بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي خلقنا من تراب، وجعله لأمتنا خاصة من بين سائر الأمم مسجدًا وطهورًا، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن سار على هديه إلى يوم الدين ...
أما بعد، فهذا هو الكتاب الخامس والأخير من طهارة الحدث، وهو خاص بالتيمم، فطهارة الحدث تنقسم إلى قسمين كما أشرنا في مقدمة الطهارة:
طهارة أصلية: وهذه لا تكون إلا بالماء، وسبق لي البحث فيها.
وطهارة بدل: وهي الطهارة بالتراب عند فقد الماء، وتدخل في الحدث الأصغر والأكبر، ولا مدخل لها في طهارة الخبث على الصحيح. وهذا هو موضوع كتابنا هذا.
ومن عناية الشارع بطهارة الحدث أن جعل لها بدلًا عند فقد آلته (الماء) أو عند العجز عن استعماله، بخلاف طهارة الخبث فلم يجعل لها بدلًا، ومن رحمة الله أن مكن عباده من الصلوات: التي هي صلة بين العباد وبين خالقهم حتى في حالة عدم التمكن من الطهارة المائية، ولو منع الإنسان من الصلاة إلا في حالة وجود الماء لربما قسا قلب العبد بسبب تركه للصلوات أيامًا وربما أسابيع بسبب عدم قيامه بما هو صلة بينه وبين ربه، فكان لطفًا من الله أن شرع التيمم مطهرًا بدلًا من الماء، ليكون العبد متهيئًا لمناجاة الله في أعظم ركن عملي، وهو الصلاة، وهو ما أشار الله إليه في آية التيمم، من كون الغاية من مشروعية التيمم رفع الحرج عن هذه الأمة، والغاية الثانية تطهيرها، قال تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) [المائدة: ٦].
فكان الأمر قبل مشروعية التيمم إما أن يدع الإنسان الصلاة إلى حين وجود الماء ثم يقضي تلك الصلوات، أو يدع الصلاة من غير قضاء، وكل هذا فيه ما فيه من
стр. 2277
الحرج، فترك الصلوات فيه ما أشرنا إليه من قسوة القلب وغفلته عن ذكر ربه، وقد قال : (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) [طه: ١٤]، كما أن القضاء قد يشق على العبد إذا اجتمع إليه صلوات كثيرة خاصة في الأسفار التي تطول، ولا يكون الماء مقدورًا عليه، ثم فوات تطهير العبد الطهارة المعنوية من الوضوء، ومن بدله وهو التيمم، فترك الطهارة يجعل الذنوب تتراكم عليه، ولكن إذا كان يتعاهد نفسه بالوضوء أو ببدله بالتيمم، ثم بعد ذلك بالصلوات والتي ضرب الرسول ﷺ لها مثلًا بالنهر في باب أحدنا، يغتسل فيه باليوم خمس مرات، فلا يبقى من درن الإنسان شيئًا، وهكذا التيمم الذي يجعل المسلم بإمكانه أن يصلي ويتطهر من تلك الذنوب التي لا يسلم منها أحد، وكان الشرط في هذا البحث كغيره من البحوث السابقة التي سبقته، يقوم على تمهيد، وأبواب، وفصول ومباحث وفروع ومسائل على النحو التالي:
خطة البحث:
التمهيد: ويشتمل: على خمسة مباحث:
المبحث الأول: تعريف التيمم.
المبحث الثاني: الأدلة على مشروعية التيمم.
المبحث الثالث: في بدء مشروعية التيمم.
المبحث الرابع: التيمم من خصائص الأمة المحمدية.
المبحث الخامس: مشروعية التيمم على وفق القياس.
الباب الأول: في حكم التيمم:
الفصل الأول: طهارة التيمم بين الرخصة والعزيمة.
المبحث الأول: في تعريف الرخصة.
المبحث الثاني: في تردد التيمم بين الرخصة والعزيمة.
الفصل الثاني: طهارة التيمم ترفع الحدث.
стр. 2278
الفصل الثالث: في إمامة المتيمم للمتوضئ.
الفصل الرابع: إذا عدم الماء والصعيد.
الفصل الخامس: في تأخير الصلاة لمن يرجو وجود الماء في آخر الوقت.
الفصل السادس: في وطء عادم الماء.
الباب الثاني: في الأسباب الموجبة للتيمم:
الفصل الأول: مشروعية التيمم لفقد الماء، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: انعدام الماء.
المبحث الثاني: إذا وجد ماء لا يكفي للطهارة.
المبحث الثالث: لو كان مع الجنب ماء يكفي للوضوء فقط.
المبحث الرابع: لو اجتمع حدث وخبث ووجد ماء يكفي أحدهما.
الفصل الثاني: في تعذر استعمال الماء، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: في تيمم المريض.
المبحث الثاني: في تيمم الصحيح إذا كان محتاجًا للماء لشرب ونحوه.
المبحث الثالث: في الماء يباع بأكثر من ثمنه.
المبحث الرابع: في قبول الرجل هبة الماء.
الفصل الثالث: في التيمم خوفًا من فوات العبادة، ويشتمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: إذا خاف خروج وقت الفريضة.
المبحث الثاني: في التيمم خوفًا من فوت صلاة الجنازة والعيد.
المبحث الثالث: في التيمم خوفًا من فوات الجمعة.
الباب الثالث: في شروط التيمم:
الشرط الأول: النية، وينقسم البحث فيها إلى فصول ومباحث وفروع ومسائل على النحو التالي:
стр. 2279
الفصل الأول: في اشترط النية لطهارة التيمم.
الفصل الثاني: لو سفت الرياح التراب على وجهه ونوى به التيمم.
الفصل الثالث: في صفة النية.
المبحث الأول: لو نوى مطلق التيمم.
المبحث الثاني: إذا نوى المتيمم بتيممه رفع الحدث.
المبحث الثالث: في اشتراط نية ما يتيمم عنه.
