وقيل: يجب على الرجل نقض شعره بخلاف المرأة، وهو مذهب الحنفية (١).
وقيل: في التفريق بين غسل الجنابة والحيض، فلا يجب نقضه في الجنابة ويجب في غسل الحيض، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٢)، واختاره الباجي من المالكية (٣)، وابن حزم من الظاهرية (٤).
والراجح: القول الأول، وقد ذكرت أدلة الأقوال وناقشتها في كتاب الحيض والنفاس فأغنى عن إعادته هنا، والله الموفق (٥).
* * *
стр. 2242
المبحث السادس في غسل المسترسل
[م-٣٨١] إذا رجحنا أنه لا يجب عليها نقض الضفائر، فهل يجب غسل ظاهر الشعر وباطنه؟ أو يجب غسل ظاهره فقط؟ أو يجب غسل أصول الشعر (بشرة الشعر) دون المسترسل؟
هذه مسألة اختلف فيها العلماء:
فقيل: يجب غسل ما استرسل من الشعر، وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٣).
وقيل: لا يجب، وهو مذهب الحنفية (٤)، واختاره ابن قدامة من الحنابلة (٥).
стр. 2243
وهذا القول هو الراجح، والقول الأول أحوط، وقد ذكرت أدلتهما في كتاب الحيض والنفاس فأغنى عن إعادته هنا (١).
* * *
стр. 2244
الفصل العاشر
استحباب التيامن في الاغتسال
[م-٣٨٢] ورد دليل خاص في التيامن في غسل الرأس:
(٩١٧ - ٢٣٧) فقد روى مسلم من طريق القاسم،
عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب، فأخذ بكفه، بدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر، ثم أخذ بكفيه فقال بهما على رأسه. رواه البخاري، ومسلم واللفظ لمسلم (١).
وأما التيامن في البدن فالأحاديث كلها تنص على إفاضة الماء على البدن، ولم تذكر أنه بدأ بشقه الأيمن، ثم الأيسر.
فحديث عائشة في صفة غسل النبي ﷺ ، في البخاري: (ثم يفيض الماء على جلده كله) (٢).
ولفظ مسلم (ثم أفاض على سائر جسده) (٣).
وفي رواية أخرى للبخاري (ثم غسل سائر جسده) (٤).
стр. 2245
وكذا قالت ميمونة ﵂ في صفة غسل النبي ﷺ .
وقد وصفت عائشة وميمونة ﵄ كل شيء في غسله، من غسل الكفين ثلاثًا، فغسل الفرج، ثم وضوء الصلاة بتقديم اليد اليمنى على اليد اليسرى، والرجل اليمنى على اليسرى، ثم تخليل أصول الشعر، ثم غسل الرأس بثلاث غرفات، ثم غسل القدمين بعد الفراغ من الغسل، فهل يمكن أن يفعل الرسول ﷺ التيامن في غسل البدن، من تقديم الشق الأيمن، ثم الأيسر، ولا ينقلان ذلك، بل إن عائشة نقلت تقديم غسل الجانب الأيمن من الرأس، ثم الجانب الأيسر منه، ثم وسط الرأس، ولما كان التيامن في غسل الرأس مشروعًا، حفظ لنا بالنقل الخاص الصريح، فهل نحن بحاجة إلى استخدام عمومات، أو استخدام القياس في استحباب التيامن في غسل البدن، والرسول ﷺ كان يغتسل عند أزواجه، وينقلان لنا صفة غسله، ثم لا ينقلان لنا التيامن في غسل البدن؟
إن التيامن إما أن يكون مشروعًا، فيكون أولى الناس بفعله رسول الله ﷺ ، وتكون أمهات المؤمنين قد أهملن نقل هذه الصفة لنا من فعله ﷺ ؟ وإما أن يكون التيامن غير مشروع، ويكون تركهن لنقل التيامن في غسله دليلًا على أنه لم يكن يفعل هذه الصفة، وما تركه ﵊ كانت السنة تركه، والله أعلم، إنني أبحث عن حديث صحيح صريح في استحباب تقديم الشق الأيمن في غسل البدن من الجنابة، وفي استحباب تأخير الشق الأيسر منه، إن الذي أراه أن البدن عضو واحد، والعضو الواحد الأصل فيه عدم تقسيمه إلى أيمن وأيسر، نعم ورد هذا في الرأس على خلاف الأصل، فنقتصر عليه، ولا نتعداه، انظر إلى الأذنين في الوضوء لما كانت من الرأس بحكم العضو الواحد مسحا جميعًا دون تقصد في تقديم اليمنى على اليسرى، مع أنه لو قيل في التيامن في مسح الأذنين لم يبعد؛ لأن الأذنين في واقع الأمر عضوان مستقلان، فما بالك بالبدن الذي هو عضو واحد، فإذا كان الأمر ليس فيه حديث صريح في غسل الجنابة والحيض، فهل يقاس غسل الجنابة على غسل الميت،
стр. 2246
وقوله ﷺ في حديث أم عطية ﵂: (ابدأن بميامنها، ومواضع الوضوء منها). رواه البخاري ومسلم (١).
فهل كان غسل الجنابة لا يتكرر فعله من رسول الله ﷺ ، حتى نضطر إلى القياس في عبادة كانت تفعل كثيرًا في بيوت أمهات المؤمنين، ونقلن ﵅ ما شاهدنه من فعله ﵊، ولم يذكرن في حديث واحد، أنه كان يبدأ بالشق الأيمن على الشق الأيسر؟
(٩١٨ - ٢٣٨) أو نحتاج إلى أخذ استحباب التيامن، بما رواه البخاري، ومسلم (٢)، من طريق شعبة، عن الأشعث بن سليم، سمعت أبي يحدث عن مسروق،
عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله.
