ثانيًا: قد يكون المقصود بالرخصة هنا المعنى اللغوي، وهو التسهيل والتيسير، وليس المقصود به المعنى الاصطلاحي، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(٩٣٢ - ٩) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا موسى بن عبد الرحمن الأنطاكي، حدثنا محمد بن سلمة، عن الزبير بن خريق، عن عطاء،
عن جابر، قال: خرجنا في سفر، فأصاب رجلًا منا حجر فشجه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه، فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة، وأنت تقدر على الماء، فاغتسل، فمات، فلما قدمنا على النبي ﷺ أخبر بذلك، فقال: قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا؛ فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب -شك موسى- على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده (١).
[ضعيف، وزيادة ويعصر أو يعصب ثم يمسح عليها زيادة منكرة] (٢).
стр. 2313
وجه الاستدلال:
أنه سألهم: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فاعتبر التيمم رخصة، وقد أنكر عليهم الرسول ﷺ صنيعهم مما يدل على أن التيمم رخصة.
وهذا الحديث لا حجة فيه كما قلت لضعفه، ولو صح فليس فيه دليل على كون التيمم رخصة بالمفهوم الاصطلاحي.
الدليل الثالث:
أن مسمى الرخصة الاصطلاحي ينطبق على التيمم، وذلك أن الحكم الأصلي، وهو وجوب الغسل، سقط هذا الحكم لحكم آخر أخف منه وذلك عند العجز عن الماء سواء كان العجز حسيًا لفقد الماء، أو عجزًا شرعيًا كما لو خاف على نفسه من الضرر من استعماله مع وجوده لمعارض راجح.
• دليل من قال: التيمم عزيمة، وليس برخصة:
قالوا: التيمم عند فقد الماء لا يمكن تسميته رخصة، بخلاف المكره على الكفر، فإن للمكره أن يمتنع عن قول الكفر والأخذ بالعزيمة، وله الأخذ بالرخصة في إظهار الكفر، وقلبه مطمئن بالإيمان، ومثله الفطر للمسافر في نهار رمضان، فإن له الأخذ بالعزيمة، وله الأخذ بالرخصة من الفطر، هذا هو حقيقة الرخصة، وأما التيمم فإنه لا يشرع مع القدرة على وجود الماء، ويجب عند فقد الماء، فهو بمنزلة الإطعام عند فقد الرقبة، وذلك ليس برخصة، بل وجبت الرقبة في حال، والإطعام في حال، فكذلك الوضوء وجب في حال، ووجب التيمم في حال أخرى، بخلاف المسح على الخفين، فله أن يمسح، وله أن يخلع الخف، ويغسل رجله، ولذلك قالوا في مسح الجبيرة عزيمة، وليس برخصة؛ لأنه لا مندوحة عنه، فيجب المسح عندهم عند العجز عن الغسل.
стр. 2314
• دليل من فرق بين التيمم لفقد الماء وبين التيمم لبيعه بأكثر من ثمنه .
قالوا: التيمم عند فقد الماء لا يمكن أن يقال له رخصة؛ لما سبق ذكره من أدلة القول السابق، ولكن التيمم عند بيع الماء بأكثر من ثمن المثل، فإنه يصح أن يقال له رخصة؛ لأن له شراء الماء والوضوء به (١)، ويباح له التيمم في هذه الحالة عند بعض أهل العلم، وسوف يأتي ذكر خلاف أهل العلم في هذه المسألة (٢).
• الراجح من الخلاف:
ما دمنا قد رجحنا أن العاصي بسفره وغيره سواء في الترخص لم يكن للخلاف في هذه المسألة ثمرة كبيرة، وإطلاق الرخصة على التيمم إن كان ذلك من قبيل الإطلاق اللغوي، وهو أن مشروعية التيمم من التيسير والتسهيل على المكلف فلا حرج، بل قد يطلق الترخيص على أمر لم يرد فيه منع، كما أبيح لنا شحوم البقر والغنم، وكانت محرمة على غيرنا، فيجوز أن نقول: إن ذلك رخصة في حقنا، ومن رفع الحرج عن هذه الأمة، وإن لم يرد فيه منع أصلًا في شرعنا، وإن كان المقصود بالرخصة هو الاصطلاح الفقهي، فالذي أميل إليه أنه لا يسمى التيمم رخصة إلا في الحال الذي يكون التيمم مباحًا، وليس واجبًا، كما لو كان الماء يبعد مسافة كبيرة، فله أن يتيمم، وله أن يؤخر الصلاة ويطلب الماء ما دام أنه يجده قبل خروج الوقت، وهذا المثال أفضل من مثال شراء الماء بأكثر من ثمن المثل، فإن في هذا خلافًا بين أهل العلم، هل يصح له التيمم، أو يجب عليه الشراء ما دام أن الثمن لا يضره، والله أعلم.
* * *
стр. 2315
الفصل الثاني
طهارة التيمم ترفع الحدث
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• المقصود برفع الحدث: أي رفع المانع من الصلاة ونحوها مما تشترط له الطهارة.
• لما كان وجود الماء يبطل طهارة التيمم، وليس وجود الماء حدثًا بذاته حملهم ذلك على القول بأن التيمم مبيح للعبادة، لا رافع للحدث؛ إذ لو أنه كان رافعًا للمانع كيف يعود إلى البدن بعد رفعه، وقيل: إنه رفع مؤقت إلى حين وجود الماء.
• كل ما يستباح بالماء يستباح بالصعيد، إلا وطء الحائض، ومسح الخف (١).
[م-٣٩٧] اختلف العلماء في التيمم، هل يقوم مقام الماء في رفع الحدث، فيكون الإنسان متطهرًا به، أو أنه يبيح له فعل الصلاة ونحوها مما تشترط له الطهارة مع قيام الحدث.
