لم يجد الماء تيمم وصلى، فإن وجد الماء بعد اغتسل، ولم يعد الصلاة (١).
[ضعيف] (٢).
في التأخير تحصيل شرط من شروط الصلاة، وهو الطهارة، بينما الصلاة في أول الوقت تحصيل فضيلة الوقت، وهو مستحب فقط، ومراعاة الشرط أولى من مراعاة السنن والمستحبات.
• تعليل من قال: يصلي في أول الوقت:
الدليل الأول:
(٩٥٠ - ٢٧) ما رواه الدارقطني من طريق محمد بن سنان القزاز، أخبرنا عمرو ابن محمد بن أبي رزين، حدثنا هشام بن حسان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع،
عن ابن عمر، قال: رأيت رسول الله ﷺ يتيمم بموضع يقال له مربد النعم، وهو يرى بيوت المدينة (٣).
[ضعيف، والمحفوظ وقفه على ابن عمر] (٤).
الدليل الثاني:
(٩٥١ - ٢٨) ما رواه الإمام أحمد، قال: ثنا علي بن إسحاق، أخبرنا عبد الله،
стр. 2347
أخبرنا ابن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة، عن حنش، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ كان يخرج، فيهريق الماء، فيتمسح بالتراب، فأقول: يا رسول الله، إن الماء منك قريب، فيقول: وما يدريني، لعلي لا أبلغه (١).
[ضعيف] (٢).
الدليل الثالث:
(٩٥٢ - ٢٩) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن محمد ويحيى بن سعيد، عن نافع،
أن ابن عمر تيمم، وصلى العصر وبينه وبين المدينة ميل أو ميلان، ثم دخل المدينة،
стр. 2348
والشمس مرتفعة، فلم يعد (١).
[صحيح، وسبق تخريجه] (٢).
وهذا أصح ما ورد في الباب، والله أعلم.
الدليل الرابع:
الصلاة أول الوقت من أفضل القربات، وفيه إبراء للذمة، ومسارعة لفعل الخيرات، قال تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ) [آل عمران: ١٣٣].
وقال تعالى: (فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ) [البقرة: ١٤٨]، ولم يستثن من ذلك شيئًا إلا شد الحر، فإنه أمر بالإبراد، وصلاة العشاء الآخرة إذا لم يشق على الجماعة من غير فرق بين من يصلي بالماء وبين من يصلي بالتيمم.
الدليل الخامس:
آخر الوقت غيب علمه عند الله، والإنسان إنما هو مكلف في ساعته القائمة، ولذا يباح للمسافر القصر والجمع وإن كان قد شارف الوصول إلى بلده، ويمكنه أن يدرك الوقت حال الإقامة ليصلي تمامًا وبدون جمع، ومع ذلك إذا صلى فإنه يصلى بحسب حاله وقت الأداء، فكذلك المتيمم يستحب له أن يبرئ ذمته في أداء الصلاة أول الوقت، إلا ما استحب له التأخير فيه كالعشاء والإبراد بالظهر زمن الحر، والله أعلم.
• تعليل المالكية على تقسيم عادم الماء إلى ثلاثة:
قال في المعونة: «العادمون ثلاثة: منهم من يدخل عليه الوقت، وهو راج له، يغلب على ظنه وصوله إليه في الوقت، فيستحب له تأخير التيمم؛ ليجمع بين الوقت والطهارة الكاملة؛ لأن مراعاة كمال الطهارة أولى من مراعاة فضيلة أول الوقت.
ومنهم من يغلب على ظنه أنه لا يجده حتى يخرج الوقت، فيستحب له أن يقدم
стр. 2349
التيمم؛ لأن في تأخيره فوات الأمرين -يعني: فضيلة الوقت، وفضيلة كمال الطهارة- ومنهم من هو بين الخوف والرجاء، لا يغلب على ظنه أحد الأمرين، فيتيمم وسط الوقت؛ لأنه لم تبلغ فيه قوة الرجاء أن يؤخره، ولا ضعفه أن يقدمه، فاستحب له الوسط» (١).
• الراجح:
بعد استعراض أدلة كل قول أجد أن القول بالصلاة في أول الوقت أقوى من حيث التعليل، وذلك أن الإنسان إذا صلى بالتيمم فقد امتثل الأمر الشرعي، لا فرق بينه وبين المصلي بالماء؛ لأن كلًّا من المتطهر بالماء والمتطهر بالتراب قد فعل ما أمر به شرعًا، والتيمم على ما ترجح مطهر، وليس مجرد رافع للمنع، فكيف يقال: إن مراعاة شرط الطهارة أولى من فضيلة الوقت، وكأن المتيمم لم يراع شرط الطهارة، فإذا كانت الطهارة في حق فاقد الماء، هو التيمم، فقد قام بحق الطهارة على أكمل وجه.
قال الإمام مالك ﵀: «من قام إلى الصلاة، فلم يجد ماء، فعمل بما أمره الله به من التيمم، فقد أطاع الله، وليس الذي وجد الماء بأطهر منه، ولا أتم صلاة؛ لأنهما أُمِرا جميعًا، فكل عمل بما أمره الله به، وإنما العمل بما أمر الله به من الوضوء لمن وجد الماء، والتيمم لمن لم يجد الماء قبل أن يدخل في الصلاة» (٢).
وإذا كان التيمم هو طهارة فاقد الماء، فتكون المبادرة بفعل الصلوات في أول الوقت قد أدرك فضيلتين: فضيلة الطهارة، وهي في حقه التيمم، وفضيلة أول الوقت، بينما من أخر الصلاة إلى آخر الوقت قد أردك فضيلة واحدة، وهو فضيلة الطهارة بالماء، وإدراك فضيلتين أولى، ويكفي أنه فعل ابن عمر ﵁ على ما عرف عنه من الحرص على السنة، والله أعلم.
* * *
стр. 2350
الفصل السادس
في وطء عادم الماء
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• الصعيد الطيب وضوء المسلم، ولو إلى عشر سنين، فإذا وجد الماء فليسمه بشرته.
• التيمم أحد الطهورين عند فقد الماء، فطهارة المتيمم به طهارة أصلية.
• كل ما يباح بالماء يباح بالتيمم.