أليس هذا الحديث مطلقًا، وليس نصًا في غسل الجنابة؟ فلماذا لم يؤخذ من هذا الحديث المطلق استحباب تقديم الأذن اليمنى على الأذن اليسرى، وذهب الفقهاء إلى أنهما يمسحان معًا، أو ذهب الفقهاء إلى استحباب تقديم الجانب الأيمن في مسح الرأس في الحدث الأصغر، خاصة أن التيامن في الرأس محفوظ في غسل الجنابة، فإذا كان الرسول ﷺ قد فعل التيامن في غسل بدنه من الجنابة، فلماذا لم تنقله عائشة وميمونة وغيرهما؟ وإذا كان لم يفعله فلماذا نستحب فعله اتكاء على حديث لم يكن سياقه في غسل الجنابة؟
أليس نقل عائشة وميمونة بمثابة نقل لترك التيامن في غسل الجنابة، وليس غفلة منهما عن نقله؟
وعلى كل حال إن كانت المسألة إجماعًا في تقديم غسل الجانب الأيمن على الجانب
стр. 2247
الأيسر فهذا مسلم للإجماع؛ لأنه من الأدلة الشرعية، وإن لم يكن مسلمًا فإني أترك هذه المسألة ليتأملها الباحثون وطلبة العلم، فيوجدوا أجوبة لما ذكرته، والله أعلم.
* * *
стр. 2248
الفصل الحادي عشر
التثليث في غسل البدن
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• لا يشرع التثليث في غسل الجنابة إلا في موضعين: في غسل الكفين قبل الاستنجاء، وهذا صريح، وفي غسل الرأس على احتمال، هل قصد بذلك التكرار، أو الاستيعاب؟
[م-٣٨٣] تبين لنا في المبحث السابق أن الوضوء في غسل الجنابة لا يشرع فيه التثليث، واختلف العلماء في غسل البدن، هل يستحب التثليث فيه أو لا؟.
فقيل: يستحب، وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٣).
وقيل: لا يستحب، وهو المشهور من مذهب المالكية (٤)، واختاره ابن تيمية من
стр. 2249
الحنابلة (١).
وهذا القول هو الراجح، وسبق أن بينت أن وضوء غسل الجنابة، وغسل الرأس وكذلك غسل البدن لا يشرع فيه التثليث، والخلاف في التثليث في الرأس خلاف قوي، فقد ورد فيه ثلاث غرفات، فمنهم من عد هذا من التكرار، ومنهم من أخذ بحديث عائشة، وأنه غسل جانب الرأس الأيمن بغرفة، والأيسر بغرفة، وأعالي الرأس بالغرفة الثالثة، وأما تثليث البدن فالخلاف فيه ضعيف، لأنه لم يرد فيه نص باستحباب التثليث، والراجح عندي طرد الباب، وأنه لا يشرع في غسل الجنابة تثليث البتة إلا في غسل الكفين، وغسلهما في ابتداء الطهارة سنة مستقلة تفعل في الوضوء وفي الغسل قبل مباشرة اليد للغسل، وقبل إدخالهما في الإناء.
وقد عرضت هذه المسألة مع أدلتها في كتاب الحيض والنفاس فأغنى عن إعادته هنا، فلله الحمد (٢).
* * *
стр. 2250
الفصل الثاني عشر
في تأخير غسل الرجلين
[م-٣٨٤] إذا اغتسل المكلف من الجنابة، وبدأ بالوضوء، فهل يغسل رجليه مع الوضوء، أم يؤخر غسلهما إلى تمام الغسل؟
اختلف الفقهاء في ذلك.
فقيل: لا يغسلهما مع الوضوء، بل يؤخر غسلهما إلى تمام الغسل، وهو مذهب الحنفية (١)، وقول في مذهب المالكية (٢)، وقول في مذهب الشافعية (٣)، ورواية عن أحمد (٤).
وقيل: يغسلهما مع الوضوء، وهو مذهب المالكية (٥)، والمشهور عند الشافعية (٦).
стр. 2251
وقيل: يغسلهما مع الوضوء، ويعيد غسلهما بعد تمام الغسل، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (١).
وقيل: إن كان المكان غير نظيف، فالمستحب تأخيرهما، وإلا فالتقديم (٢).
وقيل: التقديم في غسل الرجلين والتأخير سواءً، وهو رواية عن أحمد (٣).
والذي يظهر لي أن السنة في تأخير غسلهما على حديث ميمونة، وقد بينت أن حديث عائشة والذي ظاهره أنه يكمل وضوءه ليس صريحًا، وقد جاء عن عائشة في معرض تفصيلها للوضوء ما يدل على تأخير غسلهما، فإذا أمكن حمل حديث عائشة على حديث ميمونة حملًا لا تكلف فيه تعين حمله، لأن الأصل عدم تعدد السنة في العضو المغسول، وقد بينت أنه يمكن حمل حديث عائشة على حديث ميمونة، وتكون الصفة الواردة في غسل الرجلين صفة واحدة، انظر الكلام على هذا المسألة في كتاب الحيض والنفاس (٤).
* * *
стр. 2252
الفصل الثالث عشر
في الموالاة في غسل الجنابة
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• هل الموالاة في الغسل كالموالاة في الوضوء، أو أن البدن في الغسل عضو واحد، وإنما تكون الموالاة في غسل عضوين فأكثر.
