلة السابقة الذكر، وإن لم يكن وحده ملزمًا. • دليل من قال: إن كان عليه حدث وجنابة لزمه نية رفع الحدث الأصغر: ذكرنا دليلهم في الفصل الذي قبل هذا، من إيجابهم الطهارة الصغرى، وأجبنا عليه.

стр. 2214

فالراجح: أن الوضوء يكون بنية رفع الحدث الأكبر، وليس بنية رفع الحدث الأصغر، ولو نواهما معًا لم يمنع من ذلك مانع، أما أن يكون ذلك حتم عليه، وإلا فلا يرتفع حدثه، أو يكون ذلك بنية رفع الحدث الأصغر، وهو لن يعود إلى غسل أعضائه مرة أخرى فهذا فيه نظر، والله أعلم. وثمرة الخلاف بين القولين: أن من يرى أن وضوءه هذا بنية رفع الحدث الأكبر، فلو أحدث في أثنائه بنى على وضوئه؛ لأن الترتيب في الغسل ليس بشرط، وأي عضو تم غسله، فقد فرغ منه، وبقي عليه غسل الباقي، كما أنه لو أحدث في أثناء غسله لم يؤثر ذلك في غسله، بل يتمه ويجزيه. ولذلك نص المالكية على أن وضوء الغسل لا يبطله إلا الجماع: قال في الشرح الصغير: «وضوء الجنب لا يبطله إلا الجماع، بخلاف وضوء غيره فإنه ينقضه كل ناقض مما تقدم» (١). وإنما كان لا يبطله إلا الجماع لأنه لم يكن وضوءًا، وإنما كانت صورته صورة الوضوء، والله أعلم. * * *

стр. 2215

المبحث الخامس التثليث في وضوء الغسل مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • استحباب التثليث يرجع إلى الخلاف في حقيقة الوضوء، هل هذا الوضوء هو جزء من غسل البدن، وإنما صورته صورة الوضوء، وقدمت أعضاء الوضوء في الغسل لشرفها، وإذا كان الوضوء غسلًا لم يكن التثليث فيه مشروعًا، أو أن هذا الوضوء قبل الغسل هو وضوء بنية رفع الحدث قبل ارتفاع الحدث الأكبر، فيأخذ حكم الوضوء، ومنها التثليث. [م-٣٧٤] اختلف العلماء في وضوء الغسل، هل يغسل أعضاء الوضوء مرة واحدة، أو يغسلها ثلاثًا، كما هو في الوضوء المستقل عن غسل الجنابة؟. فقيل: يسن في وضوء الغسل أن يكون ثلاثًا ثلاثًا. وهو مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة (١)، وبه قال سفيان الثوري، وإسحاق

стр. 2216

ابن راهويه (١)، ووجه في مذهب المالكية (٢). وقيل: يتوضأ مرة مرة، وهو وجه في مذهب المالكية (٣). ورجحه القاضي عياض، قال في الإكمال: «لم يأت في شيء من وضوء الجنب ذكر التكرار، وقال بعض شيوخنا: إن التكرار في الغسل لا فضيلة فيه» (٤). قال خليل تعليقًا «لا فضيلة في تكراره، يريد؛ لأنه ـ أي وضوء الجنب ـ من الغسل، ولا فضيلة في تكراره» (٥). وقال ابن رجب: لم ينص أحمد إلا على تثليث غسل كفيه ثلاثًا، وعلى تثليث صب الماء على الرأس (٦). اهـ وينبغي أن يتفطن أن هذه المسألة غير مسألة التثليث في غسل البدن، وسوف تأتي هذه إن شاء الله تعالى. وقد ذكرت أدلة هذه الأقوال بشيء من التفصيل في مبحث الحيض والنفاس رواية ودراية (٧)، فأغنى عن إعادته هنا، وقد رجحت في ذلك أنه لا يشرع التثليث في وضوء الغسل؛ لأن هذا الوضوء جزء من غسل البدن، وإنما صورته صورة الوضوء، كما تقدم بيانه في الفصل السابق، والبدن لا يشرع فيه التثليث كما سوف يتبين إن شاء الله تعالى في مبحث مستقل من هذا الباب، إلا في غسل الكفين في ابتداء الغسل، فإنه

стр. 2217

يشرع فيهما التثليث، (٨٩٩ - ٢١٩) لما روى البخاري من طريق عبد الواحد، عن الأعمش، عن سالم ابن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، قال: قالت ميمونة: وضعت للنبي ﷺ ماء للغسل، فغسل يديه مرتين أو ثلاثًا ... وذكر بقية الحديث. ورواه مسلم، واللفظ للبخاري (١). وروى مسلم من طريق وكيع، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة أن النبي ﷺ اغتسل من الجنابة فبدأ، فغسل كفيه ثلاثًا ... الحديث (٢). وكأن غسل الكفين سنة مستقلة في ابتداء الطهارة، يغسلهن ثلاثًا إن أراد وضوءًا، أو أراد غسلًا، قبل إدخال يديه في الإناء، حتى ولو كانت اليد نظيفة، ويجب غسلهما إن كان في اليد نجاسة، أو كان قائمًا من نوم الليل على أحد القولين، ويستحب غسلهما في غير ذلك، والله أعلم. وقد بحثت مسألة حكم غسل اليدين بعد الاستيقاظ من النوم في المجلد الأول: في مباحث المياه، فأغنى عن إعادته هنا. وكذلك يستحب التثليث في غسل الرأس، وسوف يأتي بحثه في فصل مستقل إن شاء الله تعالى، وأما ما عدا الكفين والرأس فلا يستحب التثليث على الصحيح من أقوال أهل العلم. * * *