الفرع الأول: إذا تيمم ولم ينو ما تيمم عنه.
الفرع الثاني: إذا تيمم للأصغر، فهل يرتفع الأكبر؟
الفرع الثالث: في نية ما يتيمم له من صلاة ونحوها.
المسألة الأولى: لو نوى بالتيمم الصلاة وأطلق.
المسألة الثانية: لو نوى بالتيمم نفلًا فصلى به فريضة.
المسألة الثالثة: لو تيمم للفريضة فصلى به نافلة.
المسألة الرابعة: في أداء الفرائض بتيمم واحد.
المسألة الخامسة: إذا تيمم للنافلة فصلى به نوافل أخرى.
المبحث الرابع: لو تيمم يريد به تعليم الغير.
الشرط الثاني: من شروط التيمم الإسلام.
الشرط الثالث: التكليف.
الشرط الرابع: انقطاع ما يوجب الحدث إلا في المعذور.
الشرط الخامس: طلب الماء قبل التيمم.
الفرع الأول: في تقدير المسافة التي تبيح التيمم ويسقط فيها طلب الماء.
الفرع الثاني: لو تيمم ناسيًا وجود الماء.
الشرط السادس: في اشتراط دخول الوقت.
стр. 2280
الشرط السابع: في الشروط المتعلقة بالأرض المتيمم عليها.
الفرع الأول: في التيمم بغير تراب.
الفرع الثاني: في طهارة ما يتيمم به.
الفرع الثالث: في اليتمم على الأرض التي أصابتها نجاسة ثم جفت.
الفرع الرابع: في التيمم بالتراب المستعمل في طهارة واجبة.
الفرع الخامس: التيمم بالتراب المغصوب.
الباب الرابع: فيما يتيمم عنه:
الفصل الأول: في التيمم عن الحدث.
الفصل الثاني: في التيمم عن النجاسة.
الباب الخامس: في فروض التيمم:
الفرض الأول: مسح الوجه واليدين مع الاستيعاب.
المبحث الأول: ضرب اليدين في الأرض ليمسح بهما وجهه ويديه.
المبحث الثاني: استيعاب المسح للوجه واليدين.
المبحث الثالث: مسح ما تحت الشعر الخفيف في التيمم.
المبحث الرابع: صفة مسح الوجه واليدين عند الفقهاء.
المبحث الخامس: في اشتراط ضرب الأرض بالكفين للتيمم.
المبحث السادس: مسح الوجه بيد واحدة أو أصبع واحد.
الفرض الثاني: حكم الترتيب في طهارة التيمم.
الفرض الثالث: الموالاة في التيمم.
الباب السادس: في سنن التيمم:
الفصل الأول: في التسمية.
الفصل الثاني: في تكرار المسح في التيمم.
стр. 2281
الفصل الثالث: نفخ الأيدي بعد ضربها الأرض.
الفصل الرابع: في استحباب تقديم اليد اليمنى على اليد اليسرى.
الفصل الخامس: في تجديد التيمم.
الفصل السادس: في استقبال القبلة حال التيمم.
الفصل السابع: في إقبال اليدين وإدبارهما في التراب حال الضرب.
الفصل الثامن: في البدء بأعلى الوجه حين المسح.
الفصل التاسع: استحباب الصمت أثناء التيمم.
الباب السابع: في مبطلات التيمم:
الفصل الأول: يبطل التيمم ما يبطل الوضوء.
الفصل الثاني: يبطل التيمم بوجود الماء.
المبحث الأول: وجود الماء قبل الصلاة.
المبحث الثاني: في وجود الماء أثناء الصلاة.
المبحث الثالث: في وجود الماء بعد الفراغ من الصلاة.
الفصل الثالث: خروج الوقت.
هذه خطة البحث في هذا الكتاب، فإن يكن من صواب فهو من الله ، وإن يكن من خطأ فهو من الشيطان، ومن ضعفي وتقصيري، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
* * *
стр. 2282
التمهيد
المبحث الأول تعريف التيمم
تعريف التيمم اصطلاحًا (١):
تعريف الحنفية:
قال في بدائع الصنائع: «عبارة عن استعمال الصعيد في عضوين مخصوصين على قصد التطهر بشرائط مخصوصة» (٢).
تعريف المالكية:
قال الصاوي في تعريف التيمم: «طهارة ترابية تشتمل على مسح الوجه واليدين
стр. 2283
بنية» (١). زاد بعضهم: تستعمل عند عدم الماء أو عدم القدرة على استعماله، والمراد بالتراب: جنس الأرض فيشمل جميع أجزائها (٢).
تعريف الشافعية:
قالوا: التيمم: إيصال التراب إلى الوجه واليدين بشروط بدلًا عن الوضوء، أو الغسل، أو بدلًا عن عضو من أعضائهما بشرائط مخصوصة (٣).
تعريف الحنابلة:
قال البهوتي: «مسح الوجه واليدين بتراب طهور على وجه مخصوص» (٤).
وهذه التعريفات متقاربة، وقد قال أبو بكر بن العربي بأن التيمم له ثلاثة أسماء، الأول: التيمم، قال الله تعالى: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً) [المائدة: ٦].
الثاني: الوضوء، قال النبي ﷺ : الصعيد الطيب وضوء المسلم، ولو لم يجد الماء عشر حجج (٥).
الثالث: الطهور، قال النبي ﷺ : وجعلت لنا الأرض مسجدًا وطهورًا (٦)(٧).
والاسمان الأخيران ليسا من باب التسمية اللغوية، وإنما هو من باب الحكم الشرعي، فالتيمم يقوم مقام الوضوء، كما أنه يطهر المسلم، أي يرفع حدثه، أو في حكم الطهور كما سيأتي تحرير الخلاف فيه إن شاء الله تعالى، هل التيمم مبيح أو رافع؟
* * *
стр. 2284
المبحث الثاني الأدلة على مشروعية التيمم
[م-٣٩١] التيمم مشروع عند عدم الماء، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع،
أما الكتاب فقوله تعالى: (وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً) [المائدة: ٦].