• الغسل المنقول عنه ﷺ كان متواليًا، ولم ينقل عنه ﷺ أنه فرق غسله، فهل هذا كاف في اشتراط الموالاة، أو أن مثل هذا لا يكفي في القول بالوجوب فضلًا عن الشرطية؟
• أمر الشرع بغسل البدن في الجنابة، فمن غسله فقد أتى بما وجب عليه، سواءً كان متواليًا أو مفرقًا.
وقيل:
• من غسل بعض بدنه بنية الغسل، ثم انصرف إلى عمل آخر، ثم عاد ليتم ما بدأ به من غير ضرورة صدق عليه قوله ﷺ : من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد.
[م-٣٨٥] إذا فرق المغتسل غسله، بأن غسل بعض بدنه، ثم فصل بفاصل طويل، فهل يبني على غسله، أو يستأنف؟
стр. 2253
اختلف الفقهاء في ذلك؛ لاختلافهم في حكم الموالاة في غسل الجنابة،
فقيل: الموالاة سنة، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة (١)،
ورجحه ابن حزم (٢).
وقيل: تجب الموالاة في الغسل، وهو مذهب المالكية (٣)، وقول في مذهب الحنابلة (٤).
• دليل المالكية على الوجوب:
الدليل الأول:
أن الغسل المنقول عنه ﷺ كان متواليًا، ولم ينقل عنه ﷺ أنه فرق غسله، وليس المقصود هنا الاحتجاج بمطلق الفعل، ولكن هذا الفعل كان بيانًا لقوله تعالى: (وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) [المائدة: ٦]، فكما أن الأمر بقوله تعالى: (فَاطَّهَّرُوا) واجب، فكذلك ما وقع بيانًا له من فعله ﷺ ، وقد كان فعله متواليًا غير مفرق، فمن فرق غسله، فقد جاء أمرًا ليس عليه أمر الله ولا رسوله ﷺ ، ومن أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد.
стр. 2254
ويُجاب:
بأن الآية القرآنية في قوله تعالى: (وَلا جُنُباً إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا و) [النساء: ٤٣]، لم تذكر إلا غسل البدن فقط، وهذا هو الواجب، وكما في قوله ﷺ : (خذ هذا فأفرغه عليك).
وما فعله ﷺ في السنة المطهرة زيادة على ما في الآية الكريمة، فهو من قبيل الاستحباب، ومنه الموالاة، والوضوء قبله، والمضمضة والاستنشاق وغيرها، والله أعلم.
الدليل الثاني:
القياس على الوضوء، فإذا كانت الموالاة واجبة في الوضوء، فكذلك الغسل؛ لأنه إحدى الطهارتين.
• وأجيب:
بأن وجوب الموالاة في الوضوء ليست محل إجماع، فقد اختلف العلماء في وجوب الموالاة فيه، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن هناك فرقًا بين الغسل والوضوء، فإن الوضوء فيه أعضاء متعددة: الوجه واليدان والرجلان، بخلاف الغسل فإنه ينظر إليه بأنه عضو واحد، وهو جميع البدن.
وقد يقال: إذا كان لا يعذر في تفريق الأعضاء المختلفة في الوضوء، وهي أعضاء لا يرتبط بعضها ببعض، فكيف يعذر في تفريق غسل عضو واحد، فهو أولى بوجوب الموالاة من غيره.
• ويُجاب على هذا:
بأن حقيقة الموالاة: هي أن تكون بين شيئين مختلفين، فإذا كان الغسل لشيء واحد، وهو البدن، فكيف يتصور وجوب الموالاة فيه؟
стр. 2255
• دليل الجمهور:
الدليل الأول:
لو كانت الموالاة واجبة لجاء النص الشرعي المقرر لوجوبها، لأن المسألة مهمة جدًّا، فإما أن يرتفع الحدث أو لا يرتفع، وبالتالي إما أن تصح صلاته، أو تكون صلاته باطلة، فإذا كان الأمر بهذه المثابة من الأهمية، وتتعلق بأعظم أركان الإسلام العملية، وهي الصلاة، فلا بد من وجود نص صحيح صريح تقوم به الحجة على وجوب الموالاة، ولم يوجد.
الدليل الثاني:
أن المأمور به في الغسل هو غسل البدن، فكيفما غسل فقد قام بما أوجب الله عليه.
الدليل الثالث:
(٩١٩ - ٢٣٩) ما رواه البخاري من طريق الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس،
عن ميمونة قالت: سترت النبي ﷺ ، وهو يغتسل من الجنابة، فغسل يديه، ثم صب بيمينه على شماله، فغسل فرجه وما أصابه، ثم مسح بيده على الحائط أو الأرض، ثم توضأ وضوءه للصلاة غير رجليه، ثم أفاض على جسده الماء، ثم تنحى فغسل قدميه (١).
فهنا غسل بدنه إلا رجليه، ثم تنحى من مقامه فغسل رجليه، فوجد مهلة بين فعله الأول وبين غسل رجليه، فإذا جاز وجود مهلة بين أفعال الغسل لم تكن الموالاة واجبة إلا أن يقال: إن هذا من التفريق اليسير، وهو لا يضر.
قال ابن حزم: «إذا جاز أن يجعل رسول الله ﷺ بين وضوئه وغسله، وبين تمامهما
стр. 2256
بغسل رجليه مهلة خروجه من مغتسله، فالتفريق بين المدد لا نص فيه ولا برهان» (١).
• الراجح:
أن القول بالوجوب هو حكم شرعي، يحتاج إلى دليل شرعي، ولم أجد دليلًا على وجوب الموالاة في الغسل، والأصل عدم الوجوب، والله أعلم.