стр. 2218

الفصل الثامن استحباب المضمضة والاستنشاق في الغسل مدخل في ذكر الضابط الفقهي: • إذا كان الوضوء ليس واجبًا في الطهارة الكبرى، فكذلك المضمضة والاستنشاق؛ لأنهما جزء منه. [م-٣٧٥] اختلف أهل العلم في حكم المضمضة والاستنشاق في الغسل، فقيل: المضمضة والاستنشاق سنة في الوضوء والغسل، وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢). وقيل: هما واجبان في الوضوء والغسل، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (٣).

стр. 2219

هذان قولان متقابلان. وفيه قولان آخران متقابلان أيضًا: فقيل: المضمضة والاستنشاق سنة في الوضوء، واجبان في الغسل، وهذا مذهب الحنفية (١). وقيل: واجبان في الوضوء دون الغسل (٢). وقيل: المضمضة سنة، والاستنشاق واجب فيهما (٣). والراجح: أن المضمضة والاستنشاق سنة في غسل الجنابة، فقد روى البخاري من حديث طويل، في قصة الرجل الذي أصابته جنابة ولا ماء، فقال له الرسول ﷺ : خذ هذا فأفرغه عليك (٤). (٩٠٠ - ٢٢٠) وروى مسلم عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال لها: إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين (٥). فعبر بـ (إنما) الدالة على الحصر، واكتفى بالإفاضة ولم يذكر المضمضة والاستنشاق. وقد بحثت المسألة، وناقشت أدلة الأقوال في كتاب الحيض والنفاس، فأغنى عن إعادته هنا (٦). * * *

стр. 2220

الفصل التاسع السنن الواردة في غسل الرأس نحتاج في الكلام على السنن الواردة في غسل الرأس إلى الكلام على جملة من المسائل: الأولى: هل يمسح الرأس في وضوء غسل الجنابة، أو لا يمسح باعتبار أن فرضه الغسل، وهو أعلى من المسح؟. الثانية: حكم تخليل الشعر في غسل الجنابة، ومنه شعر الرأس. الثالثة: استحباب التثليث في مسح الرأس. الرابعة: هل يوجد فرق بين الرجل والمرأة في عدد غسلات الرأس. الخامسة: هل تنقض الضفائر في غسل الجنابة؟ السادسة: في حكم المسترسل من الشعر، هل يجب غسل ظاهره وباطنه؟ فهذه ستة مسائل متعلقة بالرأس في غسل الجنابة، وأسأل الله عونه وتوفيقه، إنه على كل شيء قدير. * * *

стр. 2221

المبحث الأول العمل في الرأس في وضوء الغسل - غسل الرأس في الوضوء يجزئ عن مسحه، لكنه في الوضوء المفرد مكروه؛ لمخالفته السنة، وفي الوضوء المقرون بالغسل غير مكروه؛ لأن غسل الرأس فرض، والمسح يندرج في الغسل. • لم أقف على حديث واحد يصرح بمسح الرأس في وضوء غسل الجنابة. • كل الأحاديث التي فصلت وضوء غسل الجنابة تذكر صراحة غسل الرأس، وليس في حديث منها ذكر للمسح. [م-٣٧٦] علمنا فيما سبق أن غسل أعضاء الوضوء سنة في ابتداء الغسل، وأن أعضاء الوضوء تغسل بنية رفع الجنابة، ومعلوم أن أعضاء الوضوء منها ما هو مغسول كالوجه واليدين والرجلين، ومنها ما هو ممسوح كالرأس، هذا في رفع الحدث الأصغر، فهل يمسح الرأس في وضوء رفع الحدث الأكبر، أو يكون السنة فيه الغسل؟

стр. 2222

أما الوضوء في رفع الحدث الأصغر، فالمشروع فيه المسح بلا خلاف بين أهل العلم، واختلفوا هل يجزئ الغسل على ثلاثة أقوال: قيل: لا يجزئ مطلقًا. وقيل: يجزئ مع الكراهة. وقيل: يجزئ إن مر بيده على رأسه. وقد تقدم بحثها في كتاب الوضوء وذكرنا مستمسك كل قول مع مناقشتها في الكلام على فروض الوضوء. وأما في غسل الجنابة، فهل يمسح الرأس في وضوء الغسل؟ أو يكتفي في غسل الرأس بدلًا من مسحه؟ في هذا خلاف بين أهل العلم، فقيل: يمسح الرأس، وهو مذهب الجمهور من الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)؛ لأنهم يرون إتمام الوضوء قبل غسل الرأس وإفاضة الماء. وقيل: يكتفي بغسله؛ إذ لا فائدة من مسحه، وهو سوف يغسل، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة (٥)، ورواية ابن وهب عن مالك (٦)، وهو نص الإمام أحمد رضي