فقيل: التيمم لا يرفع الحدث، وهو المشهور عن الإمام مالك ﵀ (٢)،
стр. 2316
والقول الجديد للشافعي (١)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢).
وقيل: بل يرفع الحدث إلى حين وجود الماء، وهو مذهب الحنفية (٣)، وأحد القولين في مذهب المالكية (٤)، ورجحه ابن تيمية من الحنابلة (٥).
• ثمرة الخلاف بين القولين:
هناك خلاف بين القولين نظري، وعملي:
أما النظري فخلافهم: هل التيمم يرفع الحدث رفعًا مؤقتًا إلى حين القدرة على استعمال الماء، أو أن الحدث قائم، ولكن تصح الصلاة مع وجود الحدث المانع؟
وأما الخلاف العملي، فقد اختلفوا بناء على اختلافهم في هذه المسألة في مسائل منها:
هل يقوم التيمم مقام الماء، فيتيمم قبل الوقت، كما يتوضأ قبل الوقت، ويصلي به ما شاء من فروض ونوافل، كما يصلي بالماء؟
وهل خروج الوقت مبطل للتيمم، أو يكون بمنزلة الماء؟
وهل يصح وطء الحائض إذا طهرت من الحيض به؟
стр. 2317
وهل يلبس الخفان في طهارة التيمم؟
وهل تصح إمامة المتيمم بالمتوضئ؟
فهذه مسائل خمسة اختلف فيها الفقهاء بناء على اختلافهم في التيمم هل يرفع الحدث، أو يبيح فعل المأمور، والحدث قائم (١).
وإن كانت المسألة الأخيرة: أعني إمامة المتيمم للمتوضئ قال بها بعض الأئمة الذين يرون أن التيمم لا يرفع الحدث، وسيأتي مزيد بحث لهذه المسألة بخصوصها إن شاء الله تعالى.
• دليل من قال: التيمم لا يرفع الحدث:
الدليل الأول:
قالوا: إذا كان التيمم لا يرفع الحدث مع وجود الماء، لم يرفعه مع عدمه كسائر المائعات (٢).
الدليل الثاني:
(٩٣٣ - ١٠) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان،
عن أبي ذر أنه أتى النبي ﷺ وقد أجنب، فدعا النبي ﷺ بماء، فاستتر واغتسل، ثم قال له النبي ﷺ : إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك هو خير (٣).
[تفرد به عمرو بن بجدان عن أبي ذر، قال فيه أحمد: لا أعرفه] (٤).
стр. 2318
الدليل الثالث:
(٩٣٤ - ١١) ما رواه البخاري من حديث عمران بن حصين الطويل، وفيه:
فلما انفتل ﷺ من صلاته إذا هو برجل معتزل لم يصل مع القوم، قال: ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك.
وفي آخر الحديث حين وجد ﵊ الماء أعطى الذي أصابته الجنابة إناء من ماء، وقال: اذهب فأفرغه عليك (١).
وجه الاستدلال من الحديثين السابقين:
لو كان الحدث يرتفع بالتيمم لما عاد إليه حدثه إذا وجد الماء، فلو كانت الجنابة قد ارتفعت بالتيمم كيف تعود الجنابة بوجود الماء، مع أنه لم يوجد ما يوجب تجدد الجنابة، ولذلك لما كان الماء رافعًا للحدث لم يرجع الحدث إلا بتجدد حدث آخر، وهذا دليل على أن الحدث أصلًا لم يرتفع، وإنما أبيح فعل المأمور مع بقاء الحدث.
• ويُجاب:
كون الحكم يكون ثابتًا إلى غاية أو غايات كثيرة غير ممنوع شرعًا، فالتيمم يرفع الحدث إلى غايات منها: طريان الحدث، ومنها وجود الماء، ألا ترى أن الأجنبية ممنوعة محرمة، والعقد عليها رافع لهذا المنع إلى غايات منها: الطلاق، وثانيها الحيض، وثالثها الصوم، ورابعها: الإحرام، وخامسها الظهار (٢)، فما المانع أن يكون الحدث مرتفعًا إلى حين وجود الماء، خاصة أن التيمم بدل عن الماء فهو مطهر ما دام الماء مفقودًا، كما أن الملتقط يملك اللقطة ما دام لم يأته صاحبها، وكان ملك الملتقط ملكًا مؤقتًا إلى ظهور المالك، فإنه كان بدلًا عن المالك، فإذا جاء صاحبها خرجت عن ملك الملتقط إلى
стр. 2319
ملك صاحبها (١).
الدليل الرابع:
(٩٣٥ - ١٢) ما رواه أحمد في مسنده، قال: حدثنا حسن بن موسى، قال: حدثنا ابن لهيعة، قال: حدثنا يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن ابن جبير،
عن عمرو بن العاص أنه قال: لما بعثه رسول الله ﷺ عام ذات السلاسل، قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت، ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال: فلما قدمنا على رسول الله ﷺ ذكرت ذلك له، فقال: يا عمرو صليت بأصحابك، وأنت جنب؟ قال: قلت: نعم يا رسول الله، إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وذكرت قول الله : (وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً) [النساء: ٢٩]، فتيممت، ثم صليت. فضحك رسول الله ﷺ ، ولم يقل شيئًا (٢).
[منقطع، وروي مرسلًا] (٣).
وجه الاستدلال:
قوله: (صليت بأصحابك وأنت جنب) فدل على أن التيمم لم يرفع الجنابة، ولو كان التيمم يرفع الجنابة لم يكن عمرو بن العاص ﵁ صلى، وهو جنب، بل صلى وقد ارتفع حدثه.