[م-٤٠١] إذا كان الإنسان على طهارة مائية، فهل يباح له نقض طهارته بالجماع ليتيمم بعد ذلك، أو يجب أن يحافظ على طهارته المائية؟
ويتصور وقوع ذلك في صور كثيرة، منها:
لو أن الإنسان خاف على نفسه الضرر من الاغتسال لوجود برد شديد ونحوه، ولا يخاف ذلك من الوضوء، فهل له أن يجامع زوجته، ويتيمم عن الغسل، أو ليس له ذلك ليحافظ على الطهارة المائية؟
ومثله: لو كان الإنسان معه ماء يكفي لوضوئه، وليس معه ما يكفي للغسل، فهل له أن يجامع ليتيمم بعد ذلك، أو يحافظ على الطهارة المائية؟
стр. 2351
اختلف أهل العلم في ذلك،
فقيل: لا بأس أن يجامع أهله، وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، واختيار ابن حزم ﵀ (٤).
وبه قال ابن عباس (٥) وجابر بن زيد (٦)، والحسن البصري وسعيد بن المسيب (٧)، وقتادة وسفيان الثوري (٨)، ورجحه ابن تيمية (٩).
وقيل: يكره الجماع إلا أن يخاف الضرر، وهو مذهب المالكية (١٠)،
ورواية عن
стр. 2352
أحمد (١).
وقيل: ليس له أن يجامع أهله، وبه قال الزهري ﵀ (٢).
وقيل: إن كان بينه وبين أهله أربع ليال فليصب أهله، وإن كان ثلاث فما دونها فلا يصبها، وهو قول عطاء، والأوزاعي (٣).
• دليل من قال: له أن يطأ زوجته .
الدليل الأول:
من القرآن قوله تعالى: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦]، فأفادت الآية إباحة الجماع في حال عدم الماء، وقد قدمنا أن اللمس هنا المقصود به الجماع في خلاف أهل العلم في تيمم الجنب.
الدليل الثاني:
أباح الله للرجل أن يجامع زوجه وملك يمينه، فما أباح فهو على الإباحة، لا يجوز حظر ذلك، ولا المنع منه إلا بسنة أو إجماع، والممنوع منه: حال الحيض، والإحرام، والصيام، وحال المظاهر قبل أن يكفر، وما عدا ذلك فهو على
стр. 2353
الإباحة، قال تعالى: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) [البقرة: ٢٢٢]، وما خص الله تعالى بذلك من حكمه الغسل أو الوضوء ممن حكمه التيمم، ولا فرق بين من صلى بوضوء عند وجود الماء، وبين من صلى بتيمم حيث لا يجد الماء، فكل واحد منهم قد أدى ما فرض عليه (١).
الدليل الثاني:
(٩٥٣ - ٣٠) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر
أنه أتى النبي ﷺ وقد أجنب، فدعا النبي ﷺ بماء، فاستتر واغتسل، ثم قال له النبي ﷺ : إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك هو خير (٢).
[تفرد به عمرو بن بجدان، قال أحمد: لا أعرفه] (٣).
وجه الاستدلال من وجهين:
الوجه الأول:
الصعيد الطيب وضوء المسلم، وفي رواية طهور المسلم، وهذا عام لطهارته من الحدث ومن الجنابة، وإذا كان التيمم بهذه المثابة لم تكن طهارته ناقصة.
الوجه الثاني:
أن الرسول ﷺ لم يسأله هل كان جنبًا من جماع أو من احتلام، فدل على أنه لا فرق في الحكم، ولو كان هناك فرق لسأله النبي ﷺ ، هل كانت جنابته من جماع، فينهاه عن ذلك، أو كانت من احتلام فيرشده إلى التيمم؟ فلما ترك الاستفصال في مقام
стр. 2354
الاحتمال، نزل ذلك منزلة العموم في المقال، مع أنه ورد في بعض طرق الحديث أن تيمم أبي ذر كان عن جماع، كما في مصنف عبد الرزاق (١)، وسنن أبي داود (٢)، الله أعلم.
الدليل الثالث:
(٩٥٤ - ٣١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا معتمر بن سليمان، حدثنا الحجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،
عن جده، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، الرجل يغيب، لا يقدر على الماء، أيجامع أهله؟ قال: نعم (٣).
[ضعيف] (٤).
الدليل الخامس:
(٩٥٥ - ٣٢) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن مجاهد، قال:
كنا مع ابن عباس في سفر، ومعه جارية له، فتخلف، فأصاب منها ثم أدركنا، فقال: معكم ماء؟ قلنا: لا؟ قال: أما إني قد علمت ذلك، فتيمم (٥).
стр. 2355
[رواية الأعمش عن مجاهد فيها تدليس كثير، ومع ذلك فالأثر حسن لغيره إن شاء الله تعالى] (١).
стр. 2356
• دليل من قال بالمنع:
قالوا: كما أن الإنسان لو كان معه ماء لا يجوز له أن يريقه ويتيمم، ولو فعل ذلك لكان عاصيًا، وكذلك لو كان على طهارة مائية لا يجوز له أن يتعمد نقض طهارته بريح أو بول أو غائط ما لم يكن مضطرًا إلى ذلك حتى لا ينتقل إلى التيمم مع قدرته على الطهارة المائية، فكذلك الجماع يمنع منه ما لم يتضرر من ذلك.
• دليل من قال بالكراهة:
قالوا: إذا لم يكن هناك حاجة شديدة فيكره الجماع؛ لأن فيه انتقال من الطهارة المائية إلى الطهارة الترابية من غير حاجة، فيفوت على نفسه طهارة مائية يمكنه بقاؤها.
• الراجح:
بعد استعراض أدلة الأقوال، نجد أن القول بإباحة الجماع قول قوي جدًا، ولم يقدم المانعون أو القائلون بالكراهة دليلًا شرعيًا على كراهية ذلك، والأصل الإباحة حتى يقوم دليل صحيح صريح ينقلنا عن هذا الأصل، والله أعلم.
* * *
стр. 2357
الباب الثاني في الأسباب الموجبة للتيمم
الأسباب الموجبة للتيمم ترجع إلى ثلاثة أسباب في الجملة:
السبب الأول: عدم الماء.
السبب الثاني: تعذر استعمال الماء.