ومن السنة، أحاديث كثيرة، منها:
(٩٢٤ - ١) ما رواه البخاري من طريق هشيم، قال: أخبرنا سيار، قال: حدثنا يزيد -هو ابن صهيب الفقير- قال:
أخبرنا جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ .... الحديث (١).
ورواه مسلم من طريق هشيم به، بلفظ: وجعلت لي الأرض طيبة طهورًا ومسجدًا (٢).
стр. 2285
(٩٢٥ - ٢) وروى مسلم في صحيحه من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه،
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون (١).
(٩٢٦ - ٣) وروى مسلم أيضًا من طريقين عن أبي مالك الأشجعي، عن ربعي،
عن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ : فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء، وذكر خصلة أخرى (٢).
وأما الإجماع فقد نقله طائفة من أهل العلم:
قال ابن عبد البر: «أجمع العلماء بالأمصار بالمشرق والمغرب فيما علمت أن التيمم بالصعيد عند عدم الماء طهور كل مسلم ... » (٣).
وقال النووي: «إذا عدم الماء بعد طلبه المعتبر جاز له التيمم للآية، والأحاديث الصحيحة، والإجماع» (٤).
وقال صاحب كتاب رحمة الأمة: «التيمم بالصعيد الطيب عند عدم الماء أو الخوف من استعماله جائز بالإجماع» (٥).
وقال الشوكاني: «والحديث يدل على مشروعية التيمم للصلاة عند عدم الماء، من غير فرق بين الجنب وغيره، وقد أجمع العلماء على ذلك» (٦).
* * *
стр. 2286
المبحث الثالث في بدء مشروعية التيمم
[م-٣٩٢] روت كتب السنة بدء مشروعية التيمم في أحاديث صحيحة،
(٩٢٧ - ٤) فقد روى البخاري ﵀ من طريق عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه،
عن عائشة، زوج النبي ﷺ ، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء -أو بذات الجيش- انقطع عقد لي، فأقام رسول الله ﷺ على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق، فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله ﷺ والناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر، ورسول الله ﷺ واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبست رسول الله ﷺ والناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فقالت عائشة: فعاتبني أبو بكر، وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعنني بيده في خاصرتي، فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله ﷺ على فخذي، فقام رسول الله ﷺ حين أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم، فتيمموا، فقال أسيد بن الحضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فأصبنا العقد تحته،
стр. 2287
ورواه مسلم (١).
في هذا الحديث من الفقه:
قول عائشة ﵂: (خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره) فيه دليل على جواز خروج النساء مع الرجال في الأسفار، وفي الغزوات إذا كان العسكر كبيرًا يؤمن عليه الغلبة (٢).
وفيه أيضًا جواز تأديب الرجل ابنته، ولو كانت متزوجة كبيرة، خارجة عن بيته، ويلحق بذلك تأديب من له تأديبه (٣).
وفيه أيضًا أن الرسول ﷺ لا يعلم الغيب، ولو كان يعلم الغيب لم يبعث رجالًا في طلب العقد، وهو تحت البعير.
وفيه أيضًا: أن الله قد يربط تشريع بعض الأحكام بأسباب قدرية، وأخرى شرعية، فجعل غياب هذا العقد سببًا لمشروعية التيمم لجميع الأمة.
وفيه إثبات البركة لبعض الصالحين، قال أسيد (ما هي بأول بركتكم يا آل
أبي بكر) أي بل هي مسبوقة بغيرها من البركات، وفيه دليل على فضل عائشة وأبيها وتكرار البركة منهما (٤).
وفي رواية للبخاري: (جزاك الله خيرًا، فوالله ما نزل بك أمر قط إلا جعل الله لك منه مخرجًا، وجعل للمسلمين فيه بركة)» (٥).
وفيه فرح الصحابة ﵃ بتيسير الأحكام عليهم، على خلاف ما ينشده بعض الناس في عصرنا من النزعة إلى التحريم، وحجب الأقوال التي فيها تيسير على
стр. 2288
الأمة، بدعوى أن الناس قد يتهاونون، فيتجاوزن الحد المباح إلى الوقوع في المحرم، وهذا ليس من الفقه في شيء، واستحسان مخالف لمقاصد الشارع وقواعد الشرع.
إن تعامل بعض الناس مع الخلاف يكشف لك أننا نعاني من أزمة حقيقية في التعامل مع الخلاف الفقهي، ونظن أن بالإمكان إلغاء الخلاف المحفوظ، وأننا بالقدر الذي نسفه فيه قول المخالف نردع الناس من الأخذ به وقبوله، ونعتقد بأن هذا الأسلوب يكفل لنا ترويج اختياراتنا الفقهية، ولذا إذا أتينا إلى أدلة المخالفين، نضع عنوانين تحكي نزعة الإلغاء والازدراء للقول الآخر، فيقول بعضهم: شبهات القائلين بالجواز، فنجعل أدلتهم مجرد شبهات، وليست أدلة قائمة، حتى ولو كان هذا القول هو قول الجمهور، وكأننا قد نزل علينا الوحي بأن قولنا هو الصواب، بينما المطلوب منا أن نتعامل مع تراث المسلمين الفقهي بشيء من الاحترام بصرف النظر عن الصواب والخطأ، وأن تكون عباراتنا بالترجيح تعكس مقدار الأدب الإسلامي المأمور به شرعًا، فنتجنب قدر المستطاع القطع في مسائل الخلاف، ونتجنب القول بأن هذا القول ساقط أو باطل، أو ليس عليه آثارة من علم، أو هذا القول سبب في رقة الدين، أو هذا قول شاذ، مع العلم أنه مذهب جماهير أهل العلم.