• ويُجاب:
بأن الرسول ﷺ حين قال له ذلك قاله مستفهمًا؛ لأنه معلوم أن من تيمم مع وجود الماء، وبلا عذر، فإن حدثه لا يرتفع إجماعًا، وأن التيمم إنما يرفع الحدث بشرطه، وهو عدم الماء، أو الخوف من استعماله لمرض ونحوه، وحين أخبره عمرو بن العاص ﵁ بعذره، أقره عليه، وعلم الرسول ﷺ أنه لم يصل، وهو جنب، فكيف لا يكون إقرار النبي ﷺ بعد اطلاعه على عذره دليلًا على أن حدثه قد ارتفع.
يقول ابن تيمية ﵀: «قوله: (أصليت بأصحابك وأنت جنب) استفهام، أي: هل فعلت ذلك؟ فأخبره عمرو ﵁ أنه لم يفعله، بل تيمم لخوفه أن يقتله البرد، فسكت عنه، وضحك، ولم يقل شيئًا.
فإن قيل: إن هذا إنكار عليه أنه صلى مع الجنابة، فإنه يدل على أن الصلاة مع الجنابة لا تجوز، فإنه ﷺ لم ينكر ما هو منكر، فلما أخبره أنه صلى بالتيمم دل على أنه لم يصل وهو جنب.
فالحديث حجة على من جعل المتيمم جنبًا ومحدثًا، والله يقول: (وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) فلم يجز الله له الصلاة حتى يتطهر، والمتيمم قد تطهر بنص الكتاب
стр. 2324
والسنة، فكيف يكون جنبًا غير متطهر؟ لكنها طهارة بدل، فإذا قدر على الماء بطلت هذه الطهارة، وتطهر بالماء حينئذ؛ لأن البول المتقدم جعله محدثًا، والصعيد جعله مطهرًا إلى أن يجد الماء، فإن وجد الماء فهو محدث بالسبب المتقدم، لا أن الحدث كان مستمرًا» (١).
• دليل من قال: إن التيمم يرفع الحدث:
الدليل الأول:
من الكتاب قوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) [المائدة: ٦].
وجه الاستدلال:
أن الله نص على أنه شرع لنا الوضوء والغسل والتيمم لغايتين:
الأمر الأول: رفع الحرج عن هذه الأمة.
والأمر الثاني: إرادة التطهير، فدل على أن التيمم مطهر لنا بنص الكتاب.
الدليل الثاني:
(٩٣٦ - ١٣) من السنة ما رواه البخاري من طريق هشيم، قال: أخبرنا سيار، قال: حدثنا يزيد -هو ابن صهيب الفقير- قال:
أخبرنا جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل .... الحديث، ورواه مسلم، واللفظ للبخاري (٢).
стр. 2325
وجه الاستدلال:
فإذا كان الماء طهورًا يرفع الحدث لقوله ﷺ : (الماء طهور لا ينجسه شيء)، فكذلك التيمم يرفع الحدث لقوله ﷺ : (وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا) فالطهور: هو ما يتطهر به.
الدليل الثالث:
(٩٣٧ - ١٤) ما رواه الترمذي من طريق أبي أحمد الزبيري، حدثنا سفيان، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر أن رسول الله ﷺ قال: إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير (١).
[تفرد به عمرو بن بجدان عن أبي ذر، قال فيه أحمد: لا أعرفه] (٢).
وجه الاستدلال:
وجه الاستدلال منه كالاستدلال من الحديث السابق، حيث حكم على الصعيد بأنه طهور المسلم، فكيف يكون الحدث قائمًا، ولدى المسلم طهوره من الصعيد؟
الدليل الرابع:
(٩٣٨ - ١٥) ما رواه مسلم من طريق أبي عوانة، عن سماك بن حرب،
عن مصعب بن سعد، قال: دخل عبد الله بن عمر على ابن عامر يعوده، وهو مريض، فقال: ألا تدعو الله لي يا ابن عمر. قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول، وكنت على البصرة (٣).
فالحديث نص على أن الصلاة لا تصح بدون طهور مطلقًا؛ لأن نفي القبول
стр. 2326
هنا نفي للصحة، وقد أطلق الطهور على الماء، كما أطلق على التيمم في حديث أبي ذر المتقدم، فإذا صحت الصلاة بالتيمم دل على أن التيمم طهور بشرطه.
الدليل الخامس:
قولكم: إن التيمم لا يرفع الحدث، إن كان المراد لا يرفع الأسباب الموجبة له كالريح والوطء، فكذلك الوضوء؛ لأن رفع الأسباب محال وقد وقعت، وإن كان المقصود لا يرفع الحدث لا يرفع المنع الشرعي من الإقدام على العبادة، فإن المنع قد ارتفع بالضرورة، فإن الإباحة ثابتة بالإجماع، ومع الإباحة لا منع، فهذا بيان ضروري لا محيص عنه (١)، ولذلك قال ابن تيمية ﵀: «من قال: إن التيمم مبيح لا رافع فإن نزاعه لفظي، فإنه إن قال: إنه يبيح الصلاة مع الجنابة والحدث، وإنه ليس بطهور فهو يخالف النصوص والجنابة مُحَرِّمة للصلاة، فيمتنع أن يجتمع المبيح والمُحَرِّم على سبيل التمام؛ فإن ذلك يقتضي اجتماع الضدين، والمتيمم غير ممنوع من الصلاة، فالمنع ارتفع بالاتفاق، وحكم الجنابة المنع، فإذا قبل بوجوده (يعني الحدث) دون مقتضاها -وهو المنع- فهو نزاع لفظي» (٢).
• الراجح:
بعد استعراض الأقوال نجد أن القول بأن التيمم يقوم مقام الماء في كل شيء عند فقده أقوى دليلًا؛ وذلك لأن البدل له حكم المبدل، إلا أن رفعه للحدث يكون إلى غاية وجود الأصل، وهو الماء، فإذا وجد الماء عاد إليه حدثه، ووجب عليه رفع الحدث بالماء، والله أعلم.