وتعذر الاستعمال تارة يكون لخوف المرض أو زيادته، أو لخوف عطش على نفسه أو على غيره من آدمي أو بهيمة، أو يخاف إن هو خرج إلى الماء لصوصًا أو سباعًا، أو يباع الماء بأكثر من ثمنه، أو يخشى فوات الوقت إن ذهب إلى الماء أو انتظره، وهل له أن يتيمم مع وجود شخص يتبرع له بالماء من غير مسألة؟
وسوف نعرض بالبحث إن شاء الله تعالى على كل هذه المسائل، وبعضها قد يؤجل بحثه ليبحث مع نظائره في فصول أخرى، والله وحده المستعان، والموفق إلى معرفة الصواب.
السبب الثالث: إذا خشي فوات العبادة بخروج وقتها.
* * *
стр. 2358
الفصل الأول مشروعية التيمم لفقد الماء
المبحث الأول انعدام الماء
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• العلة في مشروعية التيمم هو العجز عن الوصول إلى الماء نصًا، ويلحق به العجز الشرعي؛ لأن العجز الشرعي كالعجز الحسي.
• ما جاز لعذر بطل بزواله.
• العاجز حكمًا كالعاجز حقيقة.
[م-٤٠٢] إذا فقد المسلم وجود الماء فإن كان مسافرًا فإنه يشرع له التيمم إجماعًا، نقل الإجماع على ذلك طائفة من أهل العلم.
قال ابن عبد البر: «وأجمع علماء الأمصار، بالحجاز والعراق والشام والمشرق والمغرب -فيما علمت- أن التيمم بالصعيد عند عدم الماء طهور كل مريض أو مسافر ... » (١).
стр. 2359
ونقل الإجماع أيضًا العيني من الحنفية (١)، وابن رشد في بداية المجتهد من المالكية (٢)، وابن تيمية (٣)، وابن عبد الهادي (٤) من الحنابلة، وابن حزم من الظاهرية (٥).
[م-٤٠٣] وإن كان حاضرًا داخل المصر، فقد اختلف العلماء:
فقيل: يتيمم ويصلي، ولا إعادة عليه، وهو أحد القولين في مذهب الحنفية (٦)، والمشهور في مذهب المالكية (٧)، وقول في مذهب الشافعية (٨)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٩).
وقيل: يتيمم، ويصلي، ويعيد إذا وجد الماء، وبه قال الليث، وهو المشهور في مذهب الشافعية (١٠)، ووجه في مذهب الحنابلة (١١).
стр. 2360
وقيل: لا يصلي حتى يجد الماء، أو يسافر، وهو قول في مذهب الحنفية (١)، وأحد القولين عن الإمام مالك ﵀ (٢)،
واختاره بعض الخرسانين من الشافعية (٣)، وهو رواية عن الإمام أحمد (٤).
• دليل من قال: يتيمم ويصلي ولا إعادة عليه:
الدليل الأول:
أن العلة في مشروعية التيمم هو فقد الماء نص عليه في آية التيمم، قال تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦].
стр. 2361
الدليل الثاني:
إذا كان التيمم للمريض المقيم يجوز بالإجماع مع وجود الماء (١)، فجوازه للمقيم عند فقد الماء جائز أيضًا، ولا فرق؛ لأن المرض هو عجز حكمي، وفقد الماء عجز حسي، والعجز الحسي أولى بالمراعاة؛ لأنه يستحيل معه الفعل بخلاف العجز الحكمي، فقد يستعمل الماء إلا أنه قد يلحقه ضرر بذلك.
الدليل الثالث:
ثبت عن النبي ﷺ أنه تيمم لرد السلام في الحضر، مع أن الطهارة لرد السلام ليست شرطًا بل ولا واجبًا، فكونه يتيمم لفعل الصلاة المفروضة، والقيام بالطهارة التي هي شرط لصحة الصلاة أولى فأولى.
(٩٥٦ - ٣٣) فقد روى البخاري من طريق الأعرج، قال: سمعت عميرًا مولى ابن عباس قال: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة زوج النبي ﷺ حتى دخلنا على أبي جهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري،
فقال أبو الجهيم الأنصاري: أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي ﷺ حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇. وأخرجه مسلم (٢).
وقد استدل البخاري بهذا الحديث على جواز التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء وخاف فوت الصلاة (٣).
стр. 2362
• دليل من قال: السفر شرط في جواز التيمم:
استدل بقوله تعالى: (وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً) [المائدة: ٦].
وجه الاستدلال:
أن الله قال: (وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ) فذكر شيئين مبيحين للتيمم: أحدهما: المرض، والثاني: السفر.
• وأجيب:
بأن الله ذكر السفر لكونه مظنة عدم الماء، فإن فقد الماء في الحضر نادر وقليل، ومثله ذكر السفر في آية الرهن، قال تعالى: (وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ) [البقرة: ٢٨٣]، وليس السفر بشرط للرهن، فإذا جاز الرهن في الحضر، جاز التيمم في الحضر أيضًا.
• دليل من قال: يتيمم ويعيد:
علل النووي وجوب الإعادة إذا تيمم في الحضر، بأن هذا العذر نادر غير متصل، وقال: احترزنا بالنادر عن المريض والمسافر، وبغير المتصل من المستحاضة.
• ويُجاب عنه بأمور:
الأول: هذا التعليل عليل، وإنما شرع التيمم لرفع الحرج عن هذه الأمة كما في قوله تعالى بعد أن ذكر طهارة الماء والتيمم (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) [المائدة: ٦]، فأين التخفيف، وقد كلف في فعل الصلوات مرتين، مرة في التيمم، ومرة إذا وجد الماء، وقد يطول ذلك فيجتمع عليه صلوات كثيرة، فأين التخفيف في ذلك، وهل ذلك إلا موجب للعنت والمشقة على الناس.
ثانيًا: إذا كان لا يعيد الصلاة إذا تيمم في السفر، فلا يعيد الصلاة إذا تيمم في
стр. 2363
الحضر، ولا فرق.
ثالثًا: التكليف بالإعادة لا بد له من دليل من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولم يقم دليل في تكليف المسلم بالإعادة، ولم يوجب الله فرض الظهر مرتين، فمن أوجب عليه الإعادة فقد أوجب عليه الفرض الواحد مرتين، وهذا خلاف المشروع.
رابعًا: أن الذي أميل إليه أن الإنسان إذا اجتهد وأخطأ، وامتثل الأمر معتقدًا أن هذا هو الواجب عليه، ثم تبين له أنه أخطأ لم يكلف الإعادة، فما بالك بمن نأمره أن يتيمم، ثم نطلب منه أن يعيد، فإن كان التيمم لا يسقط عنه الواجب فلماذا نأمره به، وإذا كان التيمم يقوم مقام الماء عند فقده فلماذا نأمره بالإعادة.