* * *
стр. 2257
الفصل الرابع عشر
تدليك البدن في الغسل
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• منشأ الخلاف هل حقيقة الغسل لغة إيصال الماء مع الدلك؛ لأن الواجب إيصال الماء على وجه يسمى غسلًا لا غمسًا، وذلك يقتضي صفة زائدة على إيصال الماء؛ لأن العرب فرقوا بين الغسل والغمس، فتقول غمست اللقمة في المرق، ولا تقول غسلتها.
أو أن حقيقة الغسل هو جريان الماء على العضو فقط؛ لقول العرب غسلت السماء الأرض إذا أمطرتها، والدلك قدر زائد على ذلك، لقوله ﷺ : خذه فأفرغه عليك، وإنما يدخل الدلك في الإسباغ، وهو مسنون؟ (١).
[م-٣٨٦] اختلف العلماء في تدليك البدن في الغسل،
فقيل: التدليك ليس بفرض، وهو مذهب الجمهور (٢).
стр. 2258
وقيل: بل فرض، وهو مذهب المالكية (١).
قال القرافي: «ومنشأ الخلاف: هل حقيقة الغسل لغة: الإيصال مع الدلك، فيجب، وهو الصحيح، ولذلك تفرق العرب بين الغسل والغمس لأجل التدليك، فتقول: غمست اللقمة في المرق، ولا تقول: غسلتها، أو نقول: حقيقته: الإيصال فقط، لقول العرب: غسلت السماء الأرض: إذا أمطرتها» (٢).
قلت: إنما فرق بين المرق والماء، لأن الغسل يراد به الطهارة والنظافة، وهو مختص بالماء، فالماء مطهر بخلاف المرق، وليس هذا التفريق راجعًا إلى وجوب الدلك أو عدمه.
• دليل الجمهور على عدم وجوب الدلك:
الدليل الأول:
(٩٢٠ - ٢٤٠) ما رواه مسلم من طريق أيوب بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن، عبد الله بن رافع مولى أم سلمة،
عن أم سلمة، قالت: قلت: يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي فأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين (٣).
وجه الاستدلال:
قوله: (إنما كان يكفيك) ساقه مساق الحصر، ولم يذكر سواءً إفاضة الماء على
стр. 2259
البدن، وهي لا تقتضي الدلك.
الدليل الثاني:
(٩٢١ - ٢٤١) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر
أنه أتى النبي ﷺ ، وقد أجنب، فدعا النبي ﷺ بماء، فاستتر واغتسل، ثم قال له النبي ﷺ : إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك هو خير (١).
[تفرد به عمرو بن بجدان عن أبي ذر، قال فيه أحمد: لا أعرفه] (٢).
فالنص لم يطلب إلا أن يمس الماء بشرة المسلم، ولا يلزم من ذلك التدليك، فدل الحديث على عدم وجوبه، والله أعلم.
الدليل الثالث:
لو كان الدلك فرضًا لجاء نقله عن المصطفى ﷺ ، ولذلك لما كان الدلك مشروعًا في غسل الرأس جاء ذكره في السنة،
(٩٢٢ - ٢٤٢) فمن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه من طريق إبراهيم بن المهاجر، قال: سمعت صفية تحدث
عن عائشة، أن أسماء سألت النبي ﷺ عن غسل المحيض، فقال: تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها، فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكًا شديدًا حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء .... الحديث (٣).
فلما لم يذكر دلك البدن في غسل الجنابة والحيض علم أنه ليس بواجب.
стр. 2260
الدليل الرابع:
(٩٢٣ - ٢٤٣) ما رواه البخاري بإسناده عن عمران بن حصين من حديث طويل، وفيه:
صلى النبي ﷺ بالناس فلما انفتل من صلاته إذا هو برجل معتزل لم يصل مع القوم، قال: ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء. قال عليك بالصعيد فإنه يكفيك، ثم قال له بعد أن حضر الماء: اذهب فأفرغه عليك. الحديث (١).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ لم يطلب منه إلا إفراغ الماء على جسده، ولو كان الدلك شرطًا في الطهارة لأخبره النبي ﷺ ، خاصة أنه كان يجهل أن التيمم رافع للحدث، وتأخير البيان عن وقته لا يجوز.
الدليل الخامس:
لو كان على بدنه نجاسة، فصب عليه الماء صبًا حتى زالت عين النجاسة طهر المحل، ولو لم يدلك موضع النجاسة، فإذا كان لا يشترط الدلك مع طهارة الخبث، وقيام جرم النجاسة على البدن، فكيف يشترط الدلك في رفع الحدث، ولم يكن هناك شيء على البدن يزال بالدلك أصلًا؟
• دليل المالكية على وجوب التدليك:
الدليل الأول:
قالوا: إن الله أمر بغسل أعضاء الوضوء، والدلك شرط في حصول مسمى الغسل، فلا يكون هناك غسل إلا إذا كان معه دلك، فليس المطلوب هو وصول الماء إلى هذه الأعضاء، بل المطلوب إيصال الماء إلى الجسد على وجه يسمى
стр. 2261
غسلًا، ولا يتحقق هذا إلا بالدلك (١).
قال عطاء في الجنب يفيض عليه الماء؟ قال: لا، بل يغتسل غسلًا؛ لأن الله تعالى قال: (حَتَّى تَغْتَسِلُوا) ولا يقال: اغتسل إلا لمن دلك نفسه (٢).
وهذا القول ليس عليه دليل، والصحيح أن الغسل هو جريان الماء على العضو وقد شهد لذلك حديث عمران بن الحصين وحديث أم سلمة المتقدمان.
قال ابن حزم: من ادعى أن اسم الغسل لا يقع إلا على التدلك باليد فقد ادعى ما لا برهان له به (٣).