* * *
стр. 2327
الفصل الثالث
في إمامة المتيمم للمتوضئ
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• من صحت صلاته لنفسه صحت صلاته لغيره.
• التيمم أحد الطهورين عند فقد الماء، فطهارة المتيمم به طهارة أصلية.
• إمامة المتيمم للمتوضئ كإمامة الماسح للغاسل.
• كل من قام بشرط الصلاة في حقه صح الاقتداء به، فشرط الصلاة في حق المتيمم والمتوضئ موجود بكماله، فجاز بناء أحدهما على الآخر.
[م-٣٩٨] اختلف أهل العلم في حكم إمامة المتيمم للمتوضئ:
فقيل: يجوز من غير كراهة، وهو مذهب الحنفية (١)، ونص عليه الإمام أحمد
стр. 2328
وإسحاق (١)، واختاره ابن حزم (٢)، وابن تيمية (٣).
وقيل: يكره إمامة المتيمم للمتوضئ، وهو المشهور من مذهب المالكية (٤)، وصرح متأخرو الحنابلة بأن إمامة المتوضئ أولى (٥).
وبالرغم من أن المالكية والحنابلة لا يرون التيمم رافعًا للحدث إلا أنهم صححوا إمامة المتيمم بالمتوضئ (٦).
وقيل: لا يجوز، وهو اختيار محمد بن الحسن من الحنفية (٧).
وقيل: إن كان المتيمم تلزمه إعادة الصلاة فلا يجوز الاقتداء به، كما لو تيمم في الحضر لعدم الماء، وإن كانت لا تلزمه الإعادة فيجوز الاقتداء به، وهو مذهب
стр. 2329
الشافعية (١).
وقيل: لا يؤمهم إلا أن يكون الإمام أميرًا، وهو قول الأوزاعي رحمه الله تعالى (٢).
• دليل من قال: تصح إمامة المتيمم بالمتوضئ:
الدليل الأول:
من الكتاب قوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) [المائدة: ٦].
وجه الاستدلال:
أن الله نص على أنه شرع لنا الوضوء والغسل والتيمم لغايتين: أحدهما: رفع الحرج عن هذه الأمة.
والأمر الثاني: إرادة التطهير، فدل على أن التيمم مطهر لنا بنص الكتاب، وإذا كان مطهرًا فلا فرق بين إمامة المتيمم وإمامة المتوضئ، فكل قد فعل ما أمر به شرعًا، وكل واحد منهما صلاته صحيحة، وإذا صحت صلاته صحت صلاة من خلفه.
ومثل الآية الكريمة الأحاديث الواردة بأن التيمم جعله الله مطهرًا لنا، كحديث جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل ... الحديث، رواه مسلم، واللفظ للبخاري (٣).
стр. 2330
وما رواه الترمذي من حديث أبي ذر، أن رسول الله ﷺ قال: إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير (١).
[سبق تخريجه] (٢).
الدليل الثاني:
(٩٣٩ - ١٦) ما رواه أحمد في مسنده، قال: ثنا حسن بن موسى، قال: حدثنا ابن لهيعة، قال: ثنا يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير،
عن عمرو بن العاص أنه قال: لما بعثه رسول الله ﷺ عام ذات السلاسل، قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت، ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال: فلما قدمنا على رسول الله ﷺ ذكرت ذلك له، فقال: يا عمرو صليت بأصحابك، وأنت جنب؟ قال: قلت: نعم يا رسول الله إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وذكرت قول الله : (وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً) (٣)، فتيممت، ثم صليت. فضحك رسول الله ﷺ ، ولم يقل شيئًا (٤).
[منقطع، وروي مرسلًا] (٥).
الدليل الثالث:
(٩٤٠ - ١٧) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا جرير، عن أشعث، عن جعفر،
стр. 2331
عن سعيد بن جبير، قال: كان ابن عباس في سفر مع أناس من أصحاب رسول الله ﷺ ، فيهم عمار بن ياسر، فكانوا يقدمونه يصلي بهم لقرابته من رسول الله ﷺ ، فصلى بهم ذات يوم، ثم التفت إليهم فضحك، فأخبرهم أنه أصاب جارية له رومية، وصلى بهم، وهو جنب، فتيمم (١).
[حسن، وسيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى] (٢).
• دليل من قال: لا تجوز إمامة المتيمم للمتوضئ:
الدليل الأول:
(٩٤١ - ١٨) ما رواه الدارقطني من طريق صالح بن بيان، عن محمد بن المنكدر،
عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : لا يؤم المتيمم المتوضئين (٣).
[ضعيف جدًا] (٤).
الدليل الثاني:
(٩٤٢ - ١٩) ما رواه ابن المنذر من طريق زيد بن الحباب، أخبرني معاوية بن
стр. 2332
صالح، قاضي الأندلس، أخبرني العلاء بن الحارث الحضرمي،
حدثني نافع، قال: صحبت ابن عمر في سفر، فأصابت ابن عمر جنابة، ولم يقدر على ماء، فتيمم، وأمرني أن أصلي بهم، وكان ماء معنا (١).
[ضعيف، ولو صح فهو موقوف، وقد خالفه ابن عباس] (٢).
الدليل الثالث:
(٩٤٣ - ٢٠) ما رواه ابن المنذر من طريق مسدد، ثنا حفص، عن أبي إسحاق، عن الحارث،
عن علي أنه كره أن يصلي المتيمم بالمتوضئ (٣).
[ضعيف جدًا] (٤).