فهذه المرأة التي كانت تستحاض، وكانت تعتقد أن ذلك حيض، وكانت تمتنع عن الصلاة والصيام قال لها رسول الله ﷺ : إنما ذلك عرق، وليس بحيض، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي (١)، ولم يأمرها الرسول ﷺ بإعادة الصلوات التي تركت ظنًا منها أنه دم حيض.
وهذا الرجل المسيء في صلاته مع أن الرسول ﷺ قال له: ارجع فصل فإنك لم تصل (٢)، لم يطلب منه إعادة الصلوات السابقة، مع أنه نفى عنه فعل الصلاة، وكلفه بإعادة الصلاة القائمة فقط، إما لأن الوقت ما زال قائمًا، أو لأجل أن تشتد حاجته لمعرفة الصواب، ولذلك اغتفر تكراره مع الإساءة للصلاة لمصلحة التعليم، وإلا فالإنسان الذي لا يعلم أن يصلي قد لا يجوز أن نجعله يعبث في الصلاة على غير هدى، ونطلب منه أكثر من مرة أن يعيد الصلاة، وهو لا يحسن.
وهذا عمار تمرغ كما تتمرغ الدابة، وصلى، ظنا منه ﵁ أن هذه هي الصفة المطلوبة في تيمم الجنب، ولم يفعل الصفة المشروعة، ولم يكلفه الرسول ﷺ
стр. 2364
بالإعادة، وإنما اكتفى بإخباره بالصفة المشروعة (١)، هذا عدي ﵁ جعل تحت وساده عقالين: أبيض وأسود، وأخذ يأكل حتى تبين له العقال الأبيض من العقال الأسود، فأخبر الرسول ﷺ بذلك، فضحك منه، وأخبره بالصواب، ولم يأمره بالإعادة (٢)، وهكذا فالنصوص متظافرة على أن من اجتهد، ففعل ما يعتقد أنه يلزمه شرعًا، ثم تبين له خطأ فعله، لم يكلف بالإعادة، فما بال المتيمم الذي كلفناه بالتيمم، وأنه يجب عليه فعل الصلاة على هذه الصفة، فما بالنا نأمره بالإعادة، فهذا القول بعيد جدًا عن الصواب، والله أعلم.
* * *
стр. 2365
المبحث الثاني إذا وجد ماء لا يكفي للطهارة
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• لا يصح الجمع بين البدل والمبدل كما لا يصح الجمع بين الظهر والجمعة، وبين الغسل والمسح للقدم.
• الطهارة لا تقبل التبعيض على الصحيح، فلا يدخلها التلفيق بين الماء والتراب.
• إيجاب الماء والتراب معًا مخالف لكتاب الله فإنه قد ذكر أن الواجب أحد شيئين: إما الماء عند وجوده، أو التراب عند عدمه.
[م-٤٠٤] ناقشنا في الفصل السابق، أن التيمم مشروع بشرط عدم الماء، فهل يختلف الحكم إذا وجد ماء لا يكفي لطهارته؟ وهل يستعمل الماء بدون تيمم؟، أو يتيمم ويدع الماء ما دام أنه لا يكفي لفعل الطهارة كاملة؟ أو يستعمل الماء، ويتيمم عن الباقي؟. في هذه المسألة اختلف أهل العلم:
فقيل: يتيمم، ويدع الماء، وهذا مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والقول القديم
стр. 2366
للشافعي (١)، واختاره المزني (٢).
وقيل: يستحب له استعمال الماء، ويتيمم عن الباقي، وبه قال جماعة من أهل العلم (٣).
وقيل: يجب عليه استعمال الماء، ثم يتيمم عن الباقي، وهذا هو نص الإمام الشافعي في الأم (٤)، ومذهب الحنابلة (٥)، واختيار ابن حزم ﵀ (٦).
وقيل: بالتفريق بين طهارة الوضوء وطهارة الغسل، فإذا وجد ماء يكفي بعض الغسل تيمم بعد استعماله، ولا يتوضأ بماء يكفي بعض الوضوء (٧).
وقيل: يتوضأ بذلك الماء ويصلي، فإن لم يكن معه من الماء إلا قدر ما يغسل به وجهه ويديه، فهو أولى من التيمم، وإن لم يجد إلا ما يغسل به وجهه غسله، ومسح كفيه بالتراب، وهو قول الحسن وعطاء (٨).
• دليل من قال: يتيمم، ويدع الماء:
الدليل الأول:
من الكتاب قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) إلى قوله: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦].
стр. 2367
فاقتضى ذلك وجوب أحد شيئين: إما الماء عند وجوده، أو التراب عند عدمه، فكوننا نوجب الماء والتراب معًا هذا خلاف نص الآية، فلما لم يكن هذا الماء كافيًا في طهارته علمنا أن فرضه هو التيمم، ولو كان هذا الماء هو الماء الذي تقوم به طهارته لم تكن صلاته موقوفة على التيمم، فلما لم يرفع هذا الماء حدثه كان وجوده كعدمه كالماء النجس.
الدليل الثاني:
أن التيمم بدل عن الماء، فلا يجمع بين الأصل والبدل، فإما أن يستعمل الماء، أو يتيمم، وما دام أن الماء لا يرفع حدثه ينتقل إلى بدله، وهو التيمم ويكون وجوده كعدمه، وهذا له أمثلة في الشريعة، فلو وجبت عليه كفارة يمين، ولم يجد الكسوة والرقبة، ووجد ما يطعم به تسعة مساكين انتقل إلى الصيام، ولم يؤمر بإطعام التسعة، وهكذا.
وكذلك من وجبت عليه رقبة، وكان عنده ثمن بعض الرقبة، انتقل إلى الإطعام كما لو عدم الرقبة أصلًا.
• واعترض على هذا الدليل:
أما قولكم: إنه لا يجمع بين البدل والأصل، فغير مسلم، فقد جمع بين الأصل والبدل في الوضوء، فهذا مسح الخفين بدل عن طهارة الماء، وقد جمع بينهما في الوضوء، فإنه يغسل أعضاء الوضوء، ويمسح قدميه.
كما أنه جمع بين الأصل والبدل في المسح على الجبيرة، فإن المسح بدل من الغسل، فلو كان في العضو جبيرة، فإنه يمسح عليها، ويغسل الباقي، وهو جمع بين الأصل والبدل.