стр. 2223

الله عنه (١). وذكر ابن رجب: عن ابن عمر أنه لم يكن يمسح رأسه، بل يصب عليه الماء صبًا ويكتفي بذلك، ونص عليه إسحاق (٢) وقال ابن رجب: «غسل الرأس في الوضوء يجزئ عن مسحه، لكنه في الوضوء المفرد مكروه، وفي الوضوء المقرون بالغسل غير مكروه» (٣). • دليل من قال: لا يمسح رأسه بل يغسله: الدليل الأول: كل الأحاديث التي فصلت وضوء غسل الجنابة تذكر صراحة غسل الرأس، وليس في حديث منها ذكر للمسح، من ذلك: (٩٠١ - ٢٢١) ما رواه البخاري من طريق عبد الواحد، عن الأعمش، عن سالم ابن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، قال: قالت ميمونة ﵂: وضعت للنبي ﷺ ماء للغسل، فغسل يديه مرتين أو ثلاثًا، ثم أفرغ على شماله، فغسل مذاكيره، ثم مسح بيده الأرض، ثم مضمض واستنشق، وغسل وجهه ويديه، ثم أفاض على جسده، ثم تحول من مكانه، فغسل قدميه. وهو في مسلم بغير هذا اللفظ. فانظر كيف قالت ﵂: «غسل وجهه ويديه، ثم أفاض على جسده» فلو كان الرأس يمسح كيف تذكر المضمضة والاستنشاق وغسل الوجه واليدين، ثم تذكر غسل الرجلين، ولا تذكر مسح الرأس؟ فدل على أن المشروع هو الغسل، ولا معنى لمسح الرأس في عضو سوف يغسل ثلاث مرات، وأي مسح أبلغ من الغسل؟

стр. 2224

الدليل الثاني: قد بينت في فصل سابق، أن هذا الوضوء لم يكن بنية رفع الحدث، وإنما هو جزء من الغسل الواجب قُدِّمَ فيه أعضاء الوضوء لشرفها، كتقديم اليمين بالنسبة للشمال، ولن يرجع إلى أعضاء الوضوء مرة أخرى، وإذا كان هذا الوضوء بنيه رفع الجنابة لم يكن فيه شيء ممسوح؛ لأن غسل الجنابة على اسمه غسل، وليس مسحًا، وهذا يوضح بجلاء كيف أن الرسول ﷺ لم يمسح رأسه؟ وإنما أفاض عليه الماء حين بلغ الرأس، والله أعلم. • دليل من قال: يمسح رأسه، ثم يغسله . (٩٠٢ - ٢٢٢) استدلوا بما رواه البخاري في صحيحه من طريق عبد الله، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂، قال: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل بيده شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته، أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده، رواه البخاري واللفظ له، ومسلم (١). وجه الاستدلال: قولها ﵂: (توضأ وضوءه للصلاة) يراد به الوضوء الكامل، ومنه مسح الرأس. • ويُجاب عن هذا الحديث: قولها ﵂: (توضأ وضوءه للصلاة) مجمل، قد يراد به الوضوء الكامل، وقد يقال: باعتبار الأغلب، فهذه ميمونة ﵂ تقول: (توضأ وضوءه للصلاة) والمراد الأغلب، وليس كل أعضاء الوضوء،

стр. 2225

(٩٠٣ - ٢٢٣) فقد روى البخاري من طريق سفيان، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، عن ميمونة، أن النبي ﷺ اغتسل من الجنابة، فغسل فرجه بيده، ثم دلك بها الحائط، ثم غسلها، ثم توضأ وضوءه للصلاة، فلما فرغ من غسله غسل رجليه. رواه البخاري واللفظ له، ومسلم (١). فإذا صح أن تقول ميمونة ﵂: (توضأ وضوءه للصلاة) والمراد غير رجليه، صح أن قول عائشة ﵂: (توضأ وضوءه للصلاة) أي وغسل رأسه بدلًا من مسحه، خاصة أن الرأس لم يترك حتى يستثنى، بل غسل غسلًا، وهو مسح وزيادة، وكوننا نحمل حديث عائشة على حديث ميمونة في صفة غسل الرأس، أولى من حمله على صفتين، خاصة أننا لم نقف على حديث واحد عن رسول الله ﷺ يصرح بمسح الرأس في غسل الجنابة، بل جاء عن عائشة ما يوافق حديث ميمونة عندما ذكر الوضوء بشيء من التفصيل، (٩٠٤ - ٢٢٤) فقد روى أحمد ﵀، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن عطاء بن السائب، قال: سمعت أبا سلمة، قال: دخلت على عائشة، فسألتها عن غسل رسول الله ﷺ من الجنابة؟ قالت: كان يؤتى بإناء، فيغسل يديه ثلاثًا، ثم يصب من الإناء على فرجه، فيغسله، ثم يفرغ بيده اليمنى على اليسرى، فيغسلها، ثم يمضمض ويستنشق، ثم يفرغ على رأسه ثلاثًا، ثم يغسل سائر جسده (٢). [حسن، ورواه بعضهم عن عطاء بذكر التثليث في الوضوء، وليس ذلك بمحفوظ] (٣).