إنني لا أدعو إلى اتباع قول الجمهور، لكونه كذلك، ومن قرأ البحوث السابقة تأكد له ذلك، ولكن مع وجوب اتباع ما يترجح يجب احترام قول الجمهور، بل وكل قول عالم من علماء هذه الأمة مع بيان الخطأ بالدليل الشرعي.
إن الوحي قد انقطع، والخلاف الفقهي في هذه الأمة قدر كوني وشرعي، وما زال الصحابة يختلفون في أمور الفقه، وما لم يعصم منه الصحابة فلن يعصم منه غيرهم، وإني لا يعجبني أبدًا في أي بلد من المسلمين أن تقوم لجنة أو هيئة رسمية أو غير رسمية فتجعل من نفسها مرجعًا يجب الرد إليه عند التنازع في أمور فقهية قد حفظ فيها الخلاف، ولا ينبغي لها أن تتصدى بالرد على فلان أو فلان من طلبة
стр. 2289
العلم بسبب اختياره الفقهي ما دام داخلًا تحت الخلاف السائغ الذي قيل به من لدن السلف، ولا حجر عليها أن تذكر رأيها دون أن تتعرض لأحد باسمه، فمن شاء أن يأخذ بفتواها فله ذلك، ومن رأى أنه يسعه أن يأخذ برأي أحد من الأئمة فإن له ذلك أيضًا، ولا حجر عليه، وإذا أبت إلا الخوض في ذلك فلا بد أن يحفظ للطرف الأخر حقه بالرد عليهم، وبيان حجته فيما يطرحون، وأن يكون في مأمن من ظلمهم من منع كتابه من الطبع، فإن منع مثل ذلك يعتبر من الظلم والعدوان الذي لا يرضاه خلق ولا دين، ولم يكن من عمل السلف، فمن أعطى لنفسه حق الرد على الناس فليعط غيره حق الجواب على رده، ولا يسوغ أبدًا أن يتكلم أحد في نيته أو في منهجه لمجرد أن رد على أحد من علماء عصره في مسألة يسوغ فيها الخلاف، وإذا كنا نعطي أنفسنا أن نخالف أبا بكر وعمر وعثمان وعليًا وعائشة وابن عباس في مسائل فقهية وقع الخلاف بينهم فيها، وهم أجل قدرًا وأوسع علمًا، وقد زكاهم القرآن والرسول ﷺ ، فمخالفة غيرهم من باب أولى، ولا يضيق بالخلاف من أوتى قدرًا من العلم الشرعي، وعلم أن هذا سبيل المؤمنين، وليست المشكلة في الكلام النظري المجرد عن التطبيق، فإن كل واحد من طلبة العلم يردد في مجالسه ودروسه المقولة المشهورة: كل يؤخذ من كلامه ويترك إلا رسول الله ﷺ ، ولكن عند التطبيق تجد البون الشاسع بين ما يقال وبين ما يفعل، وليس هذا من صغار الطلبة، بل ممن ترأس وتصدر، فالله المستعان، وقد تركت ضرب الأمثلة من الواقع حتى لا أنكأ الجراح، وأزيد في سعة الخلاف، ولا أبرئ نفسي مما يقع فيه غيري، فإن طبيعة الإنسان الظلم والجهل إلا من وفقه الله .
* * *
стр. 2290
المبحث الرابع التيمم من خصائص الأمة المحمدية
[م-٣٩٣] التيمم من الخصائص التي اختص الله بها هذه الأمة، وقد دل على ذلك السنة والإجماع.
(٩٢٨ - ٥) أما السنة، فقد روى البخاري من طريق هشيم، قال: أخبرنا سيار، قال: حدثنا يزيد -هو ابن صهيب الفقير- قال:
أخبرنا جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل ... الحديث (١).
ورواه مسلم من طريق هشيم به، بلفظ: وجعلت لي الأرض طيبة طهورًا ومسجدًا (٢).
(٩٢٩ - ٦) وروى مسلم في صحيحه من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه،
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون (٣).
стр. 2291
(٩٣٠ - ٧) وروى مسلم أيضًا من طريقين عن أبي مالك الأشجعي، عن ربعي،
عن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ : فضلنا على الناس بثلاث (١):
جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء، وذكر خصلة أخرى (٢).
قال ابن عبد البر -رحمه الله تعالى-: «وروي عن النبي ﷺ أنه قال: جعلت لي الأرض كلها مسجدًا وطهورًا، في تعديد فضائله ﷺ من وجوه كثيرة، من حديث علي بن أبي طالب ﵁ (٣)، وابن عباس (٤)، وجابر (٥)، وأبي هريرة (٦)،
стр. 2292
وأبي موسى (١)،
وحذيفة (٢)، وهي آثار كلها صحاح ثابتة، كرهت ذكرها بأسانيدها خشية الإطالة، وقد ذكرها كلها أو أكثرها أبو بكر ابن أبي شيبة في أول كتاب الفضائل» (٣).
وأما الإجماع، فقد نقل الإجماع طائفة من أهل العلم.
قال في منح الجليل: «وهو من خصائص هذه الأمة إجماعًا» (٤).
وقال الصاوي: «وهو من خصائص هذه الأمة اتفاقًا، بل إجماعًا» (٥).
وقال الحطاب: «وانعقد الإجماع على مشروعيته، وعلى أنه من خصائص هذه الأمة لطفًا من الله بها، وإحسانًا» (٦).
كما صرح جملة من العلماء على أن التيمم من خصائص هذه الأمة، وإن لم ينصوا على ذكر الإجماع، منهم: ابن الهمام في فتح القدير (٧)، وابن نجيم في البحر الرائق (٨)، وابن عابدين في حاشيته (٩)، وهؤلاء من الحنفية.
стр. 2293
ومن المالكية: الخرشي في شرحه لمختصر خليل (١)، والنفرواي في الفواكه الدواني (٢)، والقرافي في الذخيرة (٣).
ومن الشافعية: العراقي في طرح التثريب (٤)، ، وقليوبي وعميرة في حاشيتهما (٥).