وأما قولكم بأنه لا عبرة بالقدرة على البعض إذا لم يقدر على الكل قياسًا على القدرة على بعض الكفارة، فيقال: «ضابط الباب: أن ما لم يكن جزؤه عبادة مشروعة
стр. 2368
لا يلزمه الإتيان به، كإمساك بعض اليوم، وما كان جزؤه عبادة مشروعة لزمه الإتيان به، كتطهير الجنب بعض أعضائه، فإنه يشرع عند النوم والأكل والمعاودة ... تخفيفًا للجنابة .... وإذا ثبت تخفيف الحدث الأكبر في بعض البدن، فكذلك الحدث الأصغر» (١).
• ورد هذا الجواب:
أما قولكم في المسح على الخفين بأنه جمع بين الأصل والبدل، فيقال: إن المسح على الخفين فيه خلاف هل هو أصل بنفسه أو بدل، وعلى القول بأنه بدل فهو بدل عن غسل الرجل، وليس بدلًا عن الوضوء، حتى يقال: جمع بين البدل والمبدل منه، فقد سقط غسل القدم إلى بدله، وهو المسح، ولم يجمع بين الغسل والمسح، وكذلك يقال في الجبيرة، فمسح الجبيرة بدل عن غسل الجرح، ولم يجمع بين مسح الجرح وغسله، فتأمل.
وأما قياسكم على تخفيف الحدث، في مشروعية غسل بعض الأعضاء، دون بعض، فكذلك غسلها في مسألتنا، فهذا الكلام ظاهره القوة، ولكن يعكر عليه ما يلي:
أولًا: نحن نوجب أمرًا قياسًا على أمر مستحب، فإن كان الفرع له حكم الأصل، فالأصل غير واجب، فكيف يكون الفرع واجبًا، فتخفيف الحدث في غسل الجنابة للأكل والوطء مستحب، وليس بواجب، فكذلك ما قيس عليه ينبغي أن يكون كذلك.
ثانيًا: لو سلم هذا الفعل في الحدث الأكبر، وأن الجنب إذا قدر على الوضوء، وعجز عن الغسل فله أن يتوضأ بالماء، ويتيمم عن الجنابة، وهي مسألة سوف نتعرض لها إن شاء الله تعالى، فأين الدليل من الشرع على جريانه بالحدث الأصغر، وأن الرسول ﷺ قد عمد إلى تخفيف الحدث الأصغر بغسل بعض أعضائه، فلم يقع
стр. 2369
هذا منه ﷺ لا في حديث صحيح، ولا في حديث ضعيف أنه خفف الحدث الأصغر، فكيف نوجب على الإنسان أن يستعمل الماء في الحدث الأصغر على بعض أعضائه، وأن ذلك من باب تخفيف الحدث، قياسًا على تخفيف الحدث الأكبر، وهو أمر لم يحدث منه ﷺ قط، فلو تعبد أحد بتخفيف الحدث الأصغر بغسل بعض أعضاء الوضوء مع وجود الماء لقيل: إنه مبتدع (١).
• دليل من قال: يستعمل الماء، ثم يتيمم .
الدليل الأول:
قوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) [المائدة: ٦].
فاشترط للتيمم عدم الماء، وهذا واجد للماء، ومن جهة أخرى، فإن كلمة (ماء) نكرة في سياق النفي، فتعم كل ماء، سواء كان قليلًا أو كثيرًا، فلا يتيمم حتى يفرغ من استعمال الماء، فيكون تيممه عن الباقي من أعضائه مما لم يمسها الماء، لتحقق فقد الماء.
• وأجيب:
بأن المقصود بكلمة (فلم تجدوا ماء) أي ماء يطهره، ألا ترى أن وجود الماء النجس لا يمنعه من التيمم؛ ولأنه معطوف على ما سبق، وقد سبق بيان حكم الوضوء والاغتسال بالماء في أول الآية بقوله: (فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) إلى قوله: (وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) [المائدة: ٦]، فأراد به جميع البدن، ثم قال: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) أي يقوم بجميع ما ذكر، فإن آخر الكلام مرتبط بأوله، فإذا لم يوجد هذا الماء الذي يقوم بجميع ما ذكر فإنه غير واجد لذلك الماء (٢).
стр. 2370
الدليل الثاني:
قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن: ١٦].
(٩٥٧ - ٣٤) وروى البخاري في صحيحه، قال: حدثنا إسماعيل: حدثني مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: دعوني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، ورواه مسلم (١).
فهذا مكلف قد أمر بالطهارة، واستطاع أن يأتي ببعضها، فهو مكلف بأن يأتي بما يستطيع، ويتيمم عن الباقي.
• ويُجاب:
بأن الحديث لم يسق في المسألة بخصوصها، ولو قيل: العبرة بعموم اللفظ فنقول إن هذا العموم غير مراد هنا، بدليل أن هناك أمورًا يكلف فيها الإنسان، ويكون المشروع إما أن يأتي بها كلها، أو يتركها كلها، فمن طلب منه صيام يوم، فلو استطاع أن يصوم بعضه لم يكلف به؛ لأن المطلوب صيام يوم كامل، وكذلك ما تقدم من الإطعام في الكفارة، فمن استطاع أن يطعم خمسة مساكين، والمطلوب إطعام العشرة لم يكلف بالإطعام، بل ينتقل إلى بدله، فكذلك في الطهارة، فالمطلوب أن يرتفع حدثه إما بالماء أو بالتيمم، وبعض الماء لا يرفع الحدث، فوجوده كعدمه، والتيمم كاف في رفع الحدث، فينتقل إليه.
• دليل من فرق بين الوضوء والغسل:
قالوا: إذا وجد ماء يكفي بعض الوضوء فلا فائدة من استعماله؛ لأن الحدث لا يرتفع لعدم الموالاة، ويفارق هذا الغسل من الجنابة؛ لأن الحدث يرتفع عن قدر
стр. 2371
ما غسل؛ لأنه ليس من شرطها الموالاة (١).
هذا ما وقفت عليه من أدلة القوم: سواء من قال: يتيمم، ومن قال: يستعمل الماء، ثم يتيمم، وأما قول عطاء، بأنه لو وجد من الماء ما يغسل به وجهه، غسل وجهه، ومسح كفيه بالتراب، فلا هو فعل صفة التيمم المطلوبة، فيرتفع حدثه بالتيمم، ولا هو قام برفع حدثه بالماء، فجاء بطهارة جديدة ملفقة من طهارتين مختلفتين، فهذا قول لا أعرف له وجهًا من الشرع، ولا وجهًا من اللغة، والله أعلم.