стр. 2333
الدليل الرابع:
قالوا: إن المتيمم أقل من المتطهر بالماء، والإمام يجب أن يكون مساويًا للمأموم أو أعلى منه، ولا يصح أن يكون أقل منه، والتيمم نفسه لا يرفع الحدث، وطهارته طهارة ضرورة.
• ويُجاب:
بأننا لا نسلم أن المتطهر بالتراب أقل من المتطهر بالماء، فكل قد قام بما هو مطهر له شرعًا، كما أن المكفر إذا لم يجد الرقبة، وكفر بالصيام لم تكن كفارته ناقصة، وقد قدمنا أن التيمم يرفع الحدث، وسقت الأدلة على ذلك، فأغنى عن إعادته هنا.
الدليل الخامس:
(٩٤٤ - ٢١) ما رواه ابن شاهين في ناسخ الحديث ومنسوخه من طريق محمد بن عبد الملك الأنصاري، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب،
عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله ﷺ : لا يؤم المتيمم المتوضئين (١).
[ضعيف جدًا] (٢).
стр. 2334
الدليل السادس:
القياس على ائتمام القارئ بالأمي الذي لا يقرأ الفاتحة وكان فرضه التسبيح والذكر، وبصلاة القائم خلف القاعد، فإن كلًا منهما أتى ببدل، لا يصح أن يؤم إلا من هو مثله.
• ويُجاب عن ذلك:
بأن الأمي مخل بركن القيام الأعظم، وهو القراءة، والقرآن مقصود لذاته في الصلاة بخلاف الطهارة، فإنها لا تراد لذاتها بل لغيرها، وهو استباحة الصلاة بها، والتيمم يبيح الصلاة كطهارة الماء، وإما ائتمام القاعد بالقائم فقد أجازه جماعة من العلماء، وأجازه أحمد في صورة خاصة، فإن القاعد قد أتى ببدل القيام، وهو الجلوس، وأتى بركن القيام الأعظم، وهو القراءة (١).
• دليل من قال: يجوز إذا كان الإمام الأمير:
ربما يرى الأوزاعي أن الأصل منع المتيمم من أن يكون إمامًا إلا لمثله، إلا أن إمامة عمرو بن العاص في أصحابه، وهو جنب استثني لكونه أميرًا للجند، وسبق لنا أن الحديث قد أعله أحمد بالانقطاع، وعلى فرض صحته، فإن هذا فرد من أفراد الحكم المطلق لا يقتضي اختصاص الحكم به، بل هو دليل على الجواز المطلق، ومن أين لنا القول بأن الأصل منع إمامة المتيمم إلا لمثله، فلم يأت نص من الشارع على المنع حتى يقال: إن إمامة عمرو بن العاص ﵁ اغتفرت لكونه أميرًا، والله أعلم.
• الراجح من الخلاف:
بعد استعراض أدلة الأقوال، نجد أن القول بأن طهارة المتيمم وطهارة المتوضئ لا فرق بينهما؛ فلا مانع من أن يؤم المتيمم غيره من المتوضئين، وقد ورد ذلك عن
стр. 2335
ابن عباس ﵁، وأن التيمم يرفع الحدث كما أن الماء يرفعه، إلا أن التيمم يرفعه بشرطين:
الأول: عدم الماء أو العجز عن استعماله.
والثاني: استمرار فقد الماء أو العذر المبيح للتيمم، فإذا ارتفع الموجب للتيمم عاد إليه حدثه، ووجب عليه حينئذ أن يمس الماء، والله أعلم.
* * *
стр. 2336
الفصل الرابع
إذا عدم الماء والصعيد
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• كل الواجبات والشروط والأركان تسقط بالعجز.
• فاقد الطهورين يصلي بحسب حاله، وكل من أمر بالصلاة فامتثل الأمر لم يطلب منه الإعادة.
• المقاصد مقدمة على الوسائل.
• الطهارة وسيلة للصلاة، والصلاة هي الغاية، والوسيلة منها ما هو مقصود في نفسه كالوضوء، ومنها ما هو مقصود لغيره فقط كالتيمم، فإذا سقطت الوسيلة بالعجز عنها لم تسقط الغاية، وهي الصلاة.
أو بلفظ آخر:
• العجز عن الشرط لا يوجب ترك المشروط، كالعجز عن الطهارة والسترة والاستقبال.
وصاغ بعضهم القاعدة بقوله:
• المكمل إذا عاد على الأصل بالنقض سقط اعتباره، فالطهارة مكملة للصلاة، فالعجز عنها لا يكون مسوغًا لإسقاط الصلاة.
стр. 2337
[م-٣٩٩] اختلف أهل العلم في الرجل لا يجد صعيدًا ولا ماء، كما لو كان محبوسًا.
فقيل: لا يصلى، ويقضي صلاته إذا قدر على الطهارة، وهو قول أبي حنيفة (١)، والثوري (٢)، وقول في مذهب مالك (٣)، وقول في مذهب الشافعية (٤).
وقيل: يصلي، ويعيد إذا قدر على الماء أو على الصعيد، وهو اختيار ابن القاسم (٥)، والمشهور في مذهب الشافعية (٦)، وقول في مذهب الحنابلة (٧).
وقيل: يصلي حسب حاله، ولا قضاء عليه، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٨).
стр. 2338
وقيل: لا يصلي، ولا يعيد، هو رواية عن مالك (١)، وقول بعض الظاهرية (٢)، وحكاه بعضهم رواية عن أبي ثور (٣).
• دليل من قال: لا يصلي:
الدليل الأول:
أن الله قال: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ... ) وقال: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦].
(٩٤٥ - ٢٢) وروى مسلم في صحيحه من طريق سماك بن حرب، عن مصعب ابن سعد، عن ابن عمر، وفيه:
قال عبد الله بن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول (٤).