ومن الحنابلة: ابن مفلح في الفروع (٦)، والبهوتي في كشاف القناع (٧).
وغيرهم خلق كثير من حملة العلم الشرعي تركتهم اقتصارًا واختصارًا.
قال النفرواي: «وهو من خصائص هذه الأمة؛ لأن الأمم السابقة لا تصلي إلا بالوضوء، كما أنها كانت لا تصلي إلا في أماكن مخصوصة يعينونها للصلاة، ويسمونها بيعًا وكنائس وصوامع، ومن عدم منهم الماء، أو غاب عن محل صلاته يدع الصلاة حتى يجد الماء، أو يعود إلى مصلاه» (٨).
وذكر اللالكائي في كتابه اعتقاد أهل السنة: «جعلت له ولأمته الأرض مسجدًا، وكان غيره من الأنبياء لا تجزئ صلاته إلا في كنائسهم وبيعهم ... وجعل التراب له ولأمته طهورًا إذا عدم الماء» (٩).
ونقل الحافظ عن ابن التين قوله: : «المراد جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وجعلت لغيري مسجدًا، ولم تجعل له طهورًا؛ لأن عيسى كان يسبح في الأرض، ويصلي حيث أدركته الصلاة، كذا قال وسبقه إلى ذلك الداودي» (١٠).
стр. 2294
وقال القاضي عياض: «وأما اختصاصه بكون الأرض له مسجدًا وطهورًا، فيدل أن التيمم لم يشرع لغيره قبله، وأما كونها مسجدًا فقيل: إن من كان قبله من الأنبياء كانوا لا يصلون إلا فيما أيقنوا طهارته من الأرض، وخص نبينا وأمته بجواز الصلاة على الأرض إلا ما تيقنت نجاسته منها» (١).
قال الحافظ: «والأظهر ما قاله الخطابي: وهو أن من قبله إنما أبيحت لهم الصلوات في أماكن مخصوصة كالبيع والصوامع، ويؤيده رواية عمرو بن شعيب بلفظ: وكان من قبلي إنما كانوا يصلون في كنائسهم» (٢).
وهذا نص في موضع النزاع، فثبتت الخصوصية.
ويؤيده ما أخرجه البزار من حديث ابن عباس (٣) بنحو حديث الباب فيه: (ولم
المبحث الخامس مشروعية التيمم على وفق القياس
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• التراب له قوة في تطهير النجاسة، كتطهير النعل، وذيل المرأة، فكان له قوة في رفع الحدث بشرطه.
• إذا خرج شيء عن نظائره لمصلحة أكمل، وأخص من مصالح نظائره لا يقال: إن مثل هذا خرج عن القياس.
• من رأى شيئًا من الشريعة مخالفًا للقياس، فإنما هو مخالف للقياس الذي انعقد في نفسه، وليس مخالفًا للقياس الصحيح الثابت في نفس الأمر.
[م-٣٩٤] اختلف العلماء في كون التيمم مطهرًا، هل هذا على وفق القياس، أو مخالف للقياس، مع أني أتحفظ على هذا الطرح، لولا أن هذا موجود في كتب الفقه؛ لأننا نرى أن أحكام الشرع كلها على وفق القياس، إن كان المقصود بالقياس: هو النظر والحكمة؛ لأن أحكام الشرع لا تخالف المعقول، وإن كان شيء متهمًا فهو في عجز العقول عن إدراك أسرار الأحكام، فأحكام الله من لدن حكيم خبير، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟ والبحث في العلة إنما هو في حدود الحاجة إلى تعدية
стр. 2297
النص من أصل منصوص عليه إلى فرع لعلة جامعة، فيلحق النظير بنظيره؛ لأن النصوص محدودة، والوقائع غير متناهية، ولذلك لما سئلت عائشة ﵂، ما بال الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة، وكأن السائلة رأت أن هذا مخالف للقياس، فإما أن يسقط القضاء عنهما، أو تكلف بقضاء كليهما، فقالت: كنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة» (١)، فأرجعت الشأن إلى النص.
[م-٣٩٥] فإذا علم هذا، فقد اختلف العلماء في التيمم،
فذهب بعض أهل العلم إلى أن رفع الحدث بالتيمم على خلاف القياس (٢).
وذهب ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله تعالى إلى أن التيمم على وفق القياس، وأنه لا يوجد شيء في الشرع يخالف القياس الصحيح (٣).
• حجة من قال: إن التيمم ليس جاريًا على وفق القياس:
استدلوا بدليلين:
أحدهما: أن التراب ملوث، لا يزيل درنًا ولا وسخًا، ولا يطهر البدن، كما لا يطهر الثوب.
الثاني: أنه شرع في عضوين من أعضاء الوضوء دون بقيتها، وهذا خروج عن القياس الصحيح، ولذلك حين استعمل عمار القياس تمرغ في التراب كما تتمرغ الدابة؛ ليعم بدنه كله بالتراب، كما يعم بدنه كله بالماء في غسل الجنابة.
• ونوقش هذا:
بأن لفظ القياس لفظ مجمل، يدخل فيه القياس الصحيح، والقياس الفاسد:
стр. 2298
فالقياس الصحيح: هو الذي وردت به الشريعة، وهو الجمع بين المتماثلين، والفرق بين المختلفين:
فالأول: قياس الطرد.
والثاني: قياس العكس، وهو من العدل الذي بعث الله به رسوله ﷺ .
فالقياس الصحيح مثل أن تكون العلة التي علق الحكم بها في الأصل موجودة في الفرع من غير معارض في الفرع يمنع حكمها، ومثل هذا القياس لا تأتي الشريعة بخلافه قط، وكذلك القياس بإلغاء الفارق، وهو ألا يكون بين الصورتين فرق مؤثر في الشرع، فمثل هذا القياس لا تأتي الشريعة بخلافه، وحيث جاءت الشريعة باختصاص بعض الأنواع بحكم يفارق به نظائره، فلا بد أن يختص ذلك النوع بوصف يوجب اختصاصه بالحكم، ويمنع مساواته لغيره، لكن الوصف الذي اختص به قد يظهر لبعض الناس، وقد لا يظهر، وليس من شرط القياس الصحيح المعتدل أن يعلم صحته كل أحد، فمن رأى شيئًا من الشريعة مخالفًا للقياس فإنما هو مخالف للقياس الذي انعقد في نفسه، وليس مخالفًا للقياس الصحيح الثابت في نفس الأمر (١).