• الراجح من الخلاف:
أجد أن مذهب الحنفية والمالكية القائلين بأن الواجب هو التيمم أقوى من مذهب الشافعية والحنابلة، وإن كان في كل من القولين قوة، والله أعلم.
* * *
стр. 2372
المبحث الثالث لو كان مع الجنب ماء يكفي للوضوء فقط
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• الأصغر يندرج في الأكبر.
[م-٤٠٥] هذه المسألة سوف نبحثها وفقًا لمذهب الحنفية والمالكية؛ لأن مذهب الشافعية والحنابلة كما مر معنا في المسألة المتقدمة يوجبون استعمال الماء، مهما قَلَّ، فالمسألة مفروضة على مذهب من يشترط أن يكون الماء كافيًا للطهارة، وإلا انتقل إلى التيمم، فهل يقولون يتيمم عن الجنابة، ويتوضأ عن الحدث الأصغر باعتباره مقدورًا عليه؟ أو يقولون: يتيمم، ويدع الوضوء؛ لأن التيمم قد رفع الحدث، فلا حاجة إلى استعمال الوضوء؟.
فقيل: يتيمم، ولا يستعمل هذا الماء في الحدث الأكبر، فإن أحدث بعد تيممه حدثًا أصغر توضأ، وهذا مذهب الحنفية (١).
وقيل: يتيمم، وإذا أحدث حدثًا أصغر تيمم أيضًا، ولا يستعمل الماء، وهذا
стр. 2373
مذهب المالكية (١).
• دليل الحنفية:
بأن هذا الرجل قد ارتفع حدثه الأكبر بالتيمم، فلا يرجع إليه إلا بقدرته على الاغتسال، وقد قام به حدث أصغر، وهو قادر على الوضوء، فلا يرتفع هذا الحدث الأصغر إلا بالوضوء، فلزمه.
• ودليل المالكية:
قالوا: الفرق بين الغسل للجنابة والتيمم للجنابة، في كون الوضوء شرع مع الغسل دون التيمم أمران:
أحدهما: أن الوضوء من جنس الغسل، شرع بين يديه أهبة له، كالمضمضة والاستنشاق قبل الوضوء، والإقامة بين يدي الصلاة، والصدقة بين يدي النجوى، والوضوء ليس من جنس التيمم، فلا يشرع تهيؤ له.
وثانيهما: أن أعضاء الوضوء أشرف الجسد لكونها موضع التقرب إلى الله، فكانت البداءة به أولى، والتيمم شرع في عضوين منها، فالوضوء يأتي عليهما وعلى غيرهما، فلا معنى للبداية بالوضوء (٢).
قلت: هذا الكلام وجيه في عدم استحباب الوضوء في تيمم الجنب، لكن لو أحدث حدثًا أصغر، فما الدليل على أنه لا يشرع له الوضوء بالماء مع القدرة عليه؟
أجاب الحطاب في مواهب الجليل بقوله: «وإن تيمم الجنب، ثم أحدث، أو نام ثم وجد من الماء قدر الوضوء، لم يجزه الوضوء به؛ لأنه عاد جنبًا، وكذلك يعود بدخول وقت صلاة ثانية» (٣).
стр. 2374
قلت: يعود جنبًا بوجود الماء الذي يكفي لرفع حدثه الأكبر، ولو قلنا: إنه يعود جنبًا بوجود هذا الماء القليل لما صح تيممه الأول عن الجنابة مع وجود الماء القليل، فلما ألغينا اعتبار وجود الماء في التيمم الأول عن الجنابة، يجب أن نلغي عود الجنابة ببقاء هذا الماء إلا أن يجنب، فإذا أحدث حدثًا أصغر توضأ عنه لقدرته على الوضوء، والله أعلم.
* * *
стр. 2375
المبحث الرابع لو اجتمع حدث وخبث ووجد ماء يكفي أحدهما
مدخل في ذكر الضابط الفقهي:
• إذا تعارض واجبان قدم آكدهما، فلو كان معه ماء يكفي إحدى الطهارتين تعين تقديم طهارة الحدث؛ لأن الحدث لا يرتفع إلا بالماء، والخبث يزال بأي مزيل.
وقيل:
• يقدم طهارة الخبث؛ لأن الحدث له بدل وهو التيمم، والخبث لا بدل له، وما لا بدل له مقدم على ما له بدل.
[م-٤٠٦] إذا كان المحدث على بدنه نجاسة، ووجد ماء يكفي إحدى الطهارتين، إما النجاسة أو رفع الحدث، فماذا يقدم؟
قيل: يقدم إزالة النجاسة؛ لأنه لا بدل لها، بخلاف رفع الحدث، وهذا مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣).
стр. 2376
وقيل: يتوضأ به، ويصلي بالنجاسة، وهو قول أبي يوسف وحماد (١)، واختاره بعض المالكية.
قال في مواهب الجليل: «قال ابن عبد السلام: وأظن أني وقفت لأبي عمران على أنه يتوضأ، ويصلي بالنجاسة، وكان بعض أشياخي ينقله عنه، ويحتج بأن طهارة الخبث مختلف في وجوبها، وذكر ابن هارون أنه اختلف في ذلك، فقيل: يصلي بالنجاسة، ويتوضأ، وقيل: يزيل به النجاسة، ويتيمم، وجزم ابن رشد في رسم سلف من سماع عيسى من ابن القاسم من كتاب الطهارة، بأنه يزيل النجاسة، ويتيمم، وكذلك
ابن العربي وصاحب الطراز، ذكره في الكلام على سؤر ما لا يتوقى النجاسة.
قال الحطاب: «وهذا إذا لم يمكنه جمع الماء من أعضائه طهورًا، وأما إن أمكنه جمعه طهورًا من غير تغير فإنه يتوضأ به، ويجمعه، ويغسل به النجاسة؛ لأنه طهور على المشهور» (٢).
قلت: جمع الماء المتساقط ليس معروفًا عن السلف.