стр. 2226

فهذا حديث عائشة حين ذكر الوضوء فيه مفصلًا، ذكر غسل الرأس بدلًا من مسحه، وهو يؤكد أن قوله: (توضأ وضوءه للصلاة) أن ذلك يدخل فيه الرأس، ولكن بالغسل، وليس بالمسح، كما في رواية ميمونة، وكما في حديث عائشة من رواية أبي سلمة عنها، والله أعلم. الدليل الثاني على مسح الرأس: (٩٠٥ - ٢٢٥) ما رواه البخاري من طريق سفيان، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، عن ميمونة، قالت: توضأ رسول الله ﷺ وضوءه للصلاة غير رجليه ..... وذكرت الحديث. ورواه مسلم، واللفظ للبخاري (١). فالاستثناء معيار العموم، فمعنى ذلك أنه لم يستثن إلا الرجلين، فدل على أن الرأس يمسح. قلت: هذا الحديث ليس صريحًا، نعم فيه دليل على أن الرأس لم يترك كما ترك غسل الرجلين، ولكنه ليس صريحًا أنه مسح رأسه، فقد يكون غسل رأسه، وهو مسح وزيادة، خاصة أن ميمونة عندما ذكرت الوضوء مفصلًا ذكرت غسل الرأس، وكذلك فعلت عائشة من رواية أبي سلمة عنها عندما فصلت الوضوء، والله أعلم. • الراجح من خلاف أهل العلم: الذي يظهر لي أن الراجح من كلام أهل العلم هو القول بغسل الرأس؛ إذ لا فائدة ترجى من المسح، وهو يريد غسله، فيدخل المسح بالغسل، لكون الغسل أعلى، والمقصود واحد، وهو رفع الجنابة، والله أعلم. * * *

стр. 2227

المبحث الثاني تخليل الشعر في غسل الجنابة مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • شعر اللحية ينوب غسله إذا كان كثيفًا عن غسل البشرة تحته في الطهارة الصغرى، ولا ينوب عن ذلك في الطهارة الكبرى بدليل أنه كان ﷺ يخلل أصول شعره في غسل الجنابة. • تخليل الشعر الكثيف في الوضوء لا يشرع؛ لأنه يؤدي إلى غسل الباطن وهو من التعمق والتكلف بخلاف غسل الجنابة حيث كان يخلل أصول الشعر حتى يظن أنه قد أروى البشرة. • قال مالك عن تخليل الشعر: «لم يأت أن النبي ﷺ فعله في وضوئه، وجاء أنه خلل أصول شعره في الجنابة» (١). [م-٣٧٧] تكلمنا عن تخليل الشعر في الوضوء، وكان التخليل في الوضوء

стр. 2228

خاصًا في شعر اللحية؛ لأن شعر الرأس في الوضوء يمسح مسحًا، فلا حاجة فيه إلى التخليل، وانتهينا إلى أن الراجح أن التخليل ليس بسنة، ولا يصح فيه حديث. وأما في الغسل، فإن عندنا مع شعر اللحية شعر الرأس، فهل يشرع لهما التخليل، أو لا؟ قال مالك: «ولم يأت أن النبي ﷺ فعله في وضوئه، وجاء أنه خلل أصول شعره في الجنابة» (١). الأصل في هذا الباب هو حديث عائشة ﵂. (٩٠٦ - ٢٢٦) فقد روى البخاري من طريق مالك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة بدأ بغسل يديه، ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء، فيخلل بها أصول شعره، ثم يصب الماء على رأسه ثلاث غرفات بيديه، ثم يفيض الماء على جلده كله. فقول عائشة ﵂: (ثم يدخل أصابعه في الماء، فيخلل بها أصول شعره) نص على تخليل شعر الرأس. (٩٠٧ - ٢٢٧) ورواه مسلم من طريق أبي معاوية، عن هشام به، وفيه: ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يأخذ الماء، فيدخل أصابعه في أصول الشعر، حتى إذا رأى أن قد استبرأ حفن على رأسه ثلاث حفنات، ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه» (٢). قال ابن رجب في شرح البخاري: «وهذه سنة عظيمة من سنن غسل الجنابة، ثابتة عن النبي ﷺ ، لم يتنبه لها أكثر الفقهاء، مع توسعهم للقول في سنن الغسل وآدابه، ولم أر من صرح به منهم، إلا صاحب المغني من أصحابنا، وأخذه من عموم قول