«فليس في الشريعة ما يخالف قياسًا صحيحًا، لكن فيها ما يخالف القياس الفاسد، وإن كان من الناس من لا يعلم فساده» (٢).
والحديث إذا خالف أصلًا عند المخالفين، فإن هذا الحديث هو أصل بنفسه، كما أن غيره أصل، فلا تضرب الأصول بعضها ببعض، بل يجب اتباعها كلها، فإنها كلها من عند الله (٣).
وقال ابن تيمية: «وبالجملة فما عرفت حديثًا صحيحًا إلا ويمكن تخرجه على الأصول الثابتة، وقد تدبرت ما أمكنني من أدلة الشرع، فما رأيت قياسًا صحيحًا
стр. 2299
يخالف حديثًا صحيحًا، كما أن المعقول الصريح لا يخالف المنقول الصحيح، بل متى رأيت قياسًا يخالف أثرًا فلا بد من ضعف أحدهما، لكن التمييز بين صحيح القياس وفاسده مما يخفى كثير منه على أفاضل العلماء فضلًا عمن هو دونهم؛ فإن إدراك الصفات المؤثرة في الأحكام على وجهها، ومعرفة الحكم والمعاني التي تضمنتها الشريعة من أشرف العلوم، فمنه الجلي الذي يعرفه كثير من الناس، ومنه الدقيق الذي لا يعرفه إلا خواصهم، فلهذا صار قياس كثير من العلماء يرد مخالفًا للنصوص؛ لخفاء القياس الصحيح عليهم، كما يخفى على كثير من الناس ما في النصوص من الدلائل الدقيقة التي تدل على الأحكام» (١).
وقال ابن القيم ﵀: التيمم على وفق القياس الصحيح؛ فإن الله جعل من الماء كل شيء حي، وخلقنا من التراب، فلنا مادتان: الماء والتراب، فجعل منهما نشأتنا وأقواتنا، وبهما تطهرنا وتعبدنا، فالتراب أصل ما خلق منه الناس، والماء حياة كل شيء، وهما الأصل في الطبائع التي ركب الله عليهما هذا العالم، وجعل قوامه بهما، وكان أصل ما يقع به تطهير الأشياء من الأدناس والأقذار: هو الماء في الأمر المعتاد، فلم يجز العدول عنه إلا في حال العدم والعذر بمرض أو نحوه، وكان النقل عنه إلى شقيقه وأخيه التراب أولى من غيره، وإن لوث ظاهرًا فإنه يطهر باطنًا، ثم يُقَوِّى طهارة الباطن فيزيل دنس الظاهر أو يخففه، وهذا أمر يشهده من له بصر نافذ بحقائق الأعمال، وارتباط الظاهر بالباطن، وتأثر كل منهما بالآخر، وانفعاله عنه».
قلت: من يسلم أن التراب ملوث غير مطهر، فهذا الكلام يصادم النص المنقول، ويصادم الأمر المعقول.
أما النص، فقد قال الرسول ﷺ : الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين (٢).
стр. 2300
وقال ﷺ : وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا (١).
والطهور: ما يطهر غيره.
وأما موافقته للمعقول، فإن طهارة الخبث إذا أمكن إزالتها بالتراب، وهي عين خبيثة، وطهارتها معقولة المعنى، كما في الاستجمار، وكما في طهارة النعل بدلكها بالتراب، وكما في تطهير الإناء من ولوغ الكلب ونحوها من النجاسات، فلأن يطهر التراب طهارة الحدث، والتي هي ليست عن نجاسة أصلًا من باب أولى، فإذا كان للتراب قوة في إزالة النجاسة، كان له قوة في رفع الحدث بشرطه كالماء والتراب.
وأما كونه في عضوين، يقول ابن القيم: «فهذا في غاية الموافقة للقياس، فإن وضع التراب على الرؤوس مكروه في العادات، وإنما يفعل عند المصائب والنوائب، والرجلان محل ملابسة التراب في أغلب الأحوال، وفي تتريب الوجه من الخضوع، والتعظيم لله، والذل له، والانكسار لله ما هو من أحب العبادات إليه وأنفعها للعبد، ولذلك يستحب للساجد أن يترب وجهه لله، وأن لا يقصد وقاية وجهه من التراب كما قال بعض الصحابة لمن رآه قد سجد، وجعل بينه وبين التراب وقاية فقال: (ترب وجهك) وهذا المعنى لا يوجد في تتريب الرجلين.
وأيضًا فموافقة ذلك للقياس من وجه آخر: وهو أن التيمم جعل في العضوين المغسولين، وسقط عن العضوين الممسوحين، فإن الرجلين تمسحان في الخف، والرأس في العمامة، فلما خفف عن المغسولين بالمسح، خفف عن الممسوحين بالعفو؛ إذ لو مسحا بالتراب لم يكن فيه تخفيف عنهما، بل كان فيه انتقال من مسحهما بالماء إلى مسحهما بالتراب، فظهر أن الذي جاءت به الشرعية هو أعدل الأمور، وأكملها، وهو الميزان الصحيح» (٢).
وهذا هو القول الراجح إن شاء الله تعالى، والله أعلم.
* * *
стр. 2301
الباب الأول في حكم التيمم
الفصل الأول طهارة التيمم بين الرخصة والعزيمة
المبحث الأول في تعريف الرخصة
تعريف الرخصة:
الرخصة في اللغة تطلق على التيسير والتسهيل، يقال: رخص الشرع في كذا: إذا يسره وسهله.