الدليل الثاني:
القياس على طهارة التيمم، قال المزني: ولأن التيمم يشترط فيه إمرار اليد فكذلك هنا.
• وأجيب:
قال ابن قدامة: وأما قياسه على التيمم فبعيد؛ لأن التيمم أمرنا فيه بالمسح، والمسح لا يكون إلا باليد، ويتعذر بالغالب إمرار التراب إلا باليد.
• الراجح من الخلاف:
بعد استعراض أدلة القولين نجد أن قول الجمهور هو الصواب، وأن الدلك ليس بواجب، بل لو قيل: إن في استحبابه نظرًا لم يبعد قائله عن الصواب (٤)،
ولا يقال: هذا
стр. 2262
من إسباغ الغسل، لأن الإسباغ في الطهارة المقصود به إكماله وإتمامه غير منقوص، كما قال ﷺ : (أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار) فجعل عدم وصول الماء إلى العقب من ترك الإسباغ.
ولو كان الغسل لا يقع إلا على الدلك، لكان المواضع الذي لا يستطيع الوصول إليها بيده كبعض المواضع من ظهره لا يمكن أن يغسلها، فإما أن يقال: بسقوط الدلك للعجز، كما اختاره من المالكية ابن القصار (١)، وبالتالي لم يقم بغسل جميع بدنه؛ لأن الغسل عندهم لا يطلق إلى على جريان الماء مع الدلك. أو يقال: يجب أن يتخذ خرقة ليستعين بها على دلك ما يعجز عن دلكه، كما اختاره سحنون من المالكية (٢)، وقال بعضهم: يجب استنابة من يدلكه من زوجة أو أمة، أو يتدلك بحائط إن كان
стр. 2263
ملكًا له، أو أذن له مالكها، ولم يكن الدلك يؤذيه (١)، وهذا أيضًا لم يقم عليه دليل من السنة، ومن التعمق الذي لم نؤمر به، وكل هذا يدل على ضعف القول بوجوب التدليك، والله أعلم.
* * *
стр. 2264
الباب الخامس في فروض الغسل
الفرض الأول الماء الطهور مع القدرة عليه
[م-٣٨٧] لا يرفع الحدث إلا الماء الطهور مع وجوده،
فلا يرفع الحدث الماء النجس، وهذا إجماع.
قال ابن المنذر: قال تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦]، فالطهارة على ظاهر كتاب الله بكل ماء، إلا ما منع منه كتاب، أو سنة أو إجماع، والماء الذي منع الإجماع الطهارة منه: هو الماء الذي غلبت عليه النجاسة بلون، أو طعم، أو ريح (١).
ولا يرفع الحدث سائل آخر غير الماء:
قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن الحدث لا يرفع بسائل آخر غير الماء، كالزيت، والدهن، والمرق (٢).
وقال الغزالي: الطهورية مختصة بالماء من بين سائر المائعات، أما في طهارة الحدث
стр. 2265
فبالإجماع (١).
وتعقبه النووي في المجموع شرح المهذب، فقال: حكى أصحابنا عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وأبي بكر الأصم: أنه يجوز رفع الحدث وإزالة النجاسة بكل مائع طاهر، قال القاضي أبو الطيب إلا الدمع فإن الأصم يوافق على منع الوضوء به، ثم قال: والأول أرجح؛ قال تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦]، فأحالنا إلى التيمم عند عدم الماء، ولم ينقلنا إلى سائل آخر (٢).
قلت: ويستثنى من السوائل النبيذ فإنه مختلف في رفع الحدث به:
فقيل: يتوضأ به إن لم يجد غيره، وهو مذهب أبي حنيفة (٣).
وقيل: يتوضأ به ويتيمم، وهو مذهب محمد بن الحسن (٤).
وقيل: يتيمم، ولا يتوضأ به، وهو مذهب المالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧)،
стр. 2266
واختاره أبو يوسف والطحاوي من الحنفية (١)، وهو رواية عن أبي حنيفة (٢)، وهو اختيار ابن حزم (٣).
وقد سبق أن ذكرت أدلتهم وبيان الراجح في كتاب أحكام الطهارة: أحكام المياه، فانظره هناك مشكورًا.
فإذا لم يوجد الماء الطهور فإنه يتيمم، وهذه مسألة خلافية أعني التيمم من الجنابة، وسوف أتعرض لذكر الخلاف فيها إن شاء الله تعالى في كتاب التيمم، بلغنا الله إياه بمنه وكرمه.
وقولي: لا يرفع الحدث إلا الماء الطهور، لا أعني به إثبات قسم الماء الطاهر في نفسه غير المطهر لغيره، وهي مسألة بحثت في أقسام المياه، وخلصت إلى أن الماء قسمان على القول الصحيح: طهور، ونجس، بخلاف مذهب الجمهور الذي يذهب إلى إثبات قسم الماء الطاهر، المستعمل عندهم في الأكل والشرب، ولا يستعمل في رفع الحدث، ومن أراد الإطلاع على أدلة القوم فليرجع إليه في كتاب الطهارة: في أحكام المياه، في مبحث أقسام المياه، والله الموفق.
* * *
стр. 2267
الفرض الثاني
النية
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• العبادة المعقولة المعنى، لا تشترط لها النية قولًا واحدًا، كالطهارة من النجاسة، والعبادة المحضة غير المعللة تشترط لها النية قولًا واحدًا، كالصلاة، والغسل فيه شبه من العبادتين، والصحيح اشتراط النية له.