стр. 2229

أحمد: الغسل على حديث عائشة، وكذلك ذكره صاحب المهذب من الشافعية» (١). ويمكن أيضًا يستدل بمشروعية تخليل الشعر بالقياس على غسل الحيض، فإن غسل الحيض وغسل الجنابة متشابهان في كثير من الأحكام، وبجامع أن كلًا منهما حدث أكبر، (٩٠٨ - ٢٢٨) فقد روى مسلم في صحيحه من طريق إبراهيم بن المهاجر، قال: سمعت صفية تحدث، عن عائشة، أن أسماء بنت شكل سألت النبي ﷺ عن غسل المحيض؟ فقال: تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها، فَتَطَهَّر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها، فتدلكه دلكًا شديدًا، حتى تبلغ شؤون رأسها ... الحديث (٢)، ورواه البخاري بأخصر من هذا (٣). قلت في مذهب المالكية قولان في تخليل اللحية: أحدهما: الوجوب، قال أشهب: عن مالك: «وعليه تخليل لحيته في غسل الجنابة. قيل له في موضع آخر: أيخللها في غسله من الجنابة؟ قال: نعم، ويحركها، واحتج في الموضعين بأن النبي ﵇ خلل أصول شعر رأسه، وكذلك روى عنه ابن القاسم، وابن وهب في المجموعة، بأنه يخلل لحيته في الغسل ويحركها» (٤). وقال ابن حبيب: «ومن ترك تخليل لحيته في ذلك وأصابع رجليه لم يجزه» (٥). • وجه وجوب التخليل: قال الباجي: «وجه قول أشهب: قول عائشة في هذا الحديث: ثم يدخل أصابعه

стр. 2230

في الماء، فيخلل بها أصول شعره. ومن جهة المعنى: أن استيعاب جميع الجسد في الغسل واجب، والبشرة التي تحت اللحية من جملته، فوجب إيصال الماء إليها ومباشرتها بالبلل، وإنما انتقل الفرض إلى الشعر في الطهارة الصغرى؛ لأنها مبنية على التخفيف، ونيابة الأبدال فيها من غير ضرورة، ولذلك جاز فيها المسح على الخفين، ولم يجز في الغسل» (١). • ونوقش هذا من وجهين: الوجه الأول: أن هذه الصفة لم يأت فيها أمر شرعي، كما لو قال: خللوا شعوركم أو نحو ذلك، وإنما هي حكاية فعل، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، كما في القواعد الأصولية. الوجه الثاني: أن هناك أحاديث كثيرة أخرى، تنقل لنا صفة الغسل من الجنابة من قوله، ومن فعله ﷺ ، وليس فيها ذكر التخليل. أما الأحاديث القولية: فمنها: قوله ﷺ في قصة الرجل الذي أصابته جنابة، ولا ماء، قال له: (خذ هذا فأفرغه عليك) قطعة من حديث طويل رواه البخاري (٢)، فلم يطلب إلا إفراغ الماء على بدنه. (٩٠٩ - ٢٢٩) ومنها قول الرسول ﷺ لأم سلمة: إنما كان يكفيك إن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين. رواه مسلم (٣). فاكتفى بالإفاضة، ولم يذكر التخليل.

стр. 2231

وأما الأحاديث الفعلية: وهي التي تحكي لنا فعل الرسول ﷺ ، فمنها وأشهرها حديث ميمونة: (٩١٠ - ٢٣٠) فقد رواه البخاري ﵀، عنها، قالت: وضعت للنبي ﷺ ماء للغسل، فغسل يديه مرتين أو ثلاثًا، ثم أفرغ على شماله، فغسل مذاكيره، ثم مسح يده بالأرض، ثم مضمض واستنشق، وغسل وجهه ويديه، ثم أفاض على جسده، ثم تحول من مكانه، فغسل قدميه، رواه مسلم، واللفظ للبخاري (١). القول الثاني في مذهب مالك: روى ابن القاسم، عن مالك: ليس على المغتسل من الجنابة تخليل لحيته (٢). قال الباجي: «وجه رواية ابن القاسم: أن الفرض قد انتقل إلى الشعر النابت على البشرة، فوجب أن يسقط حكم إيصال الماء إلى البشرة بإمرار اليد عليها» (٣). قلت: إن كان نفي التخليل المقصود به نفي الوجوب، فذاك مسلم، وإن كان تعليل الباجي قد يفهم منه، أن إيصال الماء إلى البشرة قد سقط، وليس بمشروع، فإن كان هذا هو المقصود، فحديث عائشة رد عليه، وهو يفيد استحباب تخليل أصول شعر الرأس في الغسل، ولا يفيد الوجوب كما أسلفنا، وقد ترجم النسائي رحمه الله تعالى في سننه، في كتاب الطهارة، قال: باب: تخليل الجنب رأسه، ثم ساق حديث عائشة ﵂، وهو يدل على أن الاستحباب ما زال محكمًا في غسل الجنابة، والله أعلم. وقال ابن دقيق العيد ﵀: «قوله: (ثم يخلل بيديه شعره) التخليل ههنا: إدخال الأصابع فيما بين أجزاء الشعر، ورأيت في كلام بعضهم إشارة إلى أن التخليل،