ومن صلى بغير وضوء ولا تيمم فقد صلى بغير طهور، فلا يكون ذلك صلاة، فالطهارة شرط أهلية أداء الصلاة، كالحائض لا تجب عليها الصلاة لفقد شرط الأهلية: وهي الطهارة، فلا تجب الصلاة إلا بطهور من ماء أو تيمم.
• ويُجاب عن هذا:
بأن قوله ﷺ : (لا يقبل الله صلاة بغير طهور) أي مع القدرة على الطهور، كما في قوله ﷺ : (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) أي مع القدرة على الوضوء؛ لأنه لا خلاف أنه لو عدم الماء، وصلى بالتيمم صحت صلاته (٥).
стр. 2339
ومثله حديث: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) (١)، ولو عجز عن الفاتحة لم تسقط عنه الصلاة مع قيام النفي بصحة الصلاة بدونها.
ولو قلنا: الطهارة شرط في وجوب الصلاة، لكان لكل مكلف أن يقول: أنا لا تجب علي الصلاة حتى أتطهر، وأنا لا أتطهر فلا يجب عليّ شيء؛ لأن القاعدة: أن كل ما هو شرط في الوجوب كالحول مع الزكاة، والإقامة مع الجمعة لا يتحقق الوجوب حالة عدمه، ولا يجب على المكلف تحصيله، فالصحيح أن وجوب الصلاة ليس مشروطًا بالطهارة (٢).
ولا يصح القياس على الحائض؛ لأن الحائض مكلفة بترك الصلاة، لا سبيل لها إلى فعلها، ولو وجدت الطهور، بخلاف عادم الطهورين، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(٩٤٦ - ٢٣) استدلوا بما رواه البخاري من طريق عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه،
عن عائشة زوج النبي ﷺ ، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء -أو بذات الجيش- انقطع عقد لي، فأقام رسول الله ﷺ على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء ..... وفيه: فنام رسول الله ﷺ حتى أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم، فتيمموا ..... الحديث، والحديث رواه مسلم (٣).
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ نام حتى أصبح على غير ماء، وأنه لم يصل هو ولا من كان معه حتى
стр. 2340
أنزل الله آية التيمم، فإذا كان الطهور هو الماء وحده قبل نزول آية التيمم، وحين فقد الماء لم يصل رسول الله ﷺ ، ولا من كان معه حتى أنزل الله آية التيمم، فكذلك يكون الحال فيمن فقد القدرة على التيمم لا يصلي حتى يتمكن من الفعل.
• وأجيب عن ذلك:
قال ابن رجب: «وأما توقفهم -يعني الصحابة- في التيمم حتى نزلت آية المائدة مع سبق نزول آية التيمم في سورة النساء، فالظاهر -والله أعلم- أنهم توقفوا في جواز التيمم في مثل هذه الواقعة؛ لأن فقدهم للماء إنما كان بسبب إقامتهم لطلب عقد أو قلادة، وإرسالهم في طلبها من لا ماء معه، مع إمكان سيرهم جميعًا إلى مكان فيه ماء، فاعتقدوا أن في ذلك تقصيرًا في طلب الماء، فلا يباح معه التيمم، فنزلت آية المائدة مبينة جواز التيمم في مثل هذه الحال، وأن هذه الصورة داخلة في عموم آية النساء، ولا يستبعد هذا، فقد كان طائفة من الصحابة يعتقدون أنه لا يجوز استباحة رخص السفر من الفطر والقصر إلا في سفر طاعة، دون الأسفار المباحة، ومنهم من خص ذلك بالسفر الواجب كالحج والجهاد، فلذلك توقفوا في جواز التيمم للاحتباس عن الماء لطلب شيء من الدنيا حتى بين لهم جوازه ودخوله في عموم قوله: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦]» (١).
وقال أيضًا: «وزعم بعضهم أن رواية القاسم، عن عائشة: أن النبي ﷺ نام حتى أصبح على غير ماء يدل على أنه لم يصل هو ولا من معه. وهذا في غاية الضعف، وقد قررنا فيما تقدم أن آية سورة النساء التي فيها ذكر آية التيمم كان نزولها سابقًا لهذه القصة، وأن توقفهم في التيمم إنما كان لظنهم أن من فوت الماء لطلب مال لا رخصة له في التيمم، فنزلت الآية التي في سورة المائدة مبينة لجواز التيمم في مثل ذلك، والظاهر أن الجميع صلوا بالتيمم، ولكن حصل لهم شك في ذلك، فزال ذلك
стр. 2341
عنهم بنزول أية المائدة، والله أعلم» (١).
• دليل من قال: يصلي ولا يعيد:
الدليل الأول:
(٩٤٧ - ٢٤) استدلوا بما رواه البخاري من طريق أبي أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة ﵂ أنها استعارت من أسماء قلادة، فهلكت، فأرسل رسول الله ﷺ ناسًا من أصحابه في طلبها، فأدركتهم الصلاة، فصلوا بغير وضوء، فلما أتوا النبي ﷺ شكوا ذلك إليه، فنزلت آية التيمم ... الحديث، والحديث رواه مسلم (٢).
وقد استدل البخاري بهذا الحديث الذي رواه هشام عن أبيه، على أن من لم يجد ماء ولا ترابًا أنه يصلي على حسب حاله، فإنهم صلوا بغير وضوء، ولم يكن شرع التيمم قبل ذلك، وشكوا ذلك إلى النبي ﷺ ولم يأمرهم بإعادة الصلاة، فإذا كان من فقد الماء قبل نزول التيمم صلى على حسب حاله، فكذلك من فقد الماء والصعيد صلى على حسب حاله، ولم يؤمر بالإعادة.
الدليل الثاني:
قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن: ١٦].