والرخصة في الأمر: هو خلاف التشديد.
وقال ﷺ : إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه.
[حسن] (١).
ويقال: رَخُص السعر: إذا تراجع وسهل الشراء.
ويقال: رخَّص له في الأمر: إذا أذن له فيه وسهله بعد أن كان ممنوعًا.
стр. 2302
والرخصة: ترخيص الله للعبد في أشياء خففها عنه.
وأما العزيمة: فالعزم عبارة عن القصد المؤكد، قال الله تعالى: (فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً) [طه: ١١٥]، أي: قصدًا بليغًا، وسمي بعض الرسل أولي العزم، لتأكيد قصدهم في طلب الحق (١).
وفي اصطلاح الفقهاء:
الرخصة، قال الغزالي: عبارة عما وُسِّعَ للمكلف في فعله لعذر، وعجز عنه مع قيام السبب المحرم (٢).
وقال في شرح المجلة: هي الأحكام التي ثبتت مشروعيتها بناء على الأعذار مع قيام الدليل المحرم توسعًا في الضيق (٣).
وقيل: الرخصة ما شرع على وجه التسهيل والتخفيف (٤).
وقيل: حكم شرعي سهل، انتقل إليه من حكم شرعي صعب لعذر مع قيام السبب للحكم الأصلي (٥).
وأما العزيمة: فقيل: هو الحكم الأصلي السالم موجبه عن المعارض (٦).
* * *
стр. 2303
المبحث الثاني في تردد التيمم بين الرخصة والعزيمة
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• العصيان هل ينافي الترخص أم لا؟
• الرخصة هل هي من باب الإعانة، والعاصي لا يحل أن يعان أم هي تخفيف عام فتتناوله؟
• النصوص في الرخص مطلقة، تشمل المطيع والعاصي كقوله تعالى: (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ) ولا يقيد النصوص الشرعية إلا نص أو إجماع.
• سفر المعصية إنما يؤثر في رخصة تختص بالسفر كقصر الصلاة، وأما الرخصة التي تكون فيه وفي الحضر كالتيمم، فلا أثر للعصيان بالسفر فيها.
وقيل:
• المعاصي لا تكون أسبابًا للترخص فمن عصى بسفره لم يقصر ولم يفطر، وأما مقارنة المعاصي لأسباب الرخص فلا تمنع إجماعًا، فيجوز لأفسق الناس وأعصاهم التيمم عند عدم الماء، وكذلك الفطر إذا أضر به الصوم (١).
стр. 2304
[م-٣٩٦] اختلف العلماء في التيمم، هل هو رخصة أو عزيمة؟
فقيل: رخصة، وهو مذهب الجمهور (١)، وأومأ إليه ابن القيم ﵀ (٢).
وقيل: عزيمة، وهو قول في مذهب الشافعية (٣)،
والمشهور من مذهب الحنابلة (٤).
وقيل: عزيمة عند عدم الماء، رخصة في حق المريض إذا تيمم مع وجود الماء، أو مع بُعْدِه، أو بيعه بأكثر من ثمنه، وهو قول في مذهب المالكية (٥)، وقول في مذهب الشافعية (٦).
• سبب الخلاف في التيمم، هل هو عزيمة أو رخصة؟
أن بعض العلماء لا يرى أن الرخصة تكون في الواجبات، والتيمم واجب عند
стр. 2305
عدم الماء، أو العجز عن استعماله، فلا يلحق بالرخص، وبعض العلماء لا يرى مانعًا من إلحاقه بالرخص وإن كان واجبًا؛ لأن الرخصة عنده تنقسم إلى واجب ومندوب ومباح (١).
فإن قيل: كيف يكون الشيء واجبًا، ويكون رخصة؟
قيل: أكل الميتة للمضطر واجب لإنقاذ نفسه من الهلكة، فهو من حيث وجوب الأكل عزيمة، ومن حيث إسقاط العقاب والعفو عن الفعل هو رخصة (٢).
ومثله دفع الغصة بالخمر إذا خاف على نفسه، فهو واجب، ورخصة أيضًا (٣).
وذكر بعضهم ثمرة الخلاف في هذه المسألة، في تيمم العاصي بسفره، فعلى أنه عزيمة، يتيمم، ولو كان عاصيًا، وعلى أنه رخصة، لا يتيمم (٤).
стр. 2306
والحق أنه يتيمم مطلقًا، سواء كان عاصيًا بسفره أو لا، وقد بحثت هذه المسألة فيما سبق في أحكام المسح على الحائل، وذكرت أدلة الأقوال مع بيان الراجح، مع أن التيمم ليس من الرخص الخاصة بالسفر على القول بأنه رخصة؛ لأن القائلين بمنع العاصي من الرخص في السفر خصوا ذلك بالرخص الخاصة بالسفر، كالقصر والفطر في رمضان، فإنها من رخص السفر خاصة، والله أعلم (١).
• دليل من قال: التيمم رخصة:
الدليل الأول:
(٩٣١ - ٨) ما رواه أحمد، قال: حدثنا حجاج، حدثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة،
عن عمار بن ياسر أبي اليقظان، قال: كنا مع رسول الله ﷺ ، فهلك عقد لعائشة، فأقام رسول الله ﷺ حتى أضاء الفجر، فتغيظ أبو بكر على عائشة، فنزلت عليهم الرخصة في المسح بالصعدات، فدخل عليها أبو بكر، فقال: إنك لمباركة، لقد نزل علينا فيك رخصة، فضربنا بأيدينا لوجوهنا، وضربنا بأيدينا ضربة إلى المناكب والآباط.
[الحديث مضطرب الإسناد منكر المتن] (٢).
وجه الاستدلال:
قوله: (فنزلت عليهم الرخصة في المسح) وقول أبي بكر: (لقد نزل علينا فيك رخصة).
стр. 2307
• ويُجاب عن ذلك:
أولًا: الحديث قد اختلف فيه على الزهري سندًا ولفظًا (١).