стр. 2232

هل يكون بنقل الماء، أو بإدخال الأصابع مبلولة بغير نقل الماء؟ وأشار به إلى ترجيح نقل الماء؛ لما وقع في بعض الروايات الصحيحة في كتاب مسلم: (ثم يأخذ الماء، فيدخل أصابعه في أصول شعره) فقال هذا القائل: نقل الماء لتخليل الشعر: هو رد على من يقول: يخلل بأصابعه مبلولة بغير نقل الماء، قال: وذكر النسائي في السنن ما يبين هذا، فقال: باب تخليل الجنب رأسه، وأدخل حديث عائشة ﵂ فيه، فقالت فيه: (كان رسول الله ﷺ يشرب رأسه، ثم يحثي عليه ثلاثًا) قال: فهذا يبين أن التخليل بالماء. قال النووي: وفي الحديث دليل على أن التخليل يكون بمجموع الأصابع العشر، لا بالخمس» (١). * * *

стр. 2233

المبحث الثالث استحباب التثليث في غسل الرأس مدخل في ذكر الضوابط الفقهية: • لا يشرع التثليث في غسل الجنابة إلا في موضعين: في غسل الكفين قبل الاستنجاء، وفي غسل الرأس. • أفاض الرسول ﷺ على رأسه ثلاث غرفات في غسل الجنابة، فهل كان هذا الفعل بنية تكرار الغسل، أو بنية إتمام طهارة الرأس؛ لكون الغرفة لا تجزئ في استيعابه. [م-٣٧٨] ذكرنا فيما سبق عند الكلام على وضوء الغسل أنه يتوضأ مرة واحدة بنية غسل الجنابة، ولا يشرع له تثليث الوضوء، إلا في غسل الكفين، فقد ثبت أنه غسلهما ثلاثًا، والكلام الآن في غسل الرأس، هل يشرع التثليث في غسله؟ في ذلك خلاف بين أهل العلم، فقيل: يشرع غسل الرأس ثلاث مرات، وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)،

стр. 2234

والحنابلة (١)، وقول في مذهب المالكية (٢). وقيل: ليس فيه عدد معتبر، وإنما المطلوب أن يغسل رأسه، ويسبغ الغسل بدون توقيت عدد معين، فإذا بلغ الماء إلى بشرة الرأس فقد أدى ما عليه. وهذا نص مالك في المدونة (٣). وقد نص القرطبي (٤)، والقاضي عياض (٥)، على أن التكرار في الغسل غير مشروع حتى في غسل الرأس. • دليل الجمهور على استحباب التثليث في غسل الرأس: (٩١١ - ٢٣١) ما رواه البخاري من طريق عبد الله، قال: أخبرنا هشام، عن أبيه، عن عائشة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة، غسل يديه،

стр. 2235

وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل بيديه شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته، أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده، ورواه مسلم، واللفظ للبخاري (١). فقوله ﵂: (أفاض عليه الماء ثلاث مرات) ظاهره أنه أفاضه على جميع رأسه، مما يدل على تعميم الرأس بكل غرفة. ورواه البخاري من طريق مالك، عن هشام، وفيه: (ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيديه) (٢). فالصب ظاهره على جميع الرأس، وبكفيه كليهما. (٩١٢ - ٢٣٢) وروى مسلم من طريق سليمان بن صرد، عن جبير بن مطعم، قال: تماروا في الغسل عند رسول الله ﷺ ، فقال بعض القوم: أما أنا فإني أغسل رأسي كذا وكذا، فقال رسول الله ﷺ : أما أنا فأفيض على رأسي ثلاث أكف. رواه مسلم (٣). وفي لفظ للبخاري: (فأفيض على رأسي ثلاثًا)، وأشار بيديه كلتيهما (٤). فذه الرواية تدل على أن الغرفة كانت بكلتا يديه، وأنه أفاض على كل واحدة منها على جميع رأسه. (٩١٣ - ٢٣٣) وروى البخاري ﵀ من طريق أبي جعفر، قال: قال لي جابر بن عبد الله: أتاني ابن عمك، يعرض بالحسن بن محمد بن الحنفية، قال: كيف الغسل من الجنابة؟ فقلت: كان النبي ﷺ يأخذ ثلاثة أكف، ويفيضها على

стр. 2236

رأسه، ثم يفيض على سائر جسده، فقال لي الحسن: إني رجل كثير الشعر، فقلت: كان النبي ﷺ أكثر منك شعرًا (١). • دليل من قال: لا يشرع التكرار في غسل الرأس: ذهب القرطبي والقاضي عياض من المالكية إلى أنه لا يشرع التكرار في غسل الجنابة، لا في وضوء الغسل، ولا في الرأس، ولا في سائر البدن. وأجابوا عن الأحاديث السابقة بأنها لا تسلم إلا إذا دلت صراحة أن كل غرفة من الغرفات الثلاث حصل بها تعميم الرأس بالغسل. قال الباجي: «قوله: (ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات) يحتمل أن يكون على ما شرع في الطهارة من التكرار، ويحتمل أن يكون لتمام الطهارة؛ لأن الغرفة لا تجزئ في استيعاب ما يحتاج إليه من غسل رأسه» (٢). وقال القرطبي في المفهم: «ولا يفهم من هذه الثلاث حفنات، أنه غسل رأسه ثلاث مرات؛ لأن التكرار في الغسل غير مشروع؛ لما في ذلك من المشقة، وإنما كان ذلك العدد؛ لأنه بدأ بجانب رأسه الأيمن، ثم الأيسر، ثم على وسط رأسه، كما في حديث عائشة». (٩١٤ - ٢٣٤) قلت: حديث عائشة رواه مسلم من طريق القاسم، عنها، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب، فأخذ بكفه: بدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر، ثم أخذ بكفيه، فقال بهما على رأسه (٣). ولفظ البخاري: فأخذ بكفه، فبدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر، فقال بهما على