• الأعمال كلها إما مطلوب أو مباح، والمباح لا يتقرب به إلى الله قصدًا، فلا معنى للنية فيه، والمطلوب: إما نواه أو أوامر، والنواهي كلها يخرج الإنسان من عهدتها وإن لم يشعر بها، والنية فيها شرط للثواب لا في الخروج من العهدة.
والأوامر على قسمين: الأول منها ما يكون صورة فعله كافية في تحصيل مصلحته، كأداء الديون، والودائع، والغصوب، ونفقات الزوجات فإن هذه الأفعال يخرج الإنسان من عهدتها وإن لم ينوها.
والقسم الثاني من الأوامر ما تكون صورة فعله ليست كافية في تحصيل مصلحته المقصودة منه، كالصلوات والطهارات والصيام والنسك، فإن المقصود منها تعظيمه تعالى بفعلها والخضوع له في إتيانها، وذلك إنما يحصل إذا قصدت من أجله ، فإن التعظيم بالفعل بدون قصد المعظم محال (١).
стр. 2268
[م-٣٨٨] اختلف العلماء في حكم النية في طهارة الحدث عمومًا: الأصغر والأكبر،
فقيل: النية سنة في طهارة الوضوء والغسل، شرط في طهارة التيمم، وهو مذهب الحنفية (١).
وقيل: النية شرط لطهارة الحدث مطلقًا الأصغر والأكبر، بالماء أو التيمم، وهو مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وهو الراجح.
وقيل: يجزئ الوضوء والغسل والتيمم بلا نية، وهو قول الأوزاعي (٥).
• وسبب الاختلاف في اشتراط النية للطهارة:
ما قاله ابن رشد: اختلف العلماء هل النية شرط في صحة الوضوء أم لا؟ بعد اتفاقهم على اشتراط النية في العبادات لقوله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) [البينة: ٥] ثم قال: وسبب اختلافهم: تردد الوضوء بين أن يكون عبادة محضة أعني غير معقولة المعنى، وإنما يقصد بها القربة فقط كالصلاة وغيرها، وبين أن يكون
стр. 2269
عبادة معقولة المعنى، كغسل النجاسة، فإنهم لا يختلفون أن العبادة المحضة مفتقرة إلى نية، والعبادة المفهومة المعنى غير مفتقرة إلى النية، والوضوء فيه شبه من العبادتين (١).
وقد ذكرت أدلة الأقوال وناقشتها نقاشًا مستفيضًا في كتاب الحيض والنفاس رواية ودراية فارجع إليه غير مأمور.
ولما كان الكلام في النية طويلًا ومتشعبًا عقدت فصلًا خاصًا في كتاب الوضوء عن النية من حيث تعريفها، وبيان حكمها وذكر محلها، وشروطها، ووقتها، وكيفيتها، فالحمد لله على منه وفضله.
* * *
стр. 2270
الفرض الثالث
تعميم جميع البدن بالغسل
[م-٣٨٩] اتفق الفقهاء على أن تعميم الجسد كله بالماء فرض من فروض الغسل (١).
نقل الإجماع في هذا النووي وغيره (٢).
ومستند الإجماع في هذا قوله تعالى: (وَلا جُنُباً إِلَاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) [النساء: ٤٣].
وقوله تعالى: (وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) [المائدة: ٦].
ومن السنة أحاديث كثيرة سبق ذكرها، منها حديث عائشة وميمونة وهما في الصحيحين، وحديث أم سلمة في مسلم، وحديث عمران بن حصين في البخاري للرجل الذي أصابته جنابة ولا ماء، ثم حضر الماء بعد، وكل هذه الأحاديث سبق تخريجها في هذا الكتاب.
стр. 2271
ولم يستثن من الإجماع إلا مسائل وقع فيها خلاف، منها:
داخل الفم والأنف، وقد سبق بحث حكم المضمضة والاستنشاق، وخلصت إلى أنهما غير واجبين في الغسل.
وكذلك لا يجب نقض ضفائر الرأس في الغسل وقد سبق بحث الخلاف فيه، كما لا يجب غسل المسترسل من الشعر، وقد سبق تحرير الخلاف فيه،
وكذلك لا يجب غسل داخل فرج المرأة مطلقًا بكرًا كانت أو ثيبًا (١).
وكذلك لا يجب غسل داخل العينين؛ لأنه لم ينقل غسلهما من المصطفى ﷺ ، ولأنهما من الباطن الذي لم نؤمر بغسله؛ ولأن الغسل مضر بهما، ولأن غسلهما من الحرج المرفوع عن هذه الأمة، قال : (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج: ٧٨].
وقال سبحانه: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) [المائدة: ٦] (٢).
وما عدا ذلك فإنه يجب إيصال الماء إليه حتى ولو كان غائرًا، كعمق السرة ونحوها (٣).
* * *
стр. 2272
الباب السادس في ذكر صفة الغسل الكامل والمجزئ
[م-٣٩٠] بعد أن تكلمنا بشيء من تفصيل الخلاف، وذكر الأدلة على سنن الغسل، وآدابه، وفروضه، نستطيع أن نخلص من هذه المباحث بصفة الغسل الكامل والمجزئ منها على وجه الاختصار، وهذا العرض إنما هو خاص بما هو راجح لدى الباحث، وقد لا يكون راجحًا عند غيره، وربما لا يكون راجحًا في حقيقة الأمر، ومن أراد أن يطلع على وجه الترجيح، فلينظر المسألة في معرض ذكر خلاف العلماء فيها وأدلتها التفصيلية، المهم أن من اقتصر على الاطلاع على هذا الفصل، فلن يعرف وجه الحجة فيما رجحت، وكان يمكن أن يختم البحث بدون هذا الفصل، خاصة أن هذا الفصل خال من ذكر أدلة الترجيح، لولا ما تعود الفقهاء من ذكر صفة الغسل الكامل والمجزئ في بحوثهم، مما دفعني أن أختار هذه الطريقة لتجمع للطالب المبتدئ صفة الغسل على وجه الإيجاز، فأقول في صفة الغسل الكامل وبالله التوفيق:
إذا أراد أن يغتسل، فلا بد أولًا من النية، وذلك بأن ينوي رفع الحدث، أو ينوي استباحة ما تشترط له الطهارة من صلاة ونحوها.