وقال العز أيضًا: «إذا وجد المحرم ما يكفيه لطهارة الحدث، أو لغسل الطيب العالق به، فإن يغسل به الطيب تحصيلًا لمصلحة التنزه منه في حال الإحرام، ويتيمم عن الحدث تحصيلًا لمصلحة بدل طهارة الحدث، ولو عكس ذلك لفاتت إحدى المصلحتين» (٣).
وهذه أخف من السابقة؛ لأن الطيب لا يعتبر نجاسة، وإن كان من المحظورات.
وعندي أن القيام بالوضوء أهم من القيام بغسل النجاسة.
أولًا: أن الوضوء فعل مأمور، وغسل النجاسة ترك محظور، وفعل المأمور
стр. 2377
لا يسقط بالنسيان، بخلاف المحظور، فلو صلى بدون طهارة لم تصح صلاته، وطلب منه إعادة الفعل بخلاف ما لو صلى ناسيًا وجود النجاسة على بدنه، فإن صلاته صحيحة.
ثانيًا: أن طهارة الحدث شرط لصحة الصلاة بلا خلاف، بخلاف إزالة النجاسة فإنه مختلف فيها، هل التخلي عنها شرط أو واجب أو مستحب، وما اتفق على اعتباره أولى بالتقديم، والله أعلم.
ثالثًا: من اهتمام الشارع بطهارة الحدث أنه جعل لها بديلًا عند عدم الماء، وهذا لأهميتها، بينما طهارة الخبث لم يجعل لها بدلًا.
رابعًا: أن طهارة الحدث لا يرفعها إلا الماء، وطهارة الخبث تزال بأي مزيل.
* * *
стр. 2378
الفصل الثاني في تعذر استعمال الماء
المبحث الأول في تيمم المريض
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• العلة في مشروعية التيمم هو العجز عن الوصول للماء نصًا، ويلحق به العجز الشرعي؛ لأن العجز الشرعي كالعجز الحسي.
[م-٤٠٧] اختلف أهل العلم في تيمم المريض:
فقيل: المريض لا يتيمم أصلًا مع وجود الماء، حتى ولو خشي التلف، وهذا القول منسوب إلى الحسن وعطاء (١).
• وحجتهما في ذلك:
بأن الله أباح التيمم للمريض والمسافر بشرط عدم الماء، فقال تعالى: (وَإِن
стр. 2379
كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦].
قال ابن عبد البر: «ولولا قول الجمهور، وما روي من الأثر (١)، كان قول عطاء صحيحًا، والله أعلم» (٢).
وهذا القول ضعيف جدًا؛ لأنه لو لم يجز التيمم إلا لفقد الماء لكان ذكر المرض لا فائدة له.
ومن حيث المعنى، فإن فائدة وجود الماء: هو الاستعمال والانتفاع، وذلك بالقدرة على ذلك، فمعنى قوله: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) أي: فلم تقدروا؛ ليتضمن ذلك الوجوه المتقدمة المذكورة: وهي المرض والسفر، فإن المريض واجد للماء صورة، ولكنه لما لم يتمكن من استعماله لضرر، صار معدمًا حكمًا؛ فالمعنى الذي يجمع نشر الكلام (فلم تقدروا على استعمال الماء) وهذا يعم المرض والصحة إذا خاف من أخذ الماء لصًا أو سبعًا، ويجمع الحضر والسفر، وهذا هو العلم الصريح، والفقه الصحيح، والأصوب بالتصحيح، ألا ترى أنه لو وجده زائدًا عن قيمته جعله معدمًا حكمًا، وقيل له: تيمم، فتبين أن المراد: هو الوجود الحكمي، وليس الوجود الحسي (٣).
وقد حكى الإجماع جماعة من أهل العلم على أن المريض يباح له التيمم،
قال السرخسي: «وأما إذا كان يخاف الهلاك باستعمال الماء، فالتيمم جائز له بالاتفاق» (٤).
وقال ابن عبد البر: «أجمع علماء الأمصار بالحجاز والعراق والشام والمشرق والمغرب
стр. 2380
فيما علمت أن التيمم بالصعيد عند عدم الماء طهور كل مريض أو مسافر ... » (١).
وقال القاضي ابن رشد: «أمر الله المسافر والمريض بالتيمم للصلاة عند عدم الماء، وأجمع أهل العلم على وجوب التيمم عليهما» (٢).
وحكاية الإجماع مع خلاف الحسن وعطاء فيه نظر، إلا أن ذلك مشروط بصحة نسبة هذا القول عنهما، إلا أن يقال: قد انعقد الإجماع بعدهما، فيمن يجوز الإجماع اللاحق ويمحي به الخلاف السابق، والله أعلم.
وقد شكك في صحة هذا القول عنهما ابن رجب في شرحه للبخاري، فقال: «وهذا بعيد الصحة عنهما» (٣).
ولم أقف على إسناد عنهما لأنظر في صحته، وإنما حكاه عنهم جماعة من أهل العلم منهم ابن المنذر والنووي وابن عبد البر وابن قدامة وابن حزم وغيرهم، وسبق العزو إليهم (٤).
стр. 2381
وقد روي عن الحسن مسندًا خلاف هذا القول (١).
وقيل: يباح التيمم للمريض بالجملة، واختلفوا في المريض الذي يباح له التيمم:
فقيل: يباح لكل مريض يجد أن في استعمال الماء حرجًا ومشقة، حتى ولو كان استعمال الماء لا يزيد في علته، ولا يؤخر البرء. وهذا منسوب إلى أهل الظاهر (٢).
وقيل: يباح التيمم إذا كان استعمال الماء يزيد في المرض أو يتسبب في تأخير البرء، وهو مذهب الجمهور (٣)، وأحد القولين في مذهب الشافعي (٤).
وقيل: لا يباح التيمم إلا إذا كان يخشى التلف لنفسه، أو عضوه من استعمال الماء، أو حدوث مرض يخاف منه تلف النفس، أو العضو، أو فوات منفعة العضو، حكي هذا القول عن مالك (٥)، وهو أحد القولين في مذهب الشافعية (٦)، ورواية عن أحمد (٧).
стр. 2382
وألحق المالكية والحنابلة بالمريض الصحيح إذا خشي نزلة أو حمى (١).
هذا ملخص الأقوال في المريض، رجعت إلى أربعة أقوال:
الأول: لا يتيمم المريض مع وجود الماء، ولا يصح التيمم إلا مع فقد الماء، وهذا سبق ذكر دليله والرد عليه.