(٩٤٨ - ٢٥) وروى البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: دعوني ما تركتكم، إنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم. ورواه مسلم (٣).
стр. 2342
الدليل الثالث:
أن الطهارة شرط، فإذا عجز عنها سقطت عنه، كاستقبال القبلة، وستر العورة، ونحوهما، وكما لو عجز عن القيام بركن من أركان الصلاة كالقيام فإنه يصلي قاعدًا، فإن لم يستطع فقاعدًا، وهكذا.
• دليل من قال: يصلي ويعيد:
هذان حكمان: الصلاة، ووجوب الإعادة، وكل واحد عليه دليل:
أما الدليل على وجوب الصلاة عليهم في الحال، فاستدلوا بما سبق من حديث عائشة، من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فإن هؤلاء الصحابة صلوا على حسب حالهم حين عدموا المطهر معتقدين وجوب ذلك، وأخبروا النبي ﷺ ، ولم ينكر عليهم، ولا قال: ليست الصلاة واجبة في هذا الحال، ولو كانت غير واجبة لبين ذلك لهم، كما قال لعمار ﵁: إنما كان يكفيك كذا وكذا ....
وأما الدليل على وجوب الإعادة فاحتجوا بما رواه مسلم من حديث ابن عمر المتقدم ذكره: لا يقبل الله صلاة بغير طهور.
ولأنه عذر نادر غير متصل، فلم تسقط الإعادة، كمن صلى محدثًا ناسيًا أو جاهلًا حدثه (١).
• ويُجاب عن هذا الدليل:
أما استدلالكم على وجوب الصلاة عليه في الحال، فهو دليل صحيح، غير مدفوع.
والاعتراض إنما هو على وجوب الإعادة، فإذا كانت هذه الصلاة لم تسقط عنه الصلاة، ولم تبرأ ذمته بهذا الفعل فما المصلحة من فعل صلاة لم يعتد بها، فأوجبتم عليه صلاة الظهر مرتين، وإنما أوجب الله عليه الظهر مرة واحدة.
стр. 2343
وأما استدلالكم على وجوب الإعادة بحديث لا يقبل الله صلاة بغير طهور، فهل قلتم: إن الصلاة غير المقبولة لاغية، وليست صحيحة، ولا يطلب من المكلف فعل عبادة لا يقبلها الله، ولكن الجواب عن الحديث ما تقدم: لا يقبل الله صلاة بغير طهور: أي مع القدرة عليه، مثله مثل حديث: لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ، أي مع القدرة عليه، فإن عجز تيمم، فإن عجز صلى على حسب حاله. والله أعلم.
• الراجح من الخلاف:
القول بأنه يصلي ولا يعيد هو أقوى الأدلة وأسلمها من المعارضة، والله أعلم.
* * *
стр. 2344
الفصل الخامس
في تأخير الصلاة لمن يرجو وجود الماء في آخر الوقت
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• كل من قام بشرط الصلاة في حقه فصلاته أول الوقت أفضل، ومنه المتيمم.
• التيمم رافع للحدث إلى حين وجود الماء، وليس مبيحًا للصلاة، فطهارة المتيمم كاملة وليست ناقصة.
وقيل:
• رعاية الشروط أولى من رعاية السنن والآداب، والصلاة في أول الوقت فضيلة.
[م-٤٠٠] اختلف الفقهاء هل الأفضل أن يصلي في أول الوقت بالتيمم، أو يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت إذا كان يرجو وجود الماء فيه:
فقيل: تأخيرها إلى آخر الوقت أفضل، إن كان يغلب على ظنه وجود الماء، وهو مذهب الحنفية (١) والمشهور من مذهب الحنابلة (٢).
стр. 2345
وقيل: يصلي في أول الوقت إلا إذا تيقن وجوده في آخر الوقت في منزله الذي هو فيه، فالتأخير أفضل، وهو مذهب الشافعية (١).
وقيل: إذا لم يغلب على ظن المسافر الرجاء للماء، ولا اليأس منه، فالمستحب له أن يتيمم وسط الوقت.
فإن غلب على ظنه إدراك الماء استحب له التأخير.
وإن غلب على ظنه عدم وجود الماء، استحب له الصلاة في أول الوقت وهذا مذهب المالكية (٢).
• دليل من قال: يؤخر إلى آخر الوقت:
الدليل الأول:
(٩٤٩ - ٢٦) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن الحارث،
عن علي، قال: يتلوم الجنب ما بينه وبين آخر الوقت، فإن وجد الماء توضأ، وإن
стр. 2346
لم يجد الماء تيمم وصلى، فإن وجد الماء بعد اغتسل، ولم يعد الصلاة (١).
[ضعيف] (٢).
في التأخير تحصيل شرط من شروط الصلاة، وهو الطهارة، بينما الصلاة في أول الوقت تحصيل فضيلة الوقت، وهو مستحب فقط، ومراعاة الشرط أولى من مراعاة السنن والمستحبات.
• تعليل من قال: يصلي في أول الوقت:
الدليل الأول:
(٩٥٠ - ٢٧) ما رواه الدارقطني من طريق محمد بن سنان القزاز، أخبرنا عمرو ابن محمد بن أبي رزين، حدثنا هشام بن حسان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع،
عن ابن عمر، قال: رأيت رسول الله ﷺ يتيمم بموضع يقال له مربد النعم، وهو يرى بيوت المدينة (٣).
[ضعيف، والمحفوظ وقفه على ابن عمر] (٤).
الدليل الثاني:
(٩٥١ - ٢٨) ما رواه الإمام أحمد، قال: ثنا علي بن إسحاق، أخبرنا عبد الله،
стр. 2347
أخبرنا ابن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة، عن حنش، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ كان يخرج، فيهريق الماء، فيتمسح بالتراب، فأقول: يا رسول الله، إن الماء منك قريب، فيقول: وما يدريني، لعلي لا أبلغه (١).