стр. 2273
ولا يتقدم الغسل أيُّ ذكر قولي، ومن ذلك البسملة، فإن الراجح أنها غير مشروعة لا في وضوء، ولا غسل، ولا تيمم.
ثم يقوم بغسل يديه قبل إدخالهما الإناء، ثلاثًا، أو مرتين.
ثم يتمضمض ويستنشق مرة واحدة.
ثم يغسل وجهه ويديه إلى المرفقين غسلة واحدة، ولا يشرع تكرار غسلهما، ويكون غسلهما بنية الغسل، لا بنية رفع الحدث الأصغر، فهذا الوضوء صوري، وإنما المراد هو غسل بدنه، قُدِّمَ فيه غسل مواضع الوضوء لشرفها.
ولا يشرع على الصحيح مسح رأسه، وإنما يخلل شعر رأسه بالماء حتى يبلغ الماء أصول شعره، وحتى يظن أنه قد أروى بشرته، ثم يفيض على رأسه ثلاثًا، مبتدئًا بجانب رأسه الأيمن، ثم الأيسر، ثم أعلى الرأس.
ثم يفيض الماء على سائر جسده، ولا يعيد غسل مواضع الوضوء مرة أخرى.
ثم يغسل قدميه.
وبهذا يكون قد انتهى من الغسل مراعيًا فيه سنن الغسل، ويكفي هذا الفعل في رفع الحدثين الأصغر والأكبر.
وأما الغسل المجزئ، فهو أن ينوي الغسل، ثم يعم بدنه كله بالماء مرة واحدة، ولا يجب في هذا الغسل مضمضة ولا استنشاق، والله أعلم.
وبهذا انتهى كتاب الغسل، ولله الحمد والمنة، ويليه كتاب التيمم إن شاء الله تعالى.
* * *
стр. 2274
موسوعة
أحكام الطهارة
أدلة ومسائل وقواعد وضوابط
القسم الأول
طهارة الحدث
المجلد الخامس
طهارة البدل (الطهارة بالتراب)
تأليف
دبيان بن محمد الدبيان
стр. 2275
كتاب التيمم
стр. 2276
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي خلقنا من تراب، وجعله لأمتنا خاصة من بين سائر الأمم مسجدًا وطهورًا، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن سار على هديه إلى يوم الدين ...
أما بعد، فهذا هو الكتاب الخامس والأخير من طهارة الحدث، وهو خاص بالتيمم، فطهارة الحدث تنقسم إلى قسمين كما أشرنا في مقدمة الطهارة:
طهارة أصلية: وهذه لا تكون إلا بالماء، وسبق لي البحث فيها.
وطهارة بدل: وهي الطهارة بالتراب عند فقد الماء، وتدخل في الحدث الأصغر والأكبر، ولا مدخل لها في طهارة الخبث على الصحيح. وهذا هو موضوع كتابنا هذا.
ومن عناية الشارع بطهارة الحدث أن جعل لها بدلًا عند فقد آلته (الماء) أو عند العجز عن استعماله، بخلاف طهارة الخبث فلم يجعل لها بدلًا، ومن رحمة الله أن مكن عباده من الصلوات: التي هي صلة بين العباد وبين خالقهم حتى في حالة عدم التمكن من الطهارة المائية، ولو منع الإنسان من الصلاة إلا في حالة وجود الماء لربما قسا قلب العبد بسبب تركه للصلوات أيامًا وربما أسابيع بسبب عدم قيامه بما هو صلة بينه وبين ربه، فكان لطفًا من الله أن شرع التيمم مطهرًا بدلًا من الماء، ليكون العبد متهيئًا لمناجاة الله في أعظم ركن عملي، وهو الصلاة، وهو ما أشار الله إليه في آية التيمم، من كون الغاية من مشروعية التيمم رفع الحرج عن هذه الأمة، والغاية الثانية تطهيرها، قال تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) [المائدة: ٦].
فكان الأمر قبل مشروعية التيمم إما أن يدع الإنسان الصلاة إلى حين وجود الماء ثم يقضي تلك الصلوات، أو يدع الصلاة من غير قضاء، وكل هذا فيه ما فيه من
стр. 2277
الحرج، فترك الصلوات فيه ما أشرنا إليه من قسوة القلب وغفلته عن ذكر ربه، وقد قال : (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) [طه: ١٤]، كما أن القضاء قد يشق على العبد إذا اجتمع إليه صلوات كثيرة خاصة في الأسفار التي تطول، ولا يكون الماء مقدورًا عليه، ثم فوات تطهير العبد الطهارة المعنوية من الوضوء، ومن بدله وهو التيمم، فترك الطهارة يجعل الذنوب تتراكم عليه، ولكن إذا كان يتعاهد نفسه بالوضوء أو ببدله بالتيمم، ثم بعد ذلك بالصلوات والتي ضرب الرسول ﷺ لها مثلًا بالنهر في باب أحدنا، يغتسل فيه باليوم خمس مرات، فلا يبقى من درن الإنسان شيئًا، وهكذا التيمم الذي يجعل المسلم بإمكانه أن يصلي ويتطهر من تلك الذنوب التي لا يسلم منها أحد، وكان الشرط في هذا البحث كغيره من البحوث السابقة التي سبقته، يقوم على تمهيد، وأبواب، وفصول ومباحث وفروع ومسائل على النحو التالي:
خطة البحث:
التمهيد: ويشتمل: على خمسة مباحث:
المبحث الأول: تعريف التيمم.