الثاني: يتيمم المريض إذا كان في استعمال الماء حرج ومشقة، ولو لم يكن في استعمال الماء زيادة في المرض، أو تأخير للبرء.
الثالث: يتيمم إذا خاف زيادة المرض، أو تأخير البرء.
الرابع: لا يتيمم إلا أن يخاف التلف لنفسه، أو عضوه، أو فوات منفعة عضو من أعضائه.
• دليل من قال: يكفي للتيمم وجود الحرج والمشقة، ولا يشترط الضرر:
استدل بقوله تعالى: (وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ) [المائدة: ٦]، فذكر الأعذار المبيحة للتيمم، ثم قال: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ) [المائدة: ٦].
فقوله: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ) فوجود فكل حرج ومشقة فالمقصد الشرعي من مشروعية التيمم للمريض ما ذكره الله بقوله: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ) فحرج: نكرة، في سياق النفي، فتعم نفي أي حرج ومشقة، فكل حرج ومشقة زائدًا عن المشقة المعتادة التي لا تنفك عن العبادة مع قيام المرض يبح له التيمم، ولم يوجد في الآية نص على اشتراط زيادة المرض باستعمال الماء، أو تأخير البرء، فهذان الشرطان زيادة على ما في الآية الكريمة،
стр. 2383
وإذا كنتم تشترطون الضرر باستعمال الماء، فإن وجود الحرج والمشقة نوع من الضرر المعتبر شرعًا، وإذا كنا نبيح للمريض الفطر إذا شق عليه الصيام بسبب المرض، ولا نشترط أن يكون الصيام سببًا في زيادة المرض أو تأخير العافية، فكذلك في التيمم.
• وقد يُجاب عن ذلك:
بأن الحرج والمشقة لا ضابط لهما، وأن الناس يتفاوتون في هذا، فمنهم من يرى أن مس الماء البارد في ليالي الشتاء الباردة فيه حرج ومشقة حتى ولو لم يكن مريضًا، ومنهم من لا يشعر بالمشقة الكبيرة خاصة إذا كان ذلك على سبيل القربة، فلا بد من ضابط يمكن طرده لجميع الناس، فلا يصح التيمم إلا مع خوف الضرر من استعمال الماء، أو زيادة المرض.
• ويرد على ذلك:
بأن الناس كما هم متفاوتون في اعتبار الحرج والمشقة متفاوتون أيضًا في تقدير الضرر، والناس مؤتمنون على مثل ذلك، والخطأ في ذلك مغفور إذا عمل الإنسان بغلبة ظنه.
• دليل من قال: يتيمم المريض إذا خاف زيادة المرض أو تأخر البرء:
يجب على الإنسان أن يحفظ بدنه من كل شيء يضره، وإذا أخبر طبيب حاذق بأن أكل المباح يلحق به ضرر في بدنه حرم عليه أكله، فكذلك الواجبات تسقط عن الإنسان إذا كان يترتب على القيام بها ضرر في بدنه أو في ماله، وزيادة المرض أو تأخير البرء لا شك أنه ضرر يلحق بالإنسان، فيجب عليه دفعه، وقد قال : (وَإِن كُنتُم مَّرْضَى) فأباح التيمم للمريض، ومعلوم أن المرض الذي لا يتأثر من استعمال الماء كالصداع ووجع الضرس هو والصحيح سواء في استعمال الماء، وبالتالي لا يباح له التيمم، كما أن اشتراط خوف التلف لم يذكر في الآية.
وإذا كان خوف التلف يبيح التيمم فكذلك خوف المرض؛ لأن المرض محذور
стр. 2384
كما أن التلف محذور،
وإذا كان كثير من الفقهاء يقولون: إذا زاد الماء على قدر قيمته لم يلزمه شراؤه صيانة للمال، في الوقت الذي يلزمونه بالتيمم ولو كان ذلك سببًا في زيادة المرض وتأخير البرء، أليس حفظ البدن أولى من حفظ المال؟ (١).
• دليل من قال: يشترط خوف التلف:
الدليل الأول:
من الكتاب قوله تعالى: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) [البقرة: ١٩٥].
وقال تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً) [النساء: ٢٩].
الدليل الثاني:
(٩٥٨ - ٣٥) من السنة ما رواه أحمد في مسنده، قال: ثنا حسن بن موسى، قال: حدثنا ابن لهيعة، قال: ثنا يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن ابن جبير،
عن عمرو بن العاص أنه قال: لما بعثه رسول الله ﷺ عام ذات السلاسل، قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت، ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال: فلما قدمنا على رسول الله ﷺ ذكرت ذلك له، فقال: يا عمرو صليت بأصحابك، وأنت جنب؟ قال: قلت: نعم يا رسول الله إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وذكرت قول الله : (وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً) [النساء: ٢٩]، فتيممت، ثم صليت. فضحك رسول الله ﷺ ، ولم يقل شيئًا.
[ضعيف] (٢).
стр. 2385
الدليل الثاني:
(٩٥٩ - ٣٦) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا موسى بن عبد الرحمن الأنطاكي، حدثنا محمد بن سلمة، عن الزبير بن خريق، عن عطاء،
عن جابر، قال: خرجنا في سفر، فأصاب رجلًا منا حجر فشجه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه، فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة، وأنت تقدر على الماء، فاغتسل، فمات، فلما قدمنا على النبي ﷺ أخبر بذلك، فقال: قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا؛ فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب ـ شك موسى ـ على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده (١).
[ضعيف، وزيادة (ويعصر أو يعصب) ثم يمسح عليها زيادة منكرة] (٢).
وجه الاستدلال من الحديثين:
أن الرسول ﷺ ، أنكر على عمرو بن العاص ﵁ أن يصلي بأصحابه، وهو جنب، وحين ذكر له أنه خشي على نفسه الهلكة أقره ﵊، ومثله إنكاره ترك التيمم في الحال الذي يخشى على نفسه من الهلكة، فلا يتيمم الإنسان إلا في مثل هذه الحالة.
• ويُجاب:
نحن لا ننكر أنه إذا خاف على نفسه الهلكة أنه يشرع له التيمم، ولكن أين الدليل على أنه لا يشرع التيمم إلا في مثل هذه الحالة، وكما سبق وذكرنا إذا كان خوف التلف محذورًا، فكذلك خوف المرض وطول مدته محذور أيضًا، وليس في كتاب الله إلا اشتراط المرض.