[ضعيف] (٢).
الدليل الثالث:
(٩٥٢ - ٢٩) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن محمد ويحيى بن سعيد، عن نافع،
أن ابن عمر تيمم، وصلى العصر وبينه وبين المدينة ميل أو ميلان، ثم دخل المدينة،
стр. 2348
والشمس مرتفعة، فلم يعد (١).
[صحيح، وسبق تخريجه] (٢).
وهذا أصح ما ورد في الباب، والله أعلم.
الدليل الرابع:
الصلاة أول الوقت من أفضل القربات، وفيه إبراء للذمة، ومسارعة لفعل الخيرات، قال تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ) [آل عمران: ١٣٣].
وقال تعالى: (فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ) [البقرة: ١٤٨]، ولم يستثن من ذلك شيئًا إلا شد الحر، فإنه أمر بالإبراد، وصلاة العشاء الآخرة إذا لم يشق على الجماعة من غير فرق بين من يصلي بالماء وبين من يصلي بالتيمم.
الدليل الخامس:
آخر الوقت غيب علمه عند الله، والإنسان إنما هو مكلف في ساعته القائمة، ولذا يباح للمسافر القصر والجمع وإن كان قد شارف الوصول إلى بلده، ويمكنه أن يدرك الوقت حال الإقامة ليصلي تمامًا وبدون جمع، ومع ذلك إذا صلى فإنه يصلى بحسب حاله وقت الأداء، فكذلك المتيمم يستحب له أن يبرئ ذمته في أداء الصلاة أول الوقت، إلا ما استحب له التأخير فيه كالعشاء والإبراد بالظهر زمن الحر، والله أعلم.
• تعليل المالكية على تقسيم عادم الماء إلى ثلاثة:
قال في المعونة: «العادمون ثلاثة: منهم من يدخل عليه الوقت، وهو راج له، يغلب على ظنه وصوله إليه في الوقت، فيستحب له تأخير التيمم؛ ليجمع بين الوقت والطهارة الكاملة؛ لأن مراعاة كمال الطهارة أولى من مراعاة فضيلة أول الوقت.
ومنهم من يغلب على ظنه أنه لا يجده حتى يخرج الوقت، فيستحب له أن يقدم
стр. 2349
التيمم؛ لأن في تأخيره فوات الأمرين -يعني: فضيلة الوقت، وفضيلة كمال الطهارة- ومنهم من هو بين الخوف والرجاء، لا يغلب على ظنه أحد الأمرين، فيتيمم وسط الوقت؛ لأنه لم تبلغ فيه قوة الرجاء أن يؤخره، ولا ضعفه أن يقدمه، فاستحب له الوسط» (١).
• الراجح:
بعد استعراض أدلة كل قول أجد أن القول بالصلاة في أول الوقت أقوى من حيث التعليل، وذلك أن الإنسان إذا صلى بالتيمم فقد امتثل الأمر الشرعي، لا فرق بينه وبين المصلي بالماء؛ لأن كلًّا من المتطهر بالماء والمتطهر بالتراب قد فعل ما أمر به شرعًا، والتيمم على ما ترجح مطهر، وليس مجرد رافع للمنع، فكيف يقال: إن مراعاة شرط الطهارة أولى من فضيلة الوقت، وكأن المتيمم لم يراع شرط الطهارة، فإذا كانت الطهارة في حق فاقد الماء، هو التيمم، فقد قام بحق الطهارة على أكمل وجه.
قال الإمام مالك ﵀: «من قام إلى الصلاة، فلم يجد ماء، فعمل بما أمره الله به من التيمم، فقد أطاع الله، وليس الذي وجد الماء بأطهر منه، ولا أتم صلاة؛ لأنهما أُمِرا جميعًا، فكل عمل بما أمره الله به، وإنما العمل بما أمر الله به من الوضوء لمن وجد الماء، والتيمم لمن لم يجد الماء قبل أن يدخل في الصلاة» (٢).
وإذا كان التيمم هو طهارة فاقد الماء، فتكون المبادرة بفعل الصلوات في أول الوقت قد أدرك فضيلتين: فضيلة الطهارة، وهي في حقه التيمم، وفضيلة أول الوقت، بينما من أخر الصلاة إلى آخر الوقت قد أردك فضيلة واحدة، وهو فضيلة الطهارة بالماء، وإدراك فضيلتين أولى، ويكفي أنه فعل ابن عمر ﵁ على ما عرف عنه من الحرص على السنة، والله أعلم.
* * *
стр. 2350
الفصل السادس
في وطء عادم الماء
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• الصعيد الطيب وضوء المسلم، ولو إلى عشر سنين، فإذا وجد الماء فليسمه بشرته.
• التيمم أحد الطهورين عند فقد الماء، فطهارة المتيمم به طهارة أصلية.
• كل ما يباح بالماء يباح بالتيمم.
[م-٤٠١] إذا كان الإنسان على طهارة مائية، فهل يباح له نقض طهارته بالجماع ليتيمم بعد ذلك، أو يجب أن يحافظ على طهارته المائية؟
ويتصور وقوع ذلك في صور كثيرة، منها:
لو أن الإنسان خاف على نفسه الضرر من الاغتسال لوجود برد شديد ونحوه، ولا يخاف ذلك من الوضوء، فهل له أن يجامع زوجته، ويتيمم عن الغسل، أو ليس له ذلك ليحافظ على الطهارة المائية؟
ومثله: لو كان الإنسان معه ماء يكفي لوضوئه، وليس معه ما يكفي للغسل، فهل له أن يجامع ليتيمم بعد ذلك، أو يحافظ على الطهارة المائية؟