المبحث الثاني: الأدلة على مشروعية التيمم.
المبحث الثالث: في بدء مشروعية التيمم.
المبحث الرابع: التيمم من خصائص الأمة المحمدية.
المبحث الخامس: مشروعية التيمم على وفق القياس.
الباب الأول: في حكم التيمم:
الفصل الأول: طهارة التيمم بين الرخصة والعزيمة.
المبحث الأول: في تعريف الرخصة.
المبحث الثاني: في تردد التيمم بين الرخصة والعزيمة.
الفصل الثاني: طهارة التيمم ترفع الحدث.
стр. 2278
الفصل الثالث: في إمامة المتيمم للمتوضئ.
الفصل الرابع: إذا عدم الماء والصعيد.
الفصل الخامس: في تأخير الصلاة لمن يرجو وجود الماء في آخر الوقت.
الفصل السادس: في وطء عادم الماء.
الباب الثاني: في الأسباب الموجبة للتيمم:
الفصل الأول: مشروعية التيمم لفقد الماء، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: انعدام الماء.
المبحث الثاني: إذا وجد ماء لا يكفي للطهارة.
المبحث الثالث: لو كان مع الجنب ماء يكفي للوضوء فقط.
المبحث الرابع: لو اجتمع حدث وخبث ووجد ماء يكفي أحدهما.
الفصل الثاني: في تعذر استعمال الماء، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: في تيمم المريض.
المبحث الثاني: في تيمم الصحيح إذا كان محتاجًا للماء لشرب ونحوه.
المبحث الثالث: في الماء يباع بأكثر من ثمنه.
المبحث الرابع: في قبول الرجل هبة الماء.
الفصل الثالث: في التيمم خوفًا من فوات العبادة، ويشتمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: إذا خاف خروج وقت الفريضة.
المبحث الثاني: في التيمم خوفًا من فوت صلاة الجنازة والعيد.
المبحث الثالث: في التيمم خوفًا من فوات الجمعة.
الباب الثالث: في شروط التيمم:
الشرط الأول: النية، وينقسم البحث فيها إلى فصول ومباحث وفروع ومسائل على النحو التالي:
стр. 2279
الفصل الأول: في اشترط النية لطهارة التيمم.
الفصل الثاني: لو سفت الرياح التراب على وجهه ونوى به التيمم.
الفصل الثالث: في صفة النية.
المبحث الأول: لو نوى مطلق التيمم.
المبحث الثاني: إذا نوى المتيمم بتيممه رفع الحدث.
المبحث الثالث: في اشتراط نية ما يتيمم عنه.
الفرع الأول: إذا تيمم ولم ينو ما تيمم عنه.
الفرع الثاني: إذا تيمم للأصغر، فهل يرتفع الأكبر؟
الفرع الثالث: في نية ما يتيمم له من صلاة ونحوها.
المسألة الأولى: لو نوى بالتيمم الصلاة وأطلق.
المسألة الثانية: لو نوى بالتيمم نفلًا فصلى به فريضة.
المسألة الثالثة: لو تيمم للفريضة فصلى به نافلة.
المسألة الرابعة: في أداء الفرائض بتيمم واحد.
المسألة الخامسة: إذا تيمم للنافلة فصلى به نوافل أخرى.
المبحث الرابع: لو تيمم يريد به تعليم الغير.
الشرط الثاني: من شروط التيمم الإسلام.
الشرط الثالث: التكليف.
الشرط الرابع: انقطاع ما يوجب الحدث إلا في المعذور.
الشرط الخامس: طلب الماء قبل التيمم.
الفرع الأول: في تقدير المسافة التي تبيح التيمم ويسقط فيها طلب الماء.
الفرع الثاني: لو تيمم ناسيًا وجود الماء.
الشرط السادس: في اشتراط دخول الوقت.
стр. 2280
الشرط السابع: في الشروط المتعلقة بالأرض المتيمم عليها.
الفرع الأول: في التيمم بغير تراب.
الفرع الثاني: في طهارة ما يتيمم به.
الفرع الثالث: في اليتمم على الأرض التي أصابتها نجاسة ثم جفت.
الفرع الرابع: في التيمم بالتراب المستعمل في طهارة واجبة.
الفرع الخامس: التيمم بالتراب المغصوب.
الباب الرابع: فيما يتيمم عنه:
الفصل الأول: في التيمم عن الحدث.
الفصل الثاني: في التيمم عن النجاسة.
الباب الخامس: في فروض التيمم:
الفرض الأول: مسح الوجه واليدين مع الاستيعاب.
المبحث الأول: ضرب اليدين في الأرض ليمسح بهما وجهه ويديه.
المبحث الثاني: استيعاب المسح للوجه واليدين.
المبحث الثالث: مسح ما تحت الشعر الخفيف في التيمم.
المبحث الرابع: صفة مسح الوجه واليدين عند الفقهاء.
المبحث الخامس: في اشتراط ضرب الأرض بالكفين للتيمم.
المبحث السادس: مسح الوجه بيد واحدة أو أصبع واحد.
الفرض الثاني: حكم الترتيب في طهارة التيمم.
الفرض الثالث: الموالاة في التيمم.
الباب السادس: في سنن التيمم:
الفصل الأول: في التسمية.
الفصل الثاني: في تكرار المسح في التيمم.