стр. 2237

وسط رأسه (١). وتعقب ابن رجب كلام القرطبي في شرحه لصحيح البخاري، فقال عن كلامه: وهو خلاف الظاهر، قال: «والظاهر، والله أعلم أنه يعم رأسه بكل مرة، ولكن يبدأ في الأولى بجهة اليمين، وفي الثانية: بجهة اليسار، ثم يصب الثالثة على الوسطى» (٢). قلت: كلام ابن رجب هو الذي خلاف الظاهر، فلو كان المقصود هو فقط البداءة باليمين إلى نهاية الرأس، فلماذا يقدم الجهة اليسرى على وسط الرأس، فإن الجانب الأيسر لا يعرف في الشرع تقديمه على غيره، وكان الأفضل بعد تقديم الجهة اليمنى أن يبدأ بأعلى الرأس، فالظاهر أنه بدأ بجوانب الرأس مقدمًا فيه اليمين لاستحباب تقديم اليمين، ثم أنهى ذلك بأعلى الرأس، ثم هي غرفة واحدة، كيف تكفي في كل مرة من جانب الرأس الأيمن إلى أعلاه، وصولًا إلى جانبه الأيسر وانتهاء بمؤخرة الرأس؟ فلو كانت هذه الصفة هي المنقولة، لجاءت صريحة في الحديث، ثم القول بعدم تثليث الرأس يطرد مع بقية أعمال الغسل، فقد ثبت لنا أن الوضوء ليس فيه تكرار، وسبق بحثه، وأن سائر البدن فيما عدا الرأس لا يشرع فيه تكرار، كما سيأتي إثباته إن شاء الله تعالى، فما بال الرأس يستثنى من سائر الجسم، فالقول بعدم تكرار غسله متسق مع القول بأنه لا يشرع تكرار في سائر أحكام الغسل، وكنت فيما سبق أرى سنية غسل الرأس ثلاثًا، ثم بعد التأمل رأيت أن القول بعدم تكرار غسل الرأس، هو الراجح، والله أعلم. * * *

стр. 2238

المبحث الرابع الفرق بين الرجل والمرأة في عدد غسلات الرأس [م-٣٧٩] الأحاديث المرفوعة في غسل الرأس للمرأة تذكر ثلاث غرفات، لا فرق بين الرجل والمرأة في ذلك. (٩١٥ - ٢٣٥) فقد روى مسلم عن أبي الزبير عبيد بن عمير، قال: بلغ عائشة أن عبد الله بن عمرو يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، فقالت: يا عجبًا لابن عمرو، هذا يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن؟ لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، ولا أزيد أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات (١). فهذا نص مرفوع أن عائشة لا تزيد على ثلاث إفراغات، وكان الرسول ﷺ يغتسل معها. وقال رسول الله ﷺ لأم سلمة في صحيح مسلم: إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء، فتطهرين (٢).

стр. 2239

(٩١٦ - ٢٣٦) وروى البخاري من طريق صفية بنت شيبة، عن عائشة ﵂، قالت: كنا إذا أصاب إحدانا جنابة، أخذت بيديها ثلاثًا فوق رأسها، ثم تأخذ بيدها على شقها الأيمن، وبيدها على شقها الأيسر (١). فظاهر هذا الأثر أنها تصب على رأسها خمس حفنات، إلا أن الأثر جاء بصيغة (كنا نفعل) ولم تضف ذلك إلى زمن النبوة، فهل له حكم الرفع، أو يكون موقوفًا؟ في ذلك خلاف بين أهل العلم. وقد بينت في كتابي الحيض والنفاس رواية ودراية كلام أهل العلم حول الحديثين، وهل يؤخذ منه أن في غسل رأس المرأة صفتين، تارة بثلاث غرفات، وتارة بخمس، أو السبيل الترجيح بين هذه النصوص، أرجو مراجعة ما كتب هنالك لمن أراد الاستزادة، والله أعلم (٢). * * *

стр. 2240

المبحث الخامس نقض الضفائر في غسل الجنابة [م-٣٨٠] كانت المرأة العربية من عصر البنوة إلى عهد قريب، وهي تربي شعرها، حتى يكون لها ضفائر تنزل على ظهرها، فإذا أرادت المرأة أن تغتسل للجنابة أو للحيض، فهل عليها أن تنقض شعرها، ليتخلل الماء شعرها؟ أو يمكنها أن تغسل رأسها، ولو كانت لم تحل ضفائرها؟ وكذلك بعض الأعراب من أهل البادية يترك شعره حتى يكون له ضفائر طويلة، فهل إذا أراد أن يغتسل من الجنابة كان لزامًا عليه أن يحل ضفائره؟ في هذا المسألة اختلف الفقهاء: فقيل: لا تنقض المرأة ولا الرجل رأسه مطلقًا، لا في غسل الجنابة ولا في غسل الحيض. وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، ورواية عن أحمد (٣).