ثانيًا: قد يكون المقصود بالرخصة هنا المعنى اللغوي، وهو التسهيل والتيسير، وليس المقصود به المعنى الاصطلاحي، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(٩٣٢ - ٩) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا موسى بن عبد الرحمن الأنطاكي، حدثنا محمد بن سلمة، عن الزبير بن خريق، عن عطاء،
عن جابر، قال: خرجنا في سفر، فأصاب رجلًا منا حجر فشجه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه، فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة، وأنت تقدر على الماء، فاغتسل، فمات، فلما قدمنا على النبي ﷺ أخبر بذلك، فقال: قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا؛ فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب -شك موسى- على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده (١).
[ضعيف، وزيادة ويعصر أو يعصب ثم يمسح عليها زيادة منكرة] (٢).
стр. 2313
وجه الاستدلال:
أنه سألهم: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فاعتبر التيمم رخصة، وقد أنكر عليهم الرسول ﷺ صنيعهم مما يدل على أن التيمم رخصة.
وهذا الحديث لا حجة فيه كما قلت لضعفه، ولو صح فليس فيه دليل على كون التيمم رخصة بالمفهوم الاصطلاحي.
الدليل الثالث:
أن مسمى الرخصة الاصطلاحي ينطبق على التيمم، وذلك أن الحكم الأصلي، وهو وجوب الغسل، سقط هذا الحكم لحكم آخر أخف منه وذلك عند العجز عن الماء سواء كان العجز حسيًا لفقد الماء، أو عجزًا شرعيًا كما لو خاف على نفسه من الضرر من استعماله مع وجوده لمعارض راجح.
• دليل من قال: التيمم عزيمة، وليس برخصة:
قالوا: التيمم عند فقد الماء لا يمكن تسميته رخصة، بخلاف المكره على الكفر، فإن للمكره أن يمتنع عن قول الكفر والأخذ بالعزيمة، وله الأخذ بالرخصة في إظهار الكفر، وقلبه مطمئن بالإيمان، ومثله الفطر للمسافر في نهار رمضان، فإن له الأخذ بالعزيمة، وله الأخذ بالرخصة من الفطر، هذا هو حقيقة الرخصة، وأما التيمم فإنه لا يشرع مع القدرة على وجود الماء، ويجب عند فقد الماء، فهو بمنزلة الإطعام عند فقد الرقبة، وذلك ليس برخصة، بل وجبت الرقبة في حال، والإطعام في حال، فكذلك الوضوء وجب في حال، ووجب التيمم في حال أخرى، بخلاف المسح على الخفين، فله أن يمسح، وله أن يخلع الخف، ويغسل رجله، ولذلك قالوا في مسح الجبيرة عزيمة، وليس برخصة؛ لأنه لا مندوحة عنه، فيجب المسح عندهم عند العجز عن الغسل.
стр. 2314
• دليل من فرق بين التيمم لفقد الماء وبين التيمم لبيعه بأكثر من ثمنه .
قالوا: التيمم عند فقد الماء لا يمكن أن يقال له رخصة؛ لما سبق ذكره من أدلة القول السابق، ولكن التيمم عند بيع الماء بأكثر من ثمن المثل، فإنه يصح أن يقال له رخصة؛ لأن له شراء الماء والوضوء به (١)، ويباح له التيمم في هذه الحالة عند بعض أهل العلم، وسوف يأتي ذكر خلاف أهل العلم في هذه المسألة (٢).
• الراجح من الخلاف:
ما دمنا قد رجحنا أن العاصي بسفره وغيره سواء في الترخص لم يكن للخلاف في هذه المسألة ثمرة كبيرة، وإطلاق الرخصة على التيمم إن كان ذلك من قبيل الإطلاق اللغوي، وهو أن مشروعية التيمم من التيسير والتسهيل على المكلف فلا حرج، بل قد يطلق الترخيص على أمر لم يرد فيه منع، كما أبيح لنا شحوم البقر والغنم، وكانت محرمة على غيرنا، فيجوز أن نقول: إن ذلك رخصة في حقنا، ومن رفع الحرج عن هذه الأمة، وإن لم يرد فيه منع أصلًا في شرعنا، وإن كان المقصود بالرخصة هو الاصطلاح الفقهي، فالذي أميل إليه أنه لا يسمى التيمم رخصة إلا في الحال الذي يكون التيمم مباحًا، وليس واجبًا، كما لو كان الماء يبعد مسافة كبيرة، فله أن يتيمم، وله أن يؤخر الصلاة ويطلب الماء ما دام أنه يجده قبل خروج الوقت، وهذا المثال أفضل من مثال شراء الماء بأكثر من ثمن المثل، فإن في هذا خلافًا بين أهل العلم، هل يصح له التيمم، أو يجب عليه الشراء ما دام أن الثمن لا يضره، والله أعلم.
* * *
стр. 2315
الفصل الثاني
طهارة التيمم ترفع الحدث
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• المقصود برفع الحدث: أي رفع المانع من الصلاة ونحوها مما تشترط له الطهارة.
• لما كان وجود الماء يبطل طهارة التيمم، وليس وجود الماء حدثًا بذاته حملهم ذلك على القول بأن التيمم مبيح للعبادة، لا رافع للحدث؛ إذ لو أنه كان رافعًا للمانع كيف يعود إلى البدن بعد رفعه، وقيل: إنه رفع مؤقت إلى حين وجود الماء.
• كل ما يستباح بالماء يستباح بالصعيد، إلا وطء الحائض، ومسح الخف (١).
[م-٣٩٧] اختلف العلماء في التيمم، هل يقوم مقام الماء في رفع الحدث، فيكون الإنسان متطهرًا به، أو أنه يبيح له فعل الصلاة ونحوها مما تشترط له الطهارة مع قيام الحدث.
فقيل: التيمم لا يرفع الحدث، وهو المشهور عن الإمام مالك ﵀ (٢)،