стр. 2241

وقيل: يجب على الرجل نقض شعره بخلاف المرأة، وهو مذهب الحنفية (١). وقيل: في التفريق بين غسل الجنابة والحيض، فلا يجب نقضه في الجنابة ويجب في غسل الحيض، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٢)، واختاره الباجي من المالكية (٣)، وابن حزم من الظاهرية (٤). والراجح: القول الأول، وقد ذكرت أدلة الأقوال وناقشتها في كتاب الحيض والنفاس فأغنى عن إعادته هنا، والله الموفق (٥). * * *

стр. 2242

المبحث السادس في غسل المسترسل [م-٣٨١] إذا رجحنا أنه لا يجب عليها نقض الضفائر، فهل يجب غسل ظاهر الشعر وباطنه؟ أو يجب غسل ظاهره فقط؟ أو يجب غسل أصول الشعر (بشرة الشعر) دون المسترسل؟ هذه مسألة اختلف فيها العلماء: فقيل: يجب غسل ما استرسل من الشعر، وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٣). وقيل: لا يجب، وهو مذهب الحنفية (٤)، واختاره ابن قدامة من الحنابلة (٥).

стр. 2243

وهذا القول هو الراجح، والقول الأول أحوط، وقد ذكرت أدلتهما في كتاب الحيض والنفاس فأغنى عن إعادته هنا (١). * * *

стр. 2244

الفصل العاشر استحباب التيامن في الاغتسال [م-٣٨٢] ورد دليل خاص في التيامن في غسل الرأس: (٩١٧ - ٢٣٧) فقد روى مسلم من طريق القاسم، عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب، فأخذ بكفه، بدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر، ثم أخذ بكفيه فقال بهما على رأسه. رواه البخاري، ومسلم واللفظ لمسلم (١). وأما التيامن في البدن فالأحاديث كلها تنص على إفاضة الماء على البدن، ولم تذكر أنه بدأ بشقه الأيمن، ثم الأيسر. فحديث عائشة في صفة غسل النبي ﷺ ، في البخاري: (ثم يفيض الماء على جلده كله) (٢). ولفظ مسلم (ثم أفاض على سائر جسده) (٣). وفي رواية أخرى للبخاري (ثم غسل سائر جسده) (٤).

стр. 2245

وكذا قالت ميمونة ﵂ في صفة غسل النبي ﷺ . وقد وصفت عائشة وميمونة ﵄ كل شيء في غسله، من غسل الكفين ثلاثًا، فغسل الفرج، ثم وضوء الصلاة بتقديم اليد اليمنى على اليد اليسرى، والرجل اليمنى على اليسرى، ثم تخليل أصول الشعر، ثم غسل الرأس بثلاث غرفات، ثم غسل القدمين بعد الفراغ من الغسل، فهل يمكن أن يفعل الرسول ﷺ التيامن في غسل البدن، من تقديم الشق الأيمن، ثم الأيسر، ولا ينقلان ذلك، بل إن عائشة نقلت تقديم غسل الجانب الأيمن من الرأس، ثم الجانب الأيسر منه، ثم وسط الرأس، ولما كان التيامن في غسل الرأس مشروعًا، حفظ لنا بالنقل الخاص الصريح، فهل نحن بحاجة إلى استخدام عمومات، أو استخدام القياس في استحباب التيامن في غسل البدن، والرسول ﷺ كان يغتسل عند أزواجه، وينقلان لنا صفة غسله، ثم لا ينقلان لنا التيامن في غسل البدن؟ إن التيامن إما أن يكون مشروعًا، فيكون أولى الناس بفعله رسول الله ﷺ ، وتكون أمهات المؤمنين قد أهملن نقل هذه الصفة لنا من فعله ﷺ ؟ وإما أن يكون التيامن غير مشروع، ويكون تركهن لنقل التيامن في غسله دليلًا على أنه لم يكن يفعل هذه الصفة، وما تركه ﵊ كانت السنة تركه، والله أعلم، إنني أبحث عن حديث صحيح صريح في استحباب تقديم الشق الأيمن في غسل البدن من الجنابة، وفي استحباب تأخير الشق الأيسر منه، إن الذي أراه أن البدن عضو واحد، والعضو الواحد الأصل فيه عدم تقسيمه إلى أيمن وأيسر، نعم ورد هذا في الرأس على خلاف الأصل، فنقتصر عليه، ولا نتعداه، انظر إلى الأذنين في الوضوء لما كانت من الرأس بحكم العضو الواحد مسحا جميعًا دون تقصد في تقديم اليمنى على اليسرى، مع أنه لو قيل في التيامن في مسح الأذنين لم يبعد؛ لأن الأذنين في واقع الأمر عضوان مستقلان، فما بالك بالبدن الذي هو عضو واحد، فإذا كان الأمر ليس فيه حديث صريح في غسل الجنابة والحيض، فهل يقاس غسل الجنابة على غسل الميت،
следующие